النص المفهرس

صفحات 341-360

- ٣٤١ -
بعيد جداً بخلاف سهوه عما يسمع فان ذهول الانسان عما يجرى بحضوره الاشتغاله
عنه كثير الوقوع، هذا إذا انحد المجلس ، أما إذا تعدد فتقبل باتفاق، انهى،
فشرط للقبول شرطين: اتحاد المجلس، وأن يكون المروى ممالا يغفل مثلهم عن نقل
الزيادة، فان جهل كونه واحداً أو متعدداً فأولى بالقبول مما اتحد لاحتمال التعدد .
(وسئل البخارى عن حديث (( لا نكاح إلا بولى» ) أخرجه سعيد بن
منصوروابن أبى شيبة وأحمد وأبو داود والترمذى وابن ماجه وابن حبان
والطبرانى فى الكبير والحاكم عن أبى موسى؛ وأخرجهابن ماجه عن ابن عباس؛
وأخرجه الطبرانى فى الكبير أيضاً عن أبى أمامة، وأخرجه الحاكم عن أبى هريرة
(وقد أرسله شعبة وسفيان) الثورى (وهما فى الحفظ جيلان، وأسنده إسرائيل بن
يونس) أى ابن أبى إسحاق السبيعى الكوفى أحد الأعلام، قال أحمد بن حنبل :
ثقة وجعل يتعجب من حفظه ، قال الذهبي بعد الثناء عليه : نعم شعبة أثبت منه إلا
فى ابن أبى إسحاق، انتهى، والحديث المذكور رواه شعبة وسفيان عن أبى إسحاق
السبیعیعن أبى بردة عن النبي صلى الله عليه وسلم، ورواه إسرائيل عن جده أبى
إسحاق عن أبى بردة عن أبى موسى عن النبى صلى الله عليه وآله وسلم ( فى
آخرين) فلا يقال الزيادة شذوذفى الحديث ، وتعيين بعض الآخرين يأتى قريباً
( فقال البخارى : الزيادة من الثقة مقبولة وحكم لمن وصله) فدل أنه يرى قبول
الزيادة من الثقة مطلقا .
واعلم أنه لايتم ماذكرنا مثالا لما ذكر مما نحن فيه حتى يتحقق اتحاد المجلس
أو يلتبس ، لما عرفت من أنه قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: إن الاستدلال
الحكم للواصل دائما على العموم ليس من صنيع البخارى، ولكنه فى هذا الحديث
الخاص ليس بمستقيم ، لأن البخارى لم يحكم فيه بالاتصال من أجل كون الوصل
زيادة، إنما حكم له بالاتصال لمعان أخرى رجحت عنده حكم الموصول، منها أن
يونس بن أبى إسحاق وابنه إسرائيل وعيسى زووه عن أبى إسحاق موصولا ،

- ٣٤٢ -
ولا شك أن آل الرجل أخص به من غيرهم، ووافقهم على ذلك أبو عوانة وشريك
النخعى وزهير بن أمية وتمام العشرة من أصحاب أبى إسحاق مع اختلاف مجالسهم
فى الأخذ عنه وسماعهم إياه من لفظه ، وأما رواية من أرسله - وهما شعبية
وسفيان - فانما أخذاه عن أبى إسحاق فى مجلس واحد، فقد رواه الترمذى
قال: حدثنا محمود بن غيلان ، قال : ثنا أبو داود الطيالسى فى مسنده ، قال : ثنا
شعبة ، قال : سمعت سفيان الثورى يسأل أبا إسحاق: أسمعت أبا بردة يقول: قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم ((لانكاح إلا بولى)؟ فقال أبو إسحاق: نعم، فشعبة
وسفيان إنما أخذاه معا فى مجلس واحد عرضاً كما ترى، ولا يخفى رجحان ما أخذ
من لفظ المحدث فى مجالس متعددة على ما أخذ عنه عرضاً فى محل واحد ، هذا
إذا قلنا حفظ سفيان وشعبة فى مقابل عدد الآخرين، مع أن الشافعى يقول=
العدد الكثير أولى بالحفظ من الواحد ، فتبين أن ترجيح البخارى وصل هذا
الحديث على إرساله لم يكن لمجرد أن الواصل معه زيادة ليست مع المرسل، بل يطا
ظهر من قرائن الترجيح ، ويزيد ذلك ظهورا تقديمه للأرسال فى مواضع أخرى»
مثاله: ما رواه الثورى عن محمد بن أبى بكر بن حزم، عن عبد الملك بن أبى بكر
هوابن عبد الرحمن عن أبيه عن أم سلمة قالت : إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم
قال لها(( إن شئت سبعت لك)) ورواه مالك عن عبد الله بن أبى بكر بن الحارث
أن النبى صلى الله عليه وآله وسلم قال لأم سلمة ، قال البخارى فى تاريخه: الصواب
قول مالك مع إرساله، فصوب الارسال هنا لقرينة ظهرت له، وصوب الوصل
هناك لقرینة ظهرت له ، فتبین أنه ليس له عمل مطرد فى ذلك .
(القول الثانى) من الأربعة (أن الحكم لمن أرسل ،حكاه الخطيب عن أكثر
أصحاب الحديث) لم يذكر دليله أيضاً وقد عرفت دليله من كلام ابن الحاجب
والعضد، وجوابه .
(القول الثالث) من الأربعة ( أن الحكم للأكثر) فان كان من أرسله

-- ٣٤٣ -
أكثر ممن وصله فالحكم للأرسال، والعكس، ولم يذكر الدليل أيضاً، وكأنه
يقول : إن الظن يدور مع الكثرة .
(القول الرابع أن الحكم للأحفظ) قيل: وليا بشىء لأن مرجع ذلك إلى
الترجيح ولا يدفع الريبة لأن الشك فى أحد المتقابلين شك فى الآخر، والشك
لا يعمل به وفاقاً .
( والذين قالوا إن الحكم للأكثر أو للأحفظ اختلفوا: هل تكون مخالفة
الأكثر والأحفظ قدحا فى عدالته) أى عدالة راوى الزيادة (كما أنها قبح فى
روايته) عند من ردها (فيه قولان أصحهما أنها لا تقدح فى عدالته) لأن الفرض
أنه ثقة فروايته مقبولة وإن لم يروها غيره، فهذه الأولى من مسألقى التعارض»
والثانية قوله (وإذا اختلفا) أى الراويان أو الخبران ( فى الوقف والرفع فهى مثل
هذه سواء) إذ الرفع زيادة ثقة ، وتقدم قبولها أو عدمه، هذا إذا اختلف الرافع
والواقف ، وأما إذا كان واحداً فقد أشار إليها بقوله (قالوا: ومثل ذلك ) أى
مثل تعدد الواقف والرافع ( أيضاً أن يكون الراضع والواقف أو المسند والمرسل
واحداً فان الحكم للرفع) على الوقف ( والوصل) على الأرسال (على الأصح) لما
عرفت من أنها زيادة ثقة (فيما قاله زين الدين) وقال: هكذا صححه ابن الصلاح
(وقيل: للأكثر من أحواله) هذا القول نسبه الزين إلى الأصوليين (فان كان
أكثر أحوال الراوى الرفع والوقفُ منه نادرُ فالحكم للدفع، وكذلك العكس)
وهو أن يكون الوقف أكثر أحوال الراوى والرففع منه نادر فيكون الحكم للوقف
قال المصنف (قلت : وعندى أن الحكم فى هذا لا يستمر، بل يختلف باختلاف
قرائن الأحوال، وهو موضع اجتهاد) قلت : فقد سبق ابن دقيق العيد إلى هذا
وجعله للمحدثين ، فانه قال: من حكى عن أهل الحديث أو أكثرهم أنه إذا
تعارض رواية مسند ومرسل أو رافع وواقف أو ناقص وزائد أن الحكم الزائد لم
يصب فى هذا الاطلاق ، فان ذلك ليس قانونا مطرداً، ومراجعة أحكامهم

- ٣٤٤ -
الجزئية تعرف صواب ما نقول، وبهذا جزم الحافظ العلائى فقال: كلام الأئمة
المتقدمين فى هذا الفن كعبد الرحمن بن مهدى ويحيى بن سعيد القطان وأحمدبن
حنبل والبخارى وأمثالهم يقتضى أنه لا يحكم فى هذه المسألة بحكم كلى، بل عملهم
فى ذلك دائر على الترجيح بالنسبة إلى ما يقوى عند أحدهم فى حديث حديث ،
قال الحافظ ابن حجر: وهذا العمل الذى حكاه عنهم إنما هو فيما يظهر لهم فيه
الترجيح، وأما مالا يظهر فيه الترجيح فالظاهر أنه المفروض فى أصل المسألة
(قان غلب على الظن وهم الثقة فى الرفع والوصل) بقرائن تثمر الظن ( بمخالفة
الأكثرين من الحفاظ الذين سمعوا الحديث معه من شيخه فى موقف واحد)
هذا رجوع إلى أنقول الثالث أن الحكم للأكثر، إلا أن قوله ( ونحو ذلك من
القرائن) دال على أن الملاحظة ليست للكثرة لا غير كالقول الثالث، بل
الملاحظ القرائن، والكثرة أحد القرائن، فان القرائن إذا حصلت فی غیر جانب
الزيادة ( فان الرفع والوصل حينئذ مر جوخان، والحكم :ما حكم بالمزجوح، وهو
خلاف المعقول والمنقول : أما المعقول فظاهر) فان العقل يقضى بالعمل الراجح
حيث كان ( وأما المنقول فلأن جماعة من الصحابة وقفوا عن قبول خبر الواحد
عند الريبة، وشاع ذلك ولم ینکر، کما فعله عمر فى حديث فاطمة بنت قيس فى
أنه لا نفقة ولا سكنى للمطلقة المبتوتة ) أخرجه أحمد عن الشعبى عن فاطمة بنت
قيس أن زوجها طلقها ثلاثا فلم يجعل لها النبى صلى الله عليه وسلم نفقة ولا سكنى
قال سلمة بن كهيل: فذكرت ذلك لابراهيم - يعنى النخعى - فقال: قال عمر:
لاندع كتاب ربنا ولا سنة نبينا لقول امرأة ، لها النفقة والسكنى، وأخرجه مسلم
وأبو عوانة وابن حبان ، زاد مسلم فى رواية فى طريق أخرى («لا ندرى أحفظت
أم نسيت)» وحققنا أن حديث فاطمة لايرد بما قاله عمر ، بل هو معمول به كما
أوضحناه فى سبل السلام وحواشى ضوء النهار (و) كما فعله عمر فى( حديث أبى موسى
فى الأمر بالاستئذان) أخرج مسلم أن أبا موسى استأذن على عمر بن الخطاب ثلاثا
:

- ٣٤٥ -
فلم يأذن له ، فرجع ، ففرغ عمر ، فقال: ألم أسمع صوت عبد الله بن قيس ؟ ائذتها
له، فقالوا : رجع ، فدعاه فقال: ماهذا ؟ قال: كنا نؤمر بذلك ، فقال: لتأتينى
على هذا ببينة ، فانطلق إلى مجلس الأنصار فسألهم فقالوا : لا يشهد لك على ذلك
إلا أصغرنا، فانطلق أبو سعيد الخدرى فشهد له ، فقال عمر لمن حوله : خفى هذا
على من أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ألهانى الصَّفْق فى الأسواق ، وله
ألفاظ أخر وطرق (و) كما فعله ( أبو بكر فى حديث المغيرة بن شعبة فى ميراث
الجدة) أخرجه أحمد وأبو داودوالترمذى وابن ماجه من طرق من حديث قبيصة بن
ذؤيب وغيره أن الجدة جاءت إلى أبى بكر الصديق فسألته ميراثها، فقال: مالك
فى كتاب الله شىء، ولا علمت لك فى سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم
شيئاً ، فارجعى حتى أسأل الناس، فسأل الناس ، فقال المغيرة بن شعبة: حضرت
رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أعطاها السدس ، فقال: هل معك على هذا
أحد ؟ فقال محمد بن مسلمة مثل ما قال المغيرة ، فأنفذه لها أبو بكر ( بل كما فعله
على رضى الله عنه فى استحلاف من انهمه وتوقفه عن قبوله حتى يحلف) رواه
الحافظ الذهبى فى التذكرة ، وقال: هو حديث حسن ، ورواه المنصور بالله وأبو
طالب عن على عليه السلام ، قال: كنت إذا سمعت حديثاً من رسول الله صلى
اللهعليه وآلهوسلم نفعنى الله به ماشاء، فاذا سمعته من غيره استحلفته ، فاذا حلف
صدقته، وحدثنى أبو بكر وصدق ، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم
يقول «مامن عبد يذنب ذنباً فيتوضأ ويصلى ركعتين ثم يستغفر الله إلا غفر له)»
ذكره المصنف فى العواصم، إلا أنه قد روى عن البخارى أن هذا غير صحيح
عن على رضى الله عنه ( بل كما فعله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عند أن
أخبره ذو اليدين أنه قصر صلاته، فانه أنكر ذلك لأجل سكوت الجماعة واختصاص
ذى اليدين بالخبر ، ولهذا قال صلى الله عليه وآله وسلم: أحق مايقول ذو الیدین).
أخرج أحمد والشيخان وغيرهم بألفاظ من طرق عن أبى هريرة ، قال : صلى بنا

- ٣٤٦ -
رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إحدى صلانى العشى، فصلى بنا ركعتين ثم
سلم، ثم انطلق إلى خشبة معروضة فى مقدم المسجد ، فقال بيديه عليها هكذا،
كأنه غضبان، وخرج سرعان الناس (١) من باب المسجد، فقالوا : قصرت
الصلاة، وفى القوم أبو بكر وعمر ، فها باه أن يسألاه، وفى القوم رجل فى يديه طول
كان يسمى ذا اليدبن ، فقال: يارسول الله، أقصرت أم نسيت ؟ فقال: لم أنس
ولم تقصر الصلاة، فقال : صليت ركعتين، فقال: أ كما يقول ذو اليدين؟ فقالوا:
نعم، الحديث، هذا إذا كان أحد الرواة أكثر (وأما إذا رواه ثقتان على سواء
أو قريب من السواء فالحكم لمن زاد) لأنها زيادة ثقة لم يعارضها أرجح منها ..
( وكذلك إذا كان أحدهما مثبتاً والآخر نافيا مع تساويهما أو تقاربهما فالحكم
للمثبت ) لأنه عمل بالروايتين (وبين ذلك مراتب فى القوة والضعف لا يمكن
حصرها ، بل ينظر الناظر فى كل ماوقع فيه هذا التعارض ويعمل بحسب قوة ظنه)
بتتبعه للمرجحات المعروفة فى الأصول
٣٣
مسألة
[فى بيان التدليس]
( التدليس ) قال الحافظ ابن حجر: إنه مشتق من الدلس ، وهو الظلام،
قاله ابن السيد، وكأنه أظلم أمره على الناظر لتغطيته وجه الصواب ، وقال البقاعى:
إنه مأخوذ من الدَّلَس - بالتحريك - وهو اختلاط الظلام الذى، هو سبب
(١) سرعان الناس: الذين يسرعون منهم ولا ينتظرون

- ٣٤٧-
لتغطية الأشياء عن البصر، ومنه التدليس فى البيع ، يقال: دلّس غلان على
فلان ، أى ستر عنه العيب الذى فى متاعه، كأنه أظلم عليه الأمر (قال فى
الجوهرة: قد تعورف فى غير معناه الأصلى"، وهو أن يروى) الراوى (عن
شيخ شيخه موهما أنه سمعه منه) زاد المصنف فى العواصم (( من غير أن يكذب
فيقول: حدثنى فلان)) ( والذى عليه علماء الزيدية أن المدلّس مقبول ، لأن
التدليس ضرب من الارسال ، وقد تقدم دليل أصحابنا على قبول المراسيل)
ولا كلام أنه ينطبق دليل قبول المراسيل على قبول المدلس ، وقل من سلم من
التدليس ، وقد روى أن ابن عباس رضى الله عنهما ما سمع من النبى صلى الله
عليه وآله وسلم إلا أحاديث يسيرة ، قال بعضهم: أربعة أحاديث، وبقية أحاديثه
سمعها عن الصحابة عن النبى صلى الله عليه وآله وسلم ، وهو لا يكاد يذكر من
بينه وبين النبى صلى الله عليه وآله وسلم، وإنما يقول قال رسول الله صلى الله
عليه وسلم، ذكره المصنف فى العواصم (هكذا ذكره الامام المنصور بيالله فى
الصفوة والشيخ أحمد فى الجوهرة ، وهو قول عامة الزيدية والمعتزله فيما أعلم ،
قلت: وهو) أى الحديث المدلس ( أولى بالقبول من المرسل ، لأنه إذا كان فى
الاسناد من لا يقبل فالحديث مردود) لوجود من لا يقبل فى روايته ( وإن كان
عن ثقات عنده) عند المدلس، لا عند غيره (فقد أوهم المدلس أنه صحيح)
لطيه ذكر شيخه مثلا ( وقصد إيهام ذلك ) إذ لولا القصد لما داس ( بخلاف
المرسل فهو وإن أوهم الصحة فلم تظهر منه قرينة تدل على أنه قصد الابهام، لكنه
يحتمل صحته عنده، فان كان يعرف شرطه فى الصحة ) أى شرط المدلس للصحة
(قبل أيضاً) أى حديث المدلس كما يقبل المرسل ( على مقتضى قواعد المحدثين
المتأخرين كمامر فى المرسل، وإن لم يعرف) شرطه فى الصحة (كان) الحديث
المدلس ( كالمرسل ، وإن جاء بعن ، لأنه ) قد ( قصد إيهام الصحة). وحاصله
أن المدلس أوهم الصحة وأبى بقرينة دالة على قصدها ، بخلاف المرسل ، فانه

١٠
- ٣٤٨ -
أوهم الصحة ولم يقم قرينة تدل على قصدها، فكان قبول المداس أولى من قبيل
المرسل، وفى كلامه نظر ( ولا يكفى فى جرح المدلس) أى فى جرحنا بالتدليس
لمن عرف به (أنه دلس حديث) راو (ضعيف) بغير الكذب باسقاطه (أو)
راو ( كذاب حتى يعرف أن الكذاب) الذى أسقطه من السند ( متعمد)
للكذب (لا مخطىء) بأن يكون واهماً (و) حتى يعرف (أن المدلس قد
عرف تعمده الكذب فى الحديث ، و) حتى (يكون ما دلسه) من الحديث
( فى الحلال والحرام) قلت : أو المندوب أو المكروه، إذ الكل أحكام شرعية ،
وإنما اشتهر عن المحدثين أنه يقبل الحديث الضعيف فى الترغيب والترهيب .
فىكأنه لذلك قیده المصنف (و) حتی(لا یکون یرو یه من غير تلك الطريق،
هذه أربعة شروط) ثلاثة وجودية ، وشرط عدمی ( یعز وجود واحد منها، ولا
يغرنك قول المحدثين ((فلان كذاب)) فقد يطلقون ذلك على من يكنب
مخطئاً لا متعمداً لأن الحقيقة اللغوية) لمسمى الكذب ( تقتضى أنه كذاب)
إذ الكذب لغة الاخبار بخلاف الواقع ، ولا يشترط فيه العمدية ، نعم العمدية
شرط فى الإنم ، على أنه لا يخفى أن الأصل فى إطلاق المحدثين للكذب فيمن
يصفونه به هو الكذب حقيقة الصادر عن عمد، يعرف ذلك من تصرفاتهم، وإذا
كان هو الأصل فلا بد من قرينة على أنهم أرادوا به الوهم ، كما أفاده قوله
(ولهذا وصفوا بذلك خلقاً من أهل الصدق إذا وهموا) فأن القرينة كونهم
وصفوا بذلك من يعرف بالصدق ( والصواب أنه لا يسمى من وهم كذابا، لأن
العرف فى الكذاب أنه المتعمد كما قاله الجاحظ ) فانه يقول : الكذب عدم
المطابقة مع الاعتقاد كما عرف فى الأصول وعلم البيان من حقيقة مذهبه ، وقد
رد أئمة الأصول والبيان ما ذهب إليه وأن التعمد أمر قلبى لا يطلع عليه،
فالأصل هو العمد (ولهذا) أى لأجل أن الكذب فى عرف اللغة إنما هو المتعمد
( قالت عائشة فى ابن عمر: ما كذب ، ولكنه وهم ، وهو) أى اللفظ الذى
.
.

- ٣٤٩ -
قالته عائشة ( ثابت فى الصحيح، وهى من أهل اللسان) فانه أخرج مسلم بألفاظ
كثيرة من طرق عن عمرة بنت عبد الرحمن أنها سمعت عائشة ، وذكر لها أن
عبد الله بن عمر يقول: إن الميت ليعذب بيكاء الحى ، فقالت عائشة : يغفر الله
لأبى عبد الرحمن ، أما إنه لم يكذب، ولكنه نسى أو أخطأ ، إنما مر رسول الله
صلى الله عليه وسلم على يهودية يُبكى عليها فقال: إنهم لييكون عليها، وإنها لتعذب
فى قبرها ، قلت : ولا يخفى أن عائشة رضى الله عنها لم تطلق الكذب على
الوهم ، ولا الكذاب على الواهم الذى بحث المصنف فيه ، فما فى كلامها حجة له ،
فانها نفت الكذب عن ابن عمر رضى الله عنهما، وأثبتت له الوهم ، مع أنه قال
المصنف: إن الحقيقة اللغوية إطلاق الكذب على المخطىء غير المتعمد، وابن
عمر هنا عند عائشة مُخْطٍ ، ونفت عنه الكذب، وهى - كما قال - من أهل
اللسان أى اللغة قبل هذا العرف الذى خصصه بالمتعمد، فتأمل (فامثل هذا لم
يجرح أمتنا من دلّس على الاطلاق ، ولم يستثنوا من دلس عمن تكلم فيه، لأنه
لا يكون مجر وحا إلا بتلك الشروط) قلت : لا خفاء أن من قال فيه
الأئمة إنه كذاب فالأصل فى الاطلاق الحقيقة العرفية ، وقدم المصنف أنها
الكذب عن عمد ، فأقل أحوال من قيل فيه ذلك الوقوف عن قبول روايته
ورواية من دلس عنه، وإلا كان قبولا مع الريبة وعملا مع الشك (وقد نهى)
مبنى للمعلوم - سفيان ( النورى عن الرواية عن محمد بن السائب الكلبى) هو
أبو نصر الكوفى المفسر الأخبارى، روى عن الشعبى وجماعة ، قال الذهبي فى
الميزان : قال الكلبى : حفظت ما لم يحفظه أحد، حفظت القرآن فى ستة أو سبعة
أيام ، ونسيت ما لم ينسِه أحد ، قبضت على لحيتى لآخذ ما دون القبضة فأخذت
ما فوق القبضة، وذكر له أحاديث، وذكر من يرتضى روايته، ثم ذكر عن ابن
معين أن الكلبى ليس ثقة ، وعن الجوزجاني وغيره . وقال الدار قطنى: متروك
وقال ابن حبان: مذهبه فى الدين ووضوح الكذب أظهر من أن يحتاج إلى

- ٣٥٠ -
الاغراق فى وصفه (فقيل له) لسفيان الثورى بعد نهيه عن الرواية عنه (فلمتروى
عنه ? ال: لأنى أعرف صدقه من كذبه،قلت) فى بيان معرفته لصدقه من كذبه
. ( مثل أن يتذكر بروايته أو بما فى كتابه ما كان حافظاً له أو يرى معه خط ثقة
يعرفه مع قرائن ضرورية)
(وقال زين الدين: التدليس على ثلاثة أقسام) قال عليه البقاعى ؛ إن أراد.
أصل التدليس فليس إلا ما ذكر ابن الصلاح من كونهما اثنين ، باعتبار إسقاط
الراوى أو ذكره وتعمية وصفه، وإن أراد الأنواع فهى أكثر من ثلاثة بما يأتى
من تدليس القطع وتدليس العطف، قال زين الدين مشيراً إليه (ذكرابن
الصلاح منها قسمين: القسم الأول: تدليس الأسناد ، وهو أن يسقط ) الراوى
المدلس (شيخه ويروى عن شيخ شيخه) يعنى بالنسبة إلى هذا الحديث المدلس
بعينه ، وإلا فشرط هذا الذى سماه شيخ شيخه أن يكون شيخه نفسه حتى يحصل
الأيهام، فالأحسن فى العبارة أن يقال : تدليس الأسناد أن يسند عمن لقيه ما لم
يسمع منه بلفظ موهم ، أفاده البقاعى ، قلت : وهو رسم قد اشتمل على الشرطين
اللذين ذكر هما المصنف، لولا أنه أتى باللقاء عوضاً عن المعاصرة، وذلك يجرى على رأى
من يشترطه ولا يكتفى بها، وقد أفاد كونه شيخاً للمدلس قول المصنف (« إيهام أنه
سمع)) فانه إذا كان شيخاً له وقع الايام ، وإلا فلا ( وله) أى لتدليس الأسناد
(شرطان: أحدهما: أن يأتى بلفظ محتمل غير كذب، مثل ((عن فلان)) ونحوه
وثانيهما: أن يكون عاصره، لأن شرط التدليس إيهام أنه سمع منه) ولا يتم إلا
بالمعاصرة واللقاء عند من شرطه ( وإذا لم يعاصره زال التدليس) وصار كذابا أو
مرسلا محضاً (هذا هو الصحيح المشهور ، وروى ابن عبد البر ) فى التمهيد
(عن بعضهم أنه لا يشترط ذلك ) قال : فجعل التدليس أن يحدث الرجل عن
الرجل بما لم يسمعه منه، بلفظ لا يقتضى تصريحاً بالسماع ، وإلا لكان كذبا
(قال ابن عبد البر: فعلى هذا ما سلم من التدليس أحد، لا مالك ولا غيره ،

- ٣٥١ -
ومثله) أى مثل التدليس فى حكمه، وذكره الشيخ وحذف الآلة أيضاً من
التدليس فى الرواية (أن يسقط ) أى الراوى (أداة الرواية) من حدثنا ونحوه
(ويسمى الشيخ فقط ، فيقول : فلان ) فيكون فاعلا لفعل محذوف لا قرينة
على تعيينه، أو مبتدأ لاقرينة على تعيين خبره ، وهل هو قال أو حدث أو نحوه
( وهذا يفعله أهل الحديث كثيراً ، قال على بن خشرم) بمعجمتين بزنة جعفر- ثقة
(كنا عند ابن عيينة فقال: الزهرى، فقيل له: حدثكم الزهرى ? فسكت ، ثمقال:
الزهرى ، فقيل له : سمعته من الزهرى ? فقال: لم أسمعه من الزهرى ولا ممن سمعه
من الزهرى ، حدثنى عبد الرزاق عن معمر عن الزهرى) فيقدر فى مثل هذا قال
الزهرى (وقد مثل ابن الصلاح القسم الأول بهذا المثال) فدل على أنه أراد بقوله
شيخه مثلا فيشمل شيخ شيخه كما فى المثال ( ثم حكى) ابن الصلاح (الخلاف فيمن
عرف بهذا:هل يردحديثه مطلقا أو ما لم يصرح فيه بالاتصال (وفيه أقوال]) ثلاثة
(أحدها: أنه يرد مطلقاً وإن صرح بالسماع لأنه مجروح، حكاه ابن الصلاح عن
فريق من أهل الحديث والفقهاء ) وحكاه عبد الوهاب فى الملخص ، فقال :
التدليس جرح ، ومن ثبت أنه يدلس لا يقبل حديثه مطلقاً ، قال : وهو الظاهر
على أصول مالك (و) ثانيها (قيل: إن صرح بالسماع قبل) کقوله سمعت وحدثنا
وأنبأنا، قيل ( وهو الصحيح، وإن لم يصرح به فعن النووى لا يقبل اتفاقا ، قال
الزين) وقد حكاه البيهقى فى المدخل عن الشافعى وسائر أهل العلم بالحديث،
وحكاية الاتفاق هنا غلط ( وهو محمول على اتفاق من لا يقبل المرسل) انتهى،
فقول المصنف (( قال زين الدين وهو محمول على اتفاق من لا يقبل المرسل)) هو أحد
الاحتمالين فى كلام الزين ، ثم ( قال الزين: واعلم أن ابن عبد البرقد حكى عن
أئمة الحديث) كأن المراد بهم غير الفريق الذين ردوه مطلقاً (أنهم قالوا : يقبل
تدليس ابن عيينة، لأنه إذا وقف أحال على ابن جريج ومعمر ونظرائهما، وهذا
مارجحه ابن حبان، وقال: هذا شيء ليس فى الدنيا إلا لسفيان بن عيينة فانه كان

- ٣٥٢ -
يدلس ولا يدلس إلا عن ثقة متقن) ولذا قيل: أما الامام ابن عيينة فقد اغتفروا
تدليسه من غير رد ( ولا يكاد يوجد لابن عيينة خبر دلس فيه إلاوقد بين سماعه
عن ثقة مثل بقية ) بالموحدة والقاف وتحتية، وهكذا فى شرح الزين على الألفية
وهو بقية بن الوليد ، ولست أدرى ما مراد ابن حبان إن كان هذا لفظه هل هو
مثال الثقة المدلس عنه كماهو ظاهر السياق ، بل لايحتمل سواه، فان كان كذلك فبقية
هو ين الوليد أبو محمد الحميرى الحافظ أحد الأعلام، قال ابن المبارك: صدوق لكن
يكتب عمن أقبل وأدبر، وقال النسائى : إذا قال حدثنا وأخبرنا فهو ثقة ، وقال
بعضهم. كان مدلساً فاذا قال (( عن )) فليس بحجة ، وقال ابن حبان : سمع عن
مالك وشعبة أحاديث مستقيمة، ثم سمع عن أقوام كاذبين عن شعبة ومالك ،
فروى عن الثقات بالتدليس ما أخذ عن الضعفاء ، وقال أبو حاتم : لا يحتج به،
قلت: هذا كلام أبى حاتم وابن حبان فيه، فكيف يتم هاهنا مثالا للثقة والحجة؟
وقال أبو مسهر : أحاديث بقية ليست نقية ، فكن منها على تقية، وأطال الذهبى
فى ترجمته بمثل هذا ، فكيف يجعل مثالا للثقة ؟ والعجب من الزين نقل كلام ابن
حبان ولم يبين مراده، وتبعه المصنف، وظنى والله أعلم أن فى كلام ابن حبان سقطا
وأن أصل عبارته« وليس مثل بقية)»، أى ليس سفيان مثل بقية يدلس عن
الكذابين ، واللهِ أعلى ( ثم مثل ذلك) أى شبه ابن حبان تدليس ابن عيينة
(بمراسيل كبار الصحابة فانهم لا يرسلون إلا عن صحابى) كماقد عرفت أن هذا هو
الأغلب فى مراسيلهم ( ونص أبو بكر البزار والحافظ أبو الفتح الأزدى وأبو بكر
الصير فى من الشافعية على قبول من عرف بالتدليس عن الثقات، قال زینالدین
بعدحكاية قول من رد المدلس مطلقاً) دلس عن ثقة أو عن غير ثقه (والصحيح،
كما قال ابن الصلاح، التفصيل: فان صرح بالسماع قبل) يريدلو أنه قال مثلا فى مجلس
«حدثنی زید» وقد قال( حدثنی عمرو»وفی مجلس آخر قالفی ذلك بعینه« عن
عمرو )) فقد دلسه فى هذا المجلس ، لكن تصريحه بسماعه عن شيخه وروايته عنه
حقا

-- ٣٥٣ --
بالسماع دلت على أنه إنما رواه باختصار فدلسه ولا يضره تدليسه (وإن لم يصرح
بالسماع فحكمه حكم المرسل ، قال الزين : وإلى هذاذهب الأكثرون، ومن رواه
عن جمهور أئمة الحديث والفقه والأصول شيخنا أبو سعيد العلائى فى كتاب المراسيل
وهو قول الشافعى وعلى بن المدينى ويحيى بن معين وغيرهم، قال الخطيب: جمهور
من يحتج بالمرسل يقبل التدليس ) لما تقدممن استدلال المصنف من أنه أولى بالقبول
( قال الزين: ومنهم من لا يقبل المدلس إذا روى بالعنعنة) لأن شرط المرسل
أن يروى بصيغة الجزم، والعنعنة ليست بصيغة جزم، وإنما نحكم لها بالاتصال إذا
صدرت عن غير المدلس ( قلت: وهو قياس قول أئمتناوعلمائنا لأنهم مثلوا المرسل
بقول التابعى ((قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم)) ولم أجد فيهم) أى فى أئمة
الزيدية وعلماً. ( من ذكر العنعنة من المرسل، ويحتمل أن يقبلوا المدلس بعن،
وإن لم يقبلوا ذلك من المرسل، لأن المدلس قد ظهر منه قصد إيهام الصحة) من جهتين
كما قاله المصنف قريباً ( بخلاف المرسل فانه إن أوهم لم يظهر منه قصد الابهام كما
تقدم، وظاهر إطلاقهم ) أى الأئمة من علماء المذهب (فى قبوله يعم العنعنة والله أعلم)
(إذا عرفت هذا القسم الأول) وهو تدليس الأسناد ( فاعلم أن فى رواة
الصحيحين جماعة من المشاهير بالتدليس، كالأعمش) وهو سليمان بن مهران
الكوفى أحد الأعلام، معدود فى صغار التابعين ، ما نقموا منه إلا التدليس كما
فى الميزان، فالأعمش عدل صادق ثبت صاحب سنة ولكنه يحسن الظن بمن حدثه
ويروى عنه ، ولا يمكنناأن نقطع عليه بأنه علم ضعف ذلك الذى يدلسه فإن هذا
حرام ، قال الذهبي: ربما دلس عن ضعيف فلا يدرى، فمتى قال ((حدثنا))
فلا كلام ، ومتى قال ((عن)) تطرق إليه احتمال التدليس ، إلا فى شيوح
أكثر عنهم كابراهيم وأبى وائل وأبى صالح السمان ، فروايته عنهم تحمل على
الاتصال ( وهشيم بن بشير) السلمى أبو معاوية الواسطى الحافظ أحد الأعلام
سمع الزهری وعمرو بن دینار أيام الحج، وکان مدلساً ، وهو لین فی الزهرى، وقال
(م٢٢ - تنقيح ١)

- ٣٥٤ -
الجوز جانی : هشيم ما شئت من رجل، غير أنه کان یروی عن قوم لم يلقهم ،
عبد الرزاق عن ابن المبارك قلت لهشيم: لم تدلس وأنت كثير الحديث ؟ قال:
إن كثيرين قد دلا الأعمش(١) وسفيان (وقتادة) هو ابن دعامة الدوسى ، حافظ
ثقة ثبت ، لكنه مدلس ورمى بالقدر، قاله يحيى بن معين ، ومع هذا احتج به
أرباب الصحاح ولاسيما إذا قال حدثنا (والنورى) هو سفيان بن سعيد الثورى،
فى الميزان : الحجة الثبت ، متفق عليه مع أنه كان يدلس عن الضعفاء ، لكنله
نقدا وذوقا ، ولا عبرة بقول من قال ((كان يدلس ويكتب عن الكذابين»
(وابن عيينة) هو سفيان بن عيينة الهلالى، فى الميزان: أحد الثقات الأعلام
أجمعت الأمة على الاحتجاج به، وكان يدلس ، لكن المعهود منه أن لا يدلس
إلاعن ثقة ( والحسن البصرى) فى الميزان : ثقة لكنه يدلس عن أبى هريرة ،
فاذا قال ( حدثنا )) فهو حجة بلا نزاع ( وعبد الرزاق) بن همام الصنعانى، فی
الميزان: أحد الأعلام الثقات، وساق من كلام الناس فيه ، ولم يذكره بالتدليس
إلا أنه ساق من رواياته ما يدل على تدليسه ( والوليد بن مسلم) هو أبو العباس
الدمشقى مولى بنى أمية، فى الميزان: أحد الأعلام، وعالم أهل الشام ، ثم قال :
أبو مسهر الوليد مدلس، وربما دلس عن الكذابين ، ثم قال: قلت: إذا قال
الوليد عن ابن جريح أوعن الأوزاعى فليس يعتمد لأنه يدلس عن الكذابين،
وإذا قال (( حدثنا)» فهو حجة .
قلت : يقال عليه : إن كان يعلم أن مَنْ دلس عنه كذاب أى من أسقطه
وانتقل إلى شيخه الصدوق فهذا خيانة منه فلا يقبل إذا قال (( حدثنى)) فضلا
غن أن يكون حجة ، وإِن كان لا يعلم أن من أسقطه كذاب وإنما علمه غيره فلا تحل
بروايته تدليسه ( وغيرهم ، ولكن قال النووى : إن مافيهما ) أى فى الصحيحين
(وفى غيرهما من الكتب الصحيحة ) التى التزم مصنفوها الصحة ( من المدلسين
بعن محمول على ثبوت سماعه من جهة أخرى) قلت : قال الامام صدر الدين بن
(١) كذا، ولعل أصله ((إن كثيرين قد دلسوا منهم الأعمش وسفيان))

١
- ٣٥٥ -
المرجل فى كتاب الانصاف : فى النفس من هذا الاستثناء غصة ، لأنها دعوى
لادليل عليها، لاسيما أنا قد وجدنا كثيراً من الحفاظ يعللون أحاديث وقعت فى
الصحيحين أو أحدهما بتدليس رواتها ، وكذلك استشكل ذلك قبله المحقق ابن
دقيق العيد ، فقال : لابد من الثبوت على طريقة واحدة إما القبول مطلقاً فى كل
كتاب، أو الرد مطلقا فى كل كتاب ، وأمّا التفرقة بين مافى الصحيح من ذلك
وما خرج عنه فغاية ما توجه به أحد أمرين : إما أن يُدّعى أن تلك الأحاديث
عرف صاحب الصحيح صحة السماع فيها ، قال : وهذا إحالة على جهالة وإثبات
أمر بمجرد الاحتمال، وإما أن يُدّعى أن الاجماع على صحة مافى الصحيحين دليل
على وقوع السماع فى هذه الأحاديث ، وإلا لكان أهل الاجماع مجمعين على خطأ
وهو متنع ، قال : لكن هذا يحتاج إلى إثبات الاجماع الذى يمتنع أن يقع فى
نفس الأمر خلاف مقتضاه، قال : وهذا فيه عسر، قال : ويلزم على هذا ألا
يُستدل بما جاء من رواية المدلس خارج الصحيح، ولا نقول هذا على شرط
مسلم مثلا لأن الإجماع المدعى ليس موجوداً فى الخارج، انتهى.
قلت : على أنا قد قدمنا لك ما فى الاجماع من نظر ، هذا ، وفى أسئلة الامام
تقي الدين السبكى للحافظ أبى الحجاج المزى : وسألت عما وقع فى الصحيحين
من حديث المدّلس مُعتَعنّاً، هل نقول: إنهما اطلعا على اتصالها، قال: كذا
يقولون، وما فيه إلا تحسين الظن بهما، وإلا ففيهما أحاديث من رواية المدلسين
ما يوجد من غير تلك الطريق التى فى الصحيح ، قال الحافظ ابن حجر: وليست
الأحاديث التى فى الصحيحين بالعنعنة عن المدلسين كلها فى الاحتجاج، فيحمل
كلامهم هنا على ما كان منها فى الاحتجاج فقط ، وأما ما كان فى المتابعات
فيحتمل التسامح فى تخريجها كغيرها، ويأتى للمصنف وجه حمل روايات
الشيخين على ماذكر، ثم إذا عرفت مانقلناه عرفت ما فى كلام الزين الماضى ،
وما فى كلام المصنف الآتى من قوله (وقال الحافظ أبو محمد عبد الكريم الحلبى.

- ٣٥٦ -
فى كتاب القدح المعلى: قال أكثر العلماء إن المعنعنات التى هى فى الصحيحين
منزلةٌ ، منزلة السماع) يقال: هذه دعوى فأين دليلها (قلت: ويحتمل أنهما)
أى الشيخين ( لم يعرفا سماع ذلك المدلس الذى رويا عنه) كما ادعاه لهما النووى
( لكن عرفا لحديثه من التوابع ما يدل على صحته مما لو ذكراه لطال) قلت :
وعلى هذا يكون الصحيح الذى فيهما من هذا النوع صحيحاً لغيره (فاختارا )
أى الشيخان ( إسناد الحديث إلى المدلس لجلالته وأمانته وانتفاء نجمة الضعف
عن حديثه، ولم يكن فى المتابعين الثقات الذين تابعوا المدلس من يماثله ولا يقاربه
فضلا وشهرة مثل أن يكون مدلس الحديث سفيان الثورى والحسن البصرى أو
نحوهما ويتابعه على روايته عن شيخه أو عن شيخ شيخه) بالسماع (من هو دونه
من أهل الصدق ممن) هو ( ليس بمدلس ) حاصل هذا الوجه أن الشيخين رويا
عن المدلس ماهو ثابت عندهما من طريق غيره بالسماع ، إلا أنهما آثرا الاتيان
برواية المدلس لجلالته وأمانته وإن كان الأتيان منهما بالأدنى دون الأعلى فى
الرواية ، ثم هذه دعوى لهما كدعوى النووى وصاحب القدح المعلى، وفيهما
ما سلف من الاشكال، والمصنف قد أراد الجواب عنه بقوله ( فان قلت : فلم
حملوا ) أى أئمة الحديث (صاحبى الصحيح ونحوهما من أئمة الحديث على ذلك)
أى مع أنه لادليل عليه ( قلت : لأنه إذا ثبت عن الثقة البصير بالفن الفارس
فيه) كالشيخين (أنه لا يقبل المدلس بعن، وأن التدليس عنده مذموم، ثم رأيناه
يروى أحاديث على هذه الصفة) أى مدلسة بعن (ويحكم بصحتها كان نصه على
عدم قبولها) الذى فرضناه ( يدل على أنه قد عرف اتصالها من غير تلك الطريق)
فهذا حكم لأئمة الصحيح بأن مارووه عن المدالسين فانه صحيح، ومستند هذا
الحكم إحسان الظن بهم ، لما عرف من قاعدتهم ، قلت : إلا أنه قد يقال : يلزم
من هذا أن ما وجد ناه ضعيفاً من الرواة فى كتاب الشيخين ونحوهما أن نحكم له
بالصحة ، لما علم من أنهما قد التزما الصحة ، وقد عرفت أنه انتقد عليهما جماعة

- ٣٥٧ -
رويا عنهم (١) وأقر الحفاظ ذلك الانتقاد (بخلاف مَنْ لم يعرف مذهبه فى المدلسين)
فأنا لا نحكم له بهذا الحكم فيما دلسه ( وهذا الكلام ينزل منزلتين: إحداهما
أن يكون البخارى ومسلم ونحوهما ممن صحح حديث المدلسين قد نص على أن
عنعنة المدلس غیر صحیحة ، وأن یکون قد نص على أن ذلك المدلس مدلس
عنده؛ إذ من الجائز أنه لم يعرف أنه مدلس وقبل عنعنته بناء على عدالته) فقد
عرفت من مجموع ماسلف من كلام المصنف وكلامنا أن بين الشيخين فى الحديث
: المعنعن خلافا : فالبخارى يشترط اللقاء بين الراوى ومن عنعن عنه ومسلم يكتفى
بامكانه ، وكل من الشيخين يرى المعنعن الذى على شرطه متصلا،وحينئذفار واه.
كل واحد منهما بالمنعنة فى كتابه فهو متصل على أصله، وحجة يجب العمل بها
عنده . وأما عنعنة المدلس فهى نوع من مطلقها. وليس لهما كلام خاصّ فيها
وكأنه لذلك تردد المصنف فى ذلك، وفى قوله ((بناء على عدالته)» تأمل لأنهم لم
يجعلوا التدليس قادحاً فى الراوى كما عرفت (وفى هذه المنزلة يقوى حمل أئمة
الحديث على ذلك ) أى على أنهم قد عرفوا اتصال ما رووه عن المدلسين من
غير تلك الطريق (قوة) مصدرتأكيدى بعد وصفه بقوله ((تطمئن- إلخ ) صار
نوعيا ( تطمئن بها النفس ) إلا أنه من البعيد أن يجهل الشيخان مثلا المدلين
من الرواة غاية البعد ..
( المنزلة الثانية : أن لا يثبت نصُهم على شىء من ذلك) أى لا على أن
عنعنة المدلس غير صحيحة ، ولا على أن ذلك المدلس مدلس (أو يثبت ) نصهم
( على بعض ذلك ) كعدم صحة حديث المدلس (دون بعض، ولكن يغلب على
الظن) أى ظن الناظر المجتهد ( مع شهرة أولئك بالتدليس، ومع معرفة أئمة الحديث
(١) فى الاصلين ((رويا عنهما)) ولا يستقيم الكلام مع تثنية الضمير
لمجرور محله بعن .

- ٣٥٨ -
لأحوال الرجال ) يغلب فى الظن (أنهم يعرفون تدليسهم ، ويغلب أيضاً على
الظن أنهم لا يقبلون عنعنة المدلسين) والأمارة التى تثير هذا الظن هى قوله
(لأن حفاظ الحديث) ونقلة مذاهب أمته فى الرواة ( ما نقلوا ذلك ) أى قبول
عنعنة المدلسين (عنهم) عن رأى أئمتهم ( والعادة) المعروفة لنقلة الحديث
ومذاهب أمته تقضى ( بنقل مثله عن مثلهم ، فهذه المنزلة دون تلك فى القوة
بكثير) أى فى الدلالة على أن أئمة الصحيح قد عرفوا اتصال ما رووه بالعنعنة
عن المدلسين من غير تلك الطريق (ومن ظن صحتها وترجحت له) بظن اتصالها
(كان له أن يعمل بها) أى وجوباً كما يأتى (ومن لم يحصل له ظن فله أن
لا يعمل بها) إذ مدار العمل على العلم أو الظن، والأول قد تعذر، فلم يبق إلا
الظن ، إلا أن كلامه ظاهر فى عدم وجوب العمل بها عند حصول الظن،
والظاهر أنه يجب إذا لم يجد غيرها، وقوله (( فله أن لا يعمل بها)) بل الظاهر
أنه يحرم عليه العمل ، لأنه لا يكون إلا عن علم أو ظن، والفرض عدمهما،
فكان الأولى أن يقول ((فعليه أن لا يعمل بها» ( ويختلف الناس فيها) أى فى
المنزلة الثانية ( على حسب اطلاعهم على أحوال هؤلاء فى كتب تواريخ الرجال)
ويحصل بذلك ظن الصحة أو عدمه (لكن ليس لنا أن نحكم بتعذر المنزلة
الأولى) ولا بثبوتها ( إلا بعد البحث التام من أهل المعرفة التامة) عن النصين
اللذين ذكرهما المصنف (والله أعلى) وذلك لأن الحكم على الأمور النقلية إثباتاً
ونفياً لايتم إلا بعد كمال الاستقراء لكتب تاريخ الرجال ، وكذلك المنزلة الثانية
ليس لنا أن نحكم بتعذرها أو عدمه إلا بعد البحث التام أيضاً، فانهما من الأمور
النقلية أيضاً .
(فهذا الوجه) الذى (ذكروه) أى أئمة هذا الشأن فى العذر عن رواية الشيخين
عن المدلسين ، وهو ما نقله عن النووى وعن صاحب القدح المعلّ ، وقد ذكر
أيضاً المصنف وجهاً من العذر لنفسه حيث قال «قلت: ويحتمل إلى آخره )» ثم

- ٣٥٩ -
قال (وعندى وجه آخر ) أى فى العذر عنهم فى ذلك ، وسماه آخر إما بالنسبة
إلى الوجه الذى تقدم له ، وهو غير هذا الوجه ، فان الذى تقدم له هو احتمال أن
الشيخين عرفالماروياه عنه من الحديث المدلس توابع، إلى آخر كلامه، أو بالنسبة
إلى ما اعتذر به غيره، أو بالنسبة إلى عذره السابق وعذر غيره ( وهو أن
التدليس الصادر عن الثقات الرفعاء مثل تدليس سفيان الثورى والحسن البصرى
ونحوهما نوع من الضعف ) فى الرواية ( القريب المختلف فى قبوله ، فهو مما ينجبر
بالمتابعات ) والشواهد حتى يصير بهما صحيحاً لغيره ( وقد عرفنا من طريق
مشيخة الحديث أن الضعف القريب إذا انجبر بكثرة المتابعات ارتقى من الضعف
إلى القوة) حتى يصير صحيحاً لغيره (قال النووى : وهذا ) أى انجبار الضعيف
بكثرة المتابعات ( مشهور عنهم، وروى النووى عن مسلم تنصيصاً) أى نص
عليه مسلم ( أنه يروى الحديث بالاسناد الضعيف لعلوه ويترك الاسناد الصحيح
النازل ) لذلك الحديث الذى رواه بالاسناد الضعيف (لشهرته عند أهل هذا
الشأن فيحصل للاسناد الضعيف بشهرة الاسناد الصحيح جابرٌ متابع وشاهد
للاسناد الضعيف الذى رواه به، وهذا نص من مسلم أن فى صحيحه رواية عن
الضعقاء ( قلت : وليس الاسناد الضعيف بمعنى المردود، وإنما هو المشتمل على
رجال من أهل العدالة والصدق لكن فى حفظهم ضعف لم يبلغ إلى مرتبة الرد
كما بينته فيما تقدم) وقد لا يكون ، قلت : فلا وجه للحصر بأنما فى قوله ((وإنما
هو إلى آخره » (فافهم عرف القوم ، وهذا الوجه يزداد قوة إذا ثبت معرفة المصحح
لأولئك المدلسين كما تقدم) فانه لا يصحح عن حديثهم إلا ما ثبت عنده
اتصاله من طريق أخرى .
إذا عرفت هذا فقد استفيد من مجموع ما تقدم أن فى الصحيحين أحاديث
هى فى نفسها ضعيفة ، لكنها منجبرات بمتابعات وشواهد ونحوها ، وإذا
:
1

- ٣٦٠ -
ا تذكرت ما تقدم لهم من صحة ما فى الصحيحين إلا ما انتقد عليهما علمت أنها
صحة للذات أو للغير.
واعلم أن فى قول المصنف ((الرفعاء)) إشارة إلى أن فى المدلسين فى رواة
الصحيحين أقواماً ليسوا من الرفعاء .
وقد قال الحافظ ابن حجر : المدلّسون الذين خرج حديثهم فى الصحيحين
ليسوا فى مرتبة واحدة فى ذلك ، بل هم على مراتب.
الأولى: من لم يوصف بذلك إلا نادراً، وغالب رواياتهم مصرحة بالسماع،
والغالب أن إطلاق من أطلق ذلك عليهم فيه تجوز من الارسال إلىالتدليس ،
ومنهم من يطلق ذلك بناء على الظن، ويكون التحقيق بخلافه ، ثم عد جماعة ،
وجعلهم ثلاث طبقات ، وسرد أسماءهم من دون بيان أحوالهم ، فأتبعنا كل اسم
بيان حاله تكميلا للافادة كما ستمر بك .
ثم قال : فمن هذا أيوب السختيانى ، قلت : قال النووی فی نهذيب
الثقات: هو إمام التابعين أبو بكر بن أبى تميم السختيانى - بكسر التاء - قال
ابن عبد البر وغيره: كان يبيع السختيانى بالبصرة ، رأى أنس بن مالك رضى
الله عنه ، اتفقوا على جلالته وأمانته وحفظه وتوثيقه ووفور علمه وفقهه وسيادته ،
وأطال الثناء عليه ، ولم يذكره بتدليس .
قال: وجرير بن حازم ، قلت : بالحاء المهملة وبعد الألف زاى ، هو
الأزدى البصرى أحد الأئمة الكبار الثقات ، قال الذهبي : قال يحيى القطان :
كان جرير يقول فى حديث الضبع ( عن جابر عن عمر )» ثم جعل بعد «عن
جابر أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سئل عن الضبع ، فقال ((هى من
الصيد)» انتهى، فأفاد أنه دلس هذا، ولم يصفه بالتدليس لأنه فى روايته
الأخری صرح عن جابر عن عمر ، فلا تدليس .
قال : والحسين بن واقد، قلت : أخرج له مسلم والأربعة ، وثقه ابن معين