النص المفهرس

صفحات 81-100

/
- ٨١ ٢
بعده ، وقد أمر بقطع يد السارق ثم بان له أنه لم يسرق ) فدل أنه حكم بخلاف
مافى نفس الأمر ، وهذا مبنى على أن فعل علىّ عليه السلام حجة (وقد كان
يحلّف من اتهمه فى الرواية ثم يقبله، والله أعلم)مع أنه بحلفه لا ترتفع إلا النجمة
ولا يعلم به مافى نفس الأمر
( قال زين الدين: فمن أولئك الذين كانوا يكذبون حسبة وتقرباً إلى الله
أبو عصمة نوح بن أبي مريم المروزی قاضی مرو) وعلمها ، قال الذهبي : يقال له:
الجامع ، لأنه أخذ الفقه عن أبى حنيفة وابن أبى ليلى ، والحديث عن حجاج بن
أرطة، والتفسير عن الكلبى ومقاتل، والمغازى عن ابن إسحاق، ولى قضاء مرو
فى خلافة المنصور، وامتدت حياته ، سئل عنه ابن المبارك فقال: هو يقول لا إله
إلا الله، وقال أحمد : لم يكن بذلك فى الحديث ، وقال مسلم وغيره : متروك
الحديث (وروى الحاكم بسنده إلى أبى عمار المروزى أنه قيل لأبى عصمة : من
أين لك عن عكرمة عن ابن عباس فى فضائل القرآن سورة سورة ، وليس عند
أصحاب عكرمة هذا ؟ فقال: إنى رأيت الناس قد أعرضوا عن القرآن واشتغلوا
بفقه أبى حنيفة ومغازى ابن إسحاق فوضعت هذا الحديث حسبة) فيه أن
انفراد الراوى مظنة تهمة ، فلذا سألوه ، وهذا مثال تصريح الواضع بالوضع
( وكان يقال لأبى عصمة هذا: نوح الجامع) لجمعه الكالات كما عرفت ما سقناه
(فقال أبو حاتم: جمع كل شىء إلا الصدق) قال البخارى: منكر الحديث، وقال
ابنعدى : عامة ماروى عنه لايتابع عليه ، قال انذهبى : ومع ضعفه فهو من يكتب
حديثه، ذكر ذلك فى الميزان ( وقال الحاكم: وضع حديث فضائل القرآن،
وروى ابن حبان فى مقدمة كتاب تاريخ الضعفاء عن ابن مهدى قال : قلت
لميسرة بن عبد ربه) وميسرة بفتح الميم ومثناة تحتية ساكنة هو الفارسى، وهو
ميسرة بن عبد ربه البصرى ، الأ كال كان يأكل كثيراً ، روى عن ليث .
ابن أبى سليم وابن جريج وموسى بن عبيدة والأوزاعى وعنه جمساعة ( من أين
(٦ - تنقيح ٢)

٠ - ٨٢-
جئت بهذه الأحاديث: مَنْ قرأ كذا فله كذا ؟ قال: وضعتها أرغِّب الناس بها)
وفى الميزان أنه قال لميسرة هد بن عيسى بن الطباع هذا الكلام فى السؤال والجواب
بلفظه إلا أنه قال ((وضعته)) لا يبعد أن كل واحد من ابن مهدى ومحمد بن عيسى سأله
قال: وكان ميسرة ممن يروى الموضوعات عن الأثبات، قال أبو داود : أقر بوضع
الحديث، وقال الدارقطنى: متروك ، وقال أبوحاتم: كان يفتعل الحديث، روى
فى فضائل قزوين أربعين حديثاً ، وكان يقول إنى أحتسب فى ذلك،قال البخارى:
ميسرة بن عبد ربه رمى بالكذب (وهكذا حديث أبى ) ابن كعب ( الطويل
فى فضائل القرآن سورة سورة) أى موضوع (فروينا عن المؤمل) بزنة اسم المفعول
أو الفاعل، وهو أبو عبد الرحمن البصرى مولى آل عمر بن الخطاب حافظ عالم
يخطىء، وثقه ابن معين، وقال أبو حاتم: صدوق شديد فى السنة كثير الخطأ، وقال
البخارى: منكر الحديث، قاله فى الميزان ( ابن إسماعيل أنه قال: حدثنى به
شيخ ،فقلت للشيخ : من حدثك ؟ فقال : حدثنى رجل بالمدائن ، وهو حى،
فصرت إليه، فقلت : من حدثك ؟ فقال : حدثنى شيخ بالبصرة، فصرت إليه
فقالى : حدثنى شيخ بعبادان) هى جزيرة أحاط بها شعبنا دجلة ساكبتين فى بحر
فارس ( فصرت إليه فأخذ بيدى ، فأدخلنى بيناً فاذا فيه قوم من المتصوفة ،
ومعهم شيخ فقال : هذا الشيخ حدثى ، فقلت : ياشيخ من حدثك ، قال : لم
يحدثنى أحد ، ولكنا رأينا الناس قد رغبوا عن القرآن ، فوضعنا لهم هذا
الحديث ليصرفوا قلوبهم إلى القرآن ) هكذا ساق القصة زين الدين فى شرحه
وساقها الحافظ ابن حجر فى نكته بزيادة فزاد بعد قوله حدثى رجلى بالمدائن ،
وهو حى (( فصرت إليه ، فقلت : من حدثك ، فقال حدثى شيخ بواسط ،
فصرت إليه إلى أن قال حدثنى شيخ بالبصرة)) (قال) أى زين الدين (وكل
من أودع حديث أبى المذكور فى تفسيره ، كالواحدى والثعلبى والزمخشرى )
قلت : والبيضاوى وأبى السعود( مخطىء فى ذلك) لأنه روی ماهو كذب باقرار

- ٨٣ ٢
وأضعه (لكن من أبرز إسناده منهم فهو أبسط لعذره، إذ قد أحال ناظره على
الكشف عن سنده) تمام كلام زين الدين ((وأما من لم يذكر سنده فأورده
بصيغة الجزم فخطاؤه أشد كالزمخشرى »
قال الحافظ ابن حجر: والاكتفاء عن الحوالة على الاكتفاء بالنظر فى
البند طريقة معروفة لكثير من المحدثين ، وعليها يحمل ما صدر عن كثير منهم
من إيراد الأحاديث الساقطة معرضين عن بيانها صريحاً ، وقد وقع هذا لجماعة
من كبار الأئمة ، وكان ذكر الاسناد عندهم من جملة البيان ، انتهى
قلت : ولا يتوهم الناظر أنه لم يثبت حديث فى فضائل سور من القرآن ،
فقد ثبتت أحاديث فى سور معينة كالصمد وغيرها ، منها ما هو صحيح، ومنها ما
هو حسن، وقد أودعها الجلال السيوطى فى كتابه («الدر المنثور)).
(قلت: بل من لم يعتقد وضعه أعذر عن ذلك، إذ كل ناظر إلى الإسناد لا يعرف
أنه أسنده لهذه العلة، بل ولا يتهم ذلك، ويقل فى أهل المعارف من يتمكن من
البحث فى الاستاد فكيف بغيرهم ) لا يخفى قوة كلام المصنف هذا على منصف
( قال زين الدين: وذكر الامام أبو بكر محمد بن منصور السمعانى أن بعض
الكرامية) بتشديد الراء- نسبة إلى أبى عبد الله محمدبن كرام السجستانى، وكان
عابداً زاهداً إلا أنه خذل، كما قال ابن حبان ، فالتقط من المذاهب أرداها ومن
الأحاديث أوهاها ، وأطال الذهبى فى الميزان فى ترجمته، وبيان فساد أحواله،
وقيل : كرام بالتخفيف ، وأنشد عليه ابن الوكيل قول الشاعر:
الفقه فقه أبى حنيفة وحده والدين دين محمد بن كرام
وقبله :
إن الذين لجهلهم لم يقتدوا فى الدين بابن كرام غير كرام
وهما لأبى الفتح البستى.
( ذهب إلى جواز وضع الحديث عن النبى صلى الله عليه وسلم فيما لا يتعلق

- ٨٤ -
. به حكم من الثواب والعقاب، ترغيباً للناس فى الطاعة وزجراً لهم عن المعصية )
يقال : هذا أيضاً يتعلق به ثواب وعقاب .
(واستدلوا) لما أجاروه بأدلة:
أحدها : قوله (بما روى فى بعض طرق الحديث ((مَنْ كَذْب علىَّ متعمداً
ليضل به الناس فليتبوأ مقعده من النار)) ) أخرجه الطبرانى عن عمرو بن حريث
وأبو نعيم فى الخلية عن ابن مسعود، قالوا : فتُحمل الروايات المطلقة على الروايات
المقيدة، كما يتعين حمل الروايات المطلقة عن التعمد على المقيدة به .
وأجيب بأن قوله ((ليضل به الناس)) مما اتفق الحفاظ على أنها زيادة ضعيفة،
وأقوى طرقها ما رواه الحاكم وضعفه من طريق يونس بن بكر عن الأعمش عن
طلحة بن مصرف عن عمرو بن شرجيل عن ابن مسعود، قال الحاكم: وَهِم
يونس فى موضعين : أحدهما : أنه أسقط بين طلحة وعمرو رجلا، وهو أبو عمار،
الثانى: أنه وصله بذكر ابن مسعود، وإنما هو مرسل ، وعلى تقدير قبول هذه
الزيادة فلا تعلق لهم بها، لأن لها وجهين صحيحين : أحدهما : أن اللام فى قوله
(( ليضل)) لام العاقبة، من باب ((ليكون لهم عدواً وحزنا)» قلت : فيه تأمل
لأن معنى لام العاقبة هنا : ليكون عاقبة كذبه إضلال الناس، وهم لا يضاون
بكذبه ، لأن كذب الكاذب عليه صلى الله عليه وسلم إما أن يعلمه الناس أو
يجهلونه(١) ، إن علموا أنه كذب فضلا لهم من حيث إنهم عملوا بالحديث الكاذب
ولو كان من غير تعمد لاضلالهم، وإن عملوا به مع جهلهم كونه كذبا فلا ضلال ،
بل هم مأجورون لما عرفت قريباً من أنهم غير مخاطبين بما فى نفس الأمر، على
أن حمل اللام على ذلك لا يُجدى نفعا لأن مراد المستدل بمفهوم ((ليضل الناس))
أنه إن وضع ما لا إضلال فيه الناس فانه غير داخل فى الوعيد ، فكيف يصح
عليه بأنها تحمل اللام للعاقبة ، وكأنه يقول من حملها على ذلك: إنه لا مفهوم لها،
(١) كذا، ولها وجه فى العربية ، إلا أنه غير المشهور.

- ٨٥-
ولا نسلم ، فانه باطل بالوجه الأول فتأمل ، وثانيهما: أنها للتأكيد ، ولا مفهوم لها،
من باب ((فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا ليضل الناسـالآية)) لأن الافتراء
على الله محرم ، سواء قصد به إضلال الناس أولا .
( وحمل بعضهم حديث (( من كذب علىَّ متعمداً» على من قال إنه ساحر أو
مجنون) واستدلوا لذلك بحديث أبى أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
(( من كذب على متعمدا فليتبوأ مقعده بين عينى جهنم، قالوا : يا رسول الله،
تحدِّث عنك بالحديث فتزيد وننقص ، قال: ليس ذلك أعنيكم، إنما أعنى الذى
كذب على متحدثا يطلب به شَيْنَ الاسلام)) الحديث أخرجه الطبرانى فى الكبير،
وابن مردويه ، وجوابه ماقاله الحاكم: إنه حديث باطل ، فيه محمد بن الفضل بن
عطية العوفى ، اتفقوا على تكذيبه، وقال صالح جزره : كان يضع الحديث.
( وقال بعض المخذولين) ممن أجاز الكذب عليه صلى الله عليه وسلم ترغيباً
وترهيباً ( إنما قال من كذب على ، ونحن نكذب له ونقوى شرعه) وجوابه ان
هذا جهل منهم باللغة، لأنه كذب عليه فى وضع الأحكام، فان المندوب قسم منها،
ولأنه يتضمن الأخبار عن الله فى الوعد على ذلك العمل بالانابة والأخبار بالعقوبة
المعينة، ولأنه تعالى قال ((اليوم أكملت لكم دينكم - الآية)) فلا يحتاج إلى زيادة
لتقويته كما قالوه ( نسأل الله السلامة من الخذلان، وروى العقيلى باسناده إلى محمد بن
سعيد، كأنه المصلوب) كذا فى شرح الزين لألفيته بالآتيان بكلمة الشك، وفى
الميزان فى ترجمة محمد بن سعيد المصلوب: قال أبو زرعة الدمشقى: حدثنا محمود بن
خالد عن أبيه سمعت محمد بن سعيد يقول ( لا بأس إذا كان كلاماً حسناً أن يضع له
إسناداً ) قال الذهبي: اتهم بالزندقة فصلب ، وفى نكت البقاعى: قال عن عبد الله
ابن أحمد عن أبيه أنه قتله أبو جعفر على الزندقة ، حديثه حديث موضوع .
( قلت : مثل هذا لا يخفى جوابه، فان الكذب على الله وعلى رسوله بالجملة
معلوم بحريمه من الدين ضرورة) فان القرآن مملوء بذلك فى حقه تعالى، والسنة فى
حق رسوله صلى الله عليه وسلم، ولأن الافتراء على الرسل افتراء على الله ، هذا

٤
- ٨٦-
بالنسبة إلى الجملة ( وبالنسبة إلى الترغيب والترهيب معلوم تحريمه بالاستدلال
بمجموع الكتاب والسنة والإجماع المعلوم قبل حدوث هؤلاء) الزاعمين جوازه
(فانّ تكرر تلك العمومات) القرآنية مثل ((ومن أظلم ممن افترى على الله الذنب))
ونحو (( من كذب على متعمداً)) (والظواهر) عطف عام على خاص، أو تفسيرى
(من غير التفات) من أحد من العلماء (إلى تخصيص على طول الأزمان يؤثر فى نفس
المتأمل القطع على عدم هذا التخصيص، ومستند القطع بعد النظر التام والتأمل ضرورى
حاصل من مجموع تلك الأمور مع القرائن، وقد ذكر) الامام فخر الدين (الراوى)
المعروف بابن الخطيب صاحب مفاتيح الغيب وغيره ( فى المحصول) كتابه الذى
ألفه فى أصول الفقه (أن العلم بمقصود المتكلم) من ألفاظه ( إنما يحصل بالقرائن)
التى تحفه، وذلك (لأن أصرح الألفاظ النص، وهو محتمل) إن وزد ( فى أمور
التحريم النسخ) وإن كان احتمالا مرجوجا (وفيها) أى ألفاظ النص محتماًٌ"
(وفى غيرها لأمور كثيرة من التجوز والاشتراك والاضار والتخصيص وغير
ذلك) حتى إن الاسم العلم الذى هو أبلغ نص فى مسماه يحتمل التجوز فانك
إذا قلت (( جاء زيد)) احتمل أنك تريد غلام زيد ( وغاية ما يقول المستدل)
بالنصوص ( أنهذه الأمور) المذكورة بالاحتمال (منتفية عن النص، لكن دليله
على ذلك) الانتفاء (عدم الوجدان، وهو ظنى) وحينئذ فلا يحصل علم ضرورى
عن النصوص ( فأجاب عن هذا ) الايراد بالتزامه ، وأن النص من حيث هو
مص لا يفيد إلا الظن، ولكن قد يحصل العلم منه ( بأنا قد نعلم بعض المقاصد)
من الألفاظ (بالضرورة الصادرة عن القرائن التى لا ترفع بالشك ) فيتم حينئذ
ما ادعاه المصنف من أنه قد يحصل القطع من تلك الأمور مع القرائن (قلت:
وما نزل عن مرتبة العلم) من المطالب ( فليس علينا تكليف فى رفعه إليها). إلى
مرتبة العلم (بل نقف حيث وقف الدليل) من إفادة علم أو ظن (ومثال ذلك ) أى
مثال ما يحتمل غير المراد وتبين المراد فيه القرائن وتصيره قطعيا ( قوله تعالى

-٨٧-
((فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر» فانا نعلم) مع احتماله للاباحة (بالقرائن أن
هذا تهديد لا إباحة، وإن كان لفظه يحتمل الاباحة، ثم) أخذ فى الرد على بعض
الكرامية ورد دليلهم بقوله (نقول الكرامية: لو جاز لنا أن نكذب فى الترغيب
والترهيب نصرةً للدين) كما قلتة ( لجاز النبى صلى الله عليه وسلم مثل ذلك،
وتجويز مثل ذلك عليه كفر بالاجماع القطعى ) قلت : لعله يقال: أماعلى رأىمن
يجيز التفويض إليه صلى الله عليه وسلم فلا يتصور الكذب فى حقه فلا يتم
الايراد (فا أدى إليه فهو كفر باطل قطعا، وقد أدى إليه مذهبهم، وذلك يؤدى
إلى الشك فى الجنة والنار أيضاً) لجواز الكذب فى الأخباربهما، وإنما ذكرهما
ترغيباً وترهيباً إلا أنه قد يقال: قدثبت الأخباربهما بالنصوص القرآنية، والكلام
فى الأخبار النبوية، إذ لا نزاع أن القرآن كلام الله سبحانه وتعالى، إلا أنه
يقال: تجويز الكذب عليه صلى الله عليه وسلم يلزم منه جواز أن القرآن من
كلامه، وهذا خروج عن الاسلام (وليس هذاموضع بسط الرد عليهم، لكن
هذه فائدة على قدر هذا المختصر، قال زين الدين: وحكى القرطبى ) بضم القاف -.
نسبة إلى قرطبة، مدينة الأندلس ( فى المفهم) بزتقاسم الفاعل شرح على مسلم
(عن بعض أهل الرأى) هم عند الاطلاق مراد بهم الحنفية ( إن ما وافق القياس الجلى
جاز أن يعزى) ينسب ( إلى النبى صلى الله عليه وسلم ، وروى ابن حبان فى
مقدمة تاريخ الضعفاء باسناده إلى عبد الله بن يزيد المقرى أن رجلا من أهل
البدع رجع عن بدعته وتاب عنها فجعل يقول : انظروا إلى هذا الحديث عمن
تأخذونه فانا كنا إذا رأينا رأيا جعلنا له حديثاً، قلت: لعل من جملة بدعة هذا
الرجل القول بجواز الكذب فى نصرة ما اعتقده حقا إذ ليس كل صاحب بدعة
كذلك ) أى يقول بجواز الكذب لنصرة مذهبه( وأما الكذب فيشترك فى
ارتكابه المبتدع والمحق، وكذلك الصدق) مشترك فى وقوعه منهما (فكم من
صحيح العقيدة فاسق كذاب) إذ لا بلازمة بين صحة العقيدة وعدم الفسق والكذب

٠٠-٨٨ --
(ومن مبتدع ناسك أواب) لعدم التلازم أيضاً بين الأمرين (نسأل الله التوفيق
للسلامة من كلاهاتين المعصيتين ).
فائدة - فى حكم تعمد الكذب عليه صلى الله عليه وسلم ( والجمهور على أن
تعمد الكذب على الله ورسوله صلى الله عليه وسلم كبيرة) لأنه قد صبق عليها
رسم الكبيرة بأنه ما توعد عليه بالعذاب (وقال الجوينى : إنها) أى هذه
الكبيرة ( كفر، ويدل على قوله قول الله تعالى ((فمن أظل من افترى على الله كذبا
أو كذب بآياته إنه لا يفلح المجرمون)) فسوى) فى الآية ( بين الكذب على الله
وتكذيبه) ولا شك أن تكذيبه كفر، وأن الكذب على الرسول صلى الله
عليه وسلم كالكذب على الله تعالى (واستنكر) الرب تعالى حيث أتى بالاستفهام
الأنكارى ( أن يكون ذنب) أى ظلم (أعظم من ذلك، قال) الجوينى (ولأنه
قد يكذب) من يكذب على الله أو رسوله (مايرفع) الحكم (الضرورى) وذلك
(على الصحيح) من القولين ( فى نسخ المتواتر) الذى أفاد الضرورة (بالآحاد)
الذى فرض وضع الراوى له (ورفع الضرورى كفر) لأنه تكذيب للشارع
وهو كفر ، و(لأن الكذب فى الشريعة يدل على الاستهانة بها) ضرورة
(والله أعلم) وهذا من المصنف تقوية لكلام الجوينى.
( قال زين الدين : ومن أقسام الموضوع ما لم يقصد وضعه، وإنما وهم فيه
بعض الرواة ) فسماه موضوعا ( قال ابن الصلاح: إنه شبه الوضع) من حيث إنه
ليس بحديث فى إرادة قائله ولا واضعه ( مثل حديث (( من كثرت صلاته بالليل
حسن وجهه بالنهار)) رواه ابن ماجه من حديث) إسماعيل بن محمد الطلحى كمافى
شرح الزين عن (ثابت بن موسى الزاهد عن شريك عن الأعمش عن أبى سفيان
عن جابر مرفوعا، قال الحاكم) أبو عبد الله محمد بن عبد الله (دخل ثابت على
شريك ، والمستملى بين يديه) بين يدى شريك (وشريك يقول: حدثنا الأعمش
عن أبى سفيان عن جابر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلمٍ، ولم يذكر)

:.
-٨٩-
شريك (المتن) أى متن السند الذى ساقه ( فلما نظر) شريك (إلى ثابت بن موسى)
عند دخوله عليه وفراغه من إملاء السند (قال) شريك يخاطب ثابتا (من كثرت
صلاته بالليل حسن وجهه بالنبار، وإنما أراد ) شريك بقوله من كثرت صلاته إلخ
(ثابتاً لزهده وورعه) فأعرض عن ذكر متن ماساق سنده إلى وصف ثابت بكثرة
صلاته بالليل وحسن وجهه بالنهار (فظن ثابت أنه) أى شريكا (روى هذا الحديث)
إلى آخر الكلام ( مرفوعاً بهذا الاسناد ) ولا عجب من ظن ثابت لأن شبهته فى
ظنه قوية فان شريكا عقب قوله قال رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله من كثرت
صلاته إلخ (فكان ثابت يحدث عن شريك عن الأعمش عن أبى سفيان عن
جابر) قال ابن حبان: وهذا قول شريك قاله عقب حديث الأعمش عن أبى
سفيان عن جابر ((يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم)) فأدرجه ثابت فى الخبر
ثم سرقه منه جماعة ضعفاء فحدثوا به عن شريك، فعلى هذا هو من أقسام
المدرج، قاله زين الدين ( ونحو هذه القصة ما قاله محمد بن عبد الله بن غير) لفظ
الزين ((قال أبو حاتم الرازى: كتبته عن ثابت فذكرته لابن نمير، فقال:
الشيخ - يعنى ثابتا - لا بأس به، والحديث منكر، قال ابن عدى: بلغنا عن محمد
ابن عبد الله بن نمير أنه ذكرله هذا الحديث عن ثابت ، فقال: باطل ، شبه على
ثابت، وذكر أن شريكا كان مزاجاً وكان ثابت رجلا صالحاً، فيشبه أن يكون
ثابت دخل على شريك وكان شريك يقول حدثنا الأعمش عن أبى سفيان عن جابر
عن النبى صلى الله عليه وسلم فالتفت فرأى ثابتاً فقال يمازحه: من كثرت صلاته
الليل حسن وجهه بالنهار ، فظن ثابت لغفلته أن هذا الكلام حديث، ذكر
هذا الذهبى فى الميزان .
(وقال ابن عدى: إنه) أى من كثرث صلاته إلخ (حديث منكر لا يعرف
إلا بثابت، وسرقه منه من الضعفاء عبد الحميد بن بحر) فى الميزان أنه بصرى
روى عن مالك ، قال ابن حبان: كان يسرق الحديث، وكذا قال ابن عدى

-٩٠ ٣
(وعبدالله بن شبرمة الشريكى) وليس هو ابن شبرمة الفقيه، فقد غلط من اعترض
وقال: ابن شبرمة ثقة فقيه، وقال البقاعى: لم أرله ذكرا، أى لعبد الله بن شبرمة، مع
الفحص عنه وأظنه عبد الله بن شبيب الربمى تصحف على النقلة، وكنيته أبو سعيد،
وهو أخبارى علامة، قال شيخنا فى لسان الميزان: يروى عن أصحاب مالك وآخر من
حدث عنه المحاملى وأبو روق الهزاهزى لكنه واهٍ بمرة (وإسحاق بن بشر الكاهلى)
فى الميزان إنه كذبه على بن المدينى ؛ وقال ابن حبان : لا يحل كتب حديثه إلا
للتعجب (وموسى بن محمد أبو الطاهر المقدسى) فى لسان الميزان: إِنه ابن عطاء
الدمياطى البلقاوى الرملى المقدسى ، أبو طهر، روى عن مالك وشريك ، قال
ابن حبان : لا تحل الرواية عنه ، كان يضع الحديث (قال) أى ابن عدى :
( وحدثنا به بعض الضعفاء عن رحمويه) بالراء والحاء المهملتين، فى نسخ التنقيح
وفى شرح الزين حمويه بدون راء ، ولم أجده فى الميزان، وإنما وجدنا فيه حمويه
بن حسين ، وفى نكت البقاعى أن رحمويه اسمه زكرياء بن صبيح بالفتح الواسطى
أحد التقات ، ورحمويه لقب ( وَكذب) أى بعض الضعفاء ( فان رحمويه ثقة)
لا يحدث بمثل ذلك (وقال العقيلى: إنه حديث باطل ، ليس له أصل ولا يتابعه)
أى ثابتا ( عليه ثقة ، وقال عبد الغنى بن سعيد : كل من حدث به عن شريك
فهو غير ثقة، وقال ابن معين فى ثابت: إنه كذاب ) وقال أبوحاتم وغيره: ضعيف
وقال أبو حاتم : لا يجوز الاحتجاج بأخباره (قلت : وبمثل هذا حذرتك فيامضى
من اعتقاد قعمد الكذب فيمن أطلَقَ عليه بعضُ المحدثين أنه كذاب ، فهذا
يحيى بن معين على جلالته يطلق ذلك على نابت الورع الزاهد ، ولم يتعمد ثابت
شيئا من ذلك) أى من الكذب ( بل ولم يظهر منه كثرة الخطأ) قلت: أخرج
له النسائى لا غيره ، قال فى الميزان عن ابن عدى: إنه تفرد ثابت عن شريك
بخبرين منكرين ، ثم ذكرهما: أحدهما هذا الحديث الذى نحن بصدده، ثم ذكر
الثانى، ثم قال : ولثابت ثلاثة أحاديث معروفة ، وساقها فى الميزان ، فهذا مراد
١

-il -
المصنف من عدم كثرة الخطأ (ولذلك وثقه مطين ) بضم الميم فطاء مهملة فمدة
تحتية فنون - هو الحافظ الكبير أبو جعفر محمد بن عبد الله بن سليمان الحضرمى
الكوفى ، قال الذهبى فى التذكرة كان: من أوعية العلم، وذكر له مؤلفات ، وقال
الدارقطنى : ثقة جبل، انتهى ، قلت: لكن إذا تعارض كلامه وكلام يحيى بن
.مين فيرجح كلام يحيى، لأنه أفقه بمعرفة الرجال باتفاق الحفاظ، ولمرجح آخر
هو تقديم الجرح ( والصورة التى حكاها الحاكم ومحمد بن عبد الله بن نمير مما يوضح
أن ثابتاً رحمه الله معذور فى الوهم ، فانه سمع شريكا يسند حتى انتهى إلى جابر،
فقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من کثرت صلاته بالليل حسن وجهه
بالنهار، يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم - الحديث) تمامه ((إذا نام ثلاث
عقد يضرب على كل عقدة عليك ليل طويل فارقد ، فان استيقظ فذكر الله
انحلت عقدة، فان توضأ انحلت عقدة، فان صلى انحلت عقد هكلها، فأصبح نشطا
طيب النفس وإلا أصبح خبيث النفس كسلان، رواه مالك والشيخان وأبو داود
وابن ماجه وقوله قافية رأس أحدكم المراد مؤخره، ومنه سمى آخر بيت الشعر قافية
واعلم أن الحاكم جزم بأنه دخل ثابت على شريك فسمعه يذكر السند إلى .
آخر ما تقدم ، وأما ابن نمير فلم يجزم بذلك، بل قال كما نقله الذهبى فى الميزان:
فيشبه أن يكون ثابت دخل على شريك، إلى آخر ما قدمناه عنه
(قال ابن حبان : فمن أين لثابت ، أن أوله من قول شريك، لاسيما وقوله
بعدد « يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم)) ملائم لأول الحديث ) أى الكلام
الذى ظنه ثابت حديثا ( فانه يتعلق بتخذيل الشيطان للانسان عن قيام الليل الذى
ذكر مافيه من الفضيلة فى أول الحدیث) وهى حسن وجه من کثرت صلاته
بالقليل ( فعلى هذا) أى يتفرع على إطلاق يحيى على ثابت أنه كذاب مع ماعرفب .
من حال ثابت ( قول المحدثين فلان كذاب من قبيل الجرح المطلق الذي لم
يفسر سببه) هو وصف كاشف للمطلق (فيتوقف ) عند إطلاقه من إمام من

- ٩٢ -
أئمة الحديث ( فیمن هذه حاله) أی کحال ثابت وزهده وورعه ( حتی یعرف ۔
السبب) فى إطلاق ذلك اللفظ عليه ( إن كان) من أطلق عليه (ضعيفا) عمل
باطلاق ذلك اللفظ ( ويوثق) من أطلق عليه الكذب ( إن كان) من أطلق
عليه (شهيراً بالعدالة ) فاطلاق الكذب عليه لا يضره بل يوجب البحث
عنه حتى يتبين حاله (كعمرو بن عبيد) هو أبو عثمان المعتزلى البصرى كان
زاهداً وربما متألها ، قال ابن معين : لا يكتب حديثه، وقال النسائى : متروك،
وقال أيوب ويونس : يكذب ، وقال ابن حبان : كان من أهل الورع والعبادة
إلى أن أحدث ما أحدث فاعتزل مجلس الحسن هو وجماعة معه فسموا المعتزلة ،
قال: وكان يشتم الصحابة ويكذب فى الحديث، وهماً لا تعمدا، قاله الذهبى فى
الميزان وأطال فى ترجمته ( إن لم يصح أنه كان سىء الحفظ ) استثناء منقطع ،
فان سوء الحفظ لا ينافى عدالته، ولذا قال ( وإن صح ذلك ضعف ولم يكنب).
فان الكتب ينافى العدالة ولا ينافيها الضعف ( حتى لا يترك المعلوم من عدالته
إلا بجرح مثلها فى الصحة والظهور) حاصله أنها إذا ثبتت فلا يرفعها إلا جرح
ثابت لا محتمل ، ووصفهم بالكذب للمشاهير بالعدالة لا يريدون به حقيقته
بن مطلق التضعيف مجازاً، ولذا قال ابن حبان فى عمرو: يكذب فى الحديث وهماً
لا تعمداً ، فإن الحقيقة فى الكذب الذى يقدح ما كان عن عمد ( أو) يخرج عن
العدالة (أمر بين السبب متعذر التأويل، وإن كان أخفى منها) من العدالة
شهرة وظهوراً
(وإنما ذكرت هذا هنا) وإن كان محله ما سيأتى ( حرصا على إظهار هذه
الفائدة الجليلة) وهى أن رمى الرجل الشهير بالعدالة بالكذب لا يوجب القدح
فيه، بل یوجي توقفا فىقبوله حتی یبین سبب ضعفه ، وإن كانالقدحبالكذب
فيمن ١ تعرف عدالته كانجرحا مبين السبب بأنه الكذب كما يدلله قوله ( فقد
جرح بمثل هذا كثير من الثقات، وما على الجارح إنم لأنه عمل بالظاهر ولم
يعل الباطن) ولا على الغافل أيضا إنه لأنه قبل قول الثقة ، ولا يخفى أن هذا

-11-
تخصيص للقاعدة المعروفة بأن الجارح أولى ، وقد صرحوا بتخصيصها ، ويأتى
الكلام فى هذا كله
( وقد اعترض على صاحبى الصحيحين ) البخارى ومسلم (بروايتهما عن
جماعة الثقات الرُّفَعاء لشىء خفيف صدر عنهم من هذا القبيل ، فتجاسر من
لا يُلتفت إلى كلامه فتكلم عليهم ) على الرفعاء وعلى الشيخين فى الاخراج عنهم
وقد تقدم كلام أبى محمد بن حزم وغيره ( والعدالة غير العصمة ، ولله الحمد ) فلا
ینافيها صدور شىء من المعاصى ، وفيه تأمل
٤٢
ولما كان الوضع دعوى تحتاج إلى معرف لها ودال عليها قال المصنف :
( قال زين الدين وابن الصلاح) كان الأولى تقديمه، إذ القول له، وهو السابق
مسألة
ء
فيما يعرف به أن الحديث موضوع
( ويعرف الوضع بالاقرار من واضعه، وما يتنزل منزلة إقراره) مثل ذلك.
الزين بما إذا حدث محدث عن شيخ ثم ذكر أن مولده فى تاريخ يعلم تأخره
عن وفاة ذلك الشيخ ، واعترض هذا بعين ما يأتى قريباً أنه يجوز أن يكذب
فى تاريخ مولده، بل يجوز أن يغلط فى التاريخ ويكون فى نفس الأمر صادقا
قال الحافظ ابن حجر: الأولى أن يمثل لذلك بما رواه البيهقى فى المدخل بسنده
الصحيح أنهم اختلفوا بحضور أحمد بن عبيد الله الجو بيارى فى سماع الحسن من
أبى هريرة فروى لهم حديثا بسنده إلى النبى صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال سمع
الحسن من أبى هريرة
٠ ٠

- ٩٤-
( قال ابن الصلاح) وزين الدين أيضا (وقد يفهمون) أئمة الحديث
(الوضع) للحديث ( من قرينة حال الراوى أو المروى ) قال الحافظ ابن حجر:
هذا الثانى هو الغالب ، وأما الأول فنادر ، قال ابن دقيق العيد : وكثيرا
ما يحكمون بذلك باعتبار يرجع إلى المروى وألفاظ الحديث، وحاصله أنها حصلت
لهم بكثرة محاولة ألفاظ النبى صلى الله عليه وسلم هيئة نفسانية وملكة يعرفون
بها ما يجوز أن يكون من ألفاظه وما لا يجوز . ثم مثل لقرينة حال الراوى بقصة
عثمان بن إبراهيم مع المهدى ، وهذا أولى من التسوية بينهما، فان معرفة الوضع من
قرينة حال المروى أكثر من قرينة حال الراوى
ومن جملة القرائن الدالة على الوضع الافراط بالوعيد الشديد على الأمر
اليسير، أو بالوعد العظيم على الفعل اليسير ، وهذا كثير موجود فى حديث
القصاص والصوفية ( فقد وضعت أحاديث طويلة يشهد بوضعها ركاكة ألفاظها.
ومعانيها) اعترض على هذا بأن ركاكة اللفظ لا تدل على الوضع حيث جوزت
الرواية بالمعنى، نعم إن صرح الراوى بأن هذه صيغة لفظ الحديث وكانت نخل
بالفصاحة أولا وجه لها فى الاعراب دل على (١) ذلك ، وقد روى الخطيب
وغيره عن الربيع بن خثيم التابعى الجليل ، بأن للحديث ضوءا كضوء النهار
يعرف، وظلمة كظلمة الليل ينكر
قلت: ومما رد بوضعه لركاكة ألفاظه ونحوها وجزم العلماء بوضعه الكتاب
الذى أبرزه يهود خيبر، وزعموا أنه كتب لهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم
(١) قد بينا فى بحثنا الذى سقناه فى مطلع المسألة أن الصواب أن ركاكة
اللفظ وحدها لا تكون دليلاعلى الوضع، إلا أن يزعم الراوى أن الذى يرويه
هو اللفظ النبوى ، فعلمنا أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان أفصح من نطق
بالضاد يعطينا أن هذا الراوى كذب فى زعمه أن هذا اللفظ الركيك يصدر عن
الذى ثبت أنه بالمنزلة العليا من الفصاحة صلوات الله وسلامه عليه .

- ٩٥ -
فى إسقاط الجزية ، وقد ساقه بلفظه الزركشى فى تخريج أحاديث الرافعى ،
وذكر أن مَنْ يعرف فصاحة ألفاظ رسول الله صلى الله عليه وسلم وجزالتها يعرف
أنه موضوع، وإن كان لوضعه أدلة واضحة ذكر منها اثنى عشر وجهاً أحدها
ماذكر وقد استوفيت ذلك فى رسالة جواب سؤال بحمد الله
( وقد استشكل ابن دقيق العيد الاعتماد على إقرار الراوى بالوضع) لأنفيه
عملا بقوله بعد اعترافه بالوضع ( فقال : هذا كافٍ فى رده ) أى الحديث
(ولكن ليس بقاطع فى كونه موضوعا، لجواز أن يكذب فى هذا الاقرار بعينه)
فهم ابن الجزرى من كلام ابن دقيق العيد أنه لا يعمل بذلك الاقرار أصلا
لا قطعاً ولا ظناً ، ورد هذا الفهم الحافظ ابن حجر، فقال : كلام ابن دقيق العيد
ظاهر فى أنه لا يستشكل الحكم بالوضع، لأن الأحكام لا يشترط فيها القطعيات
ولم يقل أحد إنه يقطع بكون الحديث موضوعا بمجرد الاقرار، لأن إقرار الواضع
بأنه وضع يقتضى موجب الحكم العمل بقوله، وإنما نفى ابن دقيق العيد القطع
يكون الحديث موضوعا بمجرد إقرار الراوى بأنه وضعه فقط، ولم يتعرض لتعليل
ذلك، ولم يقل إنه لا يلزم العمل بقوله بعد اعترافه، لأنه لا مانع من العمل بذلك
لأن اعترافه بذلك يوجب ثبوت فسقه ، وثبوت فسقه لا يمنع العمل باقراره كالقاتل
مثلا إذا اعترف بالقتل عمدا من غير تأويل، فان ذلك يوجب فسقه، ومع ذلك نقتله
عملا بموجب إقراره مع احتمال كونه فى باطن الأمر كاذباً فى ذلك الاقرار بعينه
ولذلك حكم الفقهاء على من أقر أنه شهد الزور بمقتضى إقراره مع اعترافه، وهذا
كله مع اعترافه المجرد ، أما إذا انضم إلى ذلك قرائن تقتضى صدقه فى ذلك
الاقرار كمن روى عن مالك عن نافع عن ابن عمر حديث الأعمال بالنيات فلا
تقطع أنه ليس من رواية مالك ولا نافع ولا ابن عمر مع ترددنا فى كون الراوى
له على هذه الصفة كذب أو غلط ، فإذا أقر أنه غلط لم ترتبفى ذلك
قال الحافظ ابن حجر فى نكته على ابن الصلاح بعد سَرْده لما ذكر، ما لفظه:

-٢٩٦
تنبيه - أخل المصنف بذكر أشياء ذكرها غيره مما تدل على الوضع من غير
إقرار الواضع .
منها : جعل الأصوليين من دلائل الوضع أن يخالف العقل ولا يقبل تأويلا
بحال ، لأنه لا يجوز أن يرد الشرع بما ينافى مقتضى العقل ، وقد حكى الخطيب
هذا فى أول كتابه ( الكفاية)) تبعا للقاضى أبى بكر الباقلانى، وأقره ، فأنه
قسم الأخبار إلى ثلاثة أقسام : ما تعرف صحته، وما يعلم فساده، وما يتردد
بينهما ، ومثل الثانى بما يدفع العقلُ صحتَه بموضوعها والأدلة المنصوصة فيها،
نحو الأخبار عن قدم الأجسام وما أشبه ذلك، ويلحق به ما يدفعه الحس.
والمشاهدة كالخبر بالجمع بين الضدّين كقول الانسان: أنا الآن طائر فى الهواء،
ومكة لا وجود لها .
ومنها : أن يكون خبراً عن أمر جسيم كحصر العدو للحاج عن البيت ثم
لا ينقله منهم إلا واحد، لأن العادة جارية بتظاهر الأخبار فى مثل ذلك.
قلت : ويمناه الأصوليون بقتل الخطيب على المنبر، ولا ينقله إلا واحد
من الحاضرين.
ومنها : ما يصرح بتكذيب روايته جمع كثير يمتنع فى العادة تواطؤهم
على الكذب وتقليد بعضهم بعضا .
ومنها: أن يكون مناقضا لنص الكتاب أو السنة المتواترة أو الاجماع القطعى
ومنها : أن يكون فيما يلزم المكلفين علمه وقطع العذر فيه فینفرد به واحد
وفى تقييدنا السنة بالمتواترة احتراز عن غير المتواترة، فقد أخطأ من حكم بالوضع
بمجرد مخالفة السنة مطلقا، وأكثر من ذلك الجوزقانى فى كتاب الأباطيل،
وهذا إِنما یأتی حیث لا يمكن الجمع بوجه من الوجوه ، أما مع إمكان الجمع فلا ،
كما زعم بعضهم أن الحديث الذى رواه الترمذى وحسنه من حديث أبى هريرة
((لا يؤمَّنَّ عبدٌ قوماً فيخص نفسه بدعوة دونهم، فان فعل فقد خانهم)) موضوع؛ لأنه

- ٩٧ -
قد صح عنه صلى الله عليهوآ له وسلم أنه کان یقول فى دعائه ((اللهم باعد بينىو بين
خطاياى كما باعدت بين المشرق والمغرب)» وغير ذلك، لأنا نقول: يمكن حمله على
مالم يشرع للمصلى من الأدعية، لأن الإمام والمأموم يشتركان فيه، بخلاف ما لم يُؤْثَر،
وكما زعم ابن حبان فى صحيحه أن قوله صلى الله عليه وسلم «إنى لست كأحدكم إلى
أطعم وأسقى)) دال على أن الأخبار التى فيها أنه (( كان صلى الله عليه وآله وسلم يضع
الحجر على بطنه من الجوع)) باطلة، وقد رد عليه ذلك الحافظ ضياء الدين فشفى وكفى.
ومنها ما ذكره الإمام فخر الدين الرازى : أن الخبر إذا روى فى زمن قد
استقرت فيه الأخبار فاذا فتش عنه لم يوجد فى بطون الأسفار ولا فى صدور الرجال
على بطلانه، فأما فى عصر الصحابة - حين لم تكن الأخبار قد استقرت - فانه
يجوز أنه يروى أحدهم مالم يوجد عند غيره، قال العلائى: وهذا إنما تقوم به الحجة
بتفتيش الحافظ الكبير الذى قد أحاط حفظه بجميع الحديث أو بمعظمه،
كالا مام أحمد وابن المدينى ويحيى بن معين ومن بعدهم كالبخارى وأبى حاتم وأبى
زرعة ومن دونهم كالنسائى ثم الدار قطنى ، لأن المأخذ الذى يحكم به غالبا على
الحديث أنه موضوع إنما فى الملكة النفسانية الناشئة عن جمع الطرق والاطلاع
على غالب المروى فى البلدان المتباينة ، بحيث يعرف بذلك ما هو من حديث
الرواة مما ليس من حديثهم، وأما من لم يَصِل إلى هذه المرتبة فكيف يقضى لعدم
وجدانه للحديث بأنه موضوع؟ هذا ما يأباه قصرفهم(١)، انتهى.
(١) خاتمة - اعلم أن العلماء - جزاهم الله تعالى أحسن الجزاء !- قد تتبعوا
الأحاديث الموضوعة ونظروا فيها فتبين لهم أن المنابع التى استقى منها الوضاع
ما وضعوه لا تخرج عن ثلاثة منابع: الأول: كلام الحكماء الأقدمين ككلام
حكماء اليونان وحكماء الهند وحكماء الفرس وحكماء العرب: يعمد الواضع
إلى حكمة أو مجموعة من الحكم المنقولة عن واحد من هؤلاء أو جماعة منهم ،
ثم يلصق بها إسنادا وينسبها إلى الرسول صلوات الله وسلامه عليه. وقد ذكر
(٧ - تنقيح ٢)

- ٩٨ -
٤٣
مسألة
[ فى المقلوب، وأنواعه، وحكمه ]
من علوم الحديث معرفة ( المقلوب: هو من أقسام الضعيف، وهو(١) قسمان)
هكذا فاله زين الدين ، ولكن المصنف سيأتى له قسم ثالث سنذكر وجهه
العلماء أيضا أن من هذا الضرب ((المعدة بيت الداء، والحمية رأس الدواء)) فان
هذه الجملة مروية فى الأحاديث الموضوعة، وقد قال الحافظ العراقى بشأنها: هذا
كلام لا أصل له من كلام النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما هو من كلام بعض الأطباء.
الثانى - ما يرويه أهل الكتاب على أنه من كلام كتبهم أو كلام رسلهم أو
كلام أحبارهم، وخاصة اليهود منهم: يعمد أحد الوضاعين إلى قصة من قصصهم
أو خبر من أخبارهم، ثم يلصق به إسنادا، وينسبه آخر الأمر إلى رسول الله
صلى الله عليه وسلم، وأكثر ما يحاك من القصص حول تفسير القرآن الكريم
صادر عن هذا المنبع ، ولسنانقول : إن كل ماذكر من هذا القبيل موضوع ،
فان بعضه صحيح النسبة إلى رسول الله، ومنه جزء مروى فى الصحيحين ،
بل نحن نقرر أن أكثر هذا النوع يرجع إلى ماذك نا. الثالث - ما يخترعه
الراوى منعند نفسه، ويختلقه اختلافا لا يحاكى فيه أحدا، وقد ذكرنا لك
فى مطلع بحث الموضوع قصة سعد بن طريف فى معلمي الصبيان .
(١) الكلام فى المقلوب فى أربعة مباحث: الأول: تعريفه لغة واصطلاحا،
والثانى: أنواعه ومثال كل نوع ، والثالث: بيان الأسباب التى دعت بعض
الرواة إلى القلب فى المتن أو فى الاسناد، الرابع: فى حكمه .
أما عن المبحث الأول فان المقلوب لغة اسم مفعول فعله قلب يقلب ذلمبا،
من مثال ضرب يضر ب ضربا، وتقول: قلب فلان الشىء ، إذاصرفه عن وجهه.
وأما فى اصطلاح علماء الحديث فانه لا يمكن تعريف أنواع المقلوب كلها فى تعريف

-- ٩٩ -
(أحدهما : أن يكون الحديث مشهورا براوٍ فيجعل فى مكانه راوٍ آخر فى طبقته ليصير
بذلك غريبا مرغوباً فيه كحديث مشهور) روايته ( بسالم) بن عبد الله ( يجعل
واحد ، وذلك لأنها أنواع مختلفة الحقائق، والحقائق المختلفة لا يمكن جمعها فى
حقيقة واحدة، وإذا كان الأمر كذلك كان الأجدر بنا أن نقسمه إلى أنواعه
المختلفة ثم نبين حقيقة كل نوع منها ، فنقول :
القلب على ضربين ، لأنه قد يكون فى الاسناد ، وقد يكون فى المتن ،
وكل واحد منهما يقع علىوجوه
أما القلب فى الاسناد فانه يقع على وجهين: الوجه الأول: أن يقدم الراوى
ويؤخر فى اسم أحد الرواة واسم أبيه، مثل أن يكون الأصل ((كعب بن مرة)»
فيقول الراوى (مرة بن كعب )) والوجه الثانى: أن يكون الحديث مشهورا
عن راو من الرواة أو مشهورا باسناد من الأسانيد ، فيعمد أحد الوضاعين أو
الكذابين إلى هذا الزاوى الذى اشتهر الحديث عنه فيغيره براو آخر، وذلك
كأن يكون الحديث مشهورا عن سالم بن عبد الله فيجعله الوضاع عن نافع ،
أو يكون الحديث مشهور! عن سهيل بن أبى صالح عن أبيه عن أبى هريرة
فيجعله عن الأعمش عن أبى صالح عن أبى هريرة .
وأما القلب فى المتن فيأتى على وجهين: الوجه الأول - أن يجعل كلمة منه
فى غير موضعها، مثل ما رواه مسلم فى السبعة الذين يظلهم الله يوم القيامة فقد
جاء فيه (( ورجل تصدق بصدقة أخفاها حتى لا تعلم يمينه ما تنفق شماله )) فقد
انقلب هذا الكلام على أحد الرواة، وأصله على مافى صحيح البخارى وصحيح
ومسلم من رواية أخرى ((حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه)) وقد ذكر المؤلف
رحمه الله هذا الحديث، وذكر أدلة القلب فيه. ومن أمثلته سوى هذا الحديث
ما رواه الطبرانى من حديث أبى هريرة ((إذا أمرتكم بشىء فأتوه ، وإذا
نهيتكم عن شىء فأتوا منه ما استطعتم )) فقد انقلب هذا على بعض الرواة،
وأصله - على ما فى الصحيحين - (( ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به
فأتوا منه ما استطعتم)». وقد مثل له العلامة البلقيتى بحديث أنيسة عند أحمد
وابن خزيمة وابن حبان ((إذا أذن ابن أم مكتوم فكلوا واشربوا، وإذا أذن.
بلال فلا تأكلوا ولا تشربوا )) فهذا الحديث على هذا الوجه مقلوب ، وأصله

- ١٠٠ -
مكانه نافع) مولى عبد الله ( ونحو ذلك ، وممن كان يفعل ذلك ) من الوضاعين
( حماد بن عمرو النصيبى) نسبة إلى نصيبين بالمهملة تثنية نصيب، فى القاموس
المشهور من حديث ابن عمرو عائشة ((إن بلالا يؤذن بليل-أوينادى بليل -فكلوا
واشربواحتى يؤذن ابن أم مكتوم. وقد حاول ابن خزيمة وابن حبان أن يجعلا
الأصل ومقلوبه روايتين، وأن يجمعابين هاتين الروايتين، ليصلا لى إخراجهما
من نوع المقلوب، وخلاصة ماجمما به بينهما أنه يحتمل أن يكون بين بلال
وابن أم مكتوم مناوبة، فتارة يبدأ أحدهما ويتأخر الثانى، وتارةيعكس ترتديهما
فيبدأ الذى كان متأخرا ويتأخر الذى كان إدئا. فتكون كل رواية منهما فى حالة
من الحالتين غير التى وردت فيها الأخرى، وتكون الروايتان جميعا صحيحتين.
. والوجه الثانى من قلب فى المتن: أن يجعل الوضاع الحديث على إسناد
غير إسناده، ويضع إسناده على متن غير هذا المتن ، ومن هذا النوع ماورد
فى قصة امتحان الامام البخارى التى رواها الشارح مفصلة .
وإذا عرفت ماذكرناه من أنواع الحديث المقلوب علمت أنها لاتقف عند
اثنين، ولا عند ثلاثة، على ماذكره المصنف والشارح تبعا لزين الدين ، وإنما
هى نوعان إجمالا أربعة تفصيلا، فالمقلوب إما مقلوب المتن وإما مقلوب
الاسناد ، وكل واحد من هذين النوعين يتنوع إلى نوعين، وقد عرفتها على
التفصيل ، وعرفت مع كل نوع مثاله .
وأما عن البحث الثالث - وهو ما يتعلق بالأسباب التى تحمل الرواة على
قلب الأحاديث - فانا نقول :
بالاستقراء لأحوال الرواة الذين وقع منهم القلب تبين أن الدوافع التى
دفعتهم إلى القلب كثيرة، وأهم هذه الدوافع ما سنذكره هنا:
الأول : رغبة الراوى فى إيقاع الغرابة على الناس ، حتى يظنوا أنه يروى
ما ليس عند غيره فيقبلوا على التحمل عنه ، والمحدثون يسمون من يصنع
القلب لهذا السبب سارقا ، ويسمون فعله سرقة .
الثانى : خطأ الراوى وغلطه، وقد ذكر المؤلف ذلك، وذكر بعض الذين
قلبوا بسبب الخطأ أو الغلط .