النص المفهرس

صفحات 41-60

٠
- ٤١ -
الفكر، وللشيخ على بن سلطان محمد الهروى القارى الحنفى المتوفى فى عام ١٠١٤
من الهجرة شرح على شرح النخبة سماه «مصطلحات أهل الأثر، على شرح نخبة
الفكر)» والشيخ عبد الرءوف المناوى المتوفى فى عام ١٠٣١ من الهجرة حاشية
اسمها ((اليواقيت والدرر، فى شرح شرح نخبة الفكر)) والشيخ أبى الامداد
إبراهيم بن إبراهيم بن حسن اللقانى المتوفى فى عام ١٠٤١ من الهجرة حاشية اسمها
« قضاء الوطر ، من نزهة النظر » .
وفى هذا العصر الذى كان فيه الحافظ ابن حجر صنف الإمامُ العلامة
النظار محمد بن إبراهيم المعروف بابن الوزير الحسنى الصنعانى المتوفى فى عام ٨٤٠
من الهجرة متنا دقيقا جاءما فى أصول الحديث سماه (( تنقيح الأنظار)) وهو الذى
نعانى إخراج شرحه اليوم وكتابة هذه المقدمة له، وقد شرحه فى القرن الثانى عشر
الهجرى العلامة محمدُ بن إسماعيل الحسنى الصنعانى المتوفى فى عام ١٨٨٢ من
الهجرة، وسنفرد بحثاً للكلام عليه بعد الانتهاء من هذه المقدمة .
ثم جاء من بعده جلال الدين عبد الرحمن بن أبى بكر السيوطى المتوفى
فى عام ٩١١ من الهجرة، فنظم فى أصول الحديث ألفية جمع فيها قواعد العلم
وضاهى بها ألفية شيخ شيوخه الحافظ العراقى ، وذكر فى مطلع هذا النظم أنه
يفوق ألفية العراقى فى كثرة الجمع وإيجاز العبارة واتساقها، ولم ينس أن يطرى
هذ النظم عند ختامه ويوصى بالعناية به وتقديمه على سواه وذلك حيث يقول :
نظم بديع الوصف سهل حلو ليس به تعقد أو حشو
فاعن بها بالحفظ والتفهي وخصها بالفضل والتقديم:
وصنف مع ذلك شرحا جامعاً حافلا على تقريب النواوى الذى سبق ذكره
فى فروع مقدمة ابن الصلاح، سماه (تدريب الراوى، فى شرح تقريب النواوى)»
ولنا على ألفية السيوطى شرح وسيط بديع يقع فى ٣٦٢ صفحة من القطع المتوسط
وقد طبع منذ سبعة عشر عاما والحمد لله حق حمده .

- ٤٢-
ونكتفى من هذا النحو بما ذكرنا إذا كان كل من جاء بعد هؤلاء إنما ورد
عن شِرْعتهم، واستقى من حياضهم، وعلى منهجهم سار، وفى سمعتهم اتجه .
١١
وأما النحو الثانى من الاتجاه الأول فقد نظر العلماء فوجدوا بعض الأحاديث
معلولا بسبب خفى غامض قادح فى صحته مع أن ظاهر أمره السلامة لأن إسناده
لايذكر فيه إلا ثقة ضابط عن ثقة ضابط ، ووجدوا أنه قد يصعب حتى على الناقد
البصير أن يعبر عن هذه العلة عبارة واضحة ، ولهذا قال عبد الرحمن بن مهدى
((معرفة علل الحديث إلهام، لو قلت للعالم يعلل الحديث : مِنْ أين قلت هذا؟
لم يكن له حجة، وكم من شخص لا يبتدى لهذا)) اهـ. وسأل رجل أبا زرعة:
ما الحجة فى تسليلكم الحديث؟ فقال: الحجة أن تسألنى عن حديث له علة،
فأذكر علته، ثم تقصد ابن وارة - يعنى محمد بن مسلم بن وارة - ولا تخبره بأنك
قد سألتنى عنه، وتسأله عنه، فيذكرلك علته، ثم تقصد أبا حاتم فيعلله، ثم تميز
كلام كل منا على ذلك الحديث ، فان وجدت بيننا خلافا فى علته فاعلم أن كلا
منا تكلم على مراده، وإن وجدت الكلمة متفقة فاعل حقيقة هذا العام، قال :
ففعل الرجل ، فتفقت كلمتهم عليه، فقال: أشهد أن هذا العلم إلهام . ورأوا أن
- معرفة هذا النوع من علوم الحديث بالمغزلة التى تقصر عنها كل منزلة حتى قال
عبد الرحمن بن مهدى : لأن أعرف علة حديث واحد هو عندى خير إلى
من أن أ كتب عشرين حديثاً ليس عندى.
وأجب أن أنبهك فى هذا الموضوع إلى أن الحديث المعلول ليس هو الذى
يرويه راو مجروح، بل إن الجرح ليس له مدخل فى علة الحديث، فان حديث
الراوى المجروح حديث واه ساقط ، وعلة الحديث تكثر فى أحاديث يرويها
الثقات، فهم یروون الحدیث له علة خفية فلا يدركونها خفائها عليهم، ونضرب
.

-٤٣ ٠
لك مثلا ذكره أبو عبد الله الحاكم فى كتابه معرفة علوم الحديث لتعرف دقة هذا
الفرع وبصر العلماء الذين تصدَّوا لنقل أصول هذه الشريعة، قال أبو عبد الله
(( الجنس الأول من أجناس العلل مثاله ما حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب ،
قال : حدثنا محمد بن إسحاق الصغابى ، قال: حدثنا حجاج بن محمد ، قال : قال
ابن جريج عن موسى بن عقبة عن سبيل بن أبى صالح عن أبيه عن أبى هريرة
عن النبى صلى الله عليه وسلم قال: من جلس مجلساً كثر فيه لغطه فقال
قبل أن يقوم: سبحانك اللهم وبحمدك ، لا إله إلا أنت ، أستغفرك وأتوب
إليك، إلا غفر له ما كان فى مجلسه ذلك ، قال أبو عبد الله: هذا حديث من
تأمله لم يشك أنه من شرط الصحيح، وله علة فاحشة)) اهـ كلام الخام ،
وأنت حقاً إذا تأملت فى هذا الحديث تأملا سطحيا مبنيا على مجرد ما تقرر
من قواعد أصول الحديث، وبحثت فى أحوال رواته، وراجعت تراجمهم ترجمة
فترجمة لم تقع منهم إلا على الثقة الثبت الضابط تمام الضبط ، فيخيل إليك أنه
حديث صحيح لاجتماع شروط الصحة فيه: من عدالة رواته ، وضبطهم،
وتمام ضبطهم ، مع أنه - كما قال الحاكم أبو عبد الله - يشتمل على عاة فحشة
يسقط بسببها فلا يكون صحيحا، وقد بين العلماء - ومنهم البخارى رضى الشهنه-
العلة التى اشتمل عليها هذا الحديث ، وتلخيصها أن موسى بن عقبة لم يذكر
له سماع من سبيل بن أبى صالح، وأنواع العلل كثيرة، ومثلها كثيرة أيضا،
وليس هذا الموضوع محلا لهذا البحث، وإنما نذكره لنقفك على مجهود أسلافنا
رضى الله عنهم، وفى مبحث ((الحديث المعلل)» من الكتاب الذى بين يديك
تفصيل وافٍ لا بأس أن نحيلك عليه .
وقد اشتهر من السلف جماعة كانوا قد ضربوا فى إدراك العلل الخفية فى
الأحاديث بالسهم الوافر، وكلهم من رزقه الله تعالى فهما ثاقبا، وحفظاً وليسعا،
ومعرفة تامة بمراتب الرواة، وملكة قوية قادرة على تمييز المتون والأساتميد،

- ٤٤ -
نذكر منهم على بن المدينى، وأحمد بن حنبل، ويعقوب بن أبى شيبة، وأبا حاتم،
وأبا زرعة ، والدار قطنى، والسابقُ فى هذه الحلبة الذى يعده العلماء طبيب علل
الحديث هو أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخارى صاحب الجامع الصحيح،
فقد روى أبو عبد الله الحاكم بسنده إلى أبى حامد أحمد بن حمدون القصار، قال:
سمعت مسلم بن الحجاج وجاء إلى محمد بن إسماعيل البخاری فقبل بين عينيه،
وقال : دعنى حتى أقبل رجليك يا أستاذ الأستاذين وسيد المحدثين وطبيب
الحديث فى عاله، ثم سأله عن الحديث الذى رويناه من قبل عن الحاكم، وأجابه
البخارى ببيان علته على نحو ما بينا .
وقد صنف فى هذا النوع من أصول الحديث جماعة من الحفاظ والمحدثين
نذكر منهم الامام مسلم بن الحجاج القشيرى صاحب الصحيح المتوفى فى عام ٢٦١
من الهجرة، والامام أبا الحسن على بن عمر الدار قطنى المتوفى فى عام ٣٨٥ من
الهجرة (١) ، والحاكم أبا عبد الله صاحب المستدرك على الصحيحين وصاحب.
(٢) قال عنه أبو الفرج بن الجوزى فى المنتظم (( ج٧ ص ١٨٣)»: «كان
فريد عصره و إمام وقته، انتهى إليه على الأثر والمعرفة بأسماء الرجال وعلل
الحديث، وسلم ذلك له، وإنفرد بالحفظ أيضا، ومن تأثير حفظه أنه أملى
علل المسند من حفظه على البرقانى)) اهـ ثم روى باسناده إلى الأزهرى قال:
رأيت محمد بن أبى الفوارس وقد سأل الدار قطنى عن علة حديث أو اسم فيه
فأجابه، ثم قال : يا أبا الفتح، ليس بين المشرق والمغرب من يعرف هذا
غيرى . وقد كان الحاكم أبو عبد الله يقول: ما رأى الدار قطنى مثل نفسه!
وقال رجاء بن محمد بن عيسى المعدل: سألت الدار قطنى فقلت : رأى الشيخ مثل
نفسه؟ فقال: قال الله تعالى ((فلا تزكوا أنفسكم)» قلت: لم أرد هذا، وإنما
أردت أن أعلمه لأقول رأيت شيخا لم ير مثل نفسه ، فقال : إن كن فى فن
واحدفقدرأيت من هو أفضل منى، وأما من اجتمع فيه ما اجتمع فى فلا . قال
ابن الجوزى بعد حكاية هذا: كان قد اجتمع له مع الحديث المعرفة بالقراءات
والنحو والفقه والشعر مع الأمانة والعدالة وصحة العقيدة .
'ھ

-٤٥-
معرفة علوم الحديث والمتوفى فى عام ٤٠٥ من الهجرة، وأبا على الحسن بن محمد
الزجاجى، وللامام الحافظ المحدث أبى بكر أحمد بن على بن ثابت المعروف
بالخطيب البغدادى المتوفى فى عام ٤٦٣ من الهجرة مصنفات عديدة إن لم تكن فى
علل الحديث بغير واسطة فهى منه بواسطة وفيها بيان بعض أنواع العمل وأمثلتها .
١٢
وأما النحو الثالث من الاتجاه الأول فان كتب التراجم التى صنفها أئمة
الحديث أكثر من أن يأتى عليها الحصر، ولو ذهبنا نعدلك مَنْ ألف وما ألف
لأخذنا البهر ولم نكن قد أتينا على ما صنفه أسلافتا رضى الله عنهم، وبحسبك
أنك لو أردت أن تتخذ مكتبةً كاملة من هذا النوع من مصنفاتهم لأمكن لك أن
تجمع العدد الوفير من المجلدات، كما أن يحسبك أن تعلم أنه قلما كان فى أسلافنا
حافظ من حفاظ الحديث والمعنيين به لم يصنف كتابا فى التراجم ، وقد صنف
غير واحدمنهم أكثر من مصنف فى التراجم، كل مصنف منها يشتمل على نوع ،
وقد تفننوا فى هذه التآليف وأتوا فيها بالعجب العاجب ، فمصنفات خاصة بذكر
الضعفاء والمتروكين فى رواة الحديث ، ونذكر من هذا النوع مصنف الامام محمد
ابن إسماعيل البخارى صاحب الجامع الصحيح المتوفى فى عام ٢٥٦ من الهجرة،
ومصنف الامام عبد الرحمن بن أحمد النسائى صاحب السنن ، ومصنف الامام
حسن بن محمد الصغانى، ومصف أبى الفرج عبد الرحمن بن على بن الجوزى
المتوفى فى عام ٥٩٧ من الهجرة ، ومصنف علاء الدين على بن عثمان المارديني
المتوفى فى عام ٧٥٠ من الهجرة ، ومصنف محمد بن حبان البستى وهو أحفل هذه
المصنفات وأجمعها، ويدخل فى هذه البابة قسم كبير من كتاب شمس الدين
أبى عبد الله محمد بن أحمد الذهبى الحافظ المتوفى فى عام ٧٤٨ المسمى «ميزان
الاعتدال، فى نقد الرجال )) فقد احتوى هذا الكتاب على ذكر الكذابين

- ٤٦ ٢
الوضاعين غير المتعمدين، ثم على المتهمين بالوضع أو بالتزوير، ثم على الكذابين
فى لهجتهم لافى الحديث، ثم على المتروكين الهلكى الذين لم يعتمد على روايتهم،
ثم على الحفاظ الذين فى دينهم رقة ووهن ثم قبل حفظهم ولهم غلط وأوهام ويقيل
حديثهم فى الشواهد والاعتبارات، ثم على الصادقين والمستورين الذين فيهم لين
ولم يبلغوا رتبة الأثبات، ثم على خلق كثير من المجهولين ، ثم على الثقات الذين
فيهم بدعة أو تكلم فيهم من لا يلتفت إلى كلامه. ومصنفات خاصة بذكر الحفاظ
ونذكر من هذا النوع مصنف الحافظ شمس الدين أبى عبد الله محمد بن أحمد
الذهبى الذى ذكرناه فى النوع الأول، وكتابه فى هذا النوع يسمى ((تذكرة
الحفاظ)) وقد يطلق عليه اسم ((طبقات الحفاظ)) ومن هذا النوع مصنف للحافظ
أحمد بن على بن حجر العسقلانى، ومصنف للحافظ جلال الدين السيوطى الخص فيه
مصنف الحافظ الذهبى، وذيل تقى الدين أبو بكر بن محمد بن الهاشمى المشهور بابن
فهد المتوفى فى عام ٨٩٩ على مصنف الذهبى السابق ذكره . ومصنفات العلماء كل
مصر من أمصار الاسلام يذكر فى الواحد منها أهل العلم الذين ولدوا فى ذلك
المصر أو ارتحلوا إليه فى طلب العلم أو اجتازوه، ونذكر من هذا النوع « تاريخ
بغداد)» للمحدث أبى بكر أحمد بن على بن ثابت المعروف بالخطيب البغدادى،
و« تاريخ أصبهان» للحافظ أبى نعيم أحمد بن عبد الله الأصفهانى المتوفى فى
عام ٤٣٠ من الهجرة، وللحافظ أبى زكر با يحيى بن عبد الله المعروف بابن منده
الأصفهانى المتوفى فى عام ٤٤٥ من الهجرة، و (( تاريخ جرجان» لعلى بن محمد
الجرجانى المعروف بالادريسى المتوفى فى عام ٤٦٨ من الهجرة، وللحافظ أبى القاسم
حمزة بن يوسف السهمى المتوفى فى عام ٦٧٠ من الهجرة، و((تاريخ دمشق))
للإمام الحافظ أبى الحسن على بن حسن المعروف بابن عساكر الدمشقى المتوفى
فى عام ٥٧١ من الهجرة، وتاريخ حمص، وتاريخ حلب ، وتاريخ خوارزم،
وتاريخ سبتة، وتاريخ شيراز، وتاريخ صنعاء، وتاريخ المدينة، وتاريخ مصر،

- ٤٧ -
وتاريخ مكة ، وتاريخ الموصل ، وتاريخ اليمن، وهلم جرا . ومصنفات عامة، ونذكر
من هذا الصنف كتاب « الطبقات الکبری )) لأبى عبد الله محمد بن سعد
الزهرى البصرى كاتب الواقدى المتوفى فى عام ٢٣٠ من الهجرة، وتاريخ الامام
الحافظ أبى عبد الله محمد بن إسماعيل الجعفى البخارى صاحب الجامع الصحيح،
وهو تاريخ كبير جمع فيه الثقات والضعفاء من رواة الأحاديث ، وله على هذا
النحو ثلاثة تواريخ : كبير، وأوسط ، وصغير، ويقال: إنه صنف تاريخه الكبير .
عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم، وتاريخ الإمام الحافظ شمس الدين أبى عبدالله
محمد بن أحمد المعروف بالذهبى، وهو التاريخ المشهور باسم (تاريخ الاسلام)) وهو
تاريخ كبير على ترتيب السنوات جمع فيه بين الحوادث والوفيات، والتاريخ
المسمى بالمنتظم للشيخ الإمام أبى الفرج عبد الرحمن بن على بن محمد بن على بن
الجوزى المتوفى فى عام ٥٩٧ من الهجرة، وتاريخ الامام بدر الدين محمود بن أحمد
العينى المتوفى فى عام ٨٥٥ المسمى بعقد الجمان فى تاريخ أهل الزمان ، وهو تاريخ
کبیر یقع فى عشرين مجلدا .
وعلى الجملة قل أن تجد عالما اشتغل بالحديث وعلومه وكانت له به معرفة إلا وجدت
له مصنفا فى الرجال ، ومنهم من يقتصر على ذكر رجال الحديث ومنهم من يذكر
رجال الحديث وغيرهم ، ومنهم من يتعرض لناحية خاصة فى رجال الحديث ، .
ومنهم من يذكر رجال الحديث أيا كان لونهم ووصفهم.
/
ونحب أن ننبهك هنا إلى أن رجال الجرح والتعديل من أسلافنا رضى الله
عنهم وجزاهم عما بذلوا من جهد أعظم الجزاء - برغم ما بذلوا من جهد،
وما أفرغوا على بحثهم من إخلاص قلوبهم ، وصفاء نياتهم - لم يخل عملهم مما
يؤاخذون عليه، وذلك شأن الانسان دائما، فليس مما يمكن أن نطلبه منه أن
يتخلص من إنسانيته جملة فيكون ملكا، لقد كان للاختلاف المذهبی دخل فى
تعديل الرواة وتوثيقهم ، فأهل السنة يأبون كل الاباء أن يحتجوا بحديث يرويه
-

1
2
- ٤٨ -
عن على بن أبى طالب رضى الله عنه بعض شيعته ، إنما يأخذون بحديث على إذا
رواه عنه أصحاب عبد الله بن مسعود ، وأهل السنة يجرحون كثيرا من رجال
الشيعة، ويقابل الشيعة صنيع أهل السنة معهم بصنيع مناه ، فهم يجرحون كثيرا
من أهل السنة ، وهم لا يثقون الثقة الكاملة إلا بالأحاديث التى ترويها جماعتهم
عن بعض أهل البيت ، ولا يقتصر الأمر على الاختلاف المذهبى ، ولا يقتصر
الاختلاف المذهبى على الخلاف بين السنة والشيعة ، وإنما يتجاوز الأمر هذه
الحدود الضيقة نوعاما، فهذا الامام مالك بن أنس - وهو الرجل الصالح الورع
الزاهد - يقدح فى محمد بن إسحاق صاحب السيرة وأكبر مؤرخ لحوادث
الاسلام الأولى حتى يقول فيه : أشهد أنه كذاب، فيضطر محمد بن إسحاق أن
يقول فى مالك أفظع من مقالة مالك فيه (١) ، ومحمد بن إسحاق هذا هو الذى يقول
فيه قتادة : لا يزال فى الناس على ما عاش محمد بن إسحاق ، ويقول فيه سفيان:
ما سمعت أحدا يتهم محمد بن إسحاق ، ومع ذلك يقول فيه النسائى: ليس بالقوى،
ويقول فيه الدار قطنى : لا يحتج به ولا بأبيه .
وأردنا بهذا أن ننبهك إلى أنك ستجد فى كتب الجرح والتعديل بعض
التحامل أحيانا ، وبعض الاختلاف فى الجرح وفى التعديل أحيانا أخرى ،
فلا يأخذك البهر إذا رأيت شيئا من ذلك ، واعرض فى هذه الصور ونحوها ماتراه
على موازين النقد، وستجد الأمر سهلا غاية فى السهولة - إن أنت أردت ذلك-
فان العلماء الذين صنفوا فى الجرح والتعديل قد نسبوا كل جرح إلى قائلة بعبارته
ونسبوا كل تعديل إلى قائله بعبارته، وعبارات الجرح وعبارات التعديل مختلفة
ولكل عبارة دلالة خاصة ، وبعضها أهون من بعض كماهو معروف عند أهل الفن
(١) انظر ما كتبناه فى هذا الصدد فى ترجمة ابن إسحاق فى صدر كتاب
السيرة بتحقيقنا .
٦

- ٤٩ -
وليس هذا موضع بيانها، وإلا طال بنا القول ونحن نؤثر الاجمال، وأنت فىحل
- حين تسمع عبارة تدل على الجرح- أن تبحث عن القائل والمقول فيه ، فان
رأيت بينهما ما يبعث على تحامل أحدهما على الآخر فاترك هذا القول إلى قول آخر
لا يكون صادراً عن التحامل البغيض ، وأنت - على كل حال - بخير النظرين
فى هذا الأمر ونحوه، والسبيل الذى نوصيك به أن تبحث أولا ، وألا يحملك
البحث على أن ترمى الناس بشىءٍ وأنت تجد لهم مخلصا منه .
١٣
وأما الاتجاه الثانى فقد جد العلماء فى تمييز الأحاديث وانتخال صحيحها
وطرح سقيمها، بعد أن بينوا أنواعها وفرقوا بين هذه الأنواع فروقاً دقيقة جعلت
كل نوع منها متميزاً عن غيره أدق تميز، وكانت لهم شروط فى الرواة وشروط
فى المرويات وشروط فى التحمل وشروط فى الأداء، كما كانت لهم فروق فى
العبارات التى يؤدى بها المحدث ما رواه تبعاً لاختلاف حاله فى التحمل، مما
بحمده لهم المطلع على مصطلحاتهم ويرى معه أنهم - رضى الله عنهم- قد بذلوا.
من الوسع أقصاه، وتحملوا من الجهد منتهاه، وصبروا وصابروا على الكد والدأب
والله وحدهم ولى جزائهم على ذلك.
وكان من أثر هذا الجهد أن جمع قومٌ منهم كتباً توَخَّوْا فيها إفراد الحديث
الصحيح بالذكر، أو إفراد الحديث المحتج به، والتزم من لم يقتصر منهم على
الحديث المحتجبه، أنه إذا روى حديثاً واهياً أو فيه مقال ذكر ما فيه من ضعف.
وقدبر صاحب كل كتاب من هذه الكتب بما أخذ نفسه به من الشروط، حسب.
طاقته، ونقول (( حسب طاقته)) لأن علماء هذه الأمة الذين خَلَفُوا أصحاب هذه
المؤلفات لم يتركوا شيئاً فى هذه المصنفات إلا بحثوه بحث المخلص الرفى المسلم
(٢ - ٤ نشأة العلوم)

- ٥٠ - .
والدين، وقد استقام لبعضهم اعتراضات على بعض مافى هذه المصنفات، وما زال
أهل العلم فى كل عصر يتعقب الخالفُ منهم السالف حتى تم بحث هذه الكتب
بحثّ وافيا، وحتى استقام لأهل هذه الملة أمى حديث نبيهم على الوجه الذى تطمئن
إليه قلوب أهل العلم .
واشتهرت هذه المصنفات فيما بعد باسم ((الكتب الستة، وهى: الجامع
الصحيح الذى صنفه البخارى المتوفى فى عام ٢٥٦ من الهجرة ، وكتاب الجامع
الصحيح الذى صنفه مسلم المتوفى فى عام ٢٦١ من الهجرة، وكتاب السنن الذى
صنفه أبو داود المتوفى فى عام ٢٧٥ من الهجرة، وكتاب «السنن)) الذى صنفه
الامام النسائى المتوفى فى عام ٣٠٣ من الهجرة، وكتاب (« السنن)) الذى صنفه
ابن ماجه القزويني المتوفى فى عام ٢٧٣ من الهجرة، وكتاب ((الجامع)) الذى
صنفه الامام الترمذى المتوفى فى عام ٢٧٩ من الهجرة . وسنفرد كل كتاب من
هذه الكتب - مرتبةً - بكلمة نذكر فيها صنيع مؤلفه وصنيع العلماء من بعده
فى هذا المصنف لتكون على بينة مما قدمناه لك.
١
١٤
أما الكتاب الأول فاسمه « الجامع الصحيح)» واشتهر بين الناس باسم
((صحيح البخارى)) ومؤلفه هو الامام الحافظ أبو عبد الله محمد بن إسماعيل الجعفى
البخارى المتوفى بخرتنك فى عام ٢٥٦ من الهجرة ، وهو أول الكتب الستة فى
الحديث، ولم يشك أحد من العلماء فى أنه وصحيح مسلم الذى يأتى الكلام عليه
أصح كتب الحديث على الاطلاق، ولكنهم يختلفون فى أى الكتابين أصح.
قال الامام النورى فى مطلع شرحه على صحيح مسلم: ((اتفق العلماء على أن أصح
الكتب بعد القرآن الكريم الصحيحان صحيح البخارى وصحيح مسلم ، وتلقاهما

ـه
- ٥١ -
الأمة بالقبول، وكتاب البخارى أصحهما صحيحاً وأكثرها فوائد، وقد صح أن
مسلماً كان يستفيد منه ويعترف بأنه ليس له نظير فى علم الحديث، وهذا الترجيح
هو المختار الذى قاله الجمهور ... وما نقل عن بعض المغاربة من تفضيل صحيح
مسلم محمول على ما يرجع إلى حسن السياق وجودة الوضع والترتيب ، أما رجحانه
من حيث الاتصال فلا شتراطه أن يكون الراوى قد ثبت له لقاء مَنْ روى عنه
ولو مرة، واكتفى مسلم بمطلق المعاصرة (١)، وأما رجحانه من حيث العدالة
والضبط فلأن الرجال الذين تكلم فيهم من رجال مسلم أكثر عددا من رجال
البخارى ، مع أن البخارى لم يكثر من إخراج حديثهم ، وأمارجحانه من حيث
عدم الشذوذ والاعلال فما انتقد على البخارى من الأحاديث أقل عدداً مما انتقد
على مسلم، وأما التى انتقدت عليهما فأكثرها لا يقدح فى أصل الحديث فان
جميعها واردة من جهة أخرى، وقد علم أن الاجماع واقع على تلقى كتابيهما
بالقبول والتسليم إلا ما انتقد عليهما . والجواب على ذلك على وجه الاجمال أنه
لا ريب فى تقدم الشيخين على أئمة عصرهما ومن بعدهما فى معرفة الصحيح
والعلل، وقد روى الفربرى عند البخارى أنه قال: ما أدخلت فى الصحيح
حديثا إلا بعد أن استخرت الله تعالى وثبتت صحته ، وكان مسلم يقول :
عرضت كتابى على أبى زرعة فكل ما أشار إلى أن له علة تركته ، فاذا على
هذا فقد تقرر أنهما لا يخرجان من الحديث إلا مالا علة له، أو له علة إلا أنها
غير مؤثرة. وعلى تقدير توجيه كلام من انتقد عليهما يكون كلام معارضاً
لتصحيحهما ، ولاريب فى تقديمهما فى ذلك على غيرهما ، فيندفع الاعتراض من
حيث الجملة)) اهـ. وقد روى عن البخارى أنه قال : رأيت فى نومى النبى صلى الله
(١) قد بين الشارح فى (توضيح الأفكار) فى غير موضع أن هذا
الاحتلاف فى خصوص الأحاديث المعنعنة التى يرويها الراوى بلفظ (عن فلان)

- ٥٢ -
علیه وسلم وكأننى واقف بين يديه و بیدی مروحة أذب بها عنه، فسألت بعض
المعبرين عنها، فقال لى : أنت تذب عنه الكذب، فهو الذى حملنى على إخراج
الجامع الصحيح، وروى عنه أنه قال : خرجت الجامع الصحيح من نحو ستمائة
ألف حديث ، وصنفته فى ست عشرة سنة، وجعلته حجة فیما بینی وبین الله
سبحانه وتعالى. وروى عنه أنه قال: ما أدخلت فيه إلا صحيحاً، وما أدخلت
فیه حدیثا حتی استخرت الله تعالی وصلیت رکعتین وتیقنت محته .
وقد اعتنى الأئمة بشرح صحيح البخارى، وشروحه أكثر من أن يتسع
لها العد فتذكر لك أهمها :
فمنها شرح الامام أبي سليمان حمد بن محمد بن إبراهيم بن خطاب البستى
الخطابى المتوفى فى عام ٣٨٨ من الهجرة، وأسم هذا الشرح ((أعلام السنن)).
ومنها شرح الامام الحافظ علاء الذين مغلطاى بن قليج التركى المصرى
الحنفى المتوفى فى عام ٧٦٢ من الهجرة ، وهو شرح كبير سماه التلويح.
ومنها شرح العلامة شمس الدين محمد بن يوسف بن على الكرمانى المتوفى فى
عام ٧٧٥، وهو شرح وسط سماه الكواكب الدرارى، وفيه يقول الحافظ ابن
حجر: وهو شرح مفيد ، على أوهام فيه فى النقل، لأنه لم يأخذه إلا من الصحف
ومنها شرح الامام سراج الدين عمر بن على الملقن الشافعى المتوفى فى عام
٨٠٤ من الهجرة، وهو شرح كبير يقع فى نحو عشرين مجلدا ، واسم هذا الشرح
شواهد التوضيح ، قال السخاوى فى شأنه: اعتمد فيه على شرح شيخه مغلطاى
وزاد فيه قليلا، وقال الحافظ ابن حجر: وهو فى أوائله أقعد منه فى أواخره،
بل هو من نصفه الباقى قليل الجدوى .
ومن أعظم شروح البخارى شرح العلامة الحافظ شيخ الاسلام أبى الفضل
أحمد بن على بن حجر العسقلانى المتوفى فى عام ٨٥٢، واسم هذا الشرح فتح
البارى ، وشهرته وانفراده بما يشتمل عليه من الفوائد الحديثية والنكات الأدبية

- ٥٣ -
والفرائد الفقهية تغنى عن وصفه، سيما وقد امتاز بجمع طرق الحديث التى ربما
يتبين من بعضها ترجيحُ أحد الاحتمالات شرحا وإعرابا، وطريقته فى الأحاديث
المكررة أنه يشرح فى كل موضع ما يتعلق بمقصد البخارى ويذكره فيه ويحيل
بباقى شرحه على المكان المشروح فيه، وقد بدأ فى تأليف هذا الشرح فى
أوائل عام ٨١٧ على طريق الاملاء ، ثم صار يكتب بخطه شيئاً فشيئاً ، فيكتب
الكراسة ثم يكتبها جماعة من الأئمة المعتبرين ويعارض بالأصل مع المباحثة فى
يوم من أيام الأسبوع بقراءة العلامة ابن خضر، فصار لا يكمل منه شىء إلا وقد
قوبل وحرر، إلى أن انتهى فى أول يوم من رجب سنة ٨٤٢، سوى ما ألحقه به
بعد ذلك ، فلم ينته منه إلا قبيل وفاته . وقد طبع بمصر ثلاث مرات
ومن الشروح المشهورة شرح العلامة بدر الدين أبى محمد محمود بن أحمد العينى
الحنفى المتوفى فى عام ٨٥٥ من الهجرة، وهو شرح كبير سماه ((عمدة القاريء))
وقد شرع فى تأليفه فى أواخر شهر رجب من عام ٨٢١ من الهجرة وفرغ منه فى
آخر الثلث الأول من جمادى الأولى سنة ٨٤٧ من الهجرة ، وقد استمد فيه من
« فتح البارى)» بحيث ينقل منه الورقة بتمامها، قالوا: كان يستعير فتح البارى
من البرهان ابن خضر باذن مؤلفه له ، وتعقب ابن حجر فى مواضع، وطوله بما
تعمد الحافظ ابن حجر حذفه من سياق الحديث بتمامه وإفراد كل من تراجم الرواة
بالكلام وبيان الأنساب واللغات والاعراب والمعانى والبيان واستنباط الفوائد
من الحديث والأسئلة والأجوبة . وقد طبع بالأستاقة مرة ، وبمصر مرة
ومن الشروح المشهورة شرح العلامة أحمد بن محمد بن أبى بكر بن عبد الملك
ابن أحمد القسطلانى القاهرى الشافعى المولود فى عيم ٨٥١ والمتوفى فى عام ٩٢٣
من الهجرة، وشرحه متداول مشهور واسمه «إرشاد السارى، إلى صحيح
البخارى )) وقد طبع مرارا بمطبعة بولاق.
وعلى الكتاب شروح كثيرة لم يتهيأ لمؤلفيها البن يتموها: منها شرح الامام
١

- ٥٤ -
محيي الدين يحيى بن شرف النووى المتوفى فى عام ٦٧٦ من الهجرة ، فانه شرح قطعة
من أوله إلى آخر كتاب الايمان، ومنها شرح الشيخ ركن الدين أحمد بن محمد بن
عبد المؤمن التريمى المتوفى فى عام ٧٨٣، وهذا الشرح هو مرجع العلامة العينى
فى كل ما ذكره فى شرحه ((عمدة القارى)) من مباحث البلاغة، ولذلك لم
يتكلم العينى من مباحث علوم البلاغة بعد أن فرغت القطفة التى كان قد صنعها
ركن الدين المذكور، قال هذا الحافظ ابن حجر وقد ذكر له بعض الناس ترجيح
شرح العينى بما اشتمل عليه من البديع وغيره على شرحه فتح البارى . ومن الشروح
التى لم تكمل شرح الحافظ عماد الدين إسماعيل بن عمربن كثير الدمشقى المنوفى
فى عام ٧٧٤ ، وشرح العلامة مجد الدين أبى طاهر محمد بن يعقوب الغیر وزابادى
الشيرازى المتوفى فى عام ٨١٧ من الهجرة، وقد سمى شرحه هذا « منحالبارى ،
بالسيح الفسيح الجارى » وكمل ربع العبادات منه فى عشرين مجلداً ،وقدر تمامه
فى أربعين مجلداً، وقد ذكر الحافظ السخاوى فى الضوء اللامع أن التقى الفاسى
قال : إن المجد لم يكن بالماهر فى الصنعة الحديثية ، وله فيما يكتبه من الأسانيد
أوهام ، وأما ما شرحه على البخارى فقد ملأه من غرائب المنقولات سيما من
الفتوحات المكية ، وشرح الحافظ زين الدين عبد الرحمن بن أحمد بن رجب
الحنبلى المتوفى فى عام ٧٩٥ وقد ذكر صاحب (( الجوهر المنضد فى طبقات
متأخری أصحاب أحمد » أن ابن رجب وصل فى شرحه إلى كتاب الجنائز.
وقد اختصر الكتاب غير واحد من العلماء ، نذكر منهم الشيخ الامام
جمال الدين أبا العباس أحمد بن عمر الأنصارى القرطبى المتوفى فى عام ٦٥٦ من
الهجرة، والشيخ بدر الدين حسن بن عمر بن حبيب الحلبى المتوفى فى عام ٧٧٩
وقد سمى مختصره «إرشاد السامع والقارى، المنتقى من صحيح البخارى))،
والامام زين الدين أبا العباس أحمد بن أحمد بن عبد اللطيف الشرحى الزبيدى
المتوفى فى عام ٨٩٣، ومختصر الامام الزبيدى هذا مشهور متداول بين الناس

٠ - ٥٥ -
واسمه ((التجريد الصريح، لأحاديث الجامع الصحيح» وقد حذف فيه ما تكرر
وجمع ما تفرق فى الأبواب .
وألف جماعة من العلماء مصنفات خضة برجل البخلزى، ونذكر من هؤلاء
الشيخ الأمام أبا نصر أحمد بن محمد بن الحسين الكلابادى البخارى المتوفى فى
عام ٣٩٨ فقدصنف كتابافى أسماء رجال البخارى ، ونذكر منهم القاضى أبا الوليد
سليمان بن خلف الباجى المتوفى فى عام ٤٧٤ من الهجرة فقد صنف كتابا سماه
((كتاب التعديل والتجريح لرجال البخارى »
وقد صنف جلال الدين عبد الرحمن بن عمر البلقينى المتوفى فى عام ٨٢٤
كتابا فى بعض ما يتعلق بالبخارى وقد سماه («الأفهام، بما وقع فى البخارى
من الابهام » وذلك أن الراوى للحديث قد يذكر قصة يقول فيها« أن رجلا آنى
النبى صلى الله عليه وسلم فسأله عن كذا )) فهذا الرجل فى هذه الرواية مبهم،
وقد بين فى رواية أخرى أنه فلان ، أو بين أنه من بنى فلان أو نحو ذلك ،
فجلال الدين البلقينى يتتبع أحاديث البخارى حديثا فحديثاً ، فكل حديث
وقع فيه لفظ مبهم كرجل أو امرأة أو يوم أو وقت أو صلاة ، وقد ورد هذا اللفظ
مبيناً فى بعض الروايات ، يذكر هذا البيان منسوبا إلى راويه
وأنت إذا تأملت فيما ذكرناه لك - على قلته ، وعلى أنا تركنا من
المصنفات على البخارى مما بلغ أسماعنا عنه أكثر مما ذكرنا ، وعلى أن ما لم
يبلغنا خبره أكثر مما صار إلينا علمه - تبين لك مقدار حرص العلماء على
الاشتغال به وبيان ما فيه
١٥
وأما الكتاب الثانى فاسمه « الجامع الصحيح» أيضاً ، وقد اشتهر بين
الناس باسم صحيح مسلم، ومؤلفه هو الامام الحافظ أبو الحسين مسلم بن الحجاج
:

-٥٦-
القشيرى النيسابورى ، الشافعى المتوفى فى عام ٢٦١ من الهجرة ، وقد قدمنا أن
إجماع علماء هذه الأمة قد انعقد على أن صحيح البخارى وصحيح مسلم هما أصح
كتب الحديث على الاطلاق، وإنما الاختلاف بينهم فى أى الكتابين أصح
من الآخر، فالجمهور على أن صحيح البخارى أصح من صحيح مسلم ، وقال
أبو على الحسن بن على النيسابورى شيخ أبى عبد الله الحاكم: ما تحت أديم
السماء أصح من كتاب مسلم، ووافقه على ذلك بعض علماء المغرب ، وقال الامام
النووى فى صدر شرحه على صحيح مسلم: وقد انفرد مسلم بفائدة حسنة ، وهى
كونه أسهل متناولا من حيث إنه جعل لكل حديث موضعاً واحداً يليق به
جمع فيه طرقه التى ارتضاها وأورد فيه أسانيده المتعددة وألفاظه المختلفة، فيسهل
على الطالب النظر فى وجوهه واستثمارها، ويحصل له الثقة بجميع ما أورده مسلم
من طرقه، بخلاف البخارى، وحكى عن مكى بن عبدان أنه قال : سمعت مسلما
يقول : لو أن أهل الحديث يكتبون مائتى سنة الحديث فمدارهم على هذا المند
- يعنى صحيحه - وقال مسلم: صنفت هذا المسند من ثلثمائة ألف حديث
مسموعة، وقد عقدمؤلف الكتاب الذى بين يديك مسألة ذكر فيها شرط مسلم.
كما عقد مسألة ذكر فيها شرط البخارى ، وتعرض الشارح لبيان هذا الموضوع
فى عدة أماكن من شرحه ، فلا نرى داعية لأن نتعرض لبيان هذا فى هذا
الموضع، فارجع إلى ما كتبه المصنف والشارح تزدد معرفة .
وقد تلقى علماء هذه الأمة صحيح مسلم بالقبول، كما تلقوا صحيح البخارى
بالقبول ، وعنى كثير منهم بشرح صحيح مسلم كما عنى كثير منهم يشرح
صحيح البخارى ، وتضافرت جهود على تعقب مسلم والاستدراك عليه كما
تضافرت جهود على تعقب البخارى والاستدراك عليه، وبالجملة كان لصحيح
مسلم من جهود العلماء فى شرح، جملةً أو شرح بعض مواضع منه أو شرح غريبه
أو تخريج أحاديثه أو اختصاره الشىء الكثير.

- ٥٧ -
شرحه الامام قوام السنة أبو القاسم إسماعيل بن محمد الأصفهانى الحافظ المتوفى
فى عام ٥٣٥، وممن شرحه أبو عبد الله محمد بن على المازرى المتوفى فى عام ٥٣٦
من الهجرة، وسمى شرحه ((المعلم، بفوائد مسلم)» والقاضى عياض بن موسى
اليحصبى المالكى المتوفى فى عام ٥٤٤ من الهجرة، وسمى شرحه («الاكل))
وقد أراد بشرحه هذا إ كمال شرح المازرى ، وشَرَحَة عماد الدين عبد الرحمن
ابن عبد العلى المصرى المتوفى فى عام ٦٢٤ من الهجرة ، والامام الحافظ
أبو زكريا يحيى بن شرف النووى الشافعى المتوفى فى عام ٦٧٦ من الهجرة،
وشرحه هذا شرح متوسط مفيد سماه ((المنهاج فى شرح صحيح مسلم بن الحجاج)
وقد دعاه إلى الاختصار فى شرحه ما ذكره بقوله « ولولا ضعف الهمم وقلة
· الراغبين لبسطته فبلغت به ما يزيد على مائة من المجادات ، لكنى أقتصر على
التوسط)) وشَرَحَه أبو الفرج عيسى بن مسعود الزواوى المتوفى فى عام ٧٤٤
من الهجرة ، وهو شرح کبیر جمع فيه بین معالم الزواوى وإ كمال القاضى عياض
ومنهاج النووى ومفهم القرطبى الذى سنذكره فيما بعد فى جملة مختصرات هذا
الكتاب، وشَرَحه الامام أبو عبد الله محمد بن خليفة الوشتانى الأبى المالكى
المتوفى فى عام ٨٢٧ من الهجرة، وقد سمى شرحه هذا ((إ كمال إ كمال اللعام))
وذكر فيه أنه ضمنه كتب شراحه الأربعة: المازرى، والقاضى عياض ،
والقرطبى ، والنووى، مع زيادات مكملة، وتنبيه، ونَقَلَ عن شيخه أبى عبد الله
محمد بن عرفة أنه قال : ما يشق علىّ فهمُ شیء کما یشق كلامُ عیاض فی بعض
مواضع من الأكمال، وشَرَحه أيضاً السيخُ تقى الدين أبو بكر بن محمد المبنى
الدمشقى الشافعى المتوفى فى عام ٨٢٩ من الهجرة ، والشيخ الحافظ جلال الدين
عبد الرحمن بن أبى بكر السيوطى المتوفى فى عام ٩١١ من الهجرة ، والشيخ
شهاب الدين أحمد بن محمد الخطيب القطلانى الشافعى المتوفى فى عام٩٢٣
من الهجرة ، وشيخ الاسلام القاضى زين الدين زكريا بن محمد الأنصارى
الشافعى المتوفى فى عام ٩٢٦ من الهجرة.

- ٥٨ -
ولخص صحيح مسلم أبو العباس أحمدرين عمر بن إبراهيم القرطبى المتوفى فى
عام ٦٥٦، ثم شرح مختصره هذا فى كتاب سمه «المفهم، لما أشكل من تلخيص
كتاب مسنا» وقد ذكر فيه أنه لما لخصه ورتنه وبوبه شرح غريبه ، ونبه على
نكت من إعرابه، وعلى وجوه الاستدلال بأحاديثه. واختصره أيضاً الامام
الحافظ زكى الدين عبد العظيم بن عبد القوى المنذرى المتوفى فى عام ٦٥٦ من
الهجرة، وقد شرح هذا المختصر عثمان بن عبد الملك الكردى المصرى المتوفى
فى عام ٨٣٧ من الهجرة، ومحمد بن أحمد الأسنوى المتوفى فى عام ٧٦٣ من الهجرة
وممن اختصره أبو الفضل محمد بن عبد الله المريسى المتوفى فى عام ٦٥٥ من الهجرة.
وقد شرح زوائد صحيح مسلم على صحيح البخارى سراج الدين عمر بن
على بن الملقن الشافعى المتوفى فى عام ٨٠٤ من الهجرة، وهو شرح كبير يقع فى
ضعف شرح النووى رغم أنه لم يتعرض لشرح الكتاب كله .
وقد شرح غريب صحيح مسلم الامام عبد الغافر بن إسماعيل الفارسى
المتوفى فى عام ٥٢٩ من الهجرة، وسمى كتابه ((المفهم، فى شرح غريب مسلم))
وتكلم عن رجال مسلم خاصة أبو بكر أحمد بن على الأصفهانى المتوفى فى عام
٢٧٩ من الهجرة
فتأمل فى هذه الشروح ، وتنوع أغراض أصحابها، تدرك مقدار عناية هؤلاء
العلماء فى القرون المختلفة بهذا الكتاب.
١٦
٠
وأما الكتاب الثالث مناسمه « الجامع الصحيح» أيضاً، وقد اشتهر بالاضافة
إلى مؤلفه فيقال ((جامع الترمذى، ويقول كثير من العلماء ((سنن الترمذى)).

- ٥٩ -
ومؤلفه هو الامام الحافظ أبو عيسى محمد بن عيسى الترمذى المتوفى فى عام ٢٧٩ فى
من الهجرة، وقد ثقل عن المؤلف أنه قال: صنفت هذا الكتاب فعرضته على
علماء الحجاز والعراق وخراسان فرضوا به ، ومن كان فى بيته فكأنما فى بيته فی
يتكلم. ولمصنف ((تنقيح الأنظار)) بحث فى شرط الترمذى ومنزلة حديثه
فارجع إليه إن شئت
وقد تصدى لشرحه ولاختصاره جماعة من العلماء ، فممن شرحه الامام الحافظ
أبو بكر محمد بن عبد الله الأشبيلى المعروف بابن العربى، المالكى، المتوفى فى عام
٥٤٦ من الهجرة، وقد سمى شرحه ((عارضة الأحوذى ، فى شرح التربنى »
ومن شرحه الحافظ زين الدين عبد الرحمن بن أحمد بن رجب الحنبلى
المتوفى فى عام ٧٩٥ من الهجرة
وممن شرحه العلامة الحافظ جلال الدين عبد الرحمن بن أبى بكر
السيوطى المتوفى فى عام ٩١١ من الهجرة، وقد سمى شرحه («قوت المغتذى، على
جامع الترمذى »
وممن تصدی لشرحه ولكنه لم یتمه الحافظ أبو الفتح محمد بن محمد بن سید
الناس اليعمرى الشافعى المتوفى فى عام ٧٣٤ من الهجرة، فقد بدأ فى شرحه شرحا
مطولا فبلغ نحو ثلثى الكتاب فى نحو عشر مجلدات، ثمأ كمله الحافظ زين الدين
عبد الرحيم بن حسين العراقى المتوفى فى عام ٨٠٦ من الهجرة
وثمن تصدى لشرحه، ولم يتمه ، سراج الدين عمر بن رسلان البطقينى
الشافعى المتوفى فى عام ٨٠٥ من الهجرة، وسمى شرحه ((العرف الشَّذِی، على
جامع الترمذى » .
وقد شرح زوائد جامع الترمذى على صحيحى البخارى ومسلم وسنن
أبى داود سراجُ الدين عمر بن على بن الملقن المتوفى فى عام ٨٠٤ من الهجرة
ومن العلماء الذين اختصروا جامع الترمذى نجم الدين سليمان بن عبدالقوى

- ٦٠ -
الطوفى الحنبلى، المتوفى فى عام ٧١٠ من الهجرة، ونجم الدين ** بن عقيل
البالسى الشافعي ، المتوفى فى عام ٧٢٩ من الهجرة
١٧
وأما الكتاب الرابع فهو (( سنن أبى داود)» ومؤلفه هو الامام الحافظ
أبو داود سلمان بن الأشعث السجستانى المتوفى فى عام ٢٧٥ من الهجرة، وقد
قال مؤلف هذا الكتاب : كتبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم خمسمائة
ألف حديث انتخبت منها ما ضمنته كتابى هذا ، وجمعت فيه أربعة آلاف
حديث وثمانمائة حديث، وذكرت الصحيح وما يشبهه ويقاربه ، ويكفى الانسان
لدينه من ذلك أربعة أحاديث: أحدها (( إنما الأعمال بالنيات )» والتانى ( من
حسن إسلام المرء تركه مالا يعنيه)) والثالث (( لا يكون المؤمن مؤمناً حتى يرضى
لأخيه ما يرضاه لنفسه)) والرابع ((الحلال بين والحرام بين، وبين ذلك
مشتبهات)» وقد قال العلامة ابن السبكى فى طبقات الشافعية : سنن أبى داود
من دواوين الاسلام ، والفقهاء لا يتحاشون من إطلاق لفظ الصحاح عليها وعلى
سنن الترمذى، لاسيما سنن أبي داود. وقال أبو سليمان الخطابى (( كتاب السنن
لأبى داود كتاب شريف لم يصنف فى علم الدين كتاب مثله)) وقال ابن قيم
الجوزية ((كتاب السنن لأبي داود سليمان ابن الأشعث السجستانى، رحمه الله،
من الاسلام بالموضع الذى خصه الله به، بحيث صار حكماً بين أهل الاسلام،
وفصلا فى موارد النزاع والخصام ، قإليه يتحاكم المنصفون ، وبحكمه يرضى المحقون،
فانه جمع شمل أحاديث الأحكام ، ورتبها أحسن ترتيب ، ونظمها أحسن نظام،
مع انتقائها أحسن انتقاء، واطراحه منها أحاديث المجروحين والضعفاء»
وقد شرح هذا الكتاب الحافظ أبو سليمان حمد بن محمد بن إبراهيم الخطابى