النص المفهرس

صفحات 1-20

من ذخائر المخطوطات والمؤلفات المنية
١
تَوضَّحُ الأَفَازُ
لمعانى شفيج الأنظار
العلامة البارع والحجة المتقن محمد بن إسماعيل الأمير
الحسنى الصنعانى صاحب ((سبل السلام))
المتوفى فى عام ١١٨٢ من الهجرة
حققه ، وكتب له مقدمة علمية
فى نشأة العلوم الاسلامية عامة وعلم أصول الحديث خاصة
◌ُحَدُ الدَّرْ عَبْدَالحَّدْ
مفتش العلوم الدينية والعربية
بالجامع الأزهر والمعاهد الدينية
لِرعُالثَّانِى
النَّاشِر
المكتَبة السَّلفية
المدِينَة المنُوّة

-
4
1
-
.
-
1

- ٣ -
٣٥
مسألة
[ فى بيان حقيقة المنكر، وأقسامه ]
(المنكر (١)) اسم مفعول (قال الحافظ أبو بكر أحمد بن هرُون
(١) اعلم أولا أن المنكر فى اللغة اسم مفعول فعله أنكره بمعنى جحده
أو لم يعرفه، وأنه يقابل المعروف اسم مفعول فعله عرفه. ثم اعلم ثانيا أن
للعلماء فى بيان حقيقة المنكر فى اصطلاح المحدثين وأيين : أحدهما - وهو
الذى اشتهر عن الحافظ ابن حجر، وهو الذي ذكره فى نخبة الفكر بقوله
(( وزيادة راوى الصحيح والحسن مقبولة، مالم تقع منافية لمن هو أو ثق ،
فان خولف بأرجح فالراجح المحفوظ ، ومقابلة الشاذ، ومع الضعف فالراجح
المعروف، ومقابلة المنكر)) اهـ. وحاصله أن الحافظ ابن حجر اشترط فى تسمية
المنكر منكرا شرطين : أحدهما أن يكون راويه ضعيفا، وثانيهما أن يخالف
بذلك الثقة . ومثاله مارواه ابن أبى حاتم من طريق حبيب بن حبيب - وهو
أخو حمزة بن حبيب الزيات المقرى - عن أبى إسحاق عن العيزار بن حريث
عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم ((من أقام الصلاة، وآتى الزكاة ،
وحج البيت، وصام، وقرى الضيف دخل الجنة)) قال أبو حاتم : هذا حديث
منكر، لأن غيره من الثقات رواه عن أبى إسحاق موقوفا . وعلى هذا الرأى
الذى ذهب إليه الحافظ ابن حجر يكون المنكر مبايضا للشاذ، لأنه يشترط فى
راوى الشاذ أن يكون ثقة، ويشترط فى راوى المتكر أن يكون ضعيفا ،
وقد ظهر ذلك بما أخذه فى تعريف كل واحد منهما من القيود . والرأى الثانى
- وهو رأى ابن الصلاح نقله عن أبى بكر أحمد بن هارون البرديجى الحافظ
بلاغا - وحاصله أن المنكر هو (( الحديث الذى ينفرد به الرجل ، ولا يعرف
متنه من غير روايته ، لامن الوجه الذى رواه منه، ولامن وجه آخر»
وقال ابن الصلاح عقيب روايته لهذا التعريف عن أبى بكر البرديجى ما نصه =

- ٤ -
البَرْديجى) بموحدة مفتوحة وتكسر فراء ساكنة فدال مهلة مكسورة فمثناة
تحتية نجيم نسبة إلى بَرْديج بزنه فَعليل بلدة بينها وبين برذعة نحو أربعة وعشرين
فرسخا، ينسب إليها هذا الحافظ، وبرذعة بموحدة فراء ساكنة فذال معجمة
فعين مهملة، وهى مدينة بأرّان: إن حقيقة المنكر ( هو الحديث الذى ينفرد به
= ((وأطلق البرديجى ذلك ولم يفصل، وإطلاق الحكم على التفرد بالرد أو
النكارة أو الشذوذ موجود فى كلام كثير من أهل الحديث ، والصواب فيه
التفصيل الذى بيناه آنفا فى شرح الشاذ)) اهـ. والتفصيل الذى يشير إلى أنه
بينه آنفا فى شرح الشاذ هو قوله « إذا انفرد الراوى بشىء نظر فيه ، فان
كان ما انفرد به مخالفا لما رواه من هو أولى منه بالحفظ لذلك وأضبط كان ما
انفرد به شاذا مردودا، وإن لم تكن فيه مخالفة لما رواه غيره وإنما هو أمر
رواه هو ولم يروه غيره فينظر فى هذا الراوى المنفرد ، فان كان عدلا حافظا
موثوقا باتقانه وضبطه قبل ما انفرد به ولم يقدح الانفراد فيه، وإن لم يكن
من يوثق بحفظه وإتقانه لذلك الذى انفرد به كان انفراده خارما له مزحزحا له
عن حيز الصحيح . وهو بعدذلك دائر بين مراتب متفاوتة بحسب الحال، فان
كان المنفرد به غير بعيد من درجة الحافظ الضابط المقبول تفرده استحسنا
حديثه ذلك ولم تحطه إلى قبيل الحديث الضعيف، وإن كان بعيدا من ذلك
رددنا ما انفرد به وكان من قبيل الشاذ المنكر، فرج من ذلك أن الشاذ المردود
قسمان : أحدهما الحديث الفرد المخالف ، والثانى الفرد الذى ليس فى راويه
من الثقة والضبط ما يقع جابرا لما يوجب التفرد والشذوذ من النكارة
والضعف)) اهـ. وحاصل هذا الكلام أن المنكر والشاذ عنده مترادفان، وأن
كل واحد منها عبارة عن مخالفة الراوى لمن هو أرجح منه ، وأن كل واحد
منهما ينقسم إلى قسمين : مقبول، ومردود، وقد قال الحافظ جلال الدين
المنيوطى فى ألفية الحديث :
. والذى رأى ترادف المنكر والشاذ نأى
!
يريد بالذى رأى ترادف المنكر والشاذ ابن الصلاح ، وقدحكم عليه بأنه
بعد عن التحقيق .

- ٥ -
الرجل ، ولا یعرفمتنهمن خیر روايته لامن الوجه الذىرواه منه ولامن وجه آخر)
هكذا رواه ابن الصلاح عن الحافظ أبى بكر بلاغا، فقال (( بلغنا عن أبى بكر)»
( ثم اعترضه ابن الصلاح، وقال: هو ينقسم إلى ما ينقسم إليه الشاذ، وهو بمعنى
الشاذ، قلت: وكان يَليق ألا يجعل نوعا وحده) قال الحافظ ابن حجر على قول
ابن الصلاح (( إِنه ينقسم إلى ما ينقسم إليه الشاذ)) مالفظه: هما مشْتركان فى
كون كل واحدٍ منهما على قسمين، وإنما اختلافهما فى مراتب الرواة ، فالضعيف
إذا انفرد بشىء لامتابع له ولا شاهد، وَلم يكنْ عنده من الضَّبْط ما يشترط فىحد
الصحيح والحسن، فهذا أحد قسْى الشاذ، فان خولف فيما هذه صفته مع ذلك كانَ
أشد شذوذاً وربما سماه بعضهم منكراً، وإن بلغ تلك المرتبة فى الضبط لكنه
خالف من هو أرجح منه فى الثقة والضبط فهذا القسم الثانى من الشاذ، وهوَ المعتمد
فى تسميته، وأما إذا انفرد المستور أو الموصوف بسوء الحفظ فى بعضدون بعض
أو الضعف ، فى بعض مشايخه بشىءٍ لامتابع له ولا شاهد عليه فهذا أحد قسْمى
المنكر، وهو الذى يوجد فى إطلاق كثير من أهل الحديث، فإِنْ خواف فى
ذلكَ فهو القسم الثانى، وهو المعتمد على رأى الأكثرين ، فبَان بهَذا فَصْلُ
المنكر منَ الشاذ، وأن كلا منهما قسمان يجمعهما مطلق التفرد، أو مع قيد
المخالف ، انتهى .
وقال فى النخبة وشرحها وشرح شرحها - بعد ذكر نحوماذكره الحافظ هنا -
مالفظه: وعرف بهذا أى بما ذكرناه من التقرير الدالّ على الفرق بين الشاذ
والمنكر أن بينهما عموماً وخصوصاً(١) من وجه، وهو أنه يُعتبر فى كل منهما شئء
(١) قد عرفت فيما قرر ناه من شرح حقيقة المنكر عند ابن حجر وابن
الصلاح أن ابن حجر يرى أنهما متباينان لأنه قد اشترط فى كل واحد منهما
شيئًا لم يشترطه الآخر ، وأن ابن الصلاح يرى أنهما مترادفان، فالقول بأن=
:

- ٦ -
لا يعتبر فى الآخر ويعتبر فى كليهما شىء آخر، حيث اعتبر فى كليهما مخالفة
الأرجح ، وفى الشاذ مقبولية الراوى، وفى المنكر ضعفه، لأن بينهما اجتماعاً فى
اشتراط المخالفة، وافتراقا فى أن الشاذ راوية ثقة أو صدوق، والمنكر راويه
ضعيف، أى لسوء حفظه أو جهالته أو نحو ذلك .
قال: وقد غَفَل أى عن هذا الاصطلاح أو عن هذا التحقيق من سَوَّى
بينهما، أراد به ابنَ الصّلاح فانه سوى بينهما، انتهى .
(وقال الحافظ ابن حجر فى مقدمة شرح البخارى) المعرُوف بفتح البارى
( فى ترجمة ◌ُرَيْد بضم الموحدة هو ابن عبد الله بن أبى بُرْده ابن أبى موسى: إن
أحمد وغيره يطلقون المنا كير على الأفراد المطلقة).
قال ابن الصّلاح: وإطلاق الحكم على التفرد بالرد أو النكارة أو الشذوذ
موجود فى كلام كثير من أهل الحديث.
قال ابن حجر : قلتُ: وهوَ ما ينبغى التيقظ له ؛ فقد أطلق الإمام أحمد
والنسائى وغير واحد من النقاد لفظ المنكر على مجرد التفرد ؛ لكن حيث
لا يكون المنفرد فى وزن مَنْ يُحكم لحديثه بالصّحة بغير عاضد يعضده، انتهَى.
= بينهما عموما وخصوصا وجهيا لا يجرى على أحد الرأيين اللذين شرحناهما ،
اللهم إلا أن يكون مراده من العموم والخصوص الوجهى غير المعنى الذى
اصطلح عليه المناطقة، وذلك بأن يكون المرادأن فى حد كل من المنكر والشاذ
وصفا مشتركا، وأن فى حد المنكر وصفا يختص به بعد ذلك الوصف المشترك،
وفى حد الشاذ وصفا يختص به بعد ذلك الوصف المشترك، وعلى هذا التفسير
يكون المنكر نوعا من مخالفة الأرجح ، والشاذ نوعا آخر منه، ومعنى هذا
أن مخالفة الراوى لمن هو أرجح منه جنس يشترك فيه الشاذو المنكر ، ثم إن كان
الراوى الذى خالف من هو أرجح منه ضعيفا حديثه منكر ، وإن كان ثقة
غير أنه أقل ممن خالفه حديثه شاذ، وهذا بين فى كلام الشارح ، فاعرف ذلك .

- ٧ -
قلت : وفى مقدمة صحيح مسلم: وعلامة المنكر فى حديث المحدث ما إذا
عُرضت روايتُه للحديث على رواية غيره من أهل الحفظِ والرضا خالفت روايته
روايتهم ولم يكذبوا فيها، فاذا كانَ الأغلب من حديثه ذلكَ كان مهجور الحديث
غير مقبوله ولاً مستعمله، فعلى هذا رواية المتروك عند مسلم يسمى منكراً
قال الحافظ : وهذا هو المختار.
٣٦
مسألة
. . [ فى بيان حقيقة الأفراد ]
من أنواع علوم الحديث (الأفراد(١)) لم يفردها بتعريف لأنه يعرف،
إذ لا يخلو ( إما أن يكون الحديث فرداً مطلقاً) أى غير مقيد بشىء، كما يعرف
من مقابله (فحكمه حكم الشاذ والمنكر كما تقدم) قال الحافظ ابن حجر: إنه
ينقسم المطلق إلى نوعين : أحدهما تفرد شخص من الرواة بالحديث دون غيره
(١) المراد الحديث الفرد، وذكره من باب التكملة لبحث النوعين السابقين
واعلم أولاأن الفرد على ضربين: أحدهما الفرد المطلق، أى الذى لم يقيد بقيدما،
وثانيهما الفرد المقيد براو أو برواية عن راو معين أو بأهل بلد أو نحوه ذلك
فأما الفرد المطلق فهو (( الحديث الذى انفرد به راو واحد، سواء تعددت
الطرق إلى ذلك الراوى المتفرد به أم لم تتعدد)» وحكم هذا النوع أنه ينظر
فى هذا الراوى المتفرد به ، فان كان قد بلغ حد الضبط والانقاز تحديثه صحيح
يحتج به مع تفرده به ، وإن كان لم يبلغ حد الضبط والاتقان لكنهقريب من
هذا الحد تحديثه حسن يحتج به أيضا، وإن كان بعيدامن حد الضبط والاتقان

- ٨ -
والثانى قد ينقسم أيضاً دون غيره قسمين أحدهما بقيد كون الفرد ثقة ، والثانى
لابقيد، فأما أمثلة الأول فكثيرة جداً ، وقد ذكر شيخنا فى منظومته له حديث
ضمرة بن سعيد عن عُبيد الله بن عبد الله بن أبي واقد فى القراءة فى الأضحى،
قال شيخنا: لم يروه أحدٌ من الثقات غير ضمرة بن سعيد، وَله طريق أخرى
من طريق عائشة سندها ضعيف ، انتهى .
قلت : الحديث المشار إليه لفظه (( كان النبى صلى الله عليه وآله وسلم يقرأ
فى الأضحى والفطر بقاف واقتربت الساعة)) رواه مسلم وأصحاب السنن.
كان حديثه ضعيفا مردودا، مثال الأول من هذه الثلاثة حديث النهى عن
بيع الولاء وهبته، فان هذا حديث تفرد به عمرو بن دينار عن ابن عمر ،
وعمرو بن دينار رجل ضابط متقن. وأما الفرد المقيد - ويسمى الفرد
النسبى، ومعناه أنه فرد بالنسبة والاضافة إلى شىء معين ، مثل أن يقال : لم
يروه من الثقات غير فلان ، فان معناه أنه قد رواه غيره لكن من غيرالثقات،
أو يقال: لم يروه عن فلان سوى فلان ، فان معناه أنه قد رواه غير فلان.
لكن عن غير الذى رواه فلان عنه، أو يقال : لم يروه غير أهل الكوفة
وإطلاق اسم الفيردعلى هذا النوع قليل، وأكثر ما يستعمل لفظ الفرد فى الفرد
المطلق ويقال للفرد المقيد: غريب ، ولكن جماعة من العلماء لا يفرقون بين الأفراد
والغرابة ، فتراهم يقولون : تفرد به فلان ، ويقولون : أغرب بهفلان، والمعنى
واحد. فأما القيد الأول الذى يقال فيه (« لم يروه من الثقات غير فلان))
فان حكمه حكم الفرد المطلق وقد تقدم ، وذلك لأن غير الثقة لا التفات إليه ،
وإنما العبرة والنظر إلى ذلك الثقة المتفرد به، وأما القيدان الثانى والثالث
- وهما أن يقال: لم يروه عن فلان إلا فلان، أو يقال: لم يروه غير أهل
مصر مثلا - فان حكمهما أن ينظر إلى الطريق ، فان استوفى شروط الصحة
فصحيح، وإن استوفى شروط الحسن فسن، وإن نزل إلى درجة الضعف
فهو ضعيف .

- ٩ -
قال : وأما أمثلة الثانى فكثيرة جداً منها فى الصحیحین حديث ابن عيينة
عن عمرو بن دينار عن أبى العباس عن عبدالله بن عمر فى حصار الطائف، تفرد
به ابن عيينة عن عمرو، وعمرو عن أبى العباس، وأبو العباس عن عبدالله بن عمر
كذلك .
ومثال النوع الثانى حديث عائشة فى صلاة النبي صلى الله عليهوآله وسلم على
سهل بن بيضاء، له طريقان رواتهما كلهم مدنيون، قال الحاكم : تفرد أهل
المدينة بهذه السنة .
أو يكون مقيداً ، وهو نوعان: الأول قوله (أو مقيداً، بالنسبة إلى الثقات،
كقولهم : لم يروه من الثقات إلا فلان ، فلا يحتج به إلا أن يكون مَنْ رواه من
غير الثقات قد بلغ مرتبة الاعتبار) ويأتى تحقيقها قريباً (كذا فص عليه الزين
ولفظه ((إذا كان القيد بالنسبة لرواية الثقة كقولهم لم يروه ثقة إلا فلان فان حكمه
قريبٌ من حكم الفرد المطلق، لأن رواية غير الثقة كلا رواية ، إلا أن يكون
قد بلغ رتبة مَنْ يعتبر بحديثه)) انتهى (والصحيح أنه يأتى فيه ما يأتى فى الشاذ
من التفصيل) وقد مضى ذلك .
والثانى قوله ( أو مقيداً بالنسبة إلى بلد، كأفراد الكوفيين والمصريين ،
فلا ضعف فيه) لأنه ليس مفرداً ما تفرد به جماعة من أهل الكوفة أو البصرة،
- نعم إن تفردبه واحد منهم فهو الذى أشار إليه بالاستثناء بقوله (إلا أن يتسبب إليهم
مجازاً ، والمنفرد به واحد منهم) كأن يقال: تفرد به الكوفيون مثلا، والمنفرد به
واحدٌ من أهل الكوفة ، فنسب التفرد إليهم مجازاً من باب « عقروا الناقة))
(فيكون حكمه حكم ما انفرد به واحد كما تقدم) لأنه هو، وإنما قال فيه بالنسبة .
قلتُ: قد جعل الحافظ ابن حجر النِّسِيَّ أربعة أنواع(١)
(١) الواقع أنه لا ينحصر فى أربعة أنواع، ولا فى خمسة، بل أنواعه =

-١٠ -
الأول: تفرد شخص عن شخص، كحديث عبدالواحد بن أيمن عن أبيه عن
جابر فى قصة الكدية التى عرضت لهم يوم الخندق؛ أخرجه البخارى ؛ وقد تفردبه
عبدالواحد بن أيمن عن أبيه؛ وقد روى من غير حديث جابر ؛ وأمثلة ذلكَ
فى كتاب الترمذى كثيرة جداً؛ بل قد ادّعى بعض المتأخرين أن جميع ما فيه
من الغرائب من هذا القبيل؛ وليس كما قال لتصريحه فى كثير منه بالتفرد المطلق
الثانى: تفرد أهل بلد عن شخص؛ كحديث («القضاة ثلاثة)) تفرد به أهل
مَرْوعن عبد الله بن بريدة عن أبيه ، وقد جمعتُ طرقه فى جزء.
الثالث: تفردشخص عن أهل بلدٍ عن أهل بلد أخرى، مثاله ما رواه أبوداود
من حديث جابر فى قصّة المشجوج ((إنما كان يكفيه أن يتيمم ويَعْصب على جرحه
= متكاثرة، وإنما تضبط أنواعه بأن يكون فيه انفراد بالنسبة إلى شىء
معين، وانظر إلى قول ابن الصلاح ((وأما ما هو فرد بالنسبة فمثل ما ينفرد
به ثقة عن كل ثقة ، ومثل ما يقال فيه : هذا حديث تفرد به أهل مكة ، أو
تفرد به أهل الشام.، أو أهل الكوفة، أو أهل خراسان عن غيرهم ، أو لم
بروهعن فلانغیر فلان ، وإن كان مرويا من وجوه عن غير فلان ، أو تفردبه
البصريون عن المدنيين ، أو الخراسانيون عن المكيين ، وما أشبه ذلك ،
ولسنا نطول بأمثلة ذلك فانه مفهوم دونها )) اهـ . فان هذه العبارة تنادى
بعدم انحصار أنواعه فى الأربعة، وعذر الحافظ ابن حجر أن الحاكم أباعبد الله
قد سبق إلى تقسيم الأفراد إلى ثلاثة أقسام حيث قال ((وهو على ثلاثة أنواع :
النوع الأول منه معرفة سنن لرسول الله صلى الله عليه وسلم يتفرد بها أهل
مدينة عن واحد عن الصحابى ... والنوع الثانى: أحاديث يتفرد بروايتهارجل
واحد عن إمام من الأئمة ... فأما النوع الثالث من الأفراد فانه أحاديث
لأهل المدينة تفرد بها عنهم أهل مكة مثلا، وأحاديث لأهل مكة ينفرد بها
عنهم أهل المدينة مثلا، وأحاديث ينفرد بها الخراسانيون عن أهل الحرمين
مثلا ، وهذا نوع یعز وجوده وفهمه » اهـ .

- ١١ -
خرقة)) قال ابن أبى داود فيما حكاه الدار قطنى فى السنن : هذه سنة تفرد بها
أهل مكة وحملها عنهم أهل الجزيرة ؛ انتهى.
قلتُ: ظاهر هذا الكلام أن التفرد شامل لتفرد الصحابى، وأنه يجرى فيه
ما ذكر من الأحكام ؛ وهوَ مشكل؛ فانه كم من حديث تفرد به صحابى ؛ فأن
خصّوا هذا التفرد بمنْ عدا الصحابة فهو تخصيصٌ لبعض الثقات عن بعض ؛
فلينْظر؛ وهَذا يجرى فيما سلف من بعض أقسام الشاذ ..
٠٠
أ
(وَهَذا القسم) وهو الأفراد ( أخره ابن الصلاح وزين الدين إلى ما بعد
الاعتبار والمتابعات ؛ ورأيت تقديمه أكثر مناسبة) لما بينه وبين ماسبقه من
المناسبة (والله أعلم).
٣٧
مسألة
[ فى بيان حقيقة الاعتبار والمتابعات والشواهد ]
من أنواع علوم الحديث ( الاعتبار والمتابعات (١) والشواهد ) هكذا عبارة
ابْن الصلاح؛ قال الحافظ ابن حجر عليها: قلتُ: هذه العبارة توهم أن الاعتبار
(١) إذا روى الثقة حديثا ما باسناد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم:
فان انفرد هذا الثقة بالحديث ولم يشار كه فيه أحد أصلا فهذا حديث فرد،
وقد يسميه بعض العلماء غريبا ، وقد بيناذلك سابقا، وإن شارك هذا الثقة
واو آخر فى روايته فرواه بهذا الاسناد عن شيخ الثقة الأول أوعن
شيخ شيخه فهذه الرواية التى شارك بها الثقة الآخر تسمي متابعة ، ويسمى
الثقة الآخر متابعا - بكسر الباء - غير أنه إن كان قد شارك الثقة الأول
فى شيخه المباشر سميت المتابعة تامة ، وإن كان قد شاركه فى شيخ شيخه أو

- ١٢ -
قسيم للمتابعات والشواهد، وليس كذلك، بل الاعتبار هى الهيئة الحاصلة فى
الكشف عن المتابعة والشاهد، وعلى هذا كان حق العبارة أن يقول «معرفة
فيمن فوق شيخ شيخه من رجال السند إلى الصحابى فانها تسمى متابعة ناقصة
أو متابعه قاصرة ، وإن لم يشارك الثقة الأول ثقة آخر فى إسناده ، ولكن
وجد المتن مرويا من حديث صحابى آخر بلفظ الأول ومعناه جميعا أو بمعناه
وحده فذلك المروى عن الصحابى الآخر يسمى شاهدا. والاعتبار هو نظر
المحدث أو المجتهد فى حديث الثقة والبحث عن متابعاته وشواهده إن كانت.
خذلك مثالا تتبين منه هذه الحقائق : لو روى الشافعى عن مالك عن
عبد الله بن دينار عن ابن عمر عن النبى صلى الله عليه وصلم حديثا ما، تنظر
فان وجدنا ثقة آخر قد شارك الشافعى فى رواية هذا الحديث عن مالك عن
شيوخه إلى آخر السند فهذه متابعة تامة ، وإن لم يشارك الشافعى أحد فى
الرواية عن مالك لكن شاركه فى رواية هذا الحديث عن ثقة آخر غير مالك
عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر ، أو رواه عن ثقة غير مالك عن ثقة غيرابن
دينار عن ابن عمر ، فهذه متابعة ناقصة أو قاصرة ، وإن لم تجد شيئا من هذه
المشاركات ولکنا وجدنا حديثاً لمحابی آخر غیر ابن عمر یوافقحديث ابن
عمر فى لفظه ومعناه جميعا أو فى معناه دون لفظه ، فان حديث الصحابى الآخر
يسمى شاهدا وتتبع طرق الحديث فى الجوامع والمسانيد والأجزاء حتى نعلم
أن له متابعا أوشاهداً أو ليس له شىء منهما هو الذى نسميه الاعتبار، وليس
الاعتبار قسيما للمتابعة أو الشواهد كما قد يتوهم من عبارة ابن الصلاح حيث
قال (( النوع الخامس عشر معرفة الاعتبار والمتابعات والشواهد)).
قال الحافظ ابن حجر فى النزهة: (( واعلم أن تتبع الطرق من الجوامع
والمسانيد والأجزاء، لذلك الحديث الذى يظن أنه فرد ، ليعلم هل له متابع
أم لا - هو الاعتبار، وقول ابن الصلاح «معرفة الاعتبار والمتابعات
والشواهد)) قديوهم أن الاعتبار قسيم لهما، وليس كذلك، بل هو هيئة
التوصل إليهما )) اهـ.

- ١٢ -
الاعتبار للمتابعة والشاهد)) وما أحسن قول شيخنا فى منظومته(١).
الاعتبار سَبْرُكَ الحديثَ هل تابع راوٍ غيرَه فيما حَلْ
فهذا سالم من الاعتراض ، انتهى .
وذلك لأن الاعتبار هوَ نفس معرفة القسمين ، أو علة معرفتهما ، وليس
قَسيما لهما لعدم اندراج الثلاثة تحْتَ أمر واحد، فان التقسيم هوّ ضم القيود المتباينة
أو المتخالفة إلى المَقْسم، وليس هذا كذلك، بل الاعتبار هيئة للتوصُّل إلى
المتابع أو الشاهد، فكيف يكون قسماً لهما ( هذه ألفاظ يتداولها أهل الحديث
بينهم، فالاعتبار) حقيقته (أن يأتى) المحدث (إلى حديث لبعض الرواة فيعتبره
بروايات غيره من الرواة) واعتباره يكون (بَيْرِهِ) أى المحدث أى بتَنَّسُعه
( طرق الحديث ليعرف) المحدث (هل يشاركه ) أى يشارك الراوى (في)
رواية ( ذلك الحديث ) الذى سَبَرَ طرقه ( راو غيرُه) أى غير ذلك البعض
(فرواه) أى ذلك الغير (عن شيخه) عن شيخ البعض فيكون شيخاً لهما
(فاذا لم يجد ) من يشاركه فى شيخه تتبع الطرق فاذا لم يجد فيها من رواه عن
شيخه ( فعن شيخ شيخه إلى الصحابى) أى يكون السبر والتقبع إلى أن يثهی
إلى الصحابى (فان وجد من رواه عن أحدٍ منهم) من شيوخه (فهو تابع) أى
المروى من طريق أخرى غير طريق البعض ، فانه يسمى تابعاً، فالاعتبار طرييق
لمعرفة التابع، فان كان عن شيخه فهذه هى المتابعة التامة، وظاهر كلامهم أنه
لا يطلق عليها اسم الشاهد كما يطلق على مايأتى فى قوله( وقد يسمى ما وجدمن
التوابع عن شيخ شيخهفمن فوقه شاهداً كما يسمى نابعاً) وهو ظاهر فى أنه لا يسمى
القسم الأول شاهداً ( وإن لم يجد) بعد تتبع الطرق عن شيخه ولا عن شيخ
(١) مثله قول الحافظ جلال الدين السيوطى فى ألفيته فى مصطلح الحديث
٠
(١٠٤ بشرحنا):
الاعتبار سبر ما يرويه هل شارك الراوى سواه فيه
٠

- ١٤ =-
شيخه (نظرت : هل رواه أو معناه أحدٌ عن النبى صلى الله عليه وآله وسلم من غير
طر یقذلك الصحابى، فان وجدت فهو شاهد) ولا يسمى تابعاً (وسيأتى فى مراتب
الجرح والتعديل بيان من يعتبر به فى التوابع والشواهد، إن شاء الله تعالى)
فالمعتبر إمّا أن يجد من رواه عن شيخ ذلكَ الراوى الذى هو بصدد اعتبار
روايته فهى المتابعة التامة ؛ أو لا يجده لكنه وجده عن شيخ شيخه فهى متابعة
ويقال لها شاهداً، أولا يجد إلا عن صحابى آخر فهوشاهد لاغير ؛ لكنه قسمان:
إما أن يجده بلفظه أو بمعناه، فكانت الأقسام أربعة : متابعة تامة ، متابعة غير
قامة ، شاهدٌ باللفظ، شاهدٌ بالمعْنى.
مثال المتابعة التامة ما رواه الشافعى فى الأم عَنْ مالك عن عبد الله بن دينار
عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((الشهر تسع وعشرون ،
ولا تصوموا حتى تروا الهلال، ولا تفطروا حتى تروه، فان غُمَّ عليكم فأ كملوا
العدّة ثلاثين)) فإن الحديث المذكور فى جميع الموطّآت عن مالك بهذا الاسناد
فأشار البيهقى إلى أن الشافعى تفرد بهذا اللفظ ، فنظرنا فاذا البخارى قد روى
الحديث فى صحيحه فقال: حَدّثنا عبدالله بن مسلمة القعنى ، حدثنا مالك عن
عبد الله بن دينار عن ابن عمر ، فساقه باللفظ الذى ذكره الشافعى، فهذه متابعة
قامة فى غاية الصحّة لرواية الشافعى، والعجب منَ البيهيقى كيف خفيّتْ عليه؟
ودلّ أن مالكاً رواه عن عبدالله بن دينار باللفظين معاً، قاله الحافظ ابن حجر
قلت: لاعجبَ منَ البيهقى، لأنه إنما ذكر أن الشافعى تفرد بذلك اللفظ
عن رواية الموطأت ، وهَذا صحيح، وليسَ فى كلامه أنه لامتابع له ، بل القول
بأن رواية البخارى متابعة تامة دليل تقرير كلام البيهقى فى تفرد الشافعى .
ثم قال الحافظ . وقد توبع عليه عبد الله بن دينار من وجهين عن ابن عمر
رضى الله عنهما: أحدهما أخرجه مسلم من طريق أبي أسامة عن عبيد الله بن
عمر عن نافع عن ابن عمر، فذكر الحديث، وفى آخره «فان غم عليكم فاقدُروا

- ١٥ --
ثلاثین » والثانى أخرجه ابن خزيمة فى صحيحه من طريق عاصم بن محمد بن زيد
عن أبيه عن ابن عمر بلفظ ((فإن غم عليكم فكملوا ثلاثين)) فهذه متابعة
أيضاً لكنها ناقصة
وأما شاهده فله شاهدان : أحدهما من حديث أبى هريرة ، رواه البخارى
عن آدم عن سعيد عن محمد بن زياد عن أبى هريرة، ولفظه « فإن غم عليكم
فأ كملوا عدة شعبان ثلاثين)» وثانيهما من حديث ابن عباس أخرجه النسائى من
رواية عمرو بن دينار عن محمد بن حنين بلفظ حديث ابن دينار عن ابن ◌ُمَرّ ،
فهذا مثال صحيح بطريق صحيحة للمتابعة التامة ، والمتابعة الناقصة، والشاهد
باللفظ ، والشاهد بالمعنى ، انتهى
( وإن لم يجدْ شيئاً من التوابع والشواهد فالحديث فرد من الأفراد، ولم
يمثله ابن الصلاح ولا زين الدين بمثال مرضى ) بل ولا غير مرضى، فنهما لم
يذكرا له مثالاً أصلاً
فائدة - قال ابن الصلاح : واعلم أن هذا التتبع يكون منَ الجوامع وهى
الكتب التى جمعت فيها الأحاديث على ترتيب أبواب كتب الفقه كالأمهات
الست ، أو ترتيب الحروف الهجائية كما فعله ابن الأثير فى جامع الأصول،
أو ترتيبه عليها نظراً إلى أول حرف فى كل حديث ، ومن المسانيد ، وهى
من الكتب التى جمع فيها مسند كل صحابى على حدة على اختلاف فى مراتب
الصحابة وطبقاتهم والتزام نقل ما ورد عنهم ، صحيحاً كان أو ضعيفاً ؛ ومن
الأجزاء، وهى مادوّن فيه حديث شخص واحد أو أحاديث جماعة من مادّة واحدة
:

-- ١٦ -
٣٧
مسألة
.[ فى زيادة الثقات ]
من أنواع علوم الحديث ( زيادة الثقات(١) هى فن لطيف تُستحسن العناية
به ، وقد كان الفقيه أبو بكر بن عبد الله بن محمد بن زياد النيسابورى مشهور
بمعرفة ذلك ، وكذلك أبو الوليد حسان بن محمد القرشى تلميذ ابن سريح، وغير
واحد من أئمة الحديث) هذا كلام ابن الصلاح وزين الدين وزاد وأبو نعيم
الجرجانى(٢) ولميكنه قال بزيادات الألفاظ الفقهية فى الأحاديث
قال عليه الحافظ ابن حجر: مراده بذلك الألفاظ التى يستنبط منها الأحكام
الفقهية لاما رواه الفقهاء دون المحدثين فى الأحاديث، فان تلك تدخل فى المدرج
لافى هذا ، وإنما نبهت على هذا وإن كان ظاهراً لأن العلامة مغلطاى استشكل
ذلك على المصنفي ودل أنه ما فهم مغزاه ، قال ابن حبان فى مقدمة الضعفاء : لم
أر على أديم الأرض من كان يُحْسِنُ صنعَة السنن ويحفظ الصحاح بألفاظها ويقوم
(١) إذا روى حافظان ثقتان عدلان حديثا واحدا، ووقعت فى رواية
أحدهما لهذا الحديث زيادة لا يرويها الآخر، أو روى الحافظ الواحد الثقة
العدل حديثا ما مرتين ، ووقعت فى إحدى روايتيه زيادة لم يروها هو فى
الرواية الأخرى ، فقد تكون هذه الزيادة مما يتعلق به حكم شرعی وقد لا
تكون، وقد تكون مما يغير حكما ثابتا بغير هذا الحديث وقد لا تكون،
وقد تكون مما يوجب نقض حكم ثبت بخبر ليست هذه الزيادة فيه وقدلاتكون.
وقد اختلف علماء هذه الأمة فى هذه الزيادة : أمقبولة هى مطلقا، أم مردودة
مطلقا ، أم مقبولة فى حال دون حال، ولهم فى ذلك أقوال كثيرة، وقد
ذكر المصنف من هذه الأقوال ثلاثة، وأشار الشارح إلى أنها عشرة ،
وسنذكرها لك مفصلة عند قول المصنف ((وفى المسألة أقوال غير هذه)).
(٢) ليس ذلك زيادة ، بل ذكره ابن الصلاح أيضا.

- ١٧ -
بزيادة كل لفظة زادها ثقة فى الخبر حتى كأن السنن نُصْبُ عينيه إلا محمد بن
إسحاق بن خزيمة فقط
(واختلف العلماء فيها) أى فى حكم الزيادة من الثقات (فالذى عليه أئمة
أهل البيت قبولها ، وهو الذى حكاه الخطيب عن الجمهور من الفقهاء وأصحاب
الحديث، وادعى ابن طاهر الاتفاق على هذا عند أهل الحديث) فقال فى
مسألة الانْتِصار (( لا خلاف نجده بين أهل الصنعة أن الزيادة من الثقةٍ مقبولة»
(وشرط أبو بكر الصيرفى الشافعى والخطيب أن يكون راويها حافظاً) الظاهر أن
هذا الشرط لا خلاف فيه للعمل بها (و) شرط (ابن الصباغ) فى العدة ( أن
لا يكون) راوى الزيادة (واحداً، ومن روى الحديث ناقصاً) عن تلك الزيادة
(جماعةٌ) فاعل ((روى)) متَّصفين بأن (لا يجوز عليهم الوهمُ، ومجلس الحديث)
الذی سَمِع فيه راوی الزيادة وراوى النقص ( واحد) فهذه ثلاثة شروط زادها
ابن الصباغ، وكأنَّ دليله عليها أنه يُبُعُد أن يحفظ واحد ولا يحفظ جماعة ومجلس
السماع والشيخ واحد ، فإن الوهم يتطرق إلى الواحد دُون الجماعة ، ولهذا تنتقض
القاعدة المشهورة بأن « منْ حفظ حُجَّةٌ على من لم يحفظ)» بالتخصيص بمثل هذه
الصورة، ولم يستدل المصنف لهذا القول كما لم يستدل فغيره، وَلعله يقول دليل
قبولها مطلقاً ما عُلم من دليل وجُب قبول خبر الآحاد، وبهذا احتج مَنْ قبل
الزيادة مطلقاً، وهم الأولون ؛ فقالوا: إنّ الراوى إذا كان ثقة وانفرد بالحديث من
أصله كانَ مقبولاً، فكذلك انفراده بالزيادة، وَرُدَّهذا الاحتجاج مَن لم يقبله
بأنه ليسَ كل حديث تفرد به أيُّ ثقة كانَ مقبولاً كما سبق بيانه فى نوع الشاذ
وبالفرق بين تفرّد الراوى بالحديث من أصله وبين تقرده بالزيادة ، فان تفرده
بالحديث لا يتطرق نسبة السهو والغفلة إلى غيره من الثقات ، إذ لا مخالفة فى روايته
لهُم، بخلاف تفرده بالزيادة إذا لم يروها مَنْ هو أتقن حته حفظاً وأكثر عدداً،
فإن الظن غالبٌ بترجيح روايتهم على روايته؛ ومبنى هذا الأمر على غلبة الظن
(٢ - : قبح ٢)
..

- ١٨ -
واحتج بعض الأصوليين أنه من الجائزأن يقول الشارع كلاماً فى وقتٍ
:
-
فیسمعه شخصٌ ، ژیزیده فى وقت آخر فيحضره غير الأول، ویؤدی کل
ماسمع، وبتقدير اتحاد المجلس فقد يحضر أحدهما فى أثناء الكلام فيسمع ناقصاً
ويضبطه الآخرتاماً، أو ينصرف أحدهما قبل تمام الكلام ويتأخر الآخر،
وبتقدير حضورهما فقد يُدْهَل أحدهما أو يعرض له ألم أو جُوعٍ أو فكر شاغل
أو نحو ذلكَ منَ العوارض، ولا يعرض لمنْ حفظ الزيادة .
وأجيب عن هذا بأن الذى يَبْحث فيه المحدثون فى هذه إنما هُوَ فى زيادة
أحَد روايتى التابعين فمن بعدهم، أما الزيادة الحاصلة من بعض الصحابة على
القحابى آخر إذا صحّ السند إليه فلا يختلفون فى قبولها، كما فى حديث أبى هريرة
فى الصحيحين فى قصة آخر مَنْ يخرج من النار، وأنه تعالى يقول له بعدمايتمنى
(( لكَ ذَلك ومثله معه)) وقال أبو سعيد الخدرى: أشهد أنى سمعت رسول الله
صلى الله عليه وآله وسلم يقول: ((لكَ ذلكَ وعشرة أمثاله معه)) ونحوه من
الأمثلة كثير، وإنما الزيادة التى يتوقف أهْل الحديث فى قبولها من غير الحافظ
حيث يقع فى الحديث الذى يتحد مخرجه كمالك عن نافع عن ابن ◌ُمَر ، إذا روى
الحديثَ جماعةٌ من الحفّاظِ الأثبات العَارفين بحديث ذلك الشيخ وانفرد
دوتهم بعضُ رواته بزيادة فيه، فانها لو كانت محفوظة ما غفل الجمهور من
رواته عنها، وينفرد واحد بحفظها دونهم مع توفر دواعيهم إلى الأخذ عنه وجمع
حَديثه، فان ذَلكَ يقتضى ريبةً توجب التوقف عنها .
١
قلت : وبمعرفتك محلّ النزاع تعرف عدم نهوض الاحتجاج بقبوله صلى الله
عليه وآله وسلم خبر الأعرابى برؤية الهلال ، وقبول خبر ذى اليدين وأبى بكر وعمر
كما استدل به البرماوى .
(والقول الثانى) هذا مقابل لقوله «فالذى عليه أئمة أهل البيت)» فانه
القول الأول ( أنها لا تقبل الزيادة مطلقا) ممن رواه ناقصاً ومن غيره (حكاه)
٠

- ١٩ -
أبو بكر (الخطيب) البغدادى ( فى الكفاية وأبن الصباغ فى العدة عن قوم من
أصحاب الحديث) وروايته للقبول عن جمهور المحدثين» وروايته لعدم قبوله
عن قوم منهم .
قال الحافظ ابن حجر: والذى اختاره يعنى الخطيب لنفسه أن الزيادة مقبولة
إذا كان راويها عدلا حافظا ومتقنا ضابطا، قال : قلت : وهذا متوسط بين
المذهبين ، فلا ترد الزيادة من الثقة مطلقا ، ولا تقبل مطلقا .
؟
( والثالث) من الأقوال التفصيل وهو (أنها لا تقبل ممن رواه ناقصا،
وتقبل من غيره من الثقات ، حكاه الخطيب عن فرقة من الشافعية ، وفى المسألة
أقوال غير هذه) (*) .
(*) قد وعدناك أن نبين لك هذه الأقوال مفصلة ، وهذا موضع الوفاء
بهذه العدة ، فنقول :
(١) ذهب جمهور الفقهاء والمحدثين إلى أن زيادة العدل الثقة الضابط مقبولة
مطلقا ، زمنی أنه لا فرق بين أن تكون الزبادةمن نفس ازراوی الذی روی
الحديث بغير الزيادة وأن تكون من غیر هذا الراوى ، كما أنه لا فرق بين
أن تكون هذه الزيادة ما يتعلق به حكم شرعى وألا تكون كذلك، كما أنه
لا فرق بين أن تغير هذه الزيادة حكما ثبت بدليل آخر وألا تكون كذلك ،
كما أنه لا فرق بين أن توجب هذه الزيادة نقض حكم ثبت بخبر ليست هى فيه
وألا تكون كذلك . وادعى ابن طاهر الاجماع على هذا القول .
(٢) وذهب قوم إلى أنها غير مقبولة مطلقا سواء أكان راويها غير راوى
الحديث بدونها أم كان هو راوى الحديث بدونها.
(٣) وذهب قوم إلى أنها مقبولة إن كان الراوى لها غير الذى روى
الحديث بدونها ، فأما إن كان راوى الحديث بدون الزيادة هو راويه مع
الزيادة فان هذه الزيادة لا تقبل .
قال أبو عمرو بن الصلاح : ومذهب الجمهور من الفقهاء وأصحاب الحديث
فيما حكاه الخطيب أبو بكر أن الزيادة من الثقة مقبولة إذا تفرد بها، سواء=
۔

-
- ٢٠ -
قلت: ذكر البرماوى فى شرح ألفيته فى أصول الفقه عشرة أقوال .
= كان ذلك من شخص واحد بأن رواه ناقصاًمرة وروادمرة أخرى وفيه تلك
الزيادة أو كانت الزيادة من غير من رواه ناقضاً ، خلافا لمن رد من أهل الحديث
ذلك مطلقاً، وخلافا لمزرد الزيادة منه وقبلها من غيره . قال: وقد قدمناعنه
حكايته عن أكثر أهل الحديث فيما إذا وصل الحديث قوم وأرسله قوم أن
الحكم لمن أرسله مع أن وصله زيادة من الثقة .
(٤) ذهب ابن الصباغ إلى أنه إذا كان راوى الزيادة هو راوى الحديث
بدونها قبلت الزيادة بشرطين : الأول أن يذكر أنه سمع الحديثمرتين مرة معها
ومرة بدونها ، والثانى : أن يذكر أن روايته الحديث بدونها وقعت منه
لنسيانها . فان لم يذكر واحدا من هذين تعارضت الروايتان ووجب ترجيح
إحداهما بأحد المرجحات .
(٥) ذهب الأمام الرازى فى المحصول إلى أن العبرة بما يرويه أكثر ، فان
كثرت رواية الحديث مع الزيادة قبلت الزيادة، وإن كثرت رواية الحديث
بدون الزدياة لم تقبل الزيادة، وإن تساوى الأمران قبلت الزيادة.
(٦) ذهب الآمدی و ابن الحاجب إلى أنه إن كان راوی الحدیث بدون
الزيادة عددا لا يتصور منهم عادة أن يغفلوا عنها فان هذه الزيادة لا تقبل،
سواء أبلغ الرواة للحديث بدونها حد التواتر أم لم يبلغوه، وهذا القول محكمى
عن ابن الصباغ أيضا.
(٧) ذهب قوم إلى أنه إن أفادت الزيادة حكما قبلت ، وإلا لم تقبل
(٨) ذهب قوم إلى أنه إن غيرت الزيادة الاعراب لم تقبل، وإلا قبلت.
(٩) ذهب ابن الصلاح والنووى ورجحه الحافظ ابن حجر والحافظ السيوطى
إلى أن الزيادة على ثلاثة انواع لكل نوع منها حكم يخصه: النوع الأول
زيادة لا تنافى ماليست فيه، وهي حينئذ مقبولة لأنها فى حكم الحديث المستقل
الذى ينفرد به الثقة ولا يرويه عن شيخه غيره. والنوع الثانى زيادة مخالفة
لما ليست هى فيه، ولكن مخالفتها منحصرة فى تقييد المطلق، وهذا النوع
يترجح قبوله، والنوع الثالث زيادة تكون منافية لما ليست هي فيه ، وهذا
النوع من الزيادة مردود غير مقبول