النص المفهرس

صفحات 41-60

- ٤١-
عليه وآله وسلٍ ، فسأل صلى الله عليه وآله وسلم الصحابة فقالوا له : نعم ، فصلى
الركعتين اللتين سها عنهما)» وحديث عمران بن حصين أن النبى صلى الله عليه
وآله وسل «صلى العصر فسلم على ثلاث، ثم دخل صلى الله عليه وآله وسلم منزله فجاء
الخرباق وكان فى يديه طول، فناداه صلى الله عليه وآله وسلم فأخبره بصنعه
فخرج صلى الله عليه وآله وسلم وهو غضبان، فسأل الناس فأخبر وه، فأتم صلاته)»
وحديث معاوية بن خديج أن النبى صلى الله عليه وآله وسلم ((صلى بهم المغرب،
فسلم من ركعتين، ثم انصرف، فأدركه طلحة بن عبيد الله ، فأخبره بصنعه، فرجع
صلى الله عليه وآله وسلم فآتٍ صلاته)) فان هذه الأحاديث الثلاثة ليس الواقعة فيها
واحدة، بل سياقها يشعر بتعددها ، وقد غلط بعضهم فجعل حديث أبى هريرة وعمران
ابن حصين قصة واحدة ، ورام الجمع بينهما على نوع من التعسف الذى نستنكره
وسببه الاعتماد على قول من قال إن ذا اليدين اسمه الخر باقٍ، وعلى تقدير ثبوت أنه
هو فلا مانع أن يقع ذلك له فى واقعتين ، ولاسيما [ أنَّ ] فى حديث أبى هريرة أنه
صلى الله عليه وسلم سلم من ركعتين، وفى حديث عمران سامن ثلاث، إلى غير ذلك
من الاختلاف المشعر بكونبها واقعتين ، وكذا حديث معاوية بن خديج، ظاهر
أنها قصة ثالثة لأنه ذكر أنها المغرب، وأن المنبه على السهو طلحة بن عبيد الله
ومثال الثانى حديث على بن رباح قال : سمعت فضالة بن عبيد يقول: أَنى
رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو بخيبر بقلادة وفيها خرز وذهب، وهى من
المغنى تباع، فأمر صلى الله عليه وآله وسلم بالذهب الذى فى القلادة فنزع وحده،
ثم قال صلى الله عليه وآ له وسلم ((الذهب بالذهب وزنًا يوزن)) وحديث حنش
الصنعانى عن فضالة قال: اشتريت يوم خيبر قلادة فيها ذهب بانى عشر ديناراً،
فيها أكثر من اثنى عشر ديناراً ، فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم
٠

- ٤٢ -
فقال ((لا تباع حتى تفصل)) وفى لفظ له: كنا نبايع يوم خيبر اليهود الوقية الذهب
بالدينار ين والثلاثة، فقال صلى الله عليه وسلم ((لا تبيعوا الذهب إلا وزنًا بوزن)»
وفى رواية له «أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم عام خيبر بقلادة فيها خرز
وذهب ابتاعها رجل بسبعة دنانير - أو تسمة - فقال النبى صلى الله عليه وسلم
((لا، حتى يميز بينه وبينها)) الحديث، وفى رواية لحنش «كنا مع فضالة فى
غزوة، فصارت لى ولأصحابى قلادة بها ذهب وجوهر، فأردت أن أشتريها،
فقال لى فضالة : انزع ذهبها واجعله فى كفة واجعل ذهبك فى كفة ، فأتى سمعت
رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا
يأخذنّ إلا منلا بمثل)) وهذه الروايات كلها فى صحيح مسلم ، فقال البيهقى
وغيره : إن هذه محمولة على أنها كانت بيوعا شهدها فضالة ، فأداها كلها ،
وحقش أداها متفرقة
قلت : بل هما حديثان ، لا أكثر ، رواهما جميعاً حنش بألفاظ مختلفة ،
وروى على بن رباح أحدهما ، وبيان ذلك أن حديث على بن رباح شبيه
برواية حنش الثالثة وليست بينهما مخالفة إلا فى تعيين وزنها فى رواية حنش
دون رواية الآخر، فهذا حديث واحد ، اتفقا فيه على ذكر القلادة ، وأنها
مشتملة على خرز وذهب ، وأن النبي صلى الله عليه وسلم منع من بيعها حتى يميز
الذهب من غيره، وأما رواية حنش الأولى فليس فيها إلا ذكر المفاضلة فى
كون القلادة كان فيها أكثر من اثنى عشر ، والثمن كان فيها اثنى عشر ،
فنهاهم عن ذلك ، وروايته الثانية شبيهة بذلك، إلا أنها عامة فى النهى عن بيح
الذهب متفاضلا، وتلك فيها بيان القصة فقط ، والآخرة شبيهة بالثانية ، والقصة
التى وقعت فيها إنما هى التابعى، لا للصحابى، فوضح أنهما حديثان لا أكثر،
والله أعلم
ثم إن هذا كله لا ينافى المقصود من الحديث، فإن الروايات كنها متفقة على

-- ٤٣ --
المنع من بيع الذهب بالذهب ومعه شيء غيره ، فلو لم يمكن الجمع لما ضره
الاختلاف، والله أعلم
فهذان مثالان واضحان فيما يمكن تعدد الواقعة فيه، وفيما يبعد الجمع ، وما
إذا تعذر الجمع بين الروايات - بأن لا يكون المخرج واحدا- فلا ينبغى سلوك تلك
الطريق المتعسفة ، مثاله حديث أبى هريرة أيضا فى قصة ذى اليدين ، فان فى
بعض طرقه أن ذلك كان فى صلاة الظهر ، وفى أخرى فى صلاة العصر، وفى أكثر
الروايات قال ((فى إحدى صلانى العشىّ إما الظهر أو العصر)» فمن زعم أن رواية
أبى هريرة لقصة ذى اليدين كانت متعددة وقعت مرة فى الظهر ومرة فى العصر
لأجل هذا الاختلاف ارتكب طريقا وعراً ، بل هى قصة واحدة، وأدل دليل على
ذلك الرواية التى فيها التردد هل هى الظهر أو العصر، فانها مشعرة بأن الراوى
كان يشك فى أيهما ، ففى بعض الأحيان كان يغلب على ظنه أحدهما فيجزم به.
فإذا وقع فى بعض طرقه ، ويذكر أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال الناس
« ما يقول ذو اليدين)» قالوا: صدق، وفى أخرى « أ كما يقول ذو اليدين»
قالوا: نعم ، وفى أخرى فأومَوْا أنْ نعم ، فالغالب أن هذا الاختلاف من الرواة فى
التعبير عن صورة الجواب، ولا يلزم من ذلك تعدد الواقعة، قال العلائى: وهذه
الطريقة سلكها الشيخ محى الدين توصلا إلى تصحيح كل من الروايات صونا
للرواة الثقات أن يتوجه الغلط إلى بعضهم.
ثم ذكر أمثلة من الأحاديث حملها الشيخ على تعدد الواقعة والأقرب خلافه
ثم قال: ومما يمكن فيه احتمال تعدد الواقعة ويمكن أيضا الجمع بين الروايات ولو
اختلفت الخارج ما يكون الحمل فيه على طريقٍ من المجاز، كما فى حديث أن عمر
نذر باعتكاف ليله فى الجاهلية ، فسأل النبى صلى الله عليه وسلم فأمره النبى صلى
الله عليه وسلم أن يفى بنذره، وفى رواية اعتكاف يوم، وكلاهما فى الصحيح.

- ٤٤ -
والمتحقیق أنه نذر يوما بلیلته، وأمره صلى الله عليه وسلم بالوفاء بنذره، فعبر بعض
الرواة عنه بيوم وأراد بليلته، وبعضهم بليلة وأراد بيومها، والتعبير بكل واحد
من هذين عن المجموع من المجاز الشائع الكثير الاستعمال، أو بتقييد فى الأطلاق
کما فی حدیث یحی بن أبی کثیر عن عبد الله بن أبى قتادة عن أبيه فى النهى
عن مس الذكر باليمين ، فان بعض الرواة عن يحيى أطلق، وبعضهم قيد بحالة
البول، أو بتخصيص العام كما فى حديث مالك عن نافع عن ابن عمر فى زكاة
الفطر، وقوله فيه « من المسلمین » أو بتفسیر المبهم وتبیین المجمل کما فی حدیث
وائل بن حجر فى قصة صاحب النسعة ، فان فى رواية أبى هريرة عند الترمذى
إبهام كيفية القتل ، وفى حديث وائل عند مسلم بيانها .
وأما ما يتعذر فيه احتمال التعدد ويبعد فيه أيضا الجمع بين الروايات فهو
على قسمين: أحدهما : مالا تتضمن المخالفة بين الروايات اختلاف حكم شرعى ،
فلا يقدح ذلك فى الحديث، وتحمل تلك المخالفات على خلل وقع لبعض الرواة
إذا رووه بالمعنى متصرفين بما يخرجه عن أصله ، مثاله حديث جابر فى وفاء ذين
أبيه ،فانه مخرج فىالصحيح منعدةطرق ، وفی سیاقه تباین لا یتآنى الجمع فيه إلا
بتكلف شديد، لأن جميع الروايات عبارة عن دين كان على أبيه ليهودى فأوفاهم
مكن تخلة ذلك العام، ففى رواية وهب بن كيسان أنه كان ثلاثين وَسقا وأن النبى
صلى الله عليه وسلم كله فى الصبر فأبى، فدخل النبي صلى الله عليه وسلم النخل
فمشى فيها ثم قال لجابر (ُحُدَّله)) حدّله بعد مارجع النبى صلى الله عليه وسلم، وفى
حديث عبد الله بن كعب عن جابر أن النبى صلى الله عليه وسلم سألهم أن يقبلوا
تمر الحائط وبحلوه فأبوا، وفى رواية الشعبى عن جابر أن النبى صلى الله عليه وسلم
قإلى له «اذهب فَبَيْدِر كل تمر على ناحية)» وأنه صلى الله عليه وسلم طاف فى
أعظمها بيدرا ثم جلس صلى الله عليه وسلم فقال («ادعُ أصحابك)» فما زال يكيل

- ٤٥ -
لهم حتى أدى الله أمانة والدى ، وفى آخره « فإ الله البيادر كلها )) ؛ ففى هذه
الروايات اختلاف شديد كما ترى ، وفى حملها على التعدد بعد وتكلف، والأقرب
ما أشرنا إليه، وأن المقصود فى جميعها البركة فى النمر بسبب النبى صلى الله عقيه
وسلم ، وأن الاختلاف فى ألفاظها وقع من بعض الرواة .
وكذا حديث جابر فى قصة الجمل ، فان الروايات اختلفت فى قدر الثمن،
وفى الاشتراط وعدمه ، وقد ذكره البخارى مبينا فى موضعين من صحيحه ( ***
وقال : إن قول الشعبى بوقية أرجح، وأن الاشتراط أصح ، وهو ذهاب منه إلى
ترجيح بعض الروايات ، وأما دعوى التعدد فغير ممكن .
ومن ذلك حديث عائشة فى ضياع العقد ونزول آية التيمم، ففى رواية القاسم
أن المكان كان البيداء أو ذات الجيش وفيها «انقطع عقد لى))، وفيها أنهم
باتوا على غير ماء ، وفيها ( فبعثنا البعير الذى كنت عليه فوجدنا العقد محته ))
وفى رواية عروة أنها سقطت فى الأبواء، وفى رواية «فى مكان يقال له الصلصل))
وفيه ((أن القلادة استعارتها عائشة من أسماء)) وفيها ((انسلت القلادة من عنقها))
وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم أرسل رجلين يلتمسانها فوجداها، حضرت
الصلاة فا يدريا كيف يصنعان، وفى رواية أرسل ناسا وعين منهم أسيد بن
حضير ، وفيها أن الذين أرسلوا حضرتهم الصلاة فصلوا على غير وضوء.
قال ابن عبدالبر: ليس اختلاف النقلة فى العقد ولا فى القلادة، ولا فى الموضع
الذى سقط فيه ذلك لعائشة، ولا كونه لعائشة أو لأسماء، مما يقدح فى الحديث
ولا يوهنه ، لأن المعنى المراد من الحديث والمقصود هو نزول آية التيمم، ولم
یختلفوا فى ذلك .
*
قلت : وكلامه يشعر بتعذر الجمع بين الروايتين ، وليس كذلك، بل الجمع
بينهَما ممكن بالتعبير بالقلادة عن العقد، وبأن إضافتها إلى أسماء إضافة ماكس

-٤٦-
وإلى عائشة إضافة يد، وبأن انسلالها كان بسبب انقطاعها ، وبأن الارسال فى
طلبها كان فى ابتداء الحال ، ووجدانها كان فى آخره حين بعثوا البعير، وأما
قوله « إن الذين ذهبوا فى طلبها هم الذين وجدوها » فلا بعد فيه أيضا ، لاحتمال
أن يكون وجدانهم إياها بعد رجوعهم، وإذا تقرر ذلك كانت القصة واحدة ،
وليس فيها مخالفة ، إلا أن فى رواية عروة زيادة على ما فى رواية القاسم من
ذكر صلاة المبعوثين فى طلبها بغير وضوء، ولا اختلاف ولا تعارض فيها
ومن الأحاديث التى رواها بعض الرواة بالمعنى الذى وقعله وحصل منه
ذلك الغلط لبعض الفقهاء بسببه: ما رواه العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن
أبى هريرة أن النبى صلى الله عليه وسلم قال ((كل صلاة لا يقرأ فيها بأم القرآن
فهى خداج)) الحديث، ورواه عنه سفيان بن عيينة وإسماعيل بن جعفر وروح
ابن القاسم وعبد العزيز الدراوردى وطائفة من أصحابه، وهكذا رواه عنه شعبة
فى رواة حفاظ أصحابه، وانفرد وهب بن جرير عن شعبة بلفظ ((لا تجزىء صلاة
لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب)» حتى زعم بعضهم أن هذه الرواية مفسرة للخداج
الذى فى الحديث وأنه عدم الاجزاء ، وهذا لا يتأتى له إلا لوكان مخرج الحديث
مختلفا، فأما والسند متحد فلا ريب أنه حديث واحد اختلف لفظه، فتكون
رواية وهب بن جرير شاذة بالنسبة إلى ألفاظ بقية الرواة، لا تفاقهم دونه على
اللفظ الأول، لأنه يبعد كل البعد أن يكون أبو هريرة سمعه باللفظين ثم نقل
عنه ذلك .
ومن ذلك حديث الواهبة نفسها ، فان مداره على أبى حازم عن سهل بن
سعد، واختلف الرواة على أبى حازم، فقال مالك وجماعة معه ((فقد زوجتكها))
وقال ابن عيينة ((أنكحتكما)) وقال ابن أبى حازم ويعقوب بن عبد الرحمن
((ملكتكها)) وقال الثورى ((أملكتكها)) وقال أبو غسان ((أمكنا كها)» وأكثر
هذه الروايات فى الصحيحين ، فمن البعيد جداً أن يكون سهل بن سعد شهد

- ٤٧ -
هذه القصة من أولها إلى آخرها مراراً عديدة فى كل مرة لفظ غير الذى سمعه
فى الأخرى ، بل ربما يعلم ذلك بطريق القطع، وأيضا فالمقطوع به أن النبى
صلى الله عليه وسلم لم يقل هذه الألفاظ كلها فى مرة واحدة تلك الساعة ، فلم يبق
إلا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لفظاً منها وعبر عنه بقية الرواة بالمعنى،
والله أعلم .
ثم إن الاختلاف فى الإسناد إذا كان بين ثقات متساوين وتعذر الترجيح
فهو فى الحقيقة لا يضر فى قبول الحديث والحكم بصحته، لأنه عن ثقة فى الجملة ،
ولكن يضر ذلك فى الأصحية عند التعارض مثلا، تحديث لم يختلف فيه عن
راويه أصلا أصح من حديث اختلف فيه فى الجملة ، وإن كان ذلك الاختلاف
فى نفسه يرجع إلى من لا يلتزم القدح ، انتهى ما نقله الحافظ ابن حجر عِن
الحافظ العلانى مع اختصار لبعض الأمثلة، وهو وإن طال نافع جداً، سيما مع
اختصار المصنف المقال ، وهو مفتقر إلى الإطانة، وذكرنا ما سردنا من الأمثلة
لتكون طريقا تسلك أمثالها فى أمثاله .
ولما ذكر المصنف أنه « ما اختلف فيه كلام راويه أو رواته ) أبان أنه
مقيد بقيد التساوى، فقال (وإنما يسمى مضطرباً إذا تساوت الروايتان
المختلفتان فى الصحة) ولا يخفى أنه كان ينبغى ذكر هذا القيد فى رسم
المضطرب (وإن ترجحت إحداهما لم يطلق عليه اسم الاضطراب على الراجح)
إذ الذى عارضه كالعدم لمرجوحيته (والحكم حينئذ له) أى للراجح، وأما حكم
الاضطرب ، فأشار إليه بقوله ( والاضطراب يوجب ضعف الحديث لإٍشعاره
بعدم ضبط رواته ) فإن كان واحداً فظاهر، وإن كان أكثر من واحد فقه
اشترك الكل فى عدم الضبط ، وإنما يزول عن البعض بالترجيح .
(ومن أمثلة مضطرب المتن حديث فاطمة بنت قيس المرفوع ) قالت :
سألت - أوسئل النبى صلى الله عليه وسلم- عن الزكاة؛ فقال (إن فى المال حقة

-٠ ٤٨ -
سوى الزكاة ، رواه الترمذى هكذا) بإثبات حق فى المال غير الزكاة (وَرواه
ابن ماجة عنها) عن فاطمة بنت قيس بلفظ ( ليس فى المال حق سوى الزكاة ،
وإسناده واحد عن شريك عن أبى حمزة عن الشعبى عنها). قال الزين : فهذا
الاضطراب لا يحتمل التأويل، وقول البيهقى (( إنه لا يحفظ لهذا اللفظ الثانى
إسناد )» معارضٌ بما رواه ابن ماجة، انتهى . وقال البقاعى: هذا لا يصح أن
يكون مثالا لمضطرب المتن ، أما أولا فلأن أباحمزة شيخَ شريكٍ ضعيفٌ ، فهو
مر دود من قبل ضعف راويه، لا من قبل اضطرابه، وأما ثانياً فإنه يمكن تأويله
بأنها روت كلا اللفظين عنه صلى الله عليه وسلم، ويكون الحق المثبَتُ فى اللفظ
الأول المراد به الحق المستخب الذى لم يجب، كصدقة النفل وإكرام الضيف
ونحو ذلك ، كما يقال: حقك واجب علىَّ، والحق المنفى فى اللفظ الثانى هو
الفرضُ ، اهـ . وقوله مردود من قبل الضعف، وذلك أن الشرط فى المضطرب :
أن يكون علة رده هو الاضطراب لا غير، ولولاه لكان صحيحاً .
(ومثال الاضطراب فى الإسناد ماوقع فى إسناد حديث أبى هريرة مرفوعاً
فى السترة) للمصلى (((فإن لم يجد عصاً فليخط خطً)) فإنهم اضطربوا فى اسم
بعضٍ رواته اضطراباً كثيراً) وذلك أن الحديث رواه أبوداود وابن ماجة من
رواية إسماعيل بن أمية عن أبى عمرو بن محمد بن حريث عن جده حريث عن أبى
هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ((إذا صلى أحدكم فليجعل شيئاً تلقاء
وجهه)»، الحديث، وفيه «فإن لم يجد عصاً ينصبها بين يديه فليخط خطاً)).
وقد اختلفوافيه على إسماعيل اختلافاً كثيراً ، فرواه بشربن المفضل وروح ابن
القاسم عنه هكذا ، ورواه سفيان الثورى عنهُ عن أبى عمرو بن حريث عن أبيهعن
أبىهريرة ، ورواه حمید بن الأسود عنه عن أبى عمرو بن محمد عنعمرو بن جريت
ابن سليم عن أبى هريرة ، ورواه وهيب بن خالد وعبد الوارث عنه عن أبىعمرو
ابن حريث عن جده حريث ، ورواه ابن جريج عنه عن حريث بن عمار عن

- ٤٩ -
أبى هريرة، ورواه داود بن علية الحارثى عنه عن أبى عمرو بن محمد عن جده حريث
ابن سليمان ، قال أبو زرعة الدمشقى : لا نعلم أحدا أثبته ونسبه غير داود ، ورواه
سفيان بن عيينة عنه ، فاختلف فيه على ابن عيينة ، قال ابن المدينى : عن
ابن عيينة عن إسماعيل عن أبى محمد عمرو بن حريث عن أبيه عن جده حريث
رجل من بنى عذرة ، قال سفيان: لم نجد شيئا نشدّ به هذا الحديث، ولم يجىء
إلا من هذا الوجه، قال ابن المدينى: قلت له : إنهم يختلفون فيه، فتفكر ساعة
ثم قال : ما أحفظه إلا أبا محمد بن عمرو، ورواه محمد بن سلام البيكندى عن ابن
عيينة مثل رواية شريك بن المفضل وروح، ورواه مسدد عن ابن عيينة عن
إسماعيل عن عمرو بن حريث عن أبيه عن أبى هريرة ، ورواه عمار بن خالد
الواسطى عن ابن عيينة عن إسماعيل عن أبى عمرو محمد بن عمرو بن حريث بن
سليم، وفيه من الاضطراب غير ما ذكرت ، انتهى من شرح ألفية الزين .
وقال تلميذه الحافظ ابن حجر: بقى أمر يجب التيقظ له، وذلك أن جميع
مَنْ رواه عن إسماعيل بن أمية عن هذا الرجل إنما وقع بينهم الاختلاف فى اسمه
أو كنيته ، وهل روايته عن أبيه أو جده أو عن أبى هريرة بلا واسطة ، وإذا
تحقق الأمر فيه لم يكن فيه حقيقة الاضطراب، لأن الاصطراب هو الاختلاف
الذی یؤثر قدحا، واختلاف الرواة فی اسم رجل لا يؤثر ذلك ، لأنه إن كان ذلك
الرجل ثقة فلا ضير، وإن كان غير ثقة فضعف الحديث إنما هو من قبل ضعفه ،
لا من قبل اختلاف الثقات فى اسمه، فتأمل ذلك، ومع هذا كله فالطريق التى
ذكرها ابن الصلاح ثم شيخنا قابلة لترجيح بعضها على بعض ، والراجحة منها
يمكن التوفيق بينها ، فينتفى الاضطراب أصلا ورأسا .
ثم قال الحافظ: تنبيه - قول ابن عيينة (( لم نجد شيئا نشد به هذا الحديث
ولم يجىء إلا من هذا الوجه)» فيه نظر ، فقد رواه الطبرانى من طريق أبى موسى
( ٤ - تقيح ٢)

٠ ٥٠ -
الأشعرى، وفى إسناده أبو هرون العقدى، وهو ضعيف، ولكنه وارد على
إطلاق ابن عيينة النفى .
قلت : يحتمل أنه يريد لم نجد شيئا صحيحا، ولكنه لا يناسبه قوله (( ولم
يجىء إلا من هذا الوجه » فانه ظاهر فى نفى مجيئه من غيره مطلقاً.
قال : ثم وجدت له شاهدا آخر ، وإن كان موقوفا ، أخرجه مسدد فىمسنده
الكبير، فقال : حدثنا هشيم ، حدثنا خالد الحذاء ، عن إياس بن معاوية ، عن
سعيد بن جُبير، قال : إذا كان الرجل يصلى فى فضاء فلیر کز بین یدیهشيئا، فان
لم يستطع أن يركزه فليعرضه، فان لم يكن معه شىء فليخط خطا فى الأرض،
رجاله ثقات، وقول البيهقى «إن الشافعى ضعفه)» فيه نظر، فانه احتج به فيما وقفت
عليه فى المختصر الكبير للمزنى، والله أعلم.
ولهذا صحح الحديث أبو حاتم بن حبان والحاكم وغيرهما وذلك مقتضى ثبوت
عدالته عند من صححه ، فما يضره بعد ذلك أن لا ينضبط اسمه إذا عرفت
ذاته ، انھی .
* *
٤٠
مسألة
[ فى بيان حقيقة المدرج ، وأنواعه ، وحكمه]
من علوم الحديث (المدرج) (١) اسم مفعول من أدرجه بمهملتين وجيم
(١) المدرج - بضم الميم وفتح الراء - اسم مفعول فعله أدرج. وتقول:
أدرجت الكتاب إذا طويته، وتقول: أدرجت الميت فى القبر، إذا أدخلته فيه
وتقول : أدرجت الشىء فى الشىء ، إذا أدخلته فيه وضمنته إياه ، ومنه قول
الصرفيين ((الادغام إدراج أول المثلين فى الآخر» والبحث عنه فى اصطلاح
علماء الأثر يتعلق بخمسة أمور: أولهاتحديده وبيان معناه فى عرفهم ، وثانيها

(أقسام) أربعة كما يعدها المصنف : قسم فى المتن ، وثلاثة فى الاسناد ، هكذا
قسمه ابن الصلاح، وتبعه الزين ، قال الحافظ ابن حجر: قد قسمه الخطيب
الذى صنف فيه إلى سبعة أقسام، وسيأتى ما ذكره الحافظ فى تلخيصه لكلام
الخطيب ، إن شاء الله تعالى.
أقسامه ومثال كل قسم ، وثالثها دواعيه ، ورابعها بم يعرف الادراج ،
وسنقول كلمة موجزة عن كل واحد من هذه المباحث :
أما تعريفه فقد قال علماء هذا الفن : إن الحديث المدرج ما كانت فيه زيادة
ليست منه، وقال الامام النووى فى التقريب : المدرج أقسام : أحدها مدرج
فى حديث النبى صلى الله عليه وسلم بأن يذكر الراوى عقيبه كلاما لنفسه أو
لغيره فيرويه من بعده متصلا، وفى هذا التعريف قصور من جهتين : الأول
أنه لا يشمل مدرج الاسناد، ومنشأ ذلك أنه قسمه أولا ثم عرف مدرج المتن
وحده، وقد عرف أن التعريف ينبغى أن يتقدم على التقسيم مادام من الممكن
أن يكون ثمة تعريف ينطبق على جميع الأقسام، ولا شك أن التعريف الذى
ذكرناه أو لا يمكن تطبيقه على أقسام المدرج كلها . والجهة الثانية أنه - بعد
كونه قاصرا على بيان حقيقة مدرج المتن - لا يشمل إلا نوعا واحدا منه،
وهو ما كان الادراج فيه فى آخر المتن
وأما أقسامه فإنه ينقسم أولا إلى قسمين : الأول مدرج المتن، والثانى
مدرج الاسناد، وكل واحد منهما ينقسم إلى ثلاثة أقسام :
أما مدرج المتن فان الزيادة قد تكون قبله ، وقد تكون فى وسطه ،
وقد تكون عقيبه
أما الزيادة قبل المتن فمثل ما ذكره المؤلف من رواية أبى قطن و شبابة عن
شعبة عن محمد بن زياد عن أبى هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
(( أسبغوا الوضوء، ويل للأعقاب من النار»
وأما الزيادة فى وسط المتن فمثل ما ذكره المؤلف أيضا مما رواه الدار قطنى
فى السنن من طريق عبد الحميدبن جعفر عن هشام بن عروة عن أبيه عن بسرة
بنت صفوان قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ((من مس
ذكره أو أنثييه أو رفغيه فليتوضأ)» ومثله أيضا حديث عائشة فى بدء الوحي

- ٥٢ -
(الأول : ما أدوج فى آخر الحديث من قول بعض رواته ، إما الصحابى أو
مَنْ بعده موصولا بالحديث من غير فَصْل) تأكيد لما قبله ( فيلتبس على من
لا يعلم الحال) أى الكلام النبوى من غيره (فيحسب الجميع موصولا) وذلك
عند البخاري وغيره «كان النبى صلى الله عليه وسلم يتحنث - وهو التعبد -
فى غار حراء الليالى ذات العدد)) فان تفسير التحنث بالتعبد من كلام الزهرى
أحدرواة الحديث
وأما الزيادة فى عقيب المتن فمثل ما ذكره المؤلف ممارواه أبوداود من طريق
زهير بن معاوية عن الحسن بن الحر عن قاسم بن مخيمرة عن علقمة عن ابن
مسعود، وهو حديث التشهد، وجاء فى آخره ((إذا قلت هذا أو قضيت هذا
فقد قضيت صلاتك ، إن شئت أن تقوم فقم ، وإن شئت أن تقعد فاقعد )»
فان الكلام الأخير من كلام ابن مسعود ، والذى أدرجه فى الحديث المرفوع
هو زهير بن معاوية
وقد تكفل الشارح المحقق ببيان هذه الأمثلة البيان الكافى
وأما مدرج الاسناد فأقسامه ثلاثة أيضاً ، أولها: أن يكون الراوى سمع
حديثا بأسانيد مختلفة ويرويه بكل واحد منها ، فيجىء راو عنه فيجمع الكل
على إسناد واحد من غير ان يبين شيخ كل راو من رواة هذا الحديث ، وثانيها:
أن يكون الحديث عند راو باسناد ، وعنده حديث آخر باسناد آخر؛ فيأتى
أحد الرواة عنه فيروى أحد الحديثين باسناده الخاص به ويدخل فيه الحديث
الآخر كله أو بعضه من غير بيان أنه مروى باسناد غير الاسناد الذى ذكره ،
وثالثها: أن يسمع الحديث إلا طرفا منه من شيخه ويسمع ذلك الطرف من آخر
عن شيخه فيرويه تاما عن شيخه مباشرة من غير أن يذكر الواسطة
وأمادواعى الادراج فكثيرة، منها: أن يقصد الراوى أن يبين حكما أو
نحو ذلك، ويريد أن يستدل عليه بقول النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا فى
الادراج قبل المتن، ومنها أن يريد الراوى بيان حكم يستنبط من كلام النبي صلى
الله عليه وسلم، وهذاقد يكون فى الادراج فى وسط المتن بعد ذكر ما يستنتج
منه ذلك الحكم، وقد يكون فى الادراج عقيب المتن كله . ومنها : أن
يريد الراوى تفسير بعض الألفاظ الغريبة فى الحديث النبوى
م

- ٥٣-
(كحديث ابن مسعود، وقوله بعد التشهد («فاذا فعلت ذلك فقد تمت صلاتك)))
تمامه ((إِن شئت أن تقوم فقم، وإن شئت أن تتعد محمد)) أخرجه أبو داود
(هذا) من قوله «فاذا فعلت إلى آخره» (موقوف على الصحيح) من كلام
واعلم أن أغلب مارود من الأدراج كان فى عقب آخر الحديث، ويليه الادراج
قبل الحديث ، وأقل الثلاثة الادراج فى وسط الحديث
فأما ما يعرف به الادراج فأهمه ثلاثة أمور : الأول ورود الحديث فى
رواية أخرى رجالها ثقات خاليا من هذه الزيادة ، والثانى أن ينص الراوى نفسه
على الادراج أو ينص عليه بعض الأئمة المطلعين ، والثالث أن نعلم أنه مستحيل
أن يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا القول، مثل ماورد فى الصحيح
عن أبى هريرة مرفوعا ((للعبد المملوك أجران، والذى نفسى بيده لولا الجهاد
فى سبيل الله والحج وبر أمى لأحببت أن أموت وأنا مملوك)) فانا نعلم علم
اليقين أن قوله ((والذى نفسى بيده - إلخ)) يستحيل أن يكون صادرا عن
رسول الله صلى الله عليه وسلم، لوجهين: أحدهما أن الرسول لا يمكن أن
يتمنى الرق، وثانيهما أن أمه صلوات الله عليه وسلامه قد ماتت فى صغره
وأما حكم الادراج فقد شدد العلماء فيه فجعلوه حراما، وقال الحافظ
السيوطى : وكل الادراج بأقسامه حرام باجماع أهل الحديث والفقه ، وعبارة
ابن السمعانى وغيره: من تعمد الادراج فهو ساقط العدالة ممن يحرف الكلم عن
مواضعه، وهو ملحق بالكذابين، وعندى أنه إن أخرج لتفسير غريب لا يمنع
ولذلك فعله الزهرى وغير واحد من الأئمة. اهـ. ونستطيع أن نلخص هذا
الوجه بأن نقول: الادراج إما أن يكون القصد منه تفسير غريب وإما لا ،
فان كان الغرض منه تفسير غريب فلابأس به سواء أجه بالتفسير عقب الانتهاء
من الحديث أم جاء به فى أثنائه عند ذكر المفسر ، وإن كان الغرض شيئا غير
تفسير الغريب فاما أن يقع من الراوى عن عمد وإما أن يقع عن خطأ ، فان
وقع عن عمد فهذا هو الذى أراده العلماء بالتحريم ، و إن وقع عن خطأ فليس
بحرام لأن المخطىء لا تثريب عليه، لكن إذا زاد علؤه صار غير ثقة فلا
تكون محل القبول، والله اعلم
٠

- ٥٤
ابن مسعود (وقد أدرجه بعضهم فى الحديث) وهو زهير بن معاوية أبو خيثمة،
فأنه وصله بالمرفوع فى رواية أبى داود هذه ، قال الحاكم: قوله ((إذا فعلت هذا)»
مُدرج فى الحديث من كلام عبد الله بن مسعود، وكذا قال البيهقى فى المعرفة ،
وكذا قال الخطيب فى كتابه الذى جمعه فى المدرج: إنها مدرجة، وقال النووى
فى الخلاصة : اتفق الحفاظ على أنها مدرجة ، انتهى.
ويدل لادراجها رواية شبابة بن سوار عنه، ففصله وبين أنه من قول ابن
مسعود، قال: قال عبد الله « فاذا فعلت ذلك فقد قضيت ما عليك من الصلاة،
فان شئت أن تقوم فتم، وإن شئت أن تقعد فاقعد )) رواه الدار قطنى، وقال :
شبابة ثقة ، وقد فَصَل آخر الحديث جعله من قول ابن مسعود، وهو أصح من
رواية من أدرج آخره ، ورواه غير شبابة وفصله وبين أنه من قول ابن مسعود.
( فاحتجت به الحنفية على أن السلام لا يجب ) بناء منهم على عدم إدراج
هذه الزيادة ، وهو خلاف ما قاله الأئمة الحفاظ كما عرفت :
قلت : واستدل لهم الطحاوى على ما ذهبوا إليه من عدم وجوب السلام
فی کتابه « معانی الآثار » بما أخرجه بسنده إلى عبد الله بن عمرو أن رسول الله
صلى الله عليه وسلم قال (( إذا رفع المصلى رأسه من آخر صلاته وقضى تشهده ثم
أحدث فقد تمت صلاته)) وبحديث أنه صلى الله عليه وسلم « صلى الظهر خمساً
فلما سلم أخبر بصنيعه فثنى رجله وسجد سجدتين )) أخرجه الطحاوى أيضا بسنده
من حديث ابن مسعود ، قال : ففى هذا الحديث أنه أدخل فى الصلاة ركعة من
غيرها قبل السلام، ولم يرذلك مفسدا الصلاة، ولورآه مفسدا لها إذاً لأعادها
فلما لم يعدها وقد خرج منها إلى الخامسة لا بتسليم دل ذلك أن التسليم ليس من
صلبها ، ألا ترى أنه لو كان جاء بالخامسة وقد بقى عليه مما قبلها سجدة كان ذلك
مفسدا للأربع، لأنه خلطهن بما ليس منهن، فلو كان السلام واجبا كوچوب
-

-٥٥-
سجود الصلاة لكان حکمه أيضاً كذلك، ولکنه بخلافه، فهو سنة .
ثم قال : وقد روى أيضا فى حديث أبى سعيد الخدری ان رسول الله صلى
الله عليه وسلم قال (( إذا صلى أحدكم فلم يدر أثلانا صلى أو أر بما فليين على اليقين
ويدع الشك، فان كانت صلاته نقصت فقد أتمها، وكانت السجد نان يرغمان
الشيطان، وإن كانت صلاته تامة كان ما زاد والسجدتان له نافلة)» فقد جعل
صلى الله عليه وسلم الخامسة الزائدة والسجدتين اللتين المسهو تطوعا، ولم يجعل
ما تقدم من الصلاة بذلك فاسداً ، وإن كان المصلى قد خُريج منها ، فثبت بذلك
أن الصلاة تتم بغير تسليم ، وأن التسليم من سنتها لا من صلبها، انتهى كلامه.
وإنما سقناه لتعلى أن الحنفية لهم أدلة غير هذه الزيادة المدرجة وإن كانت
هذه الأدلة التى أتى بها الطحاوى مما يدخله التأويل على تسكاف، وهذا المثال
فى الأدراج فى آخر الحديث
(و) قد ( يكون الكلام المدرج فى أوله) أى الحديث ، قال الحافظ بن حجر:
وهو نادر جداً ( مثل أن يتكلم الصحابى بأمر يذهب إليه، ثم يحتج عليه بلفظ
حديث، ثم يقول: هكذا قال رسول الله صلى الله عليه وساء وهو يعنى ما احتج
به لاما احتج عليه، فيتوهم السامع أن الجميع مرفوع، وقد يقع ذلك) الأدراج
فى الأول مع فصل الصحابى لكلامه ، على جهة الوهم من السامع، مثل حديث.
أبى هريرة « أسبغوا الوضوء، ويل للأعقاب من النار)) رواه الخطيب من رواية
أبى قطن وشبابة فرقهما عن شعبة عن محمد بن زياد عن أبى هريرة ، قال : قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم « أسبغوا الوضوء، ويل للأعقاب من النار))
فقوله ((أسبغوا الوضوء) من قول أبى هريرة وصل الحديث فى أوله ( فان البخارى
رواه عنه) أى عن أبى هريرة فى صحيحه عن آدم بن أبي إياس عن شعبة عن
محمد بن زياد عن أبى هريرة قال: أسبغوا الوضوء فان أجا القاسم صلى الله عليه

١
- ٥٦ -
وسلم قال ((ويل للأعقاب من النار)) قال الخطيب: وهم أبو القطن عمرو بن الهيثم
وشبابة بن سوار فى روايتهما هذا الحديث عن شعبة على ماسقناه ، وذلك أن قوله
((أسبغوا الوضوء)» كلام أبى هريرة، وقوله («ويل للأعقاب من النار)) كلام التبى
صلى الله عليه وسلم، وذكر جماعة من الحفاظ رووه عن شعبة ، وجعلوا الكلام
الأول کلام أبى هريرة والكلام الثانى مرفوعاً ، وقد عرفتمراده بقوله (والرایوی
لهما جميعاً عنه محمد بن زياد ) فانه روى المدرجة والموصولة، ولكن ليس الوهم من
محمد بن زياد، بل من أبى قطن وشبابة كما عرفت، على أن قوله ((أسبغوا الوضوء)
قد ثبت من كلام النبي صلى الله عليه وسلم ، من حديث عبد الله بن عمرو فى
الصحيح ، قال الحافظ : وفتشت ماجمعه الخطيب فى المدرج ، ومقدار مازدت
عليه فلم أجد له مثالا آخر إلا ماجاء فى بعض طرق حديث بسرة الآنى من رواية
محمد بن دينار عن هشام بن حسان
(وقد يقع ذلك) أى الأدراج ( فى وسط الكلام ، مثل أن يروى حديث
ومذهب ، فيسمعهما سامع فيحسبهما حديثين فيرويهما على هذه الصورة ، وهى)
أى صورة الأدراج (متقاربة، وأكثرها وقوعا هو الأول) وهو الادراج فى
آخره (ومثال هذا الأخير) وهو وقوع الأدراج فى الوسط ( مارواه الدارقطنى
فى سننه من رواية عبد الحميد بن جعفر أى ابن عبد الله بن الحكم الأنصارى
المدنى ، قال النسائى : ليس به بأس، وكذا قال أحمد ، وقال ابن معين: ثقة
(عن هشام بن عروة) بن الزبير، وهشام إمام معروف كبير القدرثقة (عن
أبيه) عروة (عن بسرة) بضم الموحدة وسكون السين المهملة (بنت صفوان)
وهى صحابية جليلة ( مرفوعا (من مس ذكره أو أنثييه أورفغيه) تثنية رفع بضم
الراء وتفتح وسكون الفاء فغين معجمة، وهو واحد الأرفاغ ، وهو أصول المغابن
كالأبط والحوالب وغيرهما من مطاوى الأعضاء وما يجتمع فيه الوسخ والعرق،
قاله فى النهاية (فليتوضأ)» قال الدار قطنى: كذا رواه عبدالحميد عن هشام، ووم

:٥٧.
فى ذكر الأنثيين والرفع، فجعلهما من المرفوع، والمحفوظ أن ذلك من قول عروة،
وكذلك) أى كونه من قول عروة (رواه الثقات عن هشام، منهم أبيب
السختيانى وحماد بن زيد وغيرهما ، ثم رواه) أى الدار قطنى (من طريق
أيوب) السختيانى ( بلفظ ((من مس ذكره فليتوضأ)) قال) أى أيوب (وكان
عروة يقول: إذا مس رفغيه أو أنثييه أو ذكره فليتوضأ) فبين أن ذلك من تحول
عروة ، لا أنه من المرفوع، وقد ثبت أن أيوب أثبت من عبد الحميد، وقد
وافقه غيره، فكان روايتهم دليلا على إدراج عبد الحميد لتلك الزيادة (وكذا
قال الخطيب: إن عبد الحميد تفرد بذلك) فحكم بأدراج ما تفرد به تقديما لرواية
غيره عليه ممن هو أثبت منه ( وأما زين الدين مخالف ) كلام الدار قطنى والخطيب
(وقال: إنه) أى عبد الحميد (لم ينفرد بذلك، فقد رواه الطبرانى فى المعجم
الکبیر من رواية أبی کامل الجحدری عن یزید بن زُریع) تصغیر زرع، ٹال
فى الميزان: شيخ رملى لا يكاد يعرف، يروى عن عطاء الخراسانى، ضعفه ابن
معين ، قال الحافظ ابن حجر على كلام شيخه الزين: هو كما قال، إلا أنه
مدرج أيضا، والذى أدرجه أبو كامل الجحدرى رواية عن يزيد ، وقد خالفه
عبيد الله بن عمر القواريرى وأبو الأشعث أحمد بن المقدام وأحمد بن عبيد الله
العنبرى وغير واحد فروره عن يزيد بن زُرَيعَ موصولا، انتهى (عن أيوب
عن هشام عن أبيه عن بُسْرة مرفوعا بلفظ الحديث المعروف أولا، سوى) [أى
الذی فیه رفْعُ الزيادة، لكنه قال الحافظ : إنه بینالدار قطنى أنه مدرج (قال
زين الدين: واختلف فيه على يزيد بن زريع) عبارته «وعلى هذا فقد اختلف
فيه)) (ورواه الدار قطنى أيضا من رواية ابن جريج عن هشام عن أبيه عن
مروان) بن الحكم بن أبى العاص، يأتى بيان حاله (عن بسرة بلفظ «إذا مس
أحدكم ذكره أو أنثييه، ولم يذكر الرفع، وزاد فى السند مروان بن الحكم،

٥٨-
قلت: أما طريق ابن زُرَيع فلا تنهض دليلا على صحة الحديث) وأنه لا إدراج
فيها (لما وقع فيها من الاختلاف على يزيد) ولأنه أى يزيد كما قال الذهبى لا يكاد
أن يعرف ( ولما له من العلة بمخالفة أيوب وحماد وغيرهما من الثقات من سأئر من
روى حديث بسمرة) قال الحافظ ابن حجر: إنه رواه عشرون من الحفاظ
مقتصرين على المرفوع منه فقط ( بل سائر مَنْ روى حديث مس الذكر من
الصحابة عن النبى صلى الله عليه وسلم) فانه رواه منهم جابر وأبو هريرة وعبد الله
ابن عمر وزيد بن خالد وسعد بن أبى وقاص وأم حبيبة وعائشة وأم سلمة وابن
عمرو على بن طلق والنعمان بن بشير وأنس وأبى بن كعب ومعاوية بن حيدة
وقبيصة وأروى بنت أنس، سرده الحافظ ابن حجر فى التلخيص ثم خرج
روايتهم ( وأما طريق ابن جريج فهى مردودة بمروان بن الحكم فهو مجروح عند
أهل البيت وعند غيرهم ، بل لا يعلم فى ذلك خلاف ) فإنه نقل المصنف فى
العواصم أنه قال ابن حبان فى مقدمة صحيحه : عائذاً بالله أن نحتج بروان وذويه
فى شىء من كتبنا، وقال ابن قدامة الحنبلى فى كتابه الكافى على مذهب الامام
أحمد بن حنبل فى باب صفة الأئمة : فى إمامة الفاسق بالأفعال روايتين: إحداها
قصح، لقوله صلى الله عليه وسلم لأبي ذر (« كيف بك إذا كان عليك أمراء
يميتون الصلاة - الحديث)) إلى قوله فى الاحتجاج: وكان الحسن والحسين
عليهما السلام يصليان وراء مروان، انتهى، وفيه بيان مقدار معرقتهم بمقدار
أهل البيت ، ويموضع أعدائهم من الفسق ، انتهى ( وإنما روى عنه المحدثون
أحاديث يسيرة كما رواها معه غيره من الثقات، كما بينت ذلك فى العواصم).
قال فيه : ان قلت : فما الوجه فى روايته عنهم؟
الجواب من وجهين :
الأول: أن الرواية لا تدل على التعديل كما ذكره الأمام يحيي وابن الصلاح

وقد روى زين العابدين وعروة بن الزبير عن مروان ، ولم يدل ذلك على عدالته
عندها ، فكذلك رواية المحدثين عنهم ، ثم ذكر ما قدمناه من قول النووى فى
شرح مسلم (« إنه قد روى مسلم فى الصحيح عن جماعة من الضعفاء إلى آخر
ماقدمناه )) قال المصنف : فدل على أنهم قد يروون عمن ليس بثقة عنده ، فان
قلت: فما عذرهم فى ذلك ؟ قلت : لهم عذران فيه : أحدهما الرغبة فى على الأسناد
لما فيه من التسهيل على طلبة هذا الشأن مع كون الحديث معروفا عندهم باسناد
نازل من طريق الثقات ، وثانيهما - وهو كثير الوقوع - أن يكون الحديث
مرويامن طرق كثيرة ،فى كل منهما ضعف، لكن بعضها يجبر بعضا ويقويه،
ويشهد له، مع كون بعض الرواة عدلا فى دينه صدوقا فى قوله كثير الوهم، علم
يعتمد عليه وحده فى التصحيح لولا ما جبر ضعفه من الشواهد والمتابعات التى
يحصل من مجموعها قوة كبيرة توجب الحكم بصحة الحديث أو حسنه، فیذ کرین
بعض طرقه الضعيفة ويتركون بعض الطرق للاختصار والتقريب على طلبة الهم،
ثم إنه سرد الأحاديث المروية عن مروان، وهى لا تبلغ عشرة أحاديث، وذكر
من رواها غيره من الثقات، ثم قال: وبالجملة فلم يرو مروان إلا عن على عليه
السلام وعثمان وزيد بن ثابت وأبى هريرة وبسرة وعبد الرحمن بن الأسود،
وقد ذ کرت جميع ما روى عنهم .
الوجه الثانى: أن رواية المحدثين عنه - مع تصريحهم بماله من الأفطال
القبيحة - تدل على ما ذكره الحافظ ابن حجر فى مقدمة شرح البخارى آآت
روايتهم عنه كانت قبل أحداثه أيام كان عندهم فى المدينة واليا من جهة الخلفاء
قبل أن يتولى الخلافة ، انتهى .
قلت : أماهذا المفر الذى ذكره المصنف عن الحافظ ابن حجرفهو عذر بالمال
وإن أقره المصنف ، فان أعظم ما قدحوا به على مروان قتله لطلحة أحد الغشيرة

- ٦٠ -
وقتلُه له كان يوم الجمل اتفاقا، قال الذهبي: وحضر الوقعة يوم الجمل وقتل طلحة
ونجا، فليته مانها، وكذلك ذكره فى النبلاء، ومعلوم أنه لم يتولَّ المدينة فى
عصر أحد من الخلفاء إنما ولاه إياها معاوية، فلم يَلِها إلا بعد قتله لطلحة، قال
الذهبي فى النبلاء : إن مروان قتل طلحة، ثم قال : قاتل طلحة فى الوزر بمنزلة
قاتل على ، انہی ..
وإذا عرفت هذا فالعذر للمحدثين فى الرواية من مروان هو الأول.
(وقد تكلم عليه ابن عبد البر فى الاستيعاب) قال المصنف فى العواصم :
وممن ذكر مروان أبو عمر بن عبد البر فى الاستيعاب، ولم يذكره بتقوى ولا
وصفه بديانة ، إل روى عن على عليه السلام أنه نظر إليه يوما فقال: ويلك!
وويل أمة محمد منك ومن بنيك إذا شابت ذراعاك! وكان يقال له « خيط باطل)»
وفيه يقول أخوه عبد الرحمن بن الحكم لما بويع له بالخلافة :
لحا الله قوما مَلَّكوا خيطَ باطلٍ على الناس يُعْطِى من يشاء ويمنع
(والذهبى فى النبلاء، وقال) أى ابن عبدالبر أو الذهبى، لكن اللفظ المذكور.
رأيناه لابن عبد البر ( فى ترجمة طلحة) من الاستيعاب ( إنه الذى قتله، رماه
بسهم على جهه الغدر، وهو من جملة أصحابه ) فان مروان خرج مع أهل الجمل فى
حرب على عليه السلام (وقال) أى الذهبى ( فى الميزان فى ذكر مروان: قتل
طلحة ونجا فليته مانجا) قال المصنف فى العواصم: فلو كان عنده من أهل
الصحاح ما تمنى له الهلاك، وكره له النجاة ، وقد نص فى الميزان على أن له أعمالا
موبقة، قال المصنف: وهذا تصريح بفسقه ( وذكر) أبو محمد ( ابن حزم أنه كان
فاسقا غير منأوّل، أو كما قال) ولفظه عنه فى العواصم : وقال ابن حزم فى أسماء
الخلفاء والأئمة وقد ذكر بعض مساوى مروان : وهو أول من شق عصا المسلمين
بلا شبهة ولا تأويل، وقتل النعمان بن بشير أول مولود فى الاسلام فى الأنصار
صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذكر أنه خرج على ابن الزبير بعد أن
١