النص المفهرس

صفحات 61-80

- ٦١ -
بايعه على الطاعة ( وذكر البخارى والذهبی أنه) أی مروان ( ليس بصحابى،
قلت : بل كان عدواً لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما يعرف ذلك من
عرف أخباره، وأكثر ما قيل فيه) أى فى تنزيهه ( أنه لم يكن منهما فى الحديث
وهذا لا ينفع إلا مع التأويل والتدين، وهو منهما براء ) كما تقدم عن ابن حزم.
(مع أن الحديث) أى حديث مس الذكر ( مروی عنه من غير هذه
الطريق بغير هذه الزيادة) تقدم تعداد رواته من الصحابة من طرق عديدة ( قال
الشيخ تقي الدين فى الاقتراح: إذا قدم ذكر الأنثيين على الذكر ضعف الأدراج).
لفظه فى شرح ألفية الزين: وقد ضعف ابن دقيق العيد الطريق إلى الحكم
بالادراج فى مثل هذا ، فقال فى الاقتراح: وما يضعف فيه أن يكون مدرجا فى
أثناء لفظ الرسول صلى الله عليه وسلم، لا سيما إن كان مقدما على اللفظ المروى أو
معطوفا عليه بواو العطف، كما لو قال: من مس أنثييه وذكره فليتوضأ ، بتقديم
لفظ الأنثيين على الذكر، فها هنا يضعف الادراج لما فيه من اتصال هذه اللفظة
بالعامل الذى هو من لفظ الرسول صلى الله عليه وسلم ، انتهى، ثم (قال زين الدين:
لم يرد مقدما) فى شىء من طرق الحديث، قال البقاعى: ليس كذلك ، فقد وقع
فى كتاب الثواب لابن شاهين من رواية محمد بن دينار عن هشام بن عروة (( من
مس أنثييه وذكره )) فقدم الأنثيين (وإنما ذكره الشيخ مثالا فليعلم ذلك)
واعلم أن أمثلة الأدراج فى وسط الحديث كثيرة :
منها حديث عروة عن عائشة فى حديث بدء الوحى فى قولها « وكان يخلو بغار
حراء يتحدث فيه - وهو التعبد - الليالى ذوات العدد )) فقوله وهو التعبد
مدرج من كلام الزهری فی وسط الحدیث کما بينه فى فتح البارى .
ومنها حديث مالك عن الزهرى عن أنس بن مالك أن النبى صلى الله عليه
وسلم ((دخل يوم الفتح مكة وعلى رأسه المغفر، وهو غير محرم، فقيل له : إن

-- ٦٢-
ابن خَطَل متغلق بأستار الكعبة، فقال: اقتلوه )) فان قوله (( وهو غير محرم))
من كلام الزهرى ، أدرجه الراوى عنه ، وقد رواه أصحاب الموطأ بدون هذه
الزيادة، وبين بعضهم أنها من كلام الزهرى .
ومنها حديث ابن مسعود، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم(( الطيرة
شرك، وما منا إلا ، ولكن الله تعالى يذهبه بالتوكل )) رواه الترمذى وقال:
هذا حديث حسن صحيح ، لا نعرفه إلا من حديث سلمة ، يريد ابن كهيل، قال:
وَسمعت ◌ُداً يقول فى هذا: وما منا إلا عندى من قول ابن مسعود رضى الله
نعالی عنه ، قال الحافظ ابن حجر : قد رواه على بن الجعد وغندر وحجاج بنمد
ووهب بن جرير والنضر بن إسماعيل وجماعة عن شعبة فلم يذكروا فيه «وما منا
إلا )) وهكذا رواه إسحاق بن راهويه عن أبى نعيم عن سفيان الثورى .
ومنها قوله فى حديث عكرمة عن أبى هريرة فى صفة نزول الوحى (( تنزل
· الملائكة فى العنان، والعنان السحاب - الحديث)) قال قوله: والعنان
السحاب مدرج .
واعلم أن الطريق إلى معرفة المدرج من وجوه :
الأول أن يستحيل إضافة ذلك إلى النبى صلى الله عليه وسلم، وذلك مثل
حديث ابن المبارك عن يونس عن الزهرى عن سعيدبن المسيب عن أبى هريرة ،
قال: قال رسول الله صلى عليه وسلم (( للمملوك أجران ، والذى نفسى بيده لولا
الجهاد فى سبيل الله والحج وبرأمى لأحببت أن أموت وأنا مملوك)) رواه البخارى،
فهذا الفصل الذى فى آخر الحديث لا يجوز أن يكون من قول النبى صلى الله عليه وسلم
إذ يمتنع أن يتمنى أن يصير مملوكا ، وأيضا فلم يكن له أم يبرها، بل هذا من قول
أبى هريرة أدرجه فى المتن ، وقد بينه حبان بن موسى عن ابن المبارك، فاق
الحديث إلى قوله أجران، ثم قال: والذى نفس أبى هريرة بيده إلى آخره ،وكذا
هو فى رواية بن وهب عن يونس عند مسلم، وهذا من فوائد المستخرجات كماتقدم.

- ٦٣ --
وكذلك ما فى حديث ابن مسعود من قوله «الطيرة شرك، وما منا إلا ))
فانه مدرج، فانه لا يصح أن يضاف إلى النبى صلى الله عليه وسلم ، لاستحالة
أن يضاف إليه شىء من الشرك.
الثانى من الوجوه: أن يصرح الصحابى بأنه لم يسمع تلك الجملة من النبى
صلى الله عليه وسلم، كحديث ابن مسعود عنه صلى الله عليه وسلم (( من مات
لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة، ومن مات يشرك بالله شيئا دخل النار)) هكذا
رواه أحمد بن عبد الجبار العطاردى عن أبى بكر بن عياش باسناده، ورواه غيره
عن أبى بكر بن عياش بلفظ : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول كلمة (( من
جعل لله نداً دخل النار)) وأخرى أقولها ولم أسمع منه صلى الله عليه وسلم (( من
مات لا يجعل لله نداً دخل الجنة)» والحديث فى صحيح مسلم عن ابن مسعود
بلفظ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كلمة وقلت أخرى ، فذكره ، فهذا يجزم
بكونه مدرجا ، لكن لا يجزم بتعيين الجملة المدرجة هل هى دخول الجنة لمن
لم يجعل لله نداً، أو دخول النار فيمن جعل لله نداً، لاختلاف الرواية.
الثالث: أن يصرح بعض الرواة بتفصيل المدرج فيه عن المتن المرفوع
باضافته إلى قائله، ومثاله حديث ابن مسعود (« فإذا قلت هذا فقد قضيت
صلاتك)) تقدم، وله أمثلة كثيرة، قال الحافظ ابن حجر: والحكم على هذا القسم
الثالث بالأدراج يكون بحسب غلبة ظن المحدث الحافظ الناقد، ولا يوجب القطع
بذلك، بخلاف القسمين الأولين، وأكثر هذا القسم الثالث يقع تفسيراً لبعض
الألفاظ الواقعة فى الحديث، كما فى أحاديث الشغار والمحاقلة والمزابنة ونحوها،
والأمر فى ذلك سهل ، لأنه إن أثبت رفعه فذاك ، وإلا فالراوى أعرف بتفسير
ما روى من غيره ، وفى الجملة إذا قام الدليل على إدراج جملة معينة بحيث يغلب
على الظن ذلك فسواء كان فى الأول أو الوسط أو الآخر فإن سبب ذلك الاختصار

- ٦٤ -
من بعض الرواة بحذف أداة التفسير أو التفصيل، فيجىء مَنْ بعده فيرويه
مدمجا من غير تفصيل، فيقع ذلك، ثم ذكر بسنده إلى أبى حاتم بن حبان أنه
قال أحمد بن حنبل : كان وكيع يقول فى الحديث : يعنى كذا ، وكذلك كان
الزهرى يفسر الأحاديث كثيرا ، وربما أسقط أداة التفسير، وكان بعض أقرانه
يقول له : افصل كلامك من كلام النبى صلى الله عليه وسلم، ذكره الحافظ ابن
حجر ثم قال: وقد ذكرت كثيرا من هذه الحكايات وكثيرا من أمثلة ذلك
فى كتاب اسمه (( تقريب المنهج، لترتيب المدرج)) أعان الله على تكميله وتبييضه
إنه على كل شىء قدير .
( القسم الثانى) من أقسام المدرج ( أن یکون الحديث عند راویه باسنادٍ
إلاطرفا منه فانه عنده باسناد آخر، فيجمع الراوى عنه ) أى عن الراوى المذكور
( طرفى الحديث باسناد الطرف الأول) تاركا لاسناده للطرف الآخر (مثاله
حديث رواه أبو داود من رواية زائدة) اسم فاعل من الزيادة ، وهو ابن نشيط
بفتح النون وكسر المعجمة - مقبول ( وشريك فرقهما) فى الرواية (و) رواه
النسائى من حديث سفيان بن عيينة كلهم) أى زائدة وشريك وسفیان رووه
(عن عاصم) بن كليب كما فى شرح الألفية (عن أبيه عن وائل بن حُجْر) بضم
الحاء المهملة وسكون الجيم صحابي جليل كان من ملوك اليمن ( فى صفة صلاة رسول
الله صلى الله عليه وسلم، وقال فيه : ثم جئتهم بعد ذلك فى زمان فيه برد شديد
فر أيت الناس عليهم جل النياب ) وفى لفظ لأ بى داود عن شريك عن عاصم ((ثم
أتيتهم فرأيتهم يرفعون أيديهم إلى صدورهم فى افتتاح الصلاة وعليهم أكسية
وبرانس)) (تحرك أيديهم تحت الثياب) أى لأجل رفعها عند التكبيرة الأولى
(قال موسى بن هرون) الجمال (وذلك عندنا وهم ، فقوله ((ثم جئت)) ليس هو
بهذا الاسناد ، وإنما أدرج عليه، وهو من رواية عاصم عن عبد الجبار بن وائل
:
٠٠٠

- ٦٥-
عن بعض أهله عن وائل، وهكذا رواه مبينا زهيرُ بن معاوية وأبو بدر شجاع
ابن الوليد) فيما أثبت له ممن روى رفع الأيدى من تحت الثياب عن عاصم بن
كليب عن أبيه عن وائل ( فهذه رواية مضبوطة اتفق عليها زهير وشجاع ،
وقال ابن الصلاح: إنه الصواب)
( القسم الثالث) من أقسام المدرج ( أن يدرج بعض حدیث فی حدیث
آخر مخالف له فى السند، مثاله حديث سعيد بن أبى مريم) هو سعيد بن الحكم
ابن محمد بن سالم بن أبى مريم الجمحى بالولاء ، أبو محمد البصرى ، ثقة ثبت فقيه
( عن مالك عن الزهرى عن أنس مرفوعاه لاتبا غضوا ولا تحاسدوا ولا تدابروا)
فى النهاية : لا يعطى كل منكم أخاه دبره وقفاه فيعرض عنه ويهجره، انتهى
(ولا تنافسوا))) هومن الشىء النفيس، وهو ما يرغب فيه ويبخل به لعزته، وهو مضارع
تنافس فلان وفلان مثل تقاتلا، وهكذا بقية ألفاظ الحديث كلها أفعال مضارعة
حذف منها حرف المضارعة تخفيفا، ومعنى تنافسوا تقاسموا النفاسة بأن يعد كل
منهم الشىء نفيساً فيتجاذبونه فيؤدى ذلك إلى فساد عريض (فقوله ((ولاتنافسوا))
مدرجةفى هذا الحديث،أدرجها ابن أبى مريم فیه من حديث آخر مالك عنأبى
الزناد عن الأعرج عن أبى هريرة مرفوعا « إياكم والظن فان الظن أكذب
الحديث، ولا تجسسوا ) بالجيم - التفحص، من الجاسوس صاحب سرالشر، قال فى
القاموس: أى خذوا ماظهر ودعوا ماستر الله ، ولا تفحصوا عن بواطن الأمور،
ولا تبحثوا عن العورات ، والتحسس- بالحاء - قال فيه: إنه الاستماع لحديث القوم
وطلب خبرهم فى الخبر (ولا تنافسوا ولا تحاسدوا )) وكلا الحديثين مخرج فى
الصحيحين متفق عليه من طريق مالك، وليس فيه (( ولاتنافسوا )» وهى فى الثانى ،
هكذا الحديثان عند رواة الموطأ)
(القسم الرابع) من أقسام المدرج ( أن يروى بعض الرواة حديثا عن جماعة
وبينهم فى إسناده أو متنه اختلاف، فيجمع الكل على إسناد واحد مما اختلفوا
(٥ - تنقيح ٢)

- ٦٦ -
فيه) ويدرج رواية من خالفهم معهم على الاتفاق ، ومثاله حديث رواه الترمذى
وساقه الزين فى شرح الألفية، فمن أراده فليراجعه فلم أجد نسخة منه أثق بالنقل
منها ( قال زين الدين : ولهذا لا ينبغى لمن يروى حديثا بسند فيه جماعة فى طبقة
واحدة مجتمعين فى الرواية عن شيخ واحد أن يحذف بعضهم لاحتمال أن يكون
اللفظ فى السند والمتن لأحدهم، وحمل رواية الباقين عليه، فربما كان مَنْ حذفه
هو صاحب ذلك اللفظ)
(قال ابن الصلاح: وأعلم أنه لا يجوز تعمد شىء من الادراج) فيه بحث،
وهو أنه قد ثبت إدراج أئمة كبارٍ تفاسيرَ ألفاظ الحديث كما تقدم فى التحنث
ونحوه ، وتقدم أن الأمر فى ذلك سهل، لأنه إن ثبت مرفوعا فذاك، وإلا فالراوى
أعرف بتفسير ماروى، فالقياس أن يقال: إدراج ما هو من تفاسير الألفاظ
لا يحرم، وإدراج ما هو من غيرها مما فيه حكم شرعى وإيهام أنه مرفوع هو
الذى لا يجوز.
(قلت : فقول زین الدین «لا ینبغی من یروی حديثا بسند فيه جماعة- إلى
آخره» محمول على الاستحباب كما تشعر به لفظة لا ينبغى) ولأنه إنما علمه بالاحتمال
(لأن الظاهر عدم الادراج) فلا يحكم به إلا بدليل ، وقد قدمنا الوجوه التى
يستدل بها عليه (و) لأن (عادة الحفاظ فى ذلك، إذا سكتوا فذلك منهم
إشعار بأن الاسناد والمتن للجميع ، وإن لم يكن كذلك) أى لم يكن الاسناد
والمتن للجميع ( قالوا : واللفظ لفلان).
( قال الزين : وهذا النوع) يريد نوع الأدراج بأقسامه ( قد صنف فيه)
أبو بكر ( الخطيب) البغدادى وقسمه إلى سبعة أقسام (فشفى وكفى) تقدم أنه
قال الحافظ ابن حجر : وقد لخصته أى كتاب الخطيب ورتبته على الأبواب
والمسانيد ، وزدت على ما ذكره الخطيب أكثر من القدر الذى ذكره ، وهذا

- ٦٧ -
هو الكتاب الذى سماه الحافظ ((تقريب المنهج، بترتيب المدرج) وذكر أنه
سأل الله تعالى الاعانة على تمامه وتبييضه
واعلم أنه زاد الحافظ فى مدرج الاسناد قسمين على هذه الثلاثة:
الأول منهما وهو الرابع ، أن يكون المتن عند الراوى إلا طرفاً منه فانه لم
يسمعه من شيخه فيه، وإنما سمعه من واسطة بينه وبين شيخه ، فيدرجه بعض
الرواة عنه بلا تفصيل ، وهذا مما يشترك فيه الادراج والتدليس ، مثال ذلك
حديث إسماعيل بن جعفر عن حميد عن أنس فى قصة العرنيين أن النبى صلى الله
عليه وسلم قال لهم (( لو خرجتم إلى إبلنا فشربتم من ألبانها وأبوالها)» ولفظة
((وأبوالها)» إنما سمعه حميد من قتادة عن أنس، بينه يزيد بن هرون ومحمد بن أبى
عدى ومروان بن معاوية وآخرون كلهم يقول فيه ((فشربتم من ألبانها، قال حميد
قال قتادة عن أنس: وأبوالها)، فرواية إسماعيل فيها إدراج وتسوية
وثانيهما وهو الخامس، أن لا يذكر المحدث متن الحديث ،بل يسوق إسناده
فقط ، ثم يقطعه قاطع فيذكر كلاما، فيظن بعض مَنْ سمعه أن ذلك الكلام هو
متن ذلك الاسناد، مثاله فى قصة ثابت بن موسى الزاهد مع شريك القاضى كما
مثل به ابن الصلاح لشبه الوضع، وجزم ابن حبان أنه من المدرج، فهذه أقسام
مدرج الاسناد .
قال الحافظ : والطريق إلى معرفة كونه مدرجا أن تأتى رواية مفصلة
للرواية المدرجة ، وتتقوى الرواية المفصلة ، بأن يرويه بعض الرواة مقتصراً
على إحدى الجملتين

-- ٦٨-
٤١
مسألة
[ فى الموضوع، وحكمه ]
من أنواع علوم الحديث (الموضوع) قال ابن دحية: إنه فى اللغة الملصقُ،
يقال: وضع فلان على فلان كذا أى ألصق به، وهو أيضاً الحط والاسقاط ، قال
الحافظ: والأول أليق بهذه الحيثية (هوشر الأحاديث الضعيفة (١)) هذه العبارة
(١) الكلام على الحديث الموضوع فى أربع نواح : الناحية الأولى بيان
معناه فى اللغة وفى اصطلاح أهل هذا الفن، والناحية الثانية فى الأسباب التى
دعت الوضاعين إلى اختلاق الأحاديث على رسول الله صلى الله عليه وسلم ،
والناحية الثالثة فى بيان ما يعرف به أن الحديث مفترى مصنوع ، والناحية
الرابعة فى بيان حكم روايته لمن لا يعرف حاله ولمن يعرفها ، ومع أن المصنف
والشارح رحمهما الله تعالى قد تعرضا لكل هذه النواحى الأربع فانا نرى أن
نذكر عن كل ناحية منها كلمة منسقة تضم شتات مباحثها ، فنقول :
أما عن بيان معناه فان («الموضوع» فى اللغة اسم مفعول فعله وضع يضع -
بفتح الضاد فى الماضى والمضارع جميعا - ويأتى وضع فى اللغة لعدة معان:
الأول الاسقاط ، والثانى: الترك، والثالث : الافترء ، تقول : وضع فلان
الشىء عن عاتقه مثلا، تريد أنه أسقطه، وتقول : وضع فلان شيئا، تريد أنه
تركه ، وتقول: وضع فلان هذا الكلام ، تقصد أنه قد افتراه واختلقه ،
فالموضوع فى اللغة يكون بمعنى المسقط ـ بفتح القاف ـ ويكون بمعنى
المتروك، ويكون بمعنى المختلق المفترى. والموضوع فى اصطلاح أهل الأثر
((هو الكلام الذى اختلقه وافتراه واحد من الناس ونسبه إلى رسول الله صلى
الله تعالی علیه وعلى آله وسلم ».
- ث وأما عن الأسباب التى حملت بعض الناس على اختلاق الحديث وافترائها
ونسبتها إلى رسول الله صلوات الله وسلامه عليه فهى كثيرة، ولكن يمكن =

-- ٦٩ -
لابن الصلاح ، وسبقه إليها الخطابى ، واستنكرت ، لأن الموضوع ليس من
الحديث النبوى ، إذ أفعل التفضيل إنما يضاف إلى بعضه ، وقد يجاب بأنه لم يرد
بالأحاديث الأحاديث النبوية ، بل أعم، وهوما يتحدث به (وهو المكذوب،
ويقال له المختلق) إذ الاختلاق الكذب، ومنه قوله تعالى ((إن هذا إلااختلاق»
= أن يعتبر أظهرها وأشهرها خمسة أسباب:
السبب الأول : قصد الواضع إلى إفساد الدين على أهله ، وهذا إنما صدر
عن الزنادقة ، والذين دخلوا فى الاسلام لا عن رغبة فيه ولكن ليخدعوا .
أهله ويغروم، ومن هؤلاء عبد الكريم ابن أبى العوجاء الذى قتل وصلب
فى زمن المهدى العباسى ، ومنهم أبان بن سمعان النهدى الذى قتله خالد بن
عبد الله القسرى وأحرقه بالنار ، وقد ذكر الشارح شيئا عن هذين ، ومن
هذا الصنف محمد بن سعيد الشامى المصلوب وهو الذى وضع الحديث المروى
من طريقه عن حميد عن أنس مرفوعا « أنا خاتم النبيين لا نى من بعدى إلا
أن يشاء الله)) فقد وضع وافترى هذا الاستثناء، ثم أخذ يدعى النبوة
السبب الثانى : قصد الواضع إلى تأیید مذهب يدعو إليه ، وكثير من
أحاديث الرافضة والخوارج من هذا القبيل ، وقد روى ابن أبى حاتم عن
شيخ من شيوخ الخوارج أنه كان يقول بعدما تاب : انظروا عمن تأخذون
دينكم، فانا كما إذا رأينا أمراً صيرناه حديثا، ومن أمثلة ذلك ما يروى من
أن عبد العزيز بن الحارث التيمي سئل عن فتح مكة : أصلحا كان أم عنوة
فقال : عنوة ، فطولب بالدليل على ذلك . فقال : حدثنا ابن الصواف
حدثنا عبد الله بن أحمد ، حدثنا أبى ، حدثنا عبد الرزاق، عن معمر ، عن
الزهرى ، أن الصحابة اختلفوا فى فتح مكة أ كان صلحا أم عنوة ، فسألوا
رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ((كان عنوة)) ثم اعترف عبد العزيز
بعد لأى أنه قد اخترع هذا الحديث ليؤيد به ما ذهب إليه . وقد عرف من
مذاهب المحدثين رفضهم لأحاديث أهل البدع والأهواء إذا كانوا دعاة لبدعتهم
أو هواهم ، وإذا كان مايروونه يؤيد هذه البدعة وهذا الهوى ، وذلك من
باب الحيطة لهذا الدين الذى جعله الله تعالى خير أديان البرية ديناوجعله دينه=

- ٧٠-
(و) يقاله له أيضاً (المصنوع) بصاد مهملة من الصنعة (أى وأضعه اختلقه وصنعه،
قال زين الدين : ومطلق وجود كذاب فى السند لا يلزم منه أن يكون الحديث
مكذوباً ، لجواز أنه ثابت من غير طريقه، إلا أن يعترف بأنه وضع ذلك الحديث
بعينه، أو ما يقوم مقام اعترافه على ماستقف عليه) ويأتى مافيه من الأشكال وجوابه
( وحكم الموضوع أنه لا يجوز لمن عرفه) أى عرف أنه موضوع ( أن يرويه
الذى ارتضى لعباده إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين .
ومن هذا القبيل أيضا ما أسنده الحاكم عن سيف بن عمر التميمى ، قال :
كنت عند سعد بن طريف نجاء ابنه من الكتاب يبكى فقال له: مالك ? قال:
ضربنى المعلم، قال: لأخزينهم اليوم، حدثنى عكرمة عن بن عباس مرفوعا
((معلمو صبيانكم شراركم، أقلهم رحمة لليتيم، أغلظهم على المسلمين))
السبب الثالث : رغبة الواضع فى التكسب والارتزاق بما يضع من الحديث
وقد اشتهر بهذا جماعة منهم أبو سعيد المدائنى
السبب الرابع: قصد الواضع التزلف إلى الخلفاء والنفاق لهم ، لنتسع له
مجالسهم وتنفق سوقه عندهم، وقد ذكر الشارح قصة غياث بن إبراهيم مع
المهدى الخليفة العباسى .
السبب الخامس: أن يقصد الواضع بزعمه الفاسد ورأيه الخاطىء القربى إلى
الله تعالى بما يضع ويفترى من الحديث على الرسول صلوات الله وسلامه عليه
فان قوما من الجهلة الأغرار دخلوا فى عداد المتصوفين وهم من الجهل والضلالة
بالمنزلة التى ليس وراءها منزلة، ثم وضعوا أحاديث يزعمون أنهم يتقربونبها
إلى الله تعالى ، وجازت على بعض الناس الخداعا بظواهرهم الغرارة، وهؤلاء
هم شر الوضاعين، وأكثرهم خطرا، وأشدهم بلاء على الناس، وهم من
الأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم فى الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم
يحسنون صنعاً، ومن هذه البابة أولئك الذين وضعوا أحاديث فى فضائل
القرآن سورة سورة
وأما عن بيان ما يعرف به الحديث الموضوع، فإن العلماء المحققين قد تتبعوا
هذه المسألة وأفرغوا فيها وسعهم، ولم يتركوا من مناحى البحث شيئا إلا

-٧١-
من غير بيان لوضعه ، سوالاكان فى الحلال أو الحرام أو الترغيب أو الترهيب أو
غير ذلك) يدل لذلك ما أخرجه مسلم فى صحيحه مَنْ حديث سمرة بن جندب أنه
قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «من حدث عنی بحدیث یری أنه كذب
فهو أحد الكذابين )) انتهى، ضبط يرى بضم الياء أى يظن، وفى الكذابين
عرضوا له، ويمكن تلخيص أبحاثهم الطويلة العميقة فى هذه المسألة فى سبعة
أشياء كل واحد منها يدل على أن الحديث موضوع
الأول : أن يقر واضع حديث ما على نفسه بأنه وضع هذا الحديث،
كاقرار عمر بن صبح على نفسه بأنه وضع خطبة نسبها إلى رسول الله صلى الله
عليه وسلم ، وكاقرار ميسرة الفارسى بأنه وضع أحاديث فى فضائل القرآن
ووضع أحاديث فى فضائل على عليه السلام، وقد ذكر الشارح المناقشة التى
دارت بين العلماء فى دلائل الاقرار على الوضع وفى جواز الأخذ به أو
وجوب إهداره
ويتصل بهذا الأمر شىء يشبه الاقرار وليس به، وحاصله أن يحدث إنسان
ماعن شيخ، ثم يسأل عن مولده فيذكر تاريخا يعلم أن وفاة الشيخ الذى حدث
عنه كانت قبل التاريخ الذى ذكر أنه ولد فيه ، فهذا الراوى لم يعترف بالوضع
ولكن اعترافه بوقت مولده يتنزل منزلة إقراره بالوضع، قاله الزركشي
والحافظ العراقى، ومثل ذلك أن مأمون بن أحمد الهروى ادعى أنه سمع من
هشام بن عمار ، فسأله الحافظ ابن حبان : متى دخلت الشام ! فقال : سنة
خمسين ومائتين ، فقال ابن حبان : فان مشاما الذى تروى عنه مات سنة خمس
وأربعين ومائتيز ، فقال: ذاك هشام بن عمار آخر
الثانى : أن يكون الحديث المروى ركيك المعنى، سواء انضم إلى ركة
معناه ركة لفظه أم لم تنضم، أما ركة اللفظ وحدها فلا تكون دليلا على
الوضع عند جمهور المحدثين الذين جوزوا الرواية بالمعنى، لاحتمال أن يكون
الراوى بلفظ ركيك قدغير اللفظ النبوى بلفظ من عنده فلم يوفق إلى أسلوب
أو عبارة جيدة، نعم لو ادعى أن هذا اللفظ الذى يروى به هو لفظ النبى صلى
الله عليه وسلم كان ذلك دليلا عنى أنه كاذب وضاع

- ٧٢ -
روايتان بصيغة التثنية وبصيغة الجمع ، وكفى بهذا الوعيد فى حق من رون
حديثاً يظن أنه كذب، فضلا عن أن يروى ما يعلم كذبه ولا يبينه، لأنه صلى
الله عليه وسلمٍ جعل المحدث بذلك مشاركاً للكاذب فى وصفه
قال زين الدين بعد هذا الذى ذكره المصنف من حكم الموضوع ما لفظه :
الثالث : أن تقوم قرينة من حال الراوى على أن ذلك المروى موضوع،
ومن أمثلته ما ذكره الشارح من حادثة غياث بن إبراهيم مع المهدى فى وضعه
له حديث السبق بالجناح ، ومن أمثلته ما ذكرناه فى هذا المبحث من حادثة
سعد بن طريف الذى وضع حديث معلمى الصبيان
الرابع : أن يخالف المروى دلالة الكتاب القطعية أو السنة المتواترة أو
الاجماع القطعى أو دليل العقل ، ويكون المروى - مع ذلك - غير قابل
للتأويل ليوافق ماخالفه، فأما إن كان المروى قابلا للتأويل فان مخالفته لواحد
مما ذكرنا لا تكون دليلا على أنه موضوع
"الخامس: أن يكون المروى خبرا عن أمر جسيم تتوافر الدواعى على نقله.
ثم لا يرويه إلا واحد، فان انفراد هذا الواحد برواية هذا الحديث مع جسامة
موضوعه وعظيم شأن ما ورد فيه دليل على أن هذا الواحد مختلق كذاب
السادس: أن ينقب عنه طالبه فلا يجده فى صدور العلماء ولا فى
بطون الكتب
السابع : أن يكون المروى قد تضمن الافراط بالوعيد الشديد على الأمر
الهين اليسير ، أو العكس بأن يتضمن الوعد العظيم على الفعل الحقير وهذا
كثير فى أحاديث القصاص
وأما عن حكم اختلاق الأحاديث على الرسول صلى الله عليه وسلم وروايتها
فقد ذهب قوم من المبتدعة ينسبون إلى محمد بن كرام السجستانى المتكلم إلى
أنه يجوز وضع الأحاديث المتضمنة للترغيب فى الطاعة والتنفير من المعصية
دون ما يتعلق به حكم من أحكام الشريعة وتبجحوا فى تأويل حديث مسلم ((من
كذب على متعمدا - إلى آخر الحديث)) فقالوا: إنا نكاب له ولسنا نكذب
عليه، وهذا يناقض إجماع من يعتد باجماعه من علماء المسلمين ، بل بالغ الشيخ

/
- ٧٣ -
بخلاف غيره من الضعيف المحتمل للصدق حيث جوز روايته فى الترغيب والترهيب
انہی، لکن بقی ھل یشترط فى هذا الاحتمال أن یکون قویاً بحیث یفوق احتمال
كذبه أو يساويه أولا يشترط ? هذا محل نظر، والذى يظهر من كلام مسلم وربما دل
عليه الحديث المتقدم بأنه إذا كان احتمال الصدق احتمالا ضعيفا أنه لا يعتد به،
وقال الترمذى: سألت أبا محمد ـ يعنى عبد الله بن عبد الرحمن الدارمى - عنهذا
أبو محمد الجوينى نجزم بتكفير هؤلاء وغيرهم ممن يضع الأحاديث عن عبد
والصواب فى هذه المسأله أن من يحدث بحديث ما إما أن يجهل أنه
موضوع وإما أن يعلم أنه موضوع بواحد من طرق العلم التى شرحنا أهمها، ثم
الذى يعلم أنه موضوع إما أن يقصد بروايته إياه تبيان حاله وإما أن يرويه من
غير أن يبين حاله ، فأما الذى يرويه وهو جاهل أنه موضوع فلا إثم عليه ،
وغاية مافى الأمر أنه مقصر فى البحث عن حاله متهجم على ما لا ينبغي للمسلم أن
يتهجم عليه، وأما الذى يرويه وهو عالم بطريق ما أنه موضوع ويقصد بذلك
بيان حاله فلا شيء عليه ، بل هو مثاب على هذا الصنيع ، لأنه لما بين حاله
فقد نفى الزغل عن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمن المسلمين على دينهم
وسنة نبيهم؛ وأما من على حاله بطريق ما ورواه من غير أن يبين حاله فهو
آثم شديد الآثم، وهو خصيم الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم فى الدنيا
والآخرة، ونعوذ بالله تعالى من ذلك ، والدليل على ما ذكرنا مارواه مسلم
رضى الله عنه من قوله صلى الله عليه وسلم ((من حدث عنى حديثا يرى أنه كذب
فهو أحد الكذابين» بعدما رواه مسلم وغيره من قوله صلى الله عليه وسلم
(( من كذب على متعمدافليتبوأ مقعده من النار)) ووجه الدلالة من الحديثين
أن الذى يروى حديثا اختلقه غيره وينسبه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم
غير مبين حاله مع علمه بأنه مختلق فهو كذاب بنص الحديث الأول ، وهو مع
ذلك متعمدالكذب وذلك ظاهر، وكل من کذب على الرسولمتعمدا فهو فى
النار مع الهالكين بنص الحديث الثانى، وأما من يضع الحديث بنفسه فهو
المنصوص عليه فى الحديث الثانى، واللهسبحانه وتعالى أعلى وأعلم
٠

-٧٤-
الحديث يعنى حديث سمرة المذكور، فقلت له: من روى حديثاً وهو يعلم أن
إسناده خطأ أخاف أن یکون دخل فى هذا الحدیث ؟ أو إذا روی الناس حديثا
مرسلا فأسنده بعضهم أو قلب إسناده، فقال : لا ، إنما معنى هذا الحديث
إذا روى الرجل حديثا ولا يعرف عن النبى صلى الله عليه وسلم لذلك الحديث
أصلا فأخاف أن يكون دخل فى هذا الحديث (قال ابن الصلاح : ولقد أكثر
الذى جمع فى هذا العصر الموضوعات فى نحو مجلدين فأودع فيها كثيرا مما لا دليل
على وضعه، وإنما حقه أن يُذكر فى الأحاديث الضعيفة، قال زين الدين : وأراد
ابن الصلاح أبا الفرج بن الجوزى) قال زين الدين فى شرح ألفيته: قال العلائى:
دخلتْ على ابن الجوزى الآفة من التوسع فى الحكم بالوضع ، لأن مستنده فى
غالب ذلك ضعف رواته ، قال الحافظ ابن حجر: وقد يعتمد على غيره من الأئمة
فى الحكم على بعض الأحاديث بتفرد بعض الرواة الساقطين بها ، ويكون
كلامهم محمولا على قيد أن تفرده إنما هو من ذلك الوجه ، ويكون المتن قد روى من
أوجه أخر لم يطلع هو عليها أو لم يستحضره حال التضعيف، فدخل عليه الدخيل
من هذه الجهة وغيرها ، فذكر فى كتابه الحديث المنكر والضعيف الذى يحتمل فى
باب الترغيب والترهيب ، وقليل من الأحاديث الحسان كحديث صلاة
التسبيح، وحديث قراءة آية الكرسى عقيب الصلاة ، فانه رواه النسائي وصححه
ابن حبان، وليس فى كتاب ابن الجوزى من هذا الضرب سوى أحاديث قليلة
جداً ، فأما مطلق الضعيف ففيه كثير من الأحاديث، نعم أكثر الكتاب
موضوع، وقد أفردت لذلك تصنيفا أشير إلى مقاصده ، انتهى
( والواضعون للحديث على أصناف بحسب الأمر الحامل لهم على ذلك ،
فضرب من الزنادقة ) فى القاموس: الزنديق من الثنوية، أو القائل بالنور والظلمة،
أو من لا يؤمن بالآخرة وبالربوبية، أو من يبطن الكفر ويظهر الايمان، أو هو
معرب (( زن دين)) أى دين المرأة ( يفعلون ذلك ليضلوا به الناس ، كعبد الكريم

- ٧٥-
ابن أبى العوجاء خال معن) بفتح الميم وسكون العين المهملة (ابن زائدة) أى الشيبانى
الأمير المعروف ( الذى أمر بضرب عنقه محمد بن سليمان بن على أمير مكة ) قال
الذهبى فى الميزان: أمير البصرة ، وقال فى ترجمة عبد الكريم: زنديق مبین ، قال
أحمد بن عدى: لما أخذ ليضرب عنقه قال: لقد وضعت فيكم أربعة آلاف حديث
أحرم فيها الحلال وأحل فيها الحرام (ومثل بيان) بفتح الموحدة فمثناة تحتية فألف .
فنون، قال الذهبي: هو ابن سمعان النهدى ، من بنى مير، ظهر بالعراق بعد المائة،
وقال بالهيية على رضى الله عنه، وأن فيه جزءا إلهيا متحدا بناسوتيته ، ثم بعده فى
ابنه محمدبن الحنفية، ثم فى ابنه أبى هاشم ثم فى بيان هذا ، وكتب إلى أبى جعفر
الباقر يدعوه إلى نفسه وأنه نبى ، انتهى (الذى قتله خالد القسرى) بالقاف وسين
مهملة فراء فياء - نسبه (وحرقه بالنار) وقال ابن نمير: قتله خالد بن عبد الله القسرى
وحرقه بالنار (وقد روى العقيلى بسنده إلى حماد بن زيد قال : وضعت الزنادقة
على رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعة عشر ألف حديث) قلت : ومعرفة قدر
عددها دليل على تتبع الحفاظ من الأئمة لها ومعرفتهم إياها
(وضرب يفعلونه انتصارا لمذاهبهم كالخطابية) بالخاء المعجمة، وهم قوم من
الرافضة ينسبون إلى أبى الخطاب ، كان يأمرهم بشهادة الزور على مخالفيهم، كمافى
القاموس ، فقوله ( وبعض الروافض ) من عطف العام على الخاص، وهم فرقة من
الشيعة بايعوا زيد بن على عليه السلام ، ثم قالوا له : تبرأ من الشيخين ، فأبى
وقال: أنا مع وزيرَىْ جدى ، فتركوه ورفضوه وأرفضوا عنه ، قاله فى القاموس
(وبعض السالمية ، قلت: ورواه) أى وضع الأحاديث لنصرة المذهب (المنصور
بالله عبد الله بن حمزة عن المطرفية) نسبة إلى مطرف بن شهاب ، وهم فرقة من
الزيدية لهم أقوال ردية ومذاهب غير مرضية ، قاتلهم المنصور بالله ، وخرب
ديارهم ومساجدهم ، وأخبارهم معروفة ، وله أشعار فيهم وفى حرهم فى ديوانه، وقد
ألف عبد الله بن زيد العنسى العلامة كتابا فى أخبارهم وبين فيه حقائق أحوال

-٧٦-
المطرفية (وذكر) أى المنصور ( أنهم صرحوا له بذلك فى مناظراتهم، نقلته من
بعض رسائله) وجادة ( من غير سماع) عنه ( والظاهر، بل المقطوع، أن المصرح
له بذلك بعضهم) إذ من المعلوم يقيناً أنهم لا يجمعون كلهم عند المناظرة (فلا
ينسب إلى الجميع منهم، والله أعلم)
(قال زين الدين: وضرب يتقربون به إلى الأمراء والخلفاء بوضع ما يوافق
فعلهم ، كما فعله غياث) بكسر الغين المعجمة فمثناة تحتية آخره مثلثة (ابن إبراهيم)
النخعى ( حيث وضع للمهدى) وهو محمد بن عبد الله المنصور العباسى والدهرون
الرشيد وقد دخل عليه فوجده يلعب بالحمام فساق فى الحال إسناداً إلى النبى
صلى الله عليه وسلم أنه قال (فى حديث (لاسبق) بفتح المهملة وسكون الموحدة
مصدر سبقت أسبق وبفتح الموحدة ما يجعل من المال رهنا على المسابقة والمعنى
لا يحل أخذ المال على المسابقة ( إلا فى فصل) بفتح النون وسكون الصاد المهملة
حديدة السهم (أو خف) وهو الأبل (أوحافر))) وهو للخيل ، رواه أحمد وأصحاب
السنن الأربعة مقتصرين على هذا اللفظ (فزاد فيه) غياث ابن إبراهيم ( أو
جناح) بفتح الجيم ، وهو للطائر ( وكان المهدى إذ ذاك يلعب بالحمام ، فتركها
وأمر بذبحها وقال) المهدى (أنا حملته على ذلك) أى على الزيادة المكذوبة ،
وقال السخاوى: فأمر له ببدرة، يعنى عشرة آلاف، فلما قفَّى قال: أشهد على
قفاك أنه قنا كذاب
(وضرب) من الوضاعين ( كانوا يتكسبون بذلك، ويرتزقون به فى قصصهم
كأبى سعيد المداينى) وكما ذكر الطيبى فى خلاصته، قال جعفر بن محمد الطيانسى؟
صلى أحمد بن حنبل ويحيى بن معين فى مسجد الرصافة، فقام بين أيديهما قاص
فقال : حدثنا أحمد بن حنبل ويحيى بن معين قالا : حدثنا عبد الرزاق عن معمر
عن قتادة، عن أنس رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من
قال لا إله إلا الله يُخلق من كل كلمة منها طائر منقاره من ذهب وريشه من مرجان
٠

-٧
وأخذ فى قصة من نحو عشرين ورقة ، فجعل أحمد ينظر إلى يحيى ويحيى ينظر إلى
أحمد، فقال : أنت حدثته بهذا ؟فقال: لا والله ما سمعت به إلا هذه الساعة ،
قال: فسكتا جميعا حتى فرغ فقال - أى أشار يحيى - بيده إلى أن تعال، فجاءهما
متوهما لنوال الخليرا، فقال بحي: من حدثك بهذا؟ قال: أحمد بن حنبل ويحيى بن
معين ، فقال : أنا ابن معين وهذا أحمد بن حنبل، ما سمعنا بهذا قط فى حديث
رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فان كان ولا بد من الكذب فعلى غيرنا، فقال :
أنت ابن معين ؟ قال: نعم ، قال: لم أزل أسمع أن ابن معين أحمق، وما علمته إلا
هذه الساعة ، قال يحيى: وكيف علمت أنى أحمق ! فقال: كأنه ليس فى الدنيا
يحيى بن معين وأحمد بن حنبل غيركما ، كتبت عن سبعة عشر أحمد بن حنبل
غير هذا . قال: فوضع أحمد بن حنبل كفه على وجهه وقال : دعه ، فقام
كالمستهزىء بهما، انتهى من شرح شرح النخبة لعلى قارى
(وضرب امتحنوا بأولادهم أو وراقين) كتاب (لهم فوضعوا) لهم (أحاديث
ودسوها عليهم ، فحدنوا بها من غير أن يشعروا كعبد الله بن محمد بن ربيعة بن
قدامة القدامى) هكذا فى شرح ألفية زین الدین، وفع المیزان عبد الله بن محمد بن
ربيعة بن قدامة القدامى المصيصى أحد الضعفاء له عن مالكمصائب ، وساق منها،
ويذكر أنه ابتلى بأولاد وورافين وضعوا عليه ، وليس فى الميزان من يقال له
القدامى سوى هذا
(وضرب يلجؤون إلى إقامة دليل على ما أفتوا به بآرائهم فيضعون، كما
نقل عن أبى الخطاب ابن دحية إن ثبت عنه) كذا فى شرح الزين ، وابن دحية
هو عمر بن الحسن بن على المدينى الأندلسى ، قال فى لسان الميزان : متهم فى نقله
مع أنه كان من أوعية العلم ، دخل فيما لا يعنيه ، قال الحافظ الضياء : لم يعجبنى
حاله، كان كثير الوقيعة فى الأئمة ، قال ابن نقطه : كان موصوفا بالمعرفة والفضل ،
إلا أنه كان يدعى أشياء لا حقيقة لها، وقال ابن النجار: رأيت الناس مجمعين

- ٨٧-
على كذبه وضعفه وادعائه بسماع ما لم يسمعه ولقاء من لم يلقه
(وضرب يقلبون سند الحديث ليستغرب) أى: من يسمع منهم (ويرغب فى
سماعه منهم ، وسيأتى هذا فى المقلوب ، وضرب يتدينون بذلك لترغيب الناس
فى الخير بزعمهم، وهم منسوبون إلى الزهد يحتسبون بذلك ) أى الأجر والمثوبة
(ويرونه قربة ، وهم أعظم الناس) ممن يضع الحديث (ضرراً لثقة الناس بهم)
لزهدهم (وقبوله منهم، ولذا قال يحيى بن سعيد القطان: ما رأيت الصالحين أ كذب
منهم فى الحديث) ويحي إمام شهير متفق على إمامته، ومراده أنه لم يرأ كذب
من الصالحين ، وإن رأى غيرهم كذابين ، ولما كان الكذب فى الحديث
النبوى ينافى الصلاح فضلا على الأ كذبية ، قال زين الدين (يريد) يحيى بن
سعيد ( بذلك والله أعلم) أى بقوله الصالحين (المنسوبين إلى الصلاح بغير علم
يفرقون به بين ما يجوز لهم من الرواية وما لا يجوز) وعبارة زين الدين (( يفرقون
به بين ما يجوز لهم ويمتنع عليهم، فهو صلاح بغير علم» وفى الحقيقة إنه ليس
بصلاح، فانه لا صلاح إلا عن على، وإنما مراده أنه يعدهم الناس صالحين لما
برونه من تقشفهم وزهدهم ، مع أنهم من أهل الغباوة والجهل ، وهكذا العامة
يعدون أهل الصلاح أهل هذا القسم ، ولذا قيل :
من عذيرى من معشر هجروا العقل وحادوا عن الطريق القويمه
لا يرون الانسان قد نال حظا من صلاح حتى يكون بهيمه
(ويدل على ذلك) أى على تأويل كلام يحيى بن سعيد ( مارواه ابن عدى
والعقيلى بسندهما الصحيح إليه أنه قال) أى يحيى بن سعيد ( ما رأيت الكذب
فى أحد أكثر منه فيمن ينسب إلى الخير، قلت: فهذا صرح باضافة ذنك)
أى الأكثر منه ( إلى من ينسب إلى الخير، يعنى وليس من أهله) فعليه تحمل
العبارة المطلقة (قال زين الدين) بياناً منه لاحتمال آخر تحتمله عبارة يحيى بن
سعيد (أو يريد أن الصالحين) حقيقة لا مَنْ لهم مجرد النسبة إلى الصلاح

- ٧٩-
( عندهم حسن ظن وسلامة صدر فيحملون ما سمعوه على الصدق ) فيكون نسبة
الكذب أوالأ كذبية إليهم مجازاً أنهم يروون ما هو كذب فى نفس الأمر وإن
لم يكونوا كاذبين، قلت : ولكن هذا التأويل يخرجهم عن أهل الضرب الذى
هو بصدده ، إذ ليسوا بوضاعین
(قال) أى زين الدين (ولكن الوضاعين ممن ينسب إلى الصلاح) بناء
على عدم صحة التأويل الآخر، وتقييد العبارة الأولى ( وإن خفى حالهم على كثير
من الناس) فقبلوا عنهم ما رووه ( فانه لم يخف على جهابذة الحديث ) جمع
جهبذ - بكسر الجيم - وهو النقاد الخبير كما فى القاموس، فعطفب ( ونقاده) من
عطف التفسير ( فقاموا بأعباء ) جمع عبء بالكسر الحمل الثقيل من أى شىء
( ما حملوا فتحملوه) من الكشف عن صحيح الأحاديث (فكشفوا عوارها)
بتثليث العين المهملة - العيب (ومحواعارها) هو أيضاً العيب (حتى لقد روينا عن
سفيان أنه قال : ما ستر الله أحداً ليكذب فى الحديث ، وروينا عن القاسم بن
محمد أنه قال : إن الله أعاننا على الكذابين بالنسيان) وبنسيانهم يعرف كذبهم
وروينا عن عبد الرحمن بن مهدى أنه قال: لو أن رجلاهم أن يكذب فى الحديث
لأسقطه الله أى أظهر سقوط روايته (وروينا عن عبد الرحمن بن مهدى أنه قيل
له : هذه الأحاديث المصنوعة، قال: يعيش لها الجهابذة، إنا نحن نزلنا الذكر
وإناله لحافظون ) فجعل الأحاديث النبوية داخلة تحت لفظ الذكر ، وأيده
المصنف بقوله :
(قلت: قد احتج بعض أهل الحديث النبوى بأن الحديث النبوى داخل فيها
ضمن الله عز وجل يحفظه من الذكر) الدال عليه (( وإنا له لحافظون)) وفى شرح
شرح النخبة لعلى قارى : أراد أن من جملة حفظ لفظ القرآن حفظ معناه، ومن
جملة معانيه الأحاديث النبوية الدالة على توضيح معانيه ، كماقال تعالى (( لتبين
للناس ما نزل إليهم)» فتى الحقيقة تكفل الله تعالى بحفظ الكتاب والسنة بأن

٠٠
- ٨٠-
يوجد من عباده من يجدد لهم أمر دينهم فى كل أوان ، انتهى ( بقوله تعالى فى
وصف رسوله (( وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحى يوحى))) وإن كان قد
يناقش فىالاستدلال بأن الآية فىوحی خاص هو القرآن کما يشعر به «علمه شديد
القوى)) إلى قوله (( فأوحى إلى عبده ما أوحى)) (وقد أحسن القاسم بن محمد فى
قوله : إن الله تعالى أعاننا على الكذابين بالنسيان ، فانهم يخلطون ويناقضون
ويظهر عليهم بسبب النسيان ما يحمل على تأمل أحوالهم حتى يتبين أمرم) فهذا
معنى إعانة الله عليهم بالنسيان (قلت : و) أعاننا الله عليهم (بسبب غير النسيان
أيضاً، من تصريح) الكذاب (بالسماع فى حق راويين لا يمكن أنما اجتمعا)
فينسب إليهما السماع ، فيعلم باتيانه بما لا يمكن أنه كاذب ( أو نسبة حديث
إلى وقت يعلم أنه لم يكن فيه ، أو طرح كذب معلوم على ثقة لا يحتمله ، أو
سبق لسان ) الكذاب (إلى إقرار بما يدل على التهمة) وأما حكم الرواة والتعبد
فى العمل بروايتهم فقد أبانه المصنف بقوله ( على أنا غير متعبدين ) بالباطن أى
مما فى نفس الأمر مما لا نعلمه من أحوال بواطن العباد (ومتى صلح الظاهر حكمنا
به ولا حرج، ولله الحمد) قلت: إلا أن هذا ينبنى على أن الأصل العدالة أو على
أن المراد أن العدل بعد ثبوت عدالته لا يبحث عن حاله (ولنا صفوه) أى
الحديث ( ونوابه، وعلى الكاذب كيده ) للاسلام بالكذب فى أشرف علومه
(وعقابه) ثم استدل على عدم التعبد بما فى الباطن بقوله (وقد فعل نحو هذا سيد
المرسلين، وقال (( إن أحدكم يكون ألحن بحجته) فى النهاية : المراد أن أحدكم
يكون أعرف بالحجة وأفطن لها من غيره (وإنما أقضى بنحو ما أسمع، فمن حكمت
له بشىء من مال أخيه فإنما أقطع له قطعة من نار))) فانه صريح فى أنه صلى الله
عليه وسلم لم يكن مكلفاً إلا بالظاهر، وأدلته كثيرة كحديث ((إنى لم أومى أن
أفتش على قلوب الناس)) وحديث (( حتى يقولوا لا إله إلا الله )) (فهذا والوحى
ينزل عليه ، وجبريل يهبط إليه، وكذلك فعل أمير المؤمنين على عليه السلام من
م