النص المفهرس
صفحات 21-40
- ٢١ - وقد كان بعضهم يتورع عن التحديث عنه صلى الله عليه وسلم مخافة أن يبدل كلة بكلمة فيدخل فى عموم (( من كذب على متعمدا فليتبوأ مقعده من النار)) أو مخافة أن تكون روايته ذريعة إلى ذلك، روى الحاكم بسنده عن عائشة بنت سعد عن أبيها أنه قال ((ما يمنعنى من الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم ألا أكون أكثر أصحابه عنه حديثا، ولكنى أكره أن يتقولوا على » وروى البخارى عن عبد الله بن الزبير أنه قال : قلت للزبير: إنى لا أسمعك تحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما يحدث فلان وفلان، فقال الزبير: أما إنى لم أفارقه ، ولكن سمعته يقول: (( من كذب على فليتبوأ مقعده من النار )» وكان أنس رضى الله عنه يقول: إنه لمنعنى أن أحدثكم حديثا كثيرا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (( من تعمد على كذبا فليتبوأ مقعده من النار)) وأخرج ابن ماجة فى سننه عن السائب بن يزيد أنه قال : صحبت سعد بن مالك من المدينة إلى مكة فما سمعته يحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم بحديث واحد ، وأخرج ابن ماجة أيضا عن عبد الرحمن بن أبى ليلى قال: قلنا لزيد بن أرقم : حدثنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : كبرنا ونسيناء والحديث عن رسول الله شديد، وروواعن الشعبی أنه قال : جالست ابن عمر سنة فما سمعته محدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا ، واشتهر أن سعيد بن زيد أحد العشرة المشهود لهم بالجنة كان لايكاد يروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا فهؤلاء جماعة من الصحابة المعروفين وفيهم فقيه من فقهاً.م وفيهم واحد ممن شهد له رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنة ، كانوا يتحرجون من الرواية عن النبي ، حتى إن أحدهم مضى عليه السنة لا يحدث فيها حديثا واحدا ، وإن أحدهم ليسافر مع إخوانه سفرا بعيد الشقة والمسافر فى حاجة إلى أن يتحدث مع رفقته فيسمعهم ويسمعون له ويقص عليهم ويقصون عليه ، يحمل بعضهم بعضا بهذا التحديث وبهذا القصص، ويبعد بعضهم عن بعض بذلك الملل والسامة - ٢٢ -- ٠ وتذكر متاعب السفر، فلا يكون شيء من ذلك كلهباعثا لهذا الصحابى على أن يحدث أصحابه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثا. وكان شأنهم رضوان الله تعالى عنهم فى قبول الحديث ممن يحدث به عن رسول الله شأن من يحتاط ویتثبت ویری ألا يطلق الأمر للناس إطلاقا، هذا أبو بكر رضى الله عنه يحدثه المغيرة بن شعبة حديثا عن توريث النبى صلى الله عليه وسلم الجدة سدس مال المتوفى، وأبو بكر بحاجة إلى هذا الحدیث یقضى به فى حادثة رفعت إلیه لا يعلم حكم الله فيها ويمهل صاحبتها حتى يسأل الناس ، فلا يقبل الحديث من المغيرة - مع هذه الحاجة - حتى يسأله: أمعك أحد ؟ ولولا أن مهددين مسلمة شهد بمثل ما ذكر المغيرة لقد كان أبو بكر بصدد ألا يقبل روايته، وهذا أمير المؤمنين عمر بن الخطاب مجيئه أبو موسى فيسلم عليه من وراء الباب ثلاث مرات فلا يؤذن له فيرجع ، فاذا فرغ عمر مما كان فيه سأل: ألم أسمع صوت أبى موسى ? فيقال له: رجع لما لم تأذن له فيرسل عمر فى أثره، فإذا جاء سأله: لم رجعت ؟ فيقول : إنى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (( إذا سلم أحدكم ثلاثا فلم يجب فليرجع)» فيقول عمر: لتأتينى على ذلك ببينة أو لأفعلن بك ، فيذهب أبو موسى إلى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم منتقع اللون فيسألونه عن شأنه فيحدثهم حديثه مع عمر ثم يسألهم: هل سمع ذلك أحد منكم ؟ فيقولون: تعم كلنا سمع، ثم يرسلون معه رجلاً منهم حتى يأتى عمر فيخبره . وهذا أمير المؤمنين أبو الحسنين على بن أبى طالب كرم الله وجهه يقول عن نفسه : كنت إذا سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثا نفعنى الله بما شاء منه، وإذا حدثنى غيرى عن النبى صلى الله عليه وسام لم أرض حتى يحلف لى أنه سمعه من النبى صلى الله عليه وسلم، فان حلف لى صدقته، وحدثنى أبو بكر، وصدق أبو بكر ،أن النبى صلى الله عليه وسلم قال ((ما من إنسان يصيب إذنبا فيتوضأ ثم يصلى ركعتين فيستغفر اللهفيهما إلا غفر له)) قد کان کل ذلك فى عصر أصحاب رسول الله صلوات الله وسلامه عليه، ٦ جـ - ٢٢ - وكان ذلك بعض ما أراد الله جلت قدرته أن يحوط به دينه الذى ارتضى لخلقه وجعله ختام الأديان : جماعة من أصحاب الرسول يلازمونه ويحرصون على الرواية عنه، ويعون كل ماينطق به حتى لو استطاعوا أن يعدوا عليه أنفاسه لفعلوا ، لئلا يذهب عن الأعصار التى تليهم بعض ما يحتاجون إليه من شأن الرسول صلى الله عليه وسلم، وكاتوا يجدون من عمل الرسول معهم ما يمكن لهم من الحفظ والوَعْى والتثبت مما يقول ، فقد كان الرسول صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله يكرر كلامه ويعيده ليعى سامعه عنه ، وقد كان بعض أصحابه يسأله أن يعيد ما قال ليتأ كد منه فيعيده له ، وغير ذلك من وسائل التثبيت ، حدث البخارى (١) بسنده إلى أنس رضى الله عنه أنه قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا سا سلم ثلاثا ، وإذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثا، وحدث البخارى أيضاً بسنده إلى ابن أبي مليكة أن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم كانت لا تسمع شيئًلا تعرفه إلا راجعت فيه حتى تعرفه (٢). وجماعة آخرون يتشددون ويتحرجون، فهم يمتنعون عن الرواية، ويمنعون غيرهم من الاكثار منها، ويكلفون مَنْ يروى لهم شيئاً أن يؤيد روايته بما يثبتها: إما بشاهد، وإما بيمين ، لئلا يتورّط الناس فيكثروا من الرواية فيدخل عليهم بعض ماليس من شأن رسولهم، كل ذلك قد كان، وكل ذلك إنما كان لحكمة جليلة أرادها الله تعالى. والذى نحب أن ننبه إليه فى هذا المكان أن الاستيثاق فى رواية الحديث والتثبت من صحة المروى وعدالة الراوى وضبطه وغير ذلك من صفاته لم يبتدعه علماء أصول الحديث فيما بعد ، ولكنبم رأوا أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلمٍ قد مهدوا هُم سبيله وعبدوا طرقه)، فساروا هم فى الطريق التى رسمها لهم سلفهم الصالح رضى الله عنهم أجمعين، وسنشرح هذا فيمايلى إنشاء الله (١) انظر صحيح البخارى (ج ١ ص ٢٠) (٢) انظر صحيح البخارى (ج ١ ص ٢١) - ٢٤ -- وأريد أن أنبه أنهم رضى الله تعالى عنهم - مع ما كانوا عليه من النحرج والخوف من الرواية - كانوا حريصين عليها شديدى الرغبة فيها ، حتى إن أحدهم ليسافر الأيام والليالى فى سبيل حديث واحد يأخذه عن حامله ، وقد يسافر الأیام واللیالی لیستثبت منحديث رواه هو ورواه معه صحابى آخر، فهو يريد أن يتحقق من أنه لايزال ضابطا لما رواه واعيا لما سمعه، حدث أبو عبدالله الحاكم بسنده عن عمروبن أبى سلمة أنه قال الأوزاعى: يا أباعمرو ، أنا ألزمك منذ أربعة أيام ولم أسمع منك إلا ثلاثين حديثاً، فقال الأوزاعى: وتستقل ثلاثين حديثاً فى أربعة أيام ? لقد سار جابر بن عبد الله إلى مصر واشترى راحلة فركبها حتى سأل عقبة بن عامر عن حديث واحد، وانصرف إلى المدينة ، وأنت تستقل ثلاثين حديثاً فى أربعة أيام، وحدث الحاكم بسنده أيضاعن عطاء بن أبى رباح قال: خرج أبو أيوب إلى عقبة بن عامر يسأله عن حديث سمعه من رسول اللهصلى الله عليه وسلم ولم يبق أحد سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم غيره وغير عقبة ، فلما قدم إلى منزل مسلمة بن مخلد الأنصارى - وهو أمير مصر - فأخبره فعجل عليه فخرج إليه فعانقه ثم قال : ماجاء بك يا أبا أيوب؟ فقال: دانى على بيت عقبة بن عامر ، فأرسل معه من يدله ، فلما أذن به عقبة خرج إليه فعانقه ، وقال : ما جاء بك؟ فقال: حديث سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يبق أحد سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم غيرى وغيرك فى ستر المؤمن ، قال عمبة : نعم ، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (( من سترمؤمناً فى الدنيا على خزيةستره الله يوم القيامة»فقال له أبو أيوب :صدقت ، ثم انصرف أبو أيوب إلى راحلته فركبها راجعاً إلى المدينة،فما أدركته جائزة مسلمة بن مخلد إلا بعريش مصر (١). وقال البخارى: ورحل جابربن عبد الله مسيرة شهر إلى عبد الله بن أنيس فى حديث واحد (٢) (١) انظر معرفة علوم الحديث للحاكم (ص ٧و٨) (٢) انظر صحيح البخارى (١ - ١٧) وانظر الاشارة إلى هذا فى معرفة علوم الحديث للحاكم (ص ٩) ر۔۔ - ٢٥ - يا للْحرص الشديد، وياللَّصبر، ويالأورع والخوف من الله، وياللأمانة على العلم ! رجل يسمع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثاً ويسمعه معه جماعة من أصحابه، وهو واعٍ لما سمع حافظ له، ثم يموت الذين سمعوا معه هذا الحديث فلا یبقی منهم إلا شخص واحد بينه و بين مقامه فيافٍ ومهامه فيح، فيخشى إن هو لم يتثبت مما حفظه بمراجعة هذا الباقى من إخوانه أن يتفلت منه، فيمضى مسافراً لا يثنيه عن قصده شىء، ويقطع المفاوز غير هياب ولا وجل ، حتى إذا بلغ مقام صاحبه سأل الوالى أن يبعثمعه من يدله على منزله، ولا یتر یث حتى يزول عنه بعض ما ألم به من متاعب السفر، حتى إذا أبلغه رسول الوالى إلى منزل صاحبه لم يكن شىء آثر عنده - بعد التحية العاجلة - من أن يسأله عما جاء من أجله فإذا سمع منه الحديث ووجده موافقاً لما تعيه ذاكرته قال له : صدقت ! ثم يلفت وجه راحلته عائداً من حيث أتى ، ولو كان هذا الحديث فى شىء من فروض الله تعالى التى أوجب على عباده لقلنا: مسألة يرون فى سبيلها كل عناء ، ولكنه حديث فى سبيل خلق من الأخلاق الفاضلة كانت له عنه مندوحة بما يحفظ من حديث مكارم الأخلاق ومن قواعد الشريعة العامة ، ولهذا يقول الحاكم أبو عبد الله بعد رواية هذه الحادثة: فهذا أبو أيوب الأنصارى - على تقدم صحبته وكثرة ساعهمن رسول الله صلى الله عليه وسلم - رحل إلى صحابى من أقرانه فى حديث واحد لو اقتصر على سماعه من بعض أصحابه لأمكنه(١) . وجابر بن عبد الله رضى الله تعالى عنه الذى يسمع أن عبد الله بن أنيس الجهنى يروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثاً فى شأن من شؤون يوم القيامة فيشترى بعيراً ويشد عليه رجلا ويسير شهراً حتى يبلغ الشام موطن عبد الله بن أنيس ليسمع منه هذا الحديث(٣) (١) انظر معرفة علوم الحديث (ص ٨) (٢) أنظر شرح القسطلانى ( ١ - ١٧٧) ۔ ٠٨ -- ٢٦ - وتجُّد أحداث جسام تتفرق فيها الكلمة التى دأب رسول الله صلى الله عليه وسلم على توحيدها ، وبعض المسلمين يومئذ حديث عهد بالاسلام ولم يشهد تنزيل القرآن ولا رأى صاحب الرسالة صلوات الله وسلامه عليه فيمتلىء قلبه باكباره ويذهب الله عنه برؤيته أدران الجاهلية الجهلاء، فيكون شأن هؤلاء عجيبا أشد العجب، غريبا إلى أبعد حد فى الغرابة ، يجرى قوم منهم مع أهواءهم ونزوات رءوسهم وأحقاد قلوبهم بأوسع الخطى، وتعاودهم عصبية الجاهلية، ويجدون فى الصفوف التى ينتمون إليها قوما طيبى السريرة خالصى النية للدين الجدید، ولكنهم - مع ذلك - أغرار تجوز عليهم الخديمة وتنطلى عليهم الحيل، ويجدون فى الصفوف التى تناوهم قوما لاتلين شكيمتهم إلا لما هو من طريق الدين أو بسبيل منه، ومن هؤلاء المتصدرين قوم دخلوا فى هذا الدين الجديد على دغل فهم يتربصون به الدوائر ويتحينون الفرصة السانحة لينقضوا عراه عروة بعد عروة ولينالوا منه بالخب والخديعة والمكر ما لم ينله قومهم الذين ينتمون إليهم بحد السيف وفى صفوف القتال ، فيكون من هؤلاء وهؤلاء ما ينقطع له نياط القلوب وتذوب من هوله مهجات النفوس، إذكاء لنيران الفتنة وإشعال للهبها حتى يطول حمل المسلم السلاح يقاتل به أخاه المسلم وهو حريص على أن يظفر به، وإذكاء لنيران الفتنة وإشعال للهبها حتى تكون للمسلمين أبحاث فى العقائدوجدل طويل حول بعض مسائلها وحتى يحمل المسلم على أخيه المسلم فيكفره ويحكم بأن دمه وماله وأهله حلال بعد أن كان كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله، وإذكاء لنيران الفتنة وإشعال للهبها حتى تكون للمسلمين أبحات فى بعض الفروع تثور عجاجتها حتى تغطى على عيون العامة فلا يرون مما تحجبه شيئا، وهؤلاء المتصدرون لا يبالون شيئا مما صارت إليه حال المسلمين: إما لأنهم بله لا يقدرون نتائج ذلك وإما لأنهم خبناء يريدون أن تقع الواقعة، ولا يكتفون بالسكوت عما يدور بين المسلمين، وإنما يعملون على إثارته كلما عداً، ويرى هؤلاء المتصدرون أن - ٢٧ -- أنجع وسائلهم التى يأتون المسلمين من قبلها أن يضعوا على رسول الله صلى اللهعليه وسلم أحاديث توافق دعايتهم فى وجوهها كلها أو بعضها ، إذ كانوالا يستطيعون أن يزيدوافى كتاب الله شيئا ، لأن الله جلت قدرته قد مكن لرسوله ولأصحابه من بعده أن يحافظوا عليه على ما أسلفتا ذكره، فوضعوا كثيرا من الأحاديث وأذاعوا روايتها بين الناس ، وجادلوا فيها وفى غيرها ، وتأولوا بعض ما ثبتت روايته عن ثقات الرواة ، حتى ليروى العلماء أن قوما من هؤلاء الزنادقة أقروا على أنفسهم أنهم اختلقوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم مئات من الأحاديث ، وقد روى مسلم بسنده إلى مجاهد قال: جاء بشير بن كعب العدوى إلى ابن عباس رضى الله عنهما ، فجعل يحدث ويقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ،قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فجعل ابن عباس لا يأذَنُ لحديثه ولا ينظر إليه، فقال : يا بن عباس ، مالى أراك لا تسمع لحديثى? أحدثك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا تسمع ؟ فقال ابن عباس : إنا كنا مرة إذا سمعنا رجلا يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ابتدرته أبصارنا وأصغينا إليه بآذاننا، فلما ركب الناس الصعبة والذلول لم نأخذ من الناس إلا ما نعرف ، وروى أحاديث متعددة بهذا المعنى أو بما يقرب من هذا المعنى فى باب النهى عن الرواية عن الضعفاء والاحتياط فى تحملها ، وذلك فى مطلع صحيحه فارجع إليها إن شئت ، وأعظم العظائم فى هذه المسألة أن ناساً كانوا يختلقون الأحاديث ويضعونها على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم يحسبون أنهم يتقربون إلى الله بهذا العمل، وأولئك هم شر الوضاعين وأكثرهم خطراً وأشدهم بلاء على الناس ، وهم الذين ضل سعيهم فى الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا، ذكرابن خلكان(٢) فى ترجمة المهلب بن أبى صفرة نقلا عن أبى العباس المبرد فى الكامل أن المهلب (١) ابن خلكان (٣ -٤٢ طبع مطبعة النيل). - ٢٨ - كان ربما صنع الحديث ليشُد به أمر المسلمين ويضعف به أمر الخوارج. ۔۔ ٦ انقضى القرن الأول الهجرى وشأن الاسلام وعلومه على ماذكرنا، القرآن محفوظ فى الصدور، مكتوب فى الألواح والعظام ونحوها: متفرقا غير مجموع ولامر تب أول الأمر، ثم مجموعاً مرتباً على ما أمر الرسول صلى الله عليه وسلم فى عهد الخليفة الأول أبى بكر الصديق رضى الله عنه، ثم مكتوبا فى المصاحف موجودا فى أمصار الاسلام فى عهد ذى النورين عثمان بن عفان رضى الله عنه ، والحديث النبوى مروى على . الألسنة، محفوظ فى الصدور، معنى به أشد العناية ، غير مكتوب منه إلاما أشرنا إليه ، ثم انضم إلى الحديث النبوى فتاوى الصحابة وأقضيتهم وتفسيراتهم للقرآن وبيانهم لأحكام السنة النبوية ونحو ذلك . وانقضى القرن الأول الهجرى وشأن المسلمين على ما ذكرنا ، قوم مؤمنون أقوى إيمان وأثبته، حريصون أشدحرص على كتاب.م وسنة نبيهم، كلهم ثقة أمين إن حَدَّث، وكلهم واع يقظ إن حُدِّث ، لا تنطوى قلوبهم على غير الإِخلاص لهذا الدين وأهله، ينصحون لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم ، ثم تصيرهم الأحداث معسكرين : فأما أحد المعسكرين فثابت أمتن الثبوت على ما كان عليه - سلفه من الوعى واليقظة والنصيحة ، متشدد أبلغ التشدد فى البحث والاستقصاء ومعرفة من يصح أن يروى عنه ممن لا يعبأ بروايته ، يرجو أن يكون فى عداد من عناهم التبى صلى الله عليه وسلم بقوله ((لايزال ناس من أمتى منصورين لا يضرهم من خذلهم حتى تقوم الساعة)) وأما نانى المعسكرين فقوم من أهل العصبية وذوى الأهواء ، أو ممن فى قلوبهم مرض ، لا يتحرجون عن مأتم ، ولا يخافون من عاقبة يجمعون الحديث كمن يحتطب بليل أو يصنعونه ويختلقونه والعياذ بالله تعالى من هؤلاء ومما كانوا يصنعون . -- ٢٩ - ٧ ثم تفضى الخلافة إلى عادل بنى مروان أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز بن مروان رضى الله تعالى عنه، وذلك فى سنة تسع وتسعين من الهجرة، فينظر فى أمر حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ويفكر فى نهى رسول الله صلى الله عليه. وسلم عن كتابة غير القرآن ، وفيما كان من الصحابة من الحرص على الرواية والا بلاغ مع التثبت والاستيقان، ثم فيما طرأ على المسلمين بعد ذلك من فرقة فى القصد، ثم ينظر فاذا كثير من الرواة والأثبات قد ماتوا أوقتلوا فى هذه الأحداث ويخشى ماخشيه عمر بن الخطاب رضى الله عنه يوم أشار على أبى بكر رضى الله عنه بجمع القرآن وترتيبه ، وماخشيه الكثير من الصحابة يوم أشاروا على عثمان ابن عفان رضى الله عنه بأن يكتب القرآن الكريم ويجمع المسلمين كلهم على رواية واحدة من قراءاته، ويرسل إلى كل مصر من أمصار المسلمين مصحفاً ، ويعزم عليهم ألا يقرءوا القرآن ولا يقرأوه إلا على مافى هذا المصحف ، يخشى عمر بن عبد العزيز على السنة كل ماخشيه قبله أصحاب رسول الله على القرآن ، من موت العلماء الحفاظ الذين وعَوا حديث رسول الله وفيه كل ما يحتاج إليه المسلمون من بيان أموردينهم ودُنياهم ، ويرى أن ماخشيه رسول الله يوم أمر بألا يكتب عنه إلا القرآن وما خافه عمر بن الخطاب وسائر أصحاب رسول الله من بعده من اختلاط غير القرآن بالقرآن ، لم يَعُدْ مخْشياً ولا مخوفاً، بل لقد صار المخشئُّ والخوف اليوم دروسَ العلم وذهاب العلماء لأن المعارك التى نشبت بين المسلمين أنفسهم ، وبينهم وبين من جاورهم من المالك الأخرى كانت سبباً فى موت كثير من حملة العلم ووعاته ، وعمربن عبد العزيز أحق الناس وآثرهم بالنظر فى شأن حديث · رسول الله والضن به أن يضيع بضياع أهله . ويهدیه تفکیره إلى أبى بكر محمد بن عمرو بن حزم الأنصارى المدنی - وهو نائب عمر بن عبد العزيز فى الأمرة والقضاء على المدينة، وهو شيخ معمر - ٣٠ -٠ والليت والأوزاعى ومالك وابن إسحلق وابن أبي ذئب ، وقد توفى فى سنة اثنتين ومائة فى خلافة هشام بن عبد الملك بن مروان - فكتب إليه يقول : انظر ما كانعندك منحديث رسول اللهصلى اللهعليه وسلمفا كتبه، فإنى خفتدروس العلم وذهاب العلماء ، ولا يقبل إلا حديث النبى صلى الله عليه وسلم، ولتفشوا العلم، ولتجلسوا حتى يعلم من لا يعلم، فان العلم لا يهلك حتى يكون سراً(١)، وكتاب عمر بن عبد العزيز إلى أبى بكر محمد بن حزم هذا يدل على أن الكتاب الذى وضعه ابن حزم- إن يكن قد وضع كتابا لم يكن يشتمل على شىء غير حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإن الخطة التى رسمها له ناطقة بلزوم الامتناع عن كتابة غير حديث النبى، والغالب أن ابن حزم لو أنه فعل قد امتثل ذلك وجرى عليه . وإذن فكتاب ابن حزم هذا على افتراض تصنيفه أول كتاب صنف فى حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو قد صنف فى آخر عام من القرن الأول الهجرى أو أول علم من القرن الثانى، ولسنا نعرف عن هذا الكتاب شيئاً ، ولا عثرنا على قول لأحد من علماء هذه الأمة يشتمل على وصف هذا الكتاب وبيان ما اشتمل عليه من حديث النبى صلى الله عليه وسلم بيانا يرتن إليه ، وقد فقد المسلمون هذا الكتاب مع مافقدوه من تراث أسلافهم ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم. ولم يكتف عمر بن عبد العزيز بهذا الأمر يرسله إلى ابن حزم ، بل أرسل إلى محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب الزهرى - وهو أحد أئمة المسلمين ، وعالم الشام والمدينة وشيخ من شيوخ مالك ومعمر والأوزاعى والليث وابن أبى ذئب ، وقد ولد سنة خسين ، وتوفى سنة أربع وعشرين ومائة من الهجرة - وطلب إليه أن يدون حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويقول الرواة : إنه قد دون له فى ذلك كتابا . وجاءت من بعدهذين طبقة جمعت كتباً على نحوقريب مماجمع عليه ابن حزم (١) انظر صحيح البخارى (١ - ٢١) 1 - ٢١ - والزهرى : منهم ابن جريج بمسكة، وابن أبى إسحاق ومالك بن أنس الامام بالمدينة ، والربيع بن صَبيح وسعيد بن أبى عروبة وحماد بن سلمة بالبصرة ، وسفيان الثورى بالكوفة ، والأوزاعى بالشام، وهشيم بواسط ، ومعمر باليمن ، وجرير بن عبد الحميد بالرى، وابن المبارك بخراسان . ولا ندرى أى هؤلاء كان أسبق إخوانه فى هذه الحلبة ، فقد كانوا كلهم يعيشون فى عصر واحد ومن طبقة واحدة، وأ کثرهممن تلامذة أبى بكر محمد بن حزم و ابن شهاب الزهرى ، و کتاب موطأ مالك بن أنس أحد رجال هذه الطبقة كتاب مشهور متداول بين أهل العلم إلى يوم الناس هذا ، وهو كتاب مرتب منظم يجمع كثيراً من الأحاديث فى أبواب الفقه كلها ، وقد فضله الامام محمد بن إدريس الشافعى على كل ماصنف فى الحديث إلى وقته حتى قال كلمته المشهورة ((ما على أديم الأرض . بعد كتاب الله تعالى - كتابٌ أصح من موطأ مالك)) " هذا كله بالنظر إلى جمع أبواب متفرقة من الحديث فى كتاب واحد ، كما ترى فى موطأ الإمام مالك ، أما جمع الأحاديث الواردة فى باب واحد ، فقد ذكر الحافظ ابن حجر أن الشعبى قد سبق هؤلاء بالتصنيف فى هذا النوع، وروى أن الشعبى قال : هذا باب من الطلاق جسيم ، وساق فيه أحاديث ، فهذه ثلاث خطوات بدأت من آخر القرن الأول الهجرى أو أول القرن. الثانى وانتهت فى النصف الثانى من القرن الثانى : أولاها الخطوة التى نفرض أنه قد خطاها ابن حزم وابن شهاب الزهرى ، وقد جمع كل واحد منهما ما عنده من حديث رسول الله ، ولعلهما لم يلتزما ترتيبا، وثانيتها التى خطاها الشعبى، وهذه الخطوة جمع فيها الشعبى ما وصل إليه من الحديث فى باب واحد من أبواب الفقه والحديثُ يومذاك يشمل فتاوى الصحابة والتابعين، والخطوة الثالثة تلك الخطوة :. التى نتخذ موطأ الإمام مالك نموذجا لها ، وفيها جمعت أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم وفتاوى الصحابة والتابعين مرتبة على أبواب الفقه بحيث يوضع تحت - ٢٢ -- كل باب ما بلغ مؤلف الكتاب من أحاديث يستدل بها على حكم من أحكام هذا الباب قباب للطهارة تجمع فيه أحاديث الوضوء والغسل وإزالة الأنجاس وغير ذلك من فروع الطهارة، وباب الصلاة، وباب الزكاة ، وباب للحج ، وباب للصوم، وباب البيوع، وهكذا وتلا هؤلاء كثير من أهل عصرهم ، وكانت كل تآليفهم عبارة عن جمع ما وصل إلى المؤلف من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ممزوجة بأقوال الصحابة وفتاوى التابعين ، وما زال الأمر كذلك حتى رأى بعض العلماء أن يفرد حديث النبي صلى الله عليه وسلم بالتأليف على نَهْج آخر، فصنف عبيد الله بن موسى. العبسى الكوفى مشنداً ، وصنف مسدد البصرى مسنداً ، وصنف أسد بن موسى مسنداً ، وصنف نعيم بن حماد الخزاعى مسنداً ، ثم اقتفى الحفاظ آثار هؤلاء فصنف الامام أبو عبد الله أحمد بن حنبل الشيبانى مسنداً ، وصنف إسحاق بن راهويه وعثمان بن أبى شيبة وغيرهما مسانيد، وطريقة أصحاب هذه المسانيد أن يذكروا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، مرتبة أسماؤهم على ترتيب حروف الهجاءَ أحيانا، وغير مرتبة أحيانا أخرى، ثم يذكر وافى ترجمة كل صحابى الأحاديث التى يروونها من طريقه غير مقيدين بأن يكون الحديث محتجاً به، فترجمة لأبى بكر الصديق يروى فيها الأحاديث التى رواها المؤلف عن أشياخه منتهياً سندها إلى أبى بكر، وترجمة لعمر بن الخطاب كذلك ، وترجمة لعثمان بن . عفّن كذلك ، وترجمة لعلى بن أبى طالب كذلك ، وهلم جرا ، ومسند الامام الورع شيخ أهل الحديث أحمد بن حنبل رضى الله تعالى عنه مشهور لايزال أهل العلم يتداولونه إلى اليوم، وهو أفضل المسانيد ، وفيه يقول العماد بن كثير: لا يوازى مسند أحمد كتاب مسند، فى كثرته وحسن سياقاته ، وفيه يقول الحافظ ابن حجر: ليس فى هذا المسند حديث لا أصل له إلا ثلاثة أحاديث أو أربعة كل هؤلاء من أئمة الحديث ونقدته وصيارفه، ولم يلتزموا فى كتبهم أن يرووا الحديث الصحيح لا يتجاوزوه إلى غيره، بل لم يلتزموا أن يرووا الحديث المحتج ء - ٣٣ - به ولا يتجاوزوه إلى غيره (١)، وليس فى ذلك ما يعيبهم، فانهم قد رووا هذه الأحاديث بأسانيد عن رجال معروفة صفاتهم من هو من أهل هذا الفن ، وهم يذكرون كل حديث منها باسناده، ولم يقل أحد منهم إنه يوثَّق كل رواته، ولم يأمر أحد منهم من يطلع على كتابه بأن يأخذ بكل مافيه من غير بحث عن رجاله، بل أخالوا قارئه الذى يريد أن يأخذ بشىء مما فيه على معرفته - أو على معرفة أهل النقد والتمييز- بأحوال الرجال وصفاتهم، وهم يعرفون من يجوز أن يؤخذ عنه كل ما يرويه ومن لا يجوز أن يؤخذ عنه شيء مما يرويه ومن يجوز أن يؤحذ عنه فى حال دون حال، وكل ما التزموه أن يجنبوا كتبهم الأحاديث الموضوعة على رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أن يريدوا بيان حالها، وذلك لأنهم يعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قال (( من حدث عنى بحديث يرى أنه كذب فهو أحد الكذابين)» فالذى يروى حديثا اختلقه غيره وينسبه إلى الرسول صلوات الله وسلامه عليه من غير أن يبين حاله - مع علمه بأنه موضوع - يكون كذابا بنص هذا الحديث ، وهو مع كذبه متعمد الكذب لأنه عالم بحال الحديث غير مبين لما علم مُقْدم على الرواية، ومن كذب على الرسول متعمداً فهو فى النار مع الهالكين لقوله صلى الله عليه وسلم (( من كذب على متعمداً فليتبوأ مقعده من النار))، ومعاذ الله أن يكون هذا أو بعضه من شأن أئمة هذه الأمة وم(٢) «خير أهل الدنيا الذين نبذوا الدنيا بأسرها وراءهم ، وجعلوا غذاءهم الكتابة، وسمرهم المعارضة ، واسترواحهم المذاكرة ، وخلوقهم المداد ، ونومهم السهاد ، (١) الحديث المحتج به أعم من الحديث الصحيح، لأنه يشمل الصحيح والحسن ، كما يعرفه من له أدنى إلمام باصطلاح أهل الحديث. (٢) ما يأتى منقول عن معرفة علوم الحديث لأبى عبد الله الحاكم فى صفة أهل الحديث (٢م - نشأة العلوم) ٠٠ - ٣٤ - واصطلاءهم الضیاء ، وتوسده الحصى » . وقد سئل أحمد بن حنبل عن معنى قوله صلى الله عليه وسلم «لا يزال ناس من أمتى منصورين لا يضرم من خذلهم حتى تقوم الساعة )) فقال: إن لم تكن هذه الطائفة المنصورة أصحاب الحديث فلا أدری من م ٠ ٨ على هذا انقضت هذه الفترة: قومٌ من العلماء ملأ الله قلوبهم بالا خلاص والحرص على العلم يدونون ما يروونه من الحديث ، مرتباً على الأبواب أحيانا، ومرتباً على مسانيد الصحابة. أحياناً ، ومخلوطا بفتاوى الصحابة والتابعين فى الأعم الأغلب ، ولكنهم جميعاً مشتركون فى أنهم لم يقصدوا إلى انتخال ما يروونه من الحديث واختيار الصحيح منه، بل رووا الصحيح والضعيف ، مطمئنين إلى أن أهل العلم سیعلمون قيمة كل حديث ، وإلى أن ذ کر إسناد كل حديث من شأنه أن يبعث الهمم إلى معرفة صفات الرواة وقيمة مروياتهم ويجىء بعد هؤلاء قومٌ من أهل العلم فيرون صنيع مَنْ قبلهم - على جلالة شأنه وعظيم جدواه - غير موفّر للطمأنينة وثلج الصدر - لأنه ليس كل أحد يسهل عليه معرفة صفات الرواة وغير ذلك من الوسائل التى لا يصح الحديث للاستدلال به إلا بعد استكمالها ، ويرون سلفهم لم يلتزموا رواية الصحيح لا يتجاوزونه، ولو أنهم التزموا ذلك لقد كان التزامهم مرضيا ومر ويم موثوقا به لأنهم ممن لا يتطرق الشك إلى ورعهم وعلمهم ، ويرون أن سلفهم - فوق كونهم لم يلتزموا رواية الصحيح - لم يشترطوا على أنفسهم أنهم إذا رووا حديثا فيه مقال ذكروا هذا المقال وذكروا قيمة الحديث بعدهذا المقال، بل قد يذكرون ذلك وقد لا يذكرونه ، فيبقى القارىء لكنبهم فى حيرة -- - ٣٥ - ما لم يكن من أهل العلم الأثبات ، ورأوا بجانب هذه الهمنَات فى مؤلفات سلفهم أن كثيرامن الناس يضعون الأحاديث ويروونها للناس ويتركونها تذيع فيهم. إذن فلا بد لصيانة السنة والدفاع عنها من اتجاهين : الأول أن يبحثوا أحوال الرواة فيبينوا عدالتهم أو غيرها ، وضبطهم أو تساهلهم أو غفلتهم أو نحو ذلك ، ويتعرفوا بلادهم التى نزلوها أو أقاموا فيها ليتيسر لهم معرفة تلاقى الرواة بعضهم مع بعض وعدمه، و یتعرفوا أزمنة وجودهم لیدر کوا صدق الراوى عنهم أو كذبه ، وكثير من جهات العلم غير ما أشرنا إليه ، والثانى أن يُعْنَوا جتصانيف يلتزمون ألا يرووا فيها إلا الصحيح من الحديث ، أو يلتزمون فيها أنهم إذا رووا حديثا فيه مقال بينوا هذا المقال وقيمة الحديث معه . ٩ ونظر المخلصون من العلماء فوجدوا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قد وضعوا لهم المنهج الذى يسلكونه، ألم يكن بعض الصحابة يضع بعضهم فى موضع النقد ؟ ألم يكن بعضهم ينزل من نفوس بعضهم منزلة أسمى من منزلة بعض ؟ ألم يكن أبو بكر رضى الله تعالى عنه لا يقبل الرواية من أحد إلا أن يأتيه بشاهد؟ ألم يكن على بن أبى طالب رضى الله عنه يستحلف من يروى له، ثم لم يستحلف أبا بكر لأنه عنده صادق أمين م ألم يرو أبو هريرة حديثاً فلم يأخذ به ابن عباس (١) ؟ ألم يرو أبو هريرة حديثاً فلى تأخذ به عائشة (٠)? ألم يرو (١) روى أن أبا هريرة روى ((من حمل جنازة فليتوضأ)) وهذا اللفظ يدل على أن الوضوء واجب على من حمل الجنازة ، فقال ابن عباس : لا يلزمنا الوضوء من حمل عیدان يابسة (٢) روى أن أبا هريرة روى أن النبى صلى الله عليه وسلم قال ((إذا استيقظ أحدكم من نومه فليغسل يده قبل أن يضعها فى الاناء ، فان أحدكم= ٦ - ٣٦ - ٤ - ابن عباس أن عمر بن الخطاب قال لعبد الرحمن بن عوف : أنت عندنا العمل الرضا فماذا سمعت؟ ألم تجىء الفريعة بنت مالك بن سنان - وهى أخت أبى سعيد الخدرى - إلى عثمان بن عفان فأخبرته أن رسول الله صلى الله عليه وسا أمرها أن تعتد بعد وفاة زوجها فى بيت زوجها فاتبعه وقضی به من عیر أن يبحث ، ألم ترو فاطمة بنت قيس أن زوجها كان قد طلقها على عهد رسول الله فبت الطلاق ، فلم يجعل لها رسول الله نفقة ولا سكنى وقال لها « اعتدى فى بيت ابن أم مكتوم فانه رجل أعمى ) فلم يقبل ذلك منها أمير المؤمنين عمر بن الخطاب وقال: لا نتركَ كتاب ربنا وسنة نبينا بقول امرأة لا ندرى أصدقت أم كذبت حفظت أم نسيت، وقالت لها عائشة: ألا تتقين الله ! !. إذن فقد كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يردون بعض ما يروى لهم من حديث ، وإذن فقد كان سبب الرد راجعا إلى الراوى أحيانا كما هو ظاهر فى رد عمر وعائشة لفاطمة بنت قيس ، وقد كان سبب الرد راجعا إلى عدم اتفاق المروى نفسه مع ما يظن العالم منهم أنه من قواعد الدين ، وهذا ظاهر فى قول ابن عباس لأبى هريرة «لا يلزمنا الوضوء من حمل عيدان يابسة)) ومن قول عائشة لأبى هريرة ((كيف نصنع بالمهراس)» وإذن قد كان أصحاب الرسول بردون بعض الرواة لاحتمال الخطأ والغفلة، ويردون بعض المرويات لأنها تخالف الثابت من قواعد الشريعة ، فليبحت العلماء عن أحوال الرواة وليذكروا صفاتهم وليعرضوها على مقاييس البحث، فليس ذلك غيية وإن كرهها المقول فيه لأن الغرض منه الاستبراء للدين والباعث هو الاخلاص لله ولرسوله . تكلم الصحابة فى الجرح والتعديل ، واشتهر بذلك من بينهم أنس بن مالك == لا يدرى أين باتت بده)) فأنكرته عائشة وقالت: كيف نصنع بالمهراس :. والمهراس: حجر منقور ثقيل جداً ملتونه ماء ويتطهرون منه. ٢ - ٣٧ -- وعبد الله بن عباس وعبادة بن الصامت . وتكلم التايعون من بعدهم فى الجرح والتعديل واشتهر بذلك من بينهم سعيد بن المسيب والحسن البصرى والشعبى وابن سیرین، ثم کثر قول الناس فيه . ١٠ وتتفرع بهم وجوه النظر فى الاتجاه الأول من الاتجاهين اللذين ذكرناهما إلى ثلاثة أنحاء ، فنحو منه يقررون فيه قواعد التحديث وضروب التلقى وضروب الأداء، ويبينونَ فيه أنواع الحديث، وحكم كل نوع، ونحو منه يقررون فيه علل بعض الأحاديث وأسبابها ، ونحو منه مصنفات تشتمل على تراجم مختصرة أو وافية لحملة الحديث ورواته يبينون فى ترجمة كل واحد منهم صفته وأقوال العلماء فيه . أما النحو الأول من الاتجاه الأول فاشتهر أن أول من صنف فى أصول الحديث أبو محمد الرامهرمزى ، وهو الحسن بن عبد الرحمن بن خلاد المتوفى فى عام ٢٦٠ من الهجرة، فقد صنف فى ذلك كتابا سماه «المحدث الفاصل بين الراوى والواعى)) ويقول الحافظ ابن حجر فى شأنه ((لكنه لم يستوعب)). ثم جاء من بعده أبو عبد الله محمد بن عبد الله النيسابورى الحافظ الامام الحاكم، المتوفى فى عام ٤٠٥ من الهجرة، وقد صنف فى هذا الفن كتابين أحدهما ((معرفة علوم الحديث)) والآخر كتاب العلل، أما كتابه الأول فمشهور يتداوله . الناس، وأما الثانى فذكره صاحب كشف الظنون، وأشار الحاكم نفسه إليه مراراً فى معرفة علوم الحديث . ويقول الحافظ ابن حجر عن الحاكم ومؤلفاته فى أصول الحديث ((إلا أنه لم هنب)) ويقول عنه ابن خلدون «هو الذى هذبه وأظهر محاسنه)» والحكم فى هذه المسألة لابن حجر فهو العالم الضليح فى هذا الفن الخبير - ٣٨ - بما يعتبر هذيبا وما لا يعتبر ، فإذا قال ابن خلدون فى الموضوع ما يخالفه لم نعبأ بقول ابن خلدون. ثمجاء أبو نعيم أحمد بن عبد الله الأصفهانى المتوفى فى عام ٤٣٠ من الهجرة فعمل على كتاب الحاكم مستخرجاً، قال الحافظ ابن حجر «وأبقى أشياء للمتعقب) ثم جاء الحافظ الكبير محدث الشام والعراق الامام أبو بكر أحمد بن على بن ثابت بن أحمد بن مهدى بن ثابت المعروف بالخطيب البغدادى ، المتوفى فى عام ٤٦٣ من الهجرة، فصنف كتابا فى أصول الحديث سماه «الكفاية، فى علم الرواية)» وهو كتاب جليل القدر جم العلم، وصنف فى آداب الرواية كتابا سماه ((الجامع، لآداب الراوى والسامع)) قال الحافظ ابن حجر ((ثم جاء بعدهم الخطيب أبو بكر البغدادى فعمل فى قوانين الرواية كتابا سماه الكفاية ، وفى آدابها كتابا سماه الجامع لآداب الراوى والسامع ، وقل فن من فنون الحديث إلا وقد صنف فيه كتابا مفرداً، فكان - كما قال الحافظ أبو بكر بن نقطة - كل من أنصف على أن المحدثين بعد الخطيب عيال على كتبه)) انتهى كلام ابن حجر . ثم جاء من بعد هؤلاء القاضى عياض بن موسى اليحصبى المتوفى فى عام٥٤٤ من الهجرة فصنف كتابا سماه « الالماع فى ضبط الرواية وتقييد السماع)) ثم جاء من بعدهم أبو حفص عمر بن عبد المجيد القرشى المعروف بالميانجى المتوفى فى عام ٥٨٠ فصنف جزءاً سماه « مالا یسع المحدث جهله )» ثم جاء أبو عمرو عثمان بن عبد الرحمن الشهر زورى الدمشقى الحافظ المعروف بابن الصلاح المتوفى فى عام ٦٤٣ من الهجرة، فصنف فى هذا الفن كتابا أسماه ((علوم الحديث)) واشتهر باسم مقدمة ابن الصلاح، وقد اعتنى ابن الصلاح بتصانيف الخطيب المتفرقة لجمع شتات مقاصدها وضم إليها من غيرها نخب فوائدها، فاجتمع فى كتابه ما تفرق فى غيره . وقد رزق الله تعالى هذا الكتاب من الحظوة لدى حول العلماء ما أنسى - ٣٩ - الناس ذكر من تقدمه، فكم تجد له من شرح، وكم تجدله من اختصار، وكم نجد له من متعقب، وقلّ أن تجد واحداً من الحفاظ الذين جاءوا من بعد ابن الصلاح إلا وجدت له أثراً على مقدمة ابن الصلاح ، فللأمام أبى زكريا يحيى بن شرف النووى المتوفى فى عام ٧٧٦ من الهجرة مختصر لمقدمة ابن الصلاح سماه بالارشاد ثم مختصر لهذا المختصر سماه بالتقريب، ولعماد الدين أبى الفداء إسماعيل بن عمر القرشى المعروف بابن كثير المتوفى فى عام ٧٧٤ من الهجرة مختصر لمقدمة ابن الصلاح ولقاضى القضاة بدر الدين محمد بن إبراهيم بن سعد اللهاين جماعة الكنانى الحموى الشافعى المتوفى بمصر فى عام ٧٣٣ من الهجرة مختصر مقدمة ابن الصلاح، وللشيخ بدر الدين محمد بن عبد الله الزركشي المتوفى فى عام ٧٩٤ من الهجرة نكت على مقدمة ابن الصلاح ، وللإمام الحافظ شهاب الدين أحمد بن على بن حجر العسقلانى المتوفى فى عام ٨٥٢ نكت على مقدمة ابن الصلاح أيضاً، ويقول الحافظ ابنحجر فى مطلع نكته«وكنت قد بحثت على شيخى العراقى الفوائد التى جمعها على مصنف الشيخ ابن الصلاح، وكنت فى أثناء ذلك وبعده إذا وقعت لى النكتة الغريبة والنادرة العجيبة والاعتراض القوى والضعيف ربما علقته على هامش الأصل وربما أغفلته، فرأيت الجمع وضة ما يليق به ، فجمعت ، ورقمت على أول كل مسألة إما ((ص)) وإما ((ع) الأول لابن الصلاح والثانى للعراقى)) اهـ. وقد سمى ابن حجر رسالته هذه («الافصاح بتكميل النكت على ابن الصلاح» ولو لم يكن من حظوة هذا الكتاب إلا أن يتصدى له الامام النووى وابن كثير وابن جماعة والزركشى بالعراقى وابن حجر حفاظ أزماتم ، ثم لو لم يكن له من حظوة إلا أن يتفرغ له الحافظ العراقى الزمن الطويل ليجمع نكناً واعتراضات له والشيوخ عليه، حتى إذا أتم كتابه ذلك عود تلميذه الكتابة مرة أخرى ليضع لهذه النكت وهذه الاعتراضات ذيلا ، لولم يكن من الحظوة لهذا الكتاب إلا ذلك لكان كافيا، وكان دليلا .. ذلك على منزلة الكتاب -٤٠ - ومنزلة صاحبه ، ويقول ابن حجر فى مطلع شرح النخبة عن كتاب ابن الصلاح (( اجتمع فى كتابه ماتفرق فى غيره، فلهذا عكف الناس عليه، وساروا بسيره فلا يحصى كممن ناظم له ومختصر، ومستدرك عليه ومقتصر، ومعارض له ومنتصر» ثم جاء- بعد ابن الصلاح - الحافظ زين الدين عبد الرحيم بن الحسين العراقى المتوفى فى عام ٨٠٥ من الهجرة، فصنف ألفية فى علوم الحديث سماها ((نظم الدرر، فى على الأثر)) وقد خص فى هذه الألفية مقدمة ابن الصلاح وزاد عليها ، ثم عمل على هذه الألفية شرحين أحدهما مختضر والآخر طول. وعلى الألفية شرح لشيخ الاسلام زكريا بن عبد الأنصارى المتوفى فى عام ٩٢٨ من الهجرة اسمه ((فتح الباقى، بشرح ألفية العراقى)» وشرح لجلال الدين عبد الرحمن بن أبى بكر السيوطى المتوفى فى عام ٩١١ من الهجرة ، وشرح لزين الدين أبى محمد عبد الرحمن بن أبى بكر العينى المتوفى فى عام ٨٩٣ من الهجرة ، وعلى شرح المصنف حاشية لبرهان الدين إبراهيم بن عمر البقاعى المتوفى فى عام ٨٨٥ من الهجرة، واسم هذه الحاشية (( النكت الوفية، بما فى شرح الألفية)) وقد أورد فى هذه الحاشية ما استفاد من شيخه الحافظ ابن حجر. ثم يجىء من بعد ذلك الحافظ شهاب الدين أحمد بن على بن حجر العسقلانى المتوفى فى عام ٨٥٢، فيصنف مختصراً متيناً فى أصول الحديث يسميه (( نخبة الفكر، فى مصطلح أهل الأثر)» ويشركه شرحا يسميه ((نزهة النظر، فى توضيح نخبة الفكر». ويُعنى بهذا المتن كثير من العلماء، كما يعنى بشرحه كثير من العلماء، فلكمال الدين محمد بن أحمد بن حجر، ابن المؤلف ، شرح على هذا المتن اسمه (نتيجة النظر، فى شرح نخبة الفكر )، ولكمال الدين أبى عبد الله محمد بن الحسن بن على بن يحيى بن محمد بن خلف الله بن خليفة التميمى الدارى المالكى المغربى الشمنى الاسكندرى نزيل القاهرة المتوفى فى عام ٨٢١ شرح على نخبة