النص المفهرس
صفحات 1-20
من ذخائر المخطوطات والمؤلفات المانية كَارٌ تَضِيَّهُ الَّفْـ لمعانى تشفيح الأنظار العلامة البارع والحجة المتقن محمد بن إسماعيل الأمير الحسنى الصنعانى صاحب («سبل السلام)) المتوفى فى عام ١١٨٢ من الهجرة حققه ، وكتب له مقدمة علمية فى نشأة العلوم الاسلامية عامة وعلم أصول الحديث خاصة مُحَ مُجْ الدَّْ عَبْدِ الْحَيَّدْ مفتش العلوم الدينية والعربية بالجامع الأزهر والمعاهد الدينية الجزء الأول ٠ النَّاشِر المكتَبة السَّلفية المدِينَة المنُوَّة ٦ برالتي الرحمن الرحيميمْ ٠ الحمد لله على آلائه، وصلاته وسلامه على خاتم أنبيائه ، وعلى آله وصحبه وأوليائه . اللهم إنى أحمدك أحب الحمد إليك، وأرضى الحمد عندك ، وأرجى الحمد للمزيد من فضلك ، حمداً نبلغ به رضاك، وتؤدى به ما وجب فى أعناقنا لك، حمد معترف بأياديك التى بدأت بها متفضلا، وواليتها بمنتك ، مقرّبالعجز عن أداء حق الشكر. وأصلى وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين، وهداية للمتبصرين، ونوراً للسارين، وعلى آله وصحبه ، وعترته وحزبه ، وعلى من سلك طريقه ، وسار على نهجه إلى يوم الدين . وأما بعد ، فان الله تعالى قد أخذ على علماء هذه الأمة عهداً أن يبينوا دينه الذى شرعه لهم ، وأن يقوموا على حياطته ورعايته ، وأن يشكروا الله سبحانه على ما منحهم من نعمة العلم به بإبلاغه كما وعوه وتبصير من استرشد بهم. وإن من أجل هذه العلوم على الحديث النسوى، فهو التالى لعلم القرآن فى المنزلة ، وهو المبين لإجمال القرآن ، والمفسر لغامضه، وإن للحديث الشريف أصولا لا يسوغ للمتصدى العلوم الشرع أن يجهلها أو يقصرفيها ، وإلا ضاع سعيه، وبطل مقصده . وهذا كتاب ((توضيح الأفكار، لمعانى تنقيح الأنظار الذى صنفه العالم البارع، والحجة المتقن ، العلامة محمد بن إسماعيل الأمير الحسنى الصنعانى المتوفى فى عام ١١٨٢ من الهجرة ، وهو شرح على كتاب ((تنقيح -٤ - الأنظار)) تأليف الإمام الحافظ العلامة النظار محمد بن إبراهيم الوزير الحسنى اليمنى الصنعانى المتوفى فى عام ٨٤٠ أربعين وثمانمائة من الهجرة لثلاث بقين من شهر المحرم عن خمسة وستين عاما إلا خمسة أشهر ، وقد اشتهر كل من الشارح والمصنف بالتحرير والتحبير والتدقيق والتحقيق ، وما منهما إلاصاحب مصنفات سارت سير الشمس ، وانتفع بها من لا يحصى من الخلق ، ومن أشهر مصنفات الشارح التى نشرت قبل اليوم كتاب (( سبل السلام)» الذى شرح فيه كتاب (( بلوغ الحرام، من أدلة الأحكام)» لحافظ عصره العلامة ابن حجر ، شرحا وسطاً فى نمط عالٍ من الجمع والتحقيق ، ومن أشهر مؤلفات المصنف التى نشرت قبل اليوم كتاب ((إيثار الحق على الخلق)) وهو كتاب ممتع جليل النفع، وسنذكر ثبت مؤلفاتهما حين يفضى بنا القول إلى الترجمة لهما ، فى أعقاب المقدمة التالية لهذا الافتتاح وقد دعانى إلى التوفر على إخراج هذا الكتاب لأول مرة واحتمال العناء فى سبيل تحقيقه ما وجدته فيه من الدقة الفائقة والاستيعاب الشامل لأطراف البحث والرغبة الخالصة فى الوصول إلى الحق من كل من الشارح وصاحب الأصل، وأنى رأيت الأمة العربية فى مستهل نهضة عامة يحاول المخلصون من أبنائها أن يوجهوها فى طريق الخير ويلفتوا ناشئتها إلى ما كان لسلفهم الصالح من مجد ورفعة شأن واثقين أنه لا يصلح شأن آخر هذه الأمة إلا بما صلح به شأن أولها ، فرأيت أن يكون لى جهد متواضع فى بناء هذه النهضة ، على قدر ما وهبنى الله من قدرة، وفى السبيل التى وضعتنى يد القدرة فيها ، وأنا أرجو أن يكون هذا العمل - ولو على سبيل المجاز - استجابة لما أخذ الله من الميثاق على علماء هذه الأمة بأن يبينوا للناس دينهم الذي ارتضى لهم ، كما أرجو أن -٥ - أكون قد أديت حق الأمانة العلمية فى تحقيق هذا الكتاب باخراجه فى صورة صحيحة متقنة أو قريبة من الصحة والإتقان ، وأن يجعل الله - جلت قدرته - جزائى عنده على ما بذلت من جهد فيه جزاء مَنْ بذل الوسع وأفرغ الطاقة ولم يدخر شيئاً كان فى مكنته أن يبذله، إنه سبحانه ولى الجزاء ، وهو حسبنا ونعم الوكيل . ولا يفوتنى فى هذا الموضع أن أذكر بمزيد الحمد وطيب الثناء هذه اليد المشكورة التى بذلها لنا العالم المحقق القاضى محمد بن عبد الله بن حسين العمرى اليمنى، فانه الذى أرشدنا إلى الكتاب أول الأمر ، ثم تفضل فأحضر لنا نسختين مخطوطتين منه وأذن لنا أن نطبع الكتاب عنهما، وتفضل بعد كل هذا فسمح بأن نقدم إحدى النسختين إلى الدار التى اعتزمنا نشره فيها ، مع علمه بأن هذه النسخة لن ينتفع بها بعد أن يجرى الطبع عليها ، وذلك رغبة منه فى أن يسير العمل فى الكتاب سيراً سريعاً لا يبطئء به استنساخه أو غير ذلك مما يحتاج إليه النشر. جزاه الله على هذا الصنيع أفضل ما يجزى عالماً حريصاً على نشر العلم، وسنصف النسختين حين نتكلم على منزلة الكتاب العلمية وعملنا فيه. وأحب أن أذكر هذه المأثرة التى تفضل باسدائها فرع الدوحة الأمامية المنية، حضرة صاحب السمو الملكي الأمير سيف الاسلام عبد الله وزير المعارف فى حكومة المن ونجل حضرة صاحب الجلالة ملك اليمن المتوكل على الله الامام يحيى بن محمد حميد الدين، فقد تفضل - حفظه الله - فأمر بالإِسهام فى نفقات طبع هذا الكتاب ، كما هو دأبه فى سائر المشروعات العلمية، حرصاً من سموه على العلم ، ورغبة فى نشر الآثار الدينية القيمة ، وغيرة على ذخار -٦ - علماء اليمن أن تأتى عليها يد الضياع أو الاهمال ، كتب الله لسموه هذه اليد الكريمة فى سجل الباقيات الصالحات ، آمين . رب إنى أبرأ إليك من الحول إلا بك، وأسألك المزيد من فضلك ومعونتك، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين ؟ كتبه المعتز بالله تعالى وحده أبو رجاء محمد محى الدين عبد الحميد القاهرة ) منتصف شعبان من عام ١٣٦٦ من الهجرة ٣ من يوليه ١٩٤٧ الميلادية مقدمة فى نشأة العلوم الاسلامية عامة، وعلم أصول الحديث خاصة هد محيى الدين عبد الحميد عفا الله عنه - ٨ - الحمد لله وكفى ، وسلام على عباده الذين اصطفى - ١ - كان العرب فى جاهليتهم أمةً أمّية، لا يحفلون بما تضطرب به الأمم من حولهم من على أو مدنية، لا يقرءون كتاباً، ولا يلتمسون علماً إلا ما يأتيهم عفوا عمن يخالطهم من بعض أهل الكتاب ، ولا يرغبون فى نظام ، ولا يحاولون أن تكون لهم حياة اجتماعية مستقرة، وقل منهم من كان يخط بيمينه . وكانت لهم - مع ذلك - أمجاد من خلق وصفات إنسانية، فهم أبطال مغاوير، وأجواد بهاليل أباة للضيم، حماة للجار، أعضاء عما يخل بالمروءة، إلى غير ذلك مما اشهروا به من مكارم ، وعرف لهم من جليل الصفات ، وكانوا ذوى فخر بصنائعهم مع أودائهم وأعدائهم ، يتحدثون كثيراً عن أيام انتصاراتهم ، ويقولون كثيراً فى تمجيد أنفسهم ، وكان لكل قبيلة منهم شعراء وخطباء هم الألسنة الناطقة بممادح قومهم ومفاخرهم ، والمقاول الذابة عن أعراضهم ، وكان لابد لجمهرتهم أن يعوا ماقال شعراؤهم وخطباؤهم ، فكان مَنْ يحسن الكتابة منهم - وقليل ماهم - يخط أقوال الشعراء والخطباء على ما تيسرله من حجر أوعظم أو نحو ذلك ، وكان الذين لا يحسنون الكتابة - وهم السواد الأعظم منهم - يستظهرون هذه الأقوال ليؤدوها عند الحاجة إليها، وعلى هذا سارت حياتهم كلها ، فتمكنت لهم بطول المران حافظة قوية ، وبديهة حاضرة ، فلم يكن يعجز أحدهم أن يستظهر القصيدة أو الخطبة متى سمعها من قائلها، ولم يكن يعجز أحدهم أن يؤدى ما استظهرهمتى دعت حاجته إلى أدائه، وكان كبراؤهم وذوو السن منهم ينقلون إلى ناشئتهم ماوعوه من أخبار وأقوال يُعدّونهم بها لقابل حياتهم ويهيئونهم لما يجد لهم من مواقف ، ذلك أمر متعارف مشهور لا ينكره أحد من العرب ولا من خصوم العرب ، وقد ذكرناه هنا لنبين الهؤلاء الذين ينكرون أن يصلنا الكثيرمن شعر العرب وخطبهم وأحاديث أيامهم - مع ما كانوا عليه من البداوة وتفرق الم ظلمة وبعد مواطن بعضهم عن مواطن بعض - أن هذه الأسباب التى زعموا أنها بسبيل أن تقطع -٩ -- بيننا وبين أخبارهم وأقوالهم هى بنفسها التى وصلت بيننا وبينهم ، وهى بنفسها التى نتخذها دليلا على صحة ماذهب إليه أوائلنا ، ونحن إذ نقول ذلك إنما نستمسك بالدليل الأقوى الذى تؤيده السنن الطبيعية التى فطر الله الناس عليها وأنهم حين يذهبون إلى ماذهبوا إليه إنما يستمسكون بفر وض جَدَلية لا تقوى على النهوض بما يذهبون إليه ولا تستطيع أن تصمد فى وجه الحق فضلا عن أن تناهضه أو تدفعه، فليسأل أولئك القوم أنفسهم عن ذكريات نشأتهم فان كانوا لايزالون قادرين على استعادتها والحديث عنها ورواية ماجرى عليهم من أحداث وماسمعوا منأحاديث فهذاهو عینما نصفالعرب به ، وليس من فرقبينهم وبين العرب فى ذلك إلا أن الدواعى قد توافرت للعرب على الاتصاف بما نصفهم به ، وإن لج بهم العناد فزعموا أنهم لا يقدرون على ذكرها فليس ذلك بضائرها فيما نذهب إليه، لأن ذلك لا يكون إلا من عيب فى فطرتهم هم أنفسهم ، فأما الفطر المستقيمة التى فطر الله الناس عليها والتى مرنت على ما يقويها ولا يعوضها - ومنها فطر العرب الذين تتحدث عنهم - فهذه فِطَر خليقة بأن تعى وتحفظ وتؤدى وتبلغ ، ولا تخرم مما وعت وحفظت شيئاً عند أدائها إلا أن يكون شيئاً لا يفسد الأصل الذى قصدوا إليه ، كتبديل لفظ بلفظ يؤدى مؤداه وكتقديم لفظ على لفظ أو جملة على جملة حين لايكون تقديم المقدم وتأخير المؤخر أمراً ذا بال ، فلا يحسبن هؤلاء الذين نعنيهم بكلامنا هذا أنهم - حين يستملون على ما يذهبون إليه بما يسمونه اضطراب المرويات بالتقديم والتأخير ، وتغاير الألفاظ - قد ظفروا بالدليل القاطع والحجة الدامغة ، فان هذا التبديل الذى ذكرنا شأنه وهذا التقديم والتأخير وغير هذين من وجوه الاختلاف فى المرويات أمورٌ تدعو إليها الطبيعة التى كان عليها العرب ، ولو أن المروى عنهم قد جاء متسقاً لايختلف فى لسان بعض الرواة عن بعض لكان ذلك هو الدليل المقاطع على الافتعال والاصطناع ، ولكان لما ذهبوا إليه وجه وجيه . ٠٠ -١٠ - ٠-٢ - وبعث الله رسوله النبى الأمى العربى محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم، من أطيب العرب أرومة، وأ كرمهم محتداً ، وأوسطهم نسباً، وأنزل عليه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان ، وأمره بتبليغه ، وجعله T يته الخالدة على الدهر ، ومعجزته الباقية ما بقى الناس ، وشدد فى الحفاظ عليه ووعده بأن يحفظه من التبديل والتحريف اللذين أصيبت بهما كتب السماء السابقة فى النزول عليه ، وكان الرسول يبين هذا القرآن بقوله وعمله، فيفصل مجملا ويخصص عاما، ويفسر مبهماً، وكان - مع ذلك - حريصاً على القرآن أشد الحرص ، راغباً فى أن يظل بعيداً عن الاختلاط بغيره أعظم الرغبة ، وكان - صلوات الله وسلامه عليه - يعرف ما عليه العرب قومه الأولون الذين يتلقون عنه من البداوة والفطرة الأولية، فأذن لمن كان يكتب منهم أن يكتب ماشاء الله له من القرآن الكريم ، واتخذ لنفسه كتاباً كان من بعض شأنهم أن يكتبوا له ما ينزل عليه من القرآن ، فأما أقواله وأفعاله - صلوات الله وسلامه عليه - فلم يأذن لأحد فى كتابتها، بل أمر كل أحد ألا يكتب عنه منها شيئا ، وأمر من كتب منها شيئاً أن يمحوما كتبه، فقد روى مسلم فى صحيحه عن أبى سعيد الخدرى رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((لا تكتبوا عنى، ومن كتب عنى غير القرآن فليمحه، وحدثوا عنى ولا حرج، ومن كذب على متعمداً فليتبوأ مقعده من النار (١) ) حتى إنه لم يأذن لمن كانوا يفدون عليه من العرب يتعلمون منه أمور دينهم إلا بأن يحفظوا ما سمعوه منه ويعوه ويبلغوه من وراءهم من قومهم إذا رجعوا إليهم، ولو كان آذنا لأحد بالكتابة لأذن لهؤلاء (١) انظر صحيح مسلم (٢ - ٣٩٣ طبع بولاق) -- ١١ - لأنهم مبتدئون وهم فى حاجة ماسة إلى أن يتخذوا لأنفسهم من تعاليمه دستوراً ينظرون فيه إذا دعت حاجة إلى النظر، روى البخارى فى صحيحه (١) عن ابن عباس (( أن وفد عبد القيس أتوا النبى صلى الله عليه وسلم، فقال: من الوفد ؟ - أو من القوم ؟ - قالوا: ربيعة، قال: مرحباً بالقوم - أو بالوفد - غير خزايا ولا ندامى، قالوا: إنا نأتيك من شقة بعيدة، وبيننا وبينك هذا الحى من كفار مضر، ولا نستطيع أن نأتيك إلا فى شهر حرام ، فمرنا بأمر نخبر به مَنْ وراءنا ندخل به الجنة ، فأمرهم بأربع ، ونهام عن أربع ، أمرم بالا يمان بالله عز وجل وحده، قال : هل تدرون ما الا يمان بالله وحده ؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وتعطوا الخمس من المغنم، ونهاهم عن الدباء والحنتم والمزفت ، قال شعبة: وربما قال المقير، قال النبي صلى الله عليه وسلم « احفظوه عنى وأخبروه من وراءكم ، فهؤلاء قوم بينهم وبين موطن النبي صلوات الله وسلامه عليه المسافة البعيدة، ولا يصلون إليه حتى يمروا ببلاد قوم بينهم وبينهم عداوة، فهم يخشون بأسهم ، فلذلك لا يستطيعون السفر إلى رسول الله إلا فى بعض الأشهر الحرام التى لا يعتدی فیها بعض العرب على بعض ، وهم ۔ فوق هذا كله- مبتدئون فى دين الله، وهم يريدون أن يأمرهم بأمر يبلغونه لمن وراءهم من قومهم إذا رجعوا. ٦ إليهم، فلا يأذن لهم فى كتابة قواعد الاسلام، وإنما يقول لهم ((احفظوه عنى وأخبروه من وراءكم)) والحكمة فى هذا راجعة إلى أمرين: الأمر الأول حرصه الشديد صلى الله عليه وسلم على ألا يكتب عنه غير القرآن حتى لا يختلط غير القرآن بالقرآن ، وعلى الأخص عند قوم أميين قد يتصور فيهم أن يفهموا أن كلا من بابة واحدة ، ولم لا يتصور فيهم مثل ذلك ؟ أليس من القريب أن يقول أحدهم : هذه تعاليم محمد التى سمعناها منهوقد کتبناها عنه وأذن لنا فی کتلتها (١) انظر صحيح البخارى (١ - ١٩ طبع بولاق سنة ١٢٨٠) -- ١٢ - ثم يطول الأمد فاذا ذلك مختلط لا يستطاع التمييز بين بعضه وبعض، والأمر الثانى ثقته الأكيدة صلوات الله عليه بما فطر عليه قومه من قوة الحافظة والقدرة على الرجوع إليها ، من غير أن یتسرب إلیه خوف بأنها قد تفتر أو تعجز عن الأداء، بل إنه لم يأذن لمن شكا إليه سوء الحفظ أن يكتب عنه ما يسمعه منه من الحديث، واكتفى بأن يدعوله بالحفظ أو بنحوذلك، روى البخارى فى صحيحه(١) عن أبى هريرة، قال: قلت: يارسول الله، إنى أسمع منك حديثاً كثيراً أنساه قال: ابْسْط رداءك، فبسطته، قال: فَغَرَفَ بيديه ثمقال: ضُمّة، فضممته ، فما نسيت شيئاً بعده . وكان الناس فى عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث طرق فى معرفة الشرع: الطريق الأولى أن يأخذوا عنه مباشرة بالسماع منه: إما لأن سائلاسأله فهو يجيبه ، وإمالأنه يبدؤهم بالموعظة التى كان يتخوّلهم بها ، وهذه الطريق أعم الطرق الثلاث، وأكثرها ، والطريق الثانية أن يأخذ بعضهم عن بعض عنه صلى الله عليه وسلم فأن بعضهم كان يشغله الصّفُ فى الأسواق عن ملازمة النبى صلى الله عليه وسلم فكان يرجع فى بعض ما أهمه إلى بعض من سمع من رسول الله ، وكان بعضهم يستحی أن يسأله فيوسط بينه و بين النبي من يسأله ، ودواع أخر غير ما ذكرنا كانت سبباً فى أن يأخذ بعضهم عن بعض، ولم يكونوا يرون بذلك بأساً روى البخارى فى صحيحه (٢) عن أبى هريرة رضى الله عنه ، قال: إن الناس يقولون: أكثر أبو هريرة! ولولا آيتان فى كتاب الله ما حدثت حديثاً ، ثم يتلو ( إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى - إلى قوله الرحيم) إن أخواننا من المهاجرين كان يشغلهم الصَّفْق بالأسواق، وإن إخواننا من الأنصار (١) انظر صحيح البخارى (١٠ - ٢٣ طبع بولاق سنة ١٢٨٠) (٢) انظر صحيح البخارى (١ - ٢٣ طبع بولاق سنة ١٢٨٠) -- ١٣ - كان يشغلهم العمل فى أموالهم ، وإن أبا هريرة كان يلزم رسول الله صلى الله عليه وسلم، يشبع بطنه ، ويحضر مالا يحضرون ، ويحفظ مالا يحفظون. وروى البخارى فى صحيحه (١) عن عبد الله بن عباس عن عمر رضى الله عنهم ، قال : كنت أنا وجار لى من الأنصار فى بنى أمية بن زيد - وهى من عوالى المدينة - وكنا نتناوب النزول على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ينزل يوماً وأنزل يوماً ، فاذا نزلت جئته بخبر ذلك اليوم من الوحى وغيره ، وإذا نزل فعل مثل ذلك ، فنزل صاحبی الأنصارى یوم نو بته ، فضرب بابی ضربا شديداً فقال: أنَّمَّ هو ? ففزعت فخرجت إليه ، فقال: قد حدث أمر عظيم، فدخلت على حفصة فاذا هى تبكى ، فقلت : طلقكن رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قالت: لا أدرى ، ثم دخلت على النبى صلى الله عليه وسلم فقلت وأنا قائم : أطلقت نساءك ؟ قال: لا، قلت: الله أكبر. وروى (٢) البخارى فى صحيحه عن على ابن أبى طالب رضى الله تعالى عنه، قال : كنت رجلامَذَّاء فاستحييت أن أسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأمرت المقداد بن الأسود فسأله ، فقال ((فيه الوضوء)). والطريق الثالثة: أن يكون لأحدهم فهم فى شىء من القرآن الكريم أو من حديث سمعه من النبى صلى الله عليه وسلم فيعمل بهذا الفهم، ثم قد يعرض فهمه على رسول الله وقد لا يعرضه اكتفاء بأن أصل فهمه وارد عن الله ورسوله، وإذا عرض فهمه فقد يقره النبى صلى الله عليه وسلم وقد يبين له أنه أخطأ ، وقد يبين له وجه الخطأ وقد يكتفى بالبيان العام ، روى أن النبى صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه يوم الأحزاب أن يصلوا العصر فى بنى قريظة ، وأن بعضهم اجتهد فقال: إنه صلى الله عليه وسلم لم يرد (١) انظر صحيح البخارى (١- ١٩ طبع بولاق سنة ١٢٨٠) (٢) انظر البخارى (١ - ٣٢ طبع بولاق سنة ١٢٨٠) ٠ ٠ ٠ - - ١٤ - منا تأخير صلاة العصر، وإنما أراد سرعة النهوض إلى بنى قريظة ، فصلوا العصر فى الطريق، فهذا الفريق نظر إلى المعنى المقصود من الأمر، وأن بعضهم امتثل النص بظاهره فأخر العصر حتى كان فى بنى قريظة فصلاها ليلا، ويروى أن رجلين من الصحابة خرجا فى سفر حضرت الصلاة وليس معهما ماء، فصليا، ثم وجدا الماء فى الوقت فأعاد أحدهما ولم يعد الآخر، فلما رجعا إلى النبى ذكرا له ذلك، فصوبهما ، وقال الذى لم يعد الصلاة منهما: أصبت السنة وأجزأتك صلافك، وقال للآخر: لك الأجر مرتين، بل لقد أجاز النبى صلى الله عليه وسلم لذى الفهم والرأى أن يجتهد فيما لم يجد فيه نصا إذا كان رجوعه إليه صلى الله عليه وسلم مما يشق، فقد روى معاذ بن جبل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أراد أن يبعثه إلى اليمن قاضيا قال له : كيف تصنع إن عرض لك قضاء ؟ قال : أقضى بما فى كتاب الله، قال: فان لم يكن فى كتاب الله ؟ قال: فبسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فان لم يكن فى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أجتهد رأيي، لا آلو، قال: فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم صدرى ثم قال : الحمد لله الذى وفق رسول رسول الله لما يرضى رسول الله صلى الله عليه وسلم. - ٣ - ويجىء عصر الخلفاء الراشدين رضى الله عنهم فلا يكتب المسلمون من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً يذيعونه فى الناس مع حاجتهم إلى هذه الأحاديث إذ كانت تعرض لأحدهم الحادثة من الحوادث فلا يجد فيها وعاه من قضاء رسول الله أو إرشاده فى هذه الحادثة شيئاً، كما روى قبيصة بن ذؤيب قال : جاءت الجدة إلى أبى بكر رضى الله عنه فسألته عن ميراثها، فقال أبو بكر: ليس لك فى كتاب الله شىء، وما علمت لك فى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً، فارجعى حتى أسأل الناس ، فسأل عنها ، فقال المغيرة بن شعبة : حضرت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعطاها السدس، فقال أبو بكر : هل - ١٥ - معك أحد ؟ فقام محمد بن مسلمة الأنصارى فقال مثل ماقال المغيرة ، فأنفذه لها أبو بكر، ويروى أن الجدة التى جاءت أبا بكر رضى الله عنه هى أم الأم ، وأن الجدة أم الأب جاءت إلى عمر بن الخطاب رضى الله عنه فسألته ميراثها ، فقال لها: مالك فى كتاب الله عز وجل شىء ، وما كان القضاء الذى قضى به إلا لغيرك ، وما أنا بزائد فى الفرائض شيئاً، ولكن هو ذلك السدس، فإن اجتمعتما فيه فهو بينكما ، فأيكاخلت به فهو لها(١). وإذن فقد كان الصحابة فى مسيس الحاجة إلى ما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث ، لأن أمر المسلمين قد صار إليهم فهو المسئولون عنه وحدهم، وللناس أقضية لا بد أن يفصلوا فيها بما فى كتاب الله أو فى سنة رسول الله ، وهذا كتاب الله بين أظهرهم يحفظونه أو يستطيعون الرجوع إليه فى الألواح الذى كتبت لرسول الله فى وقت تنزيله، فأما سنة رسول الله فلا تكتب، وليس فيهم من يدعى حفظ جميعها ولا أكثرها ، وكل واحد منهم قد فاته من قول الرسول أو فعله الشىء الكثير، ومع ذلك لم تطب أنفسهم بكتابة الحديث وجمعه، واقتصروا على كتابة القرآن لم يتجاوزوه، حتى القرآن الكريم لم تطب أنفسهم بجمعه إلا بعد أن أن ثار بينهم جَدَل وطال حِوَار ؛ ثم شرح الله صدر الخليفة لاستماع مشورة إخوانه وقد كان يقول « شىء لم يفعله رسول الله ، فلا أفعله )، وإنما انصرفوا عن كتابة الحديث عملا بذلك الحديث الذى أثرناه فى صدر هذه الكلمة من رواية مسلم (( لا تكتبوا عنى ، ومن كتب عنى غير القرآن فليمحه، وحدثوا عنى ولا حرج)» وكأنهم وجدوا أنفسهم بين إحدى اثنتين: مصلحة يجلبونها ، ومفسدة يدرءونها ، فأما المصلحة ففى التيسير على (١) انظر الكفاية فى علم الرواية (٢٦ طبع حيدر أباد ١٣٥٧) - ١٦ - أنفسهم وعلى المسلمين فى زمنهم وفيما بعد زمنهم، بأن يجمعوا لهم ماوعاه الثقات منهم وتمن لحق بهم من الحديث ليرجعوا إليه فى فهم دينهم وفى الفصل فى أقضيتهم وفى غير هذا وذاك، وأما المفسدة فالخوف على المسلمين - وم إذ ذاك بَدْوٌ فى الأغلب الأعم - أن يخلطوا بين القرآن والحديث فيدخلوا فى القرآن ماليس منه أو ينقصوا منه شيئاً هو منه، فتكون أمة محمدصلى الله عليه وسلم كغيرهامن الأمم التى بدلت فى كتابها فزادت فيه أو نقصت منه . فلما وجدوا. أنفسهم بين إحدى هاتين الخصلتين آثروا أن يدرءوا المفسدة ويحتملوا فى سبيل ذلك من الجهد مالا يحتمله إلا هم أو مثلهم ممن خلق للجهاد والكفاح واحتمال المكاره فى سبيل المقصد النبيل . فلم يجدوابُدّا من أن يصرفوا هممهم إلى نشر الحديث بطريق الرواية، وهى التى أذن لهم النبى صلى الله عليه وسلم فيها حيث يقول ((وحدثوا عنى ولا حرج)) وحيث يقول ((احفظوه عنى، وأبلغوه مَنْ وراءكم)) وكانوا يروون ما وعوه عن الرسول إما بنفس الألفاظ التى سمعوها منه صلى الله عليه وسلم إن كانت لا تزال عالقة بأذهانهم - وذلك هو الأغلب الأكثر - وإما بما يؤدى معناها من ألفاظ غيرها إن غابت ألفاظ الرسول صلى الله عليه وسلم عنهم ، ذلك لأنهم كانوا يعلمون حق العلم أن المقصود من الحديث هو المعنى غالباً ، وقلما يتعلق حكم بلفظ الحديث ، بخلاف القرآن، فإِن لألفاظه مدخلاأى مدخل فى الإعجاز الذى هو مقصود بكل آية منه، فلا يجوز إبدال لفظ منه بلفظ آخر وإن كان مرادفا له ، ولعل هذا أحد الوجوه التى فضلوا من أجلها الاكتفاء فى الكتابة بكتابة القرآن الكريم. على أن منهم مَنْ لم يكن يرضى أن يروى عن الرسول إلا ما يثق بأنه هو اللفظ الذی سمعه منه وسنعود إلی بیان ذلك قريبا . ووهيهم الله صبراً على طلب الحديث عند أهله ، مع حافظة واعية ، ونفس صافية ، وذهن يصل إلى تبين المراد ويعى ما يُلقى إليه أشد الوعى. ٠٠ - - ١٧ وإن قوما انحدرت نطفهم من أصلاب رجال حفظوا أشعار شعرائهم ووعنها صدورهم من غير أن يقيدوها بالكتابة إلا ما كان يحدث فى الندرة التى لا معول عليها ، إن قوما انحدرت نطفهم من أصلاب قوم لهم هذه المنزله فى الوعى والحفظ والابلاغ والنقل الخليقون أن يحفظوا حديث رسولهم ، وهم يعلمون أن فى هذا الحديث بياناً للقرآن الكريم وتفصيلا لما أجمل فيه، وهذا القرآن هو الذى ملأ أنفسهم وأخذ عليهم الأسباب فلم يستطيعوا إلا الإذعان له ، وهذا الرسول هو الذىأ کبروه وأجلّوه وعظود ووقر وه وفدوه بالأنفس والأموال} ٢ ٤ وجملة الأمر أن عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد انقضى؛ ولم يكتب أحد من أصحابه شيئاً من الحديث لنفسه أو لغيره، إلا الشيء القليل النادر: منه ما كان من قصة كتابة بعض الصحابة لأبي شاه - وهو رجل من أهل اليمن - بأمر الرسول صلوات الله وسلامه عليه، خطبة من خطبه صلى الله عليه وسلم، ومنه ماذكر أبو هريرة من شأن عبد الله بن عمرو بن العاص، ومنهما كان من قصة صحيفة لعلى بن أبى طالب فيها شىء من العلم. حدث البخارى بسنده عن أبى هريرة حديثاً طويلا اشتمل على خطبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم جاءفيها بيان حرمة مكةٍ ، وفى آخر هذا الحديث قول أبى هريرة : فجاء رجل من أهل اليمن فقال: اكتب لى يارسول الله ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((اكتبوا لأبى فلان)». وحدث البخارى أيضاً بسنده عن أبى هريرة أنه قال : ما من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أحد أكثر حديثاً عنه منى، إلا ما كان من عبد الله بن عمرو فانه كان يكتب ولا أكتب. وحدث البخارى أيضاً بسنده إلى أبى جحيفة قال: قلت لعلى : هل عندكم كتاب ؟ قال: لا ، إلا كتاب (٢ - نشأة العلوم) - ١٨ - الله أو فهم أعطيه رجل مسلم أو مافى هذه الصحيفة ، قال: قلت : وما فى هذه الصحيفة؟ قال: العقل، وفكاك الأسير، ولا يقتل مسلم بكافر(١). وفى هذه الأحاديث إشكال مع ما أثرناه من حديث مسلم ((لا تكتبوا عنى ومن كتب شيئاً غير القرآن فليمحه، وحدثوا عنى ولا حرج ، ومع ما استظهرناه من عباراته صلى الله عليه وسلم الواردة فى حفظ الحديث واستظهاره وإبلاغه عنه وقد مضى ذكر ذلك ، وقد خطر هذا الاشكال من قبل على بال السلف الصالح من علماء هذه الأمة فذكروا وجوها للجمع بين الاذن بالكتابة فيما ذكرنا هنا وحظر الكتابة فيماروى مسلم، فأما الامام النووى فقد قال فى شرحه لصحيح مسلم « كان بين السلف من الصحابة والتابعين اختلاف كثير فى كتابة العلم ، فكرهها كثيرون منهم ، وأجازها أكثرهم ، ثم أجمع المسلمون على جوازها وزال ذلك الخلاف ، واختلفوا فى المراد بالحديث الوارد فى النهى : فقيل : هو فى حق من يوثق بحفظه ويخاف على اتكاله على الكتابة إذا كتب ، وتحمل الأحاديث الواردة بالإباحة على من لا يوثق بحفظه كحديثا كتبوا لأبى شاه ، وحديث عمروبن حزم الذى فيه الفرائض والسنن والديات ، وحديث كتاب الصدقة ونُصُب الزكاة الذی بعث به أبو بكر رضى الله عنه اناً رضى الله عنه حین وجهه إلى البحرين ، وحديث أبى هريرة أن ابن عمروبن العاص كان يكتب ولا أكتب، وغير ذلك من الأحاديث . وقيل: إن حديث النهى منسوخ بهذه الأحاديث، وكان النهى حين خيف اختلاطه بالقرآن ، فلما أمن ذلك أذن فى الكتابة . وقيل : إنماضى عن كتابة الحديثمع القرآن فى صحيفة واحدة لئلا يختلط فيشتبه على القارىء، والله أعلم(*). فهذه ثلاثة أوجه جمع بها الامام (١) روى البخارى هذه الأحاديث كلها فى باب ((كتابة العلم" انظر صحيح البخارى ( ص ٢١) (٢) انظر شرح النووى على مسلم بهامش القسطلانى (ج ١٠ ص ٤٥٧) - ١٩ - النووى بين النهى والاباحة، والنفس غير مطمئنة إلى واحد منها، فأما الأول فلسنا نستطيع أن نؤمن بأن ابن عمرو بن العاص رضى الله عنه كان غير موثوق بحفظه، ولو استطاع باحث أن يثبت أن الأحاديث التى تتضمن الاذن بالكتابة كلها كانت متأخرة عن حديث النهى عنها وعن الأحاديث التى تبين أن طريق الرواية عن النبى صلى الله عليه وسلم وهو الحفظ والوعى والتثبت من غير كتابة لو استطاع واحد من الناس أن يثبت ذلك حتى يكون النهى منسوخا بالإباحة لكان هذا الوجه أقرب الوجوه إلى أن يؤخذ به، ولا ستقام للباحثين أن يذكروا أن آخر العهد برسول الله صلى الله عليه وسلم كان على الاذن لأصحابه بكتابة الحديث، لأن القرآن الكريم كان قد حفظه الكثيرون من الصحابة وأمن الرسول عليه من الاختلاط والاشتباه بغيره . ٥ وقدروى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه أنه قال «نضر الله امرأ سمع مقالتى فوعاها وحفظها وأداها ، فرب حامل فقه غير فقيه ، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه)) ورووا أنه قال (( حدثوا عنى كما سمعتم ولا حرج، إلا من افترى على كذبا متعمدا بغير علم فليتبوأ مقعده من النار» والظاهر من استقراء حالهم أن منهم مَنْ فهم فى هذين الحديثين ونحوهما أنه يجب على مَنْ يريد أن يحدث عنه صلى الله عليه وآله وسلم أن يروى ألفاظه النبوية بعينها ليكون محدثا كماسمع، ون منهم مَنْ فهم ما أشرنا إليه من قبل من أن المدار على إصابة التيقن من المعنى الذى أراده النبي صلوات الله وسلامه عليه أو أن يظن الراوى أن هذا هو المعنى أراده بمعونة القرآن . وقد رأينا الصحابة رضوان الله عليهم لم يكونوا على رأى واحد فى الاقبال - ٢٠ - على رواية الحديث ولا فى قبول أحدهم ما یروی له غیرُه منه ، فقد كان بعضهم يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم غير متحرج؛ لأنه على ثقة واطمئنان من أنه يحدث كما سمع، ولا بد أن يكون هذا الفريق ممن يرى صحة الرواية بالمعنى، ونذكر من هذا الفريق أبا هريرة رضى الله عنه، فقد أكثر من الرواية عن رسول الله حتى تحدث الناس عنه، وحتى اضطر أن يعتذر من مخالفته أكثر أصحاب الرسول فى منهجهم، فذكر ما أثرناه من حديث الصفق فى الأسواق، وما أثرناه من حديث بَسْطُهِ حِجْرَه لرسول الله، وقد روى البخارى فى صحيحه(١). عنه أنه قال (( حفظت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعاءين ، فأما أحدهما فبثئته ، وأما الآخر فلو بئئته قطع هذا البلعوم » . ولا عجب فى ذلك كله لأن أبا هريرة رضى الله عنه لم يكن يشغله شىء عن طلب حديث رسول الله والوقوف على أحواله صلى الله عليه وسلم ، ولقد شهد له الرسول صلوات الله عليه بشدة الحرص على الحديث ، روى البخارى بسنده أن (١) أبا هريرة رضى الله عنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يارسول الله مَنْ أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لقد ظننت يا أبا هريرة ألا يسألنى عن هذا الحديث أحد أول منك لمارأيت من حرصك على الحديث، أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال لا إله إلا الله خالصا من قلبه ، أو من نفسه . "وقد كان أمير المؤمنين على بن أبى طالب رضى الله عنه بحث إخوانه على الحديث ومذاكرته، روى الحاكم أبو عبد الله بسنده عن على بن أبى طالب أنه قال «تزاوروا وأكثروا مذاكرة الحديث فان لم تفعلوا يندرس العلم، (١) انظر صحيح البخارى ((١-٢٣ طبع بولاق)). (٢) انظر صحيح البخارى (( ١ - ٢١ )