النص المفهرس

صفحات 261-280

،
- ٢٦١ -
٢٤
مسألة
[ فى بيان الموقوف ]
( الموقوف: هو ما قصرته) بلفظ الخطاب، وهى عبارة زين الدين فى نظمه،
فانه قال :
ءُ وسَمِّ بالموقوف ما قصرته »
( على واحد من الصحابة قولاله أو فعلا) والمراد من القول هنا هو ما خلا
عن قرينة تدل على أن له حكم الرفع كما يأتى ، والفعل المجرد فهل يكون له حكم
عند من يحتج بقول الصحابى أم لا ؟ قال الحافظ ابن حجر : فيه نظر ( أو
نحوهما) كأنه يريد ما يعمل أو يقال فى حضرتهم ولا ينكرونه، والحكم فيه أنه
إذا نقل فى مثل ذلك حضور أهل الاجماع فيكون نقلا الاجماع ، وإن لم يكن
فان خلا عن سبب مانع من السكوت والافكار فحكمه حكم الموقوف ، ويكون
من باب الاجماع السكونى ( ولم يرفع إلى النبى صلى الله عليه وآله وسلم) ولا قامت
قرينة على رفعه ( سواء اتصل إسناده إليه أو لم يتصل) قال الحافظ : واشترط
الحاكم فى الموقوف أن يكون إسناده غير منقطع إلى الصحابى ، وهو شرط لم
يوافقه عليه أحد (وقال أبو القاسم) فى شرح الألفية ، ابن القاسم الفورابى
- بضم الفاء - نسبة إلى قرية بهمذان كما فى القاموس، (من الخراسانيين الفقهاء)
وأطلق فانه قال الفقهاء (يقولون) الخبر ما كان عن التبى صلى الله عليهوآله وسلم،
و(الأثرما روى عن الصحابة ) انتهى ، قال الحافظ ابن حجر : هذا قد وجد
فى عبارة الشافعى فى مواضع، والأثر فى الأصل: العلامة ،زاد غيره: وما ظهر
على الأرض من مشى الرجل ، قال زهير :

-- ٢,٦٢ --
والمرء ما عاش ممدودٌ له أثرٌ *
ونقل النووى عن أهل الحديث أنهم يطلقون الأثر على المرفوع والموقوف
معاً، ويؤيده تسمية أبى جعفر الطبرى كتابه ((تهذيب الآثار)) وهو مقصور
على المرفوعات ، وإنما يورد فيه الموقوفات تبعاً، وأما كتاب شرح ((معانى
الآثار)) للطحاوى فيشتمل على المرفوع والموقوف أيضاً ( قال زين الدين: هذا
مع الاطلاق ، وأما مع التقييد فيجوز فى حق التابعين ، فيقولون : هذا موقوف
على ابن المسيّب ، ونحوه، وفى كلام ابن الصلاح ما يقتضى أنه يجوز مع التقييد
فى) حق ( غير التابعين أيضاً، فيقال : هذا موقوف على الشافعى، ونحوه) فانه
قال : وقد يستعمل مقيداً فى خير الصحابى ، فيقال: حديث كذا وكذا وقفه
فلان على عطاء ، أو على طاووس ، أو نحو هذا .
( ثم إن الآثار نوعان) هذا زيادة من كلام المصنف لم يذكره ابن الصلاح
ولا زين الدين، فكان يحسن أن يعنونه المصنف بلفظ ((قلت)) على قاعدته
( أحدهما: مالا يقال من قبيل الرأى ، فذكر الامامان أبو طالب والمنصور بالله
عليهم السلام أنه إذا كان للاجتهاد فيه وجه صحيح أو فاسد فيموقوف ، وإلا
فمرفوع ، وهو قول الشيخ أبى الحسين البصرى والشيخ الحسن الرصاص ،
وحكى ذلك المنصور بالله ) أى عن الشيخين المذكورين (وصاحب الجوهرة)
يعنى حكاه عنهما ( وزاد المنصور بالله حكايته عن قاضى القضاة ، واحتج
المنصور بالله على ذلك بأنه مقتضى وجوب تحسين الظن بالصحابة ) وأنهم لا يأتون
فى الأحكام إلا بماهو من طريق الأحاديث المرفوعة أو من طريق الاجتهاد (وذكر
جماعة من العلماء منهم ابن عبد البر أنه) أى ما ليس للاجتهاد فيه وجه صحيح
ولا فاسد (فى حكم المرفوع، قالوا: مثل قول ابن مسعود « من أتى ساحراً أو
عرافا) عراف كشداد الكاهن كما فى القاموس ، وفى النهاية أراد بالعراق
المنجم ، والحاری : الذی یدعی علم الغيب وقد استأثر الله به (فقد كفربما

- ٢٦٣ -
أنزل على محمد)) ترجم عليه الحاكم فى كتاب علوم الحديث) بقوله ( باب معرفة
الأسانيد التى لا يذكر سندها ، قلت: وهذا المثال مما يظن أنه لا مدخل للرأى
فيه، وليس مما يقطع به) أى بأنه عنه صلى الله عليه وآله وسلم ( وقد يوجد عن
الصحابة ما يقطع به) أى بأنه ليس إلا عنه صلى الله عليه وآله وسلم ( مثل
مارواه الأمير الحسين ) بن مد ( فى الشفاء عن على عليه السلام أن الحيض ينقطع
عن الحبلى لأنه جعل رزقا للجنين، وإنما جعل هذا كالمرفوع حملا للصحابة على
السلامة، ولأن الظن يقضى برجحان رفعه) لأنه لا يعرف إلا من طريق الوحى
(وخالف ابن حزم، وشنع فى ذلك ، وقال : يحتمل أنه عن أهل الكتاب،
فقد صح (« حدثوا عن أهل الكتاب ولا حرج» ) ولا يخفى أن الحديث عنهم
نادر، والواقع من الموقوفات التى ليس للرأى فيها مسرح كثير ، وحسن الظن
بالصحابى يقضى بأنه لا يطلق فى مقام الاخبار عن الحكم فى أمر بطريق اجتهادى
أو نص إلا عن طريق شرعى من رواية معروفة أو اجتهاد، فاذا تعذر الثانى
تعين الأول، نعم يحتمل هذا فى القصص والأخبار التى لا يرفعها الصحابى ولا
هى مما يجتهد فيه أنها من أحاديث الكتابيين ، فهذا التفصيل هو الذى ينبغى
عليه التعويل .
( النوع الثانى) من نوعى الآثار (مايحتمل أنه قيل عن الرأى والاجتهاد)
وهو ما كان للاجتهاد فيه مسرح ووقفه الصحابى ( ففيه قولان للشافعى : الجديد
منهما أنه ليس بحجة ) لأنه قول صحابى مجتهد (ذكره فى الارشاد ، والذى
تقتضيه الأدلة أنه ليس بحجة ) إذالم نقم الأدلة إلا على حجية الكتاب
والسنة ، والقياس على خلاف فيه ، والاجماع على بعد فى وقوعه ، وأما قوله
(وليس فى ذلك ) أى فى حجية قول الصحابى ( سنة صحيحة) فهو من نفى
الخاص بعد نفى العام، إذ قد قدم أن الأدلة لم تقم على حجيته، وإنما أتى به
ليتذرع به إلى قوله ( فأما ما روى من قوله صلى الله عليه وآله وسلم ((أصحابى

- ٢٦٤ -
كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم)» فهو حديث ضعيف، قاله ابن كثير الشافعى،
وقال : رواه عبد الرحيم بن زيد العمّ) بفتح المهملة وتشديد الميم ( عن أبيه،
قال ابن معين : هو كذاب، وقال السعدى: هو ليس بثقة ، وقال البخارى :
تركوه ، وقال أبو حاتم : حديثه متروك، وقال أبو زرعة واهٍ ، وقال أبو داود :
ضعيف ، وأبوه ضعيف أيضاً ، وقد روى هذا الحديث من غير طريق) أى
من طرق كثيرة ( ولا يصح شىء منها،ذ کر ذلك كله ابن کثیر الشافعى فى كلامه
على أحاديث المنتهى) وذكر الحافظ ابن حجر له طرقا كثيرة فى تخريجه لأ حاديث
مختصر ابن الحاجب ، وأخرجه عن ابن عمر وجابر وابن عباس وعمر وأنس
بألفاظ مختلفة وسردها برواتها وضعتها، وذكر طريق عبد الرحيم بن زيد العمى
عن أبيه عن سعيد بن المسيب عن عمر بن الخطاب، وساقه بلفظه أنه صلى الله
عليه وآله وسلم قال (( سألت ربى عما يختلف فيه أصحابى من بعدى ، فقال:
يا محمد، إن أصحابك عندى بمنزلة النجوم، بعضها أضوأ من بعض ، فمن أخذ
بشىء مما اختلفوا فيه فهو عندى على هدى ، ثم قال : هذا حديث غريب
أخرجه ابن عدى، ثم قال : وزيد العمى وأبوه ضعيفان ، وأبوه أضعف منه ، وقد
سئل البزار عن هذا الحديث فقال: لا يصح هذا الكلام عن النبى صلى الله
عليه وآله وسلم ( وأما ابن عبد البر فاحتج به فى التمهيد وسكت عليه ، فلعلهرأى
مجموع تلك الطرق تقوی متن الحديث،أو عرف له شواهد ما یقوی معناه، والله
أعلم) قلت : وذكر الحافظ فى تخريج أحاديث المختصر أنه ذكره ابن عبد البر
فی کتاب بیان العلم عن ابن شهاب بسنده، وقال : هذا إسنادضعيف، الراوى
له عن نافع لا يحتج به، قال الحافظ: قلتهو متفق علی ترکه ، بل قال ابنعدى:
إنه يضع الحديث ، اهـ. قلت: ويريد بالراوى له عن نافع سمرة (١) الجزرى .
ء
(١) كذا فى ب، وفى ا (( حمرة الجزرى))
١

- ٢٦٥ -
٢٥
مسألة
[فى بيان المقطوع]
( المقطوع هو قول التابعى وفعله، قال ابن الصلاح: ويقال فى جمعه مقاطيع
ومقاطع) يعنى كالمسانيد والمساند ، والمنقول عن جمهور البصريين من النحاة
إثبات الياء جزما ، وعند الكوفيين والجرمى من البصر بين تجويز إسقاطها
واختاره ابن مالك ( قال: وجدت التعبير بالمقطوع عن المنقطع فى كلام الشافى
وأبى القاسم الطبرانى، قال زين الدين : ووجدته أيضاً فى كلام أبى بكر الحميدى
وأبى الحسن الدار قطنى، قال ابن الصلاح: وقد حكى عن بعض أهل العلم أنه
جعل المنقطع ما وقف على التابعى ، واستبعده ابن الصلاح ، قال زين الدين :
القائل بذلك هو الحافظ أبو بكر أحمد بن هرون البردعى) بموحدة مفتوحة فراء
ساكنة وإهمال الدال والعين - نسبة إلى بردعة بلدة من أقصى بلاد أذربيجان
بينها وبين بردعة (١) اثنا عشر ميلا ( حكاه فى جزء لطيف له) انتهى.
(فروع)
سبعة ، حسن إيرادها بعد كل من المرفوع والموقوف .
(مسألة - من السنة) هذا الفرع الأول، وهو (قول الصحابى ((من السنة
كذا)) محمول على أنه مسند مرفوع) وادعى البيبقى أنه لاخلاف بين أهل النقل
فى ذلك، وسبقه إلى دعواه شيخه الحاكم فى المستدرك، وذلك (لأن الظاهر أنه
لا يريد إلا سنة النبى صلى الله عليه وآله وسلم، وهو مذهب الزيدية، ذكره
(١) هكذا فى الأصلين

-- ٢٦٦ --
المنصور بالله فى الصفوة والشيخ أحمد فى الجوهرة، كقول على بن أبى طالب عليه
السلام (( من السنة وضع الكف على الكف فى الصلاة)) رواه أبو داود فى
رواية ابن داسة) بالمهملتين أحد رواة سنن أبى داود (وابن الأعرابى) أحد
رواتها أيضاً، إمام حافظ، أثنى عليه الذهبى، وقال القاضى أبو الطيب : هو ظاهر
مذهب الشافعى لأنه احتج على قراءة الفاتحة فى صلاة الجنازة بصلاة ابن عباس
على جنازة وقراءته بها وجهره ، وقال « إنما فعلت ليعلموا أنها سنة )) وجزم ابن
السمعانى أنه مذهب الشافعى، وقال ابن عبد البر: إذا أطلق الصحابى السنة
فالمراد بها سنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، ما لم يضفها إلى صاحبها كقولهم
( سنة العمرين(٤))) وأعلم أنهم وإن قالوا بأنه لا يريد بها الصحابى إلا سنته
صلى الله عليه وآله وسلم لكنهم قالوا : لا يضاف اللفظ إليه، فانه نى أحمد بن
حنبل وعبد الله بن المبارك وقالوا : لا يضاف حديث أبى هريرة الذى أخرجه
أبو داود والترمذى بلفظ « حذف السلام سنة)) ، فلا يقال: قال رسول الله
صلى الله عليه وآله وسلم حذف السلام سنة، قال الزين فى تخريج الاحياء
لا يعزو اللفظ إليه صلى الله عليه وآله وسل، وإلا فقول الصحابى السنة كذا لهحكم
المرفوع على الصحيح (وخالف بعضهم فى ذلك ، منهم أبو بكر الصيرفى) من
الشافعية ( وأبو الحسن الكرخى) من الحنفية (وغيرهما ) كابن حزم الظاهرى،
بل حكاه إمام الحرمين عن المحققين ، ذكره فى البرهان، وجزم جماعة من أئمة
الشافعية بأنه الجديد من مذهب الشافعى، ذكره ابن القشيرى وابن فورك
وغيرهماوجزموا بأنه كان يقول فى القديم: إنه مرفوع ، وحكوا تردده فى الجديد ،
لكنه نص فى الأمّ وهو من الكتب الجديدة على أنه مرفوع ، فانه قال فى باب
عدد الكفن بعد ذكر ابن عباس والضحاك بن قيس، رجلان من أصحاب النبي
(١) أرادوا بالعمرين أبا بكر الصديق، وعمر الفاروق، رضى الله عنهما!
.٠

-٢٦٧ --
صلى الله عليه وآله وسلم، لا يقولان من السنة إلا لسنة رسول الله صلى الله عليه
وسلم، وقال فى كتاب الأم فى قول سعيد بن المسيب لأبى الزناد «سنة»وقد سئل
سعيد عن الرجل لا يجد ما ينفق على امرأته، قال: يفرق بينهما، فقال له أبو الزناد :
سنة؟ قال: سنة، قال الشافعى: والذى يشبه قول سعيد ((سنة)) أن يكون أراه سنة
النبي صلى الله عليه وآله وسلم، قال الحافظ ابن حجر : وحينئذ فاه قولان فى
الجديد، قلت: ويحتمل أنه إنما جزم فى الأول لما كان القائل صحابياً ، وقال فى
الثانى ((يشبه)) لما كان القائل تابعياً.
هذا، ودليل المخالفين أن لفظ السنة متردد بين سنة النبى صلى الله عليهوآ له
وسلم وسنة غيره كما قال صلى الله عليه وآله وسلم (( سنتى وسنة الخلفاء الراشدين))
وفى الحديث ((من سن سنة حسنة كان له أجرها)). جوابه أن الأظهر أنجم
لا يريدون إلا سنته صلى الله عليه وآله وسل، وذلك لأمرين: الأول: أنه المشبادر
إلى الفهم فالحمل عليه أولى، الثانى : أن سنته صلى الله عليه وآله وسلم أصل
وسنة الخلفاء تبع لسنته، والأظهر من مراد الصحابى إنما هو بيان الشريعة ونقلها
فاسناد ماقصد نقله إلى الأصل أولى من إسناده إلى الفرع بالحمل عليه، مما إن
كان قائل ذلك أحد الخلفاء الأربعة إذ يبعد أن يريد من طريقتى كذا،
وقد كانوا يصرحون بما يقولونه رأياً أو اجتهاداً، كقول أبى بكر ((أقول
فيها برأبى فان كان صواباً فمن الله)) الحديث، واستدل أيضاً لهذا القول بما فى
البخارى أن الحجاج سأل سالماً : كيف نصنع فى الموقف يوم عرفة؟ قال سالم
إن كنت تريد السنةفهجر بالصلاة يوم عرفة ، فقال أبو عمر : صدق ، قال الزهرى
فقلت لسالم:أفعله رسول الله صلى الله عليه وآله وسا? قال:وهل يتبعون فى ذلك
. إلا سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم? وأما استدلال ابن حزم على ماذهب
إليه بما فى البخارى من حديث ابن عمر أنه قال (( بحسبكم سنة نبيكم إن حبس
أحدكم عن الحج فطاف بالبيت وبالصفا والمروة ثم حل من كل شىء حتى يحج

- ٢٦٨ -
قابلا فيهدى أو يصوم إن لم يجد هدياً )) قال ابن حزم : لاخلاف بين أحد من
الأمة أنه صلى الله عليه وآله وسلملما صد عن البيت لم يطف به ولا بالصفا
والمروة، بل حيث كان بالحديبية ، وأن هذا الذى ذكره ابن عمر لم يقع منه صلى
الله عليه وآله وسلم قط ، فلا يخفى أنه لم يرد من السنة الفعل منه صلى الله عليه وآله
وسلم، بل لفظ سنة نبيكم تعم الفعل والقول والتقرير، فكونه صلى الله عليه وآله
وسلم لم يفعل ما ذكره ابن عمر لم يبطل كونه لم يقله أولم يقرره ، والحاصل أن
ما أثبته ابن عمر أعم مما نفاه ابن حزم، إذا عرفت هذا فقول الصحابى ((سنة النبي
صلى الله عليه وآله وسلم )» مضيفاً لها إليه مرفوع عند الجماهير قطعاً، إلا عند ابن
حزم، وقال البلقيني فى محاسن الاصطلاح: إنها على مراتب فى احتمال الوقف قرباً
وبعداً ، قال: فأبعدها مثل قول ابن عباس («الله أكبر سنة أبى القاسم صلى الله
عليه وآله وسلم)» ودونها قول عمرو بن العاص ((لا تلبسوا علينا سنة نبينا صلى
الله عليه وآله وسا، عدة أم الولد كذا )) ودونها قول عمر لعقبة بن عامر «أصبت
السنة)) إذ الأول أبعد احتمالا والثانى أقرب احتمالا ، والثالث لا إضافة فيه ،
قلت : وينظر فانه لافرق بين الأول والثانى إلا زيادة التكبير من ابن عباس.
تنبيه - لم يذكر المصنف أن حكم ما ينسب الصحابى فاعله إلى الكفر
والعصيان الرفع، وذلك مثل قول ابن مسعود ((من أتى ساحرا - الحديث)) ومثله
قول أبى هريرة ((ومن لم يجب الدعوة فقد عصى الله ورسوله)) وقوله فى الخارج
من المسجد الأذان « أما هذا فقد عصى أبا القاسم صلى الله عليه وآله وسلم)»
وقول عمار رضى الله عنه « من صام اليوم الذى يشك فيه فقد عصى أبا القاسم )»
فهذا كله له حكم الرفع ، ويحتمل أن يكون موقوفا لجواز التأثير على ماظهر من
القواعد ، والأول أظهر ، وبه جزم ابن عبد البر، وادعى الاجماع عليه ، وجزم
به الحاكم فى علوم الحديث ونفخر الدين الرازى فى المحصول ، وهذا كله فىما ينسبه.
الصحابى إلى سنته صلى الله عليه وآله وسلم .

- ٢٦٩ -
(وأما التابعى إذا قال ذلك) أى من السنة كذا ( فقيل : موقوف متصل ،
لأنهم قد يعنون بذلك سنة الخلفاء ) فلا يجزم بأنهم أرادوا. فته صلى الله عليه
وآله وسلم لأنه جزم مع الاحتمال (وربما كثر ذلك فيهم حتى لا يكون غيره
راجحاً ، وهذا جديد قول الشافعى ، وصححه النووى) واعلم أنه على قول من
يقول بأن قول الصحابى ((من السنة كذا)) مرفوع فهو محتمل لاقسام السنة
الثلاثة القول والفعل والتقرير، كما أشرنا إليه فى الجواب عن دليل ابن حزم ، .
وإذا كان محتملا فاذا عارضه قول أو فعل أو تقرير غير محتمل فهو مقدم على قوله
(( من السنة)) لعدم احتماله بخلافها .
(مسألة - أمرنا ونبينا) مغير الصيغة ( إذا قال الصحابى أمرنا أو نهينا) أو
قال أوجب أو حرم أو أبيح، وبالجملة يأتى بشىء من الأحكام بصيغة مالم يسم
فاعله ( من نوع المرفوع والمسند عند المنصور بالله وقاضى القضاة والشيخ أبى
عبد الله والشيخ الحسن) الرصاص (وحفيده أحمد) بن محمد بن الحسن (وكذلك
عند أصحاب الحديث) إلا أن المنصور بالله قال : فرق بين أمرنا وأوجب فقال
إن الأول حجة ، وشرط للنانى أن لا يكون للاجتهاد فيه مسرح لجواز أن يرى
الوجوب بطريق الاجتهاد، والجمهور على أنه حجة مطلقاً ( قال الزين عن ابن
الصلاح: وهو قول أكثر أهل العلم لأن مطلق ذلك ينصرف إلى من له الأمر
والنهى، وهو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم) وذكر البيهقى إجماع أهل
النقل على أنه مرفوع (وخائف فى ذلك فريق منهم أبو بكر الاسماعيلى ) وأبو
الحسن الكرخى من الحنفية، وعلل ذلك بكونه متردداً بين كونه مضافا إلى النبى
صلى الله عليه وآ له وسلم أو إلى القرآن أو الأمة أو بعض الأمة أو القياس أو الاستنباط،
قال وهذه الاحتمالات تمنع من الجزم بكونه مرفوعاً، وأجيب بأنها احتمالات بعيدة،
وعلى التنزل فما من القرآن مرفوع لأن الصحابة إنما تلقوه عن النبى صلى الله عليه
وآله وسلم ، وأمر الأمة لا يمكن الحمل عليه، لأنهم لا يأمرون أنفسهم ، وبعض

- ٢٧٠ -
الأمة إن أراد من الصحابة فبعيد، لأن قوله ليس حجة على غيره ، وإن أراد
الخلفاء بخصوصهم فكذلك لأن الصحابى مأمور بتبليغ الشريعة فيحمل على
من صدرعنه الشرع وهو الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وأما حمله على القياس
فبعيد كحمله على الاستنباط فانه لا يتبادر ذلك لسامع .
واعلم أنه قال ابن الأثير فى مقدمات جامع الأصول: إن الخلاف فيما إذا
كان قائل ذلك من الصحابة غير أبى بكر ، أما إذا قاله أبو بكر فيكون مرفوعاً
قطعاً ، لأن غير النبى لا يأمره ولا ينهاه لأنه تأمر بعد النبى صلى الله عليه وآله
وسلم ووجب على الأمة امتثال أمره
( قال الزين : وجزم به أبو بكر الصير فى فى الدلائل ) يحتمل أنه جزم بمثل
قول الاسماعيلى أو بمثل قول الجمهور ، وقربه من الأول يدل أنه به جزم (وذلك
مثل ) حديث (أمر بلال أن يشفع الأذان ويوتر الاقامة) أخرجه البخارى
وغيره، وكذلك قول عائشة (( كنا نؤمر بقضاء الصوم)) ( قال ابن الصلاح:
ولافرق بين أن يقول ذلك فى زمن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أو بعده)
إذ المتبادر منه أن الآمر الرسول مطلقاً .
تنبيه - قول الصحابى (( إنى لأشبهكم صلاة برسول الله صلى الله عليه
وآله وسلم)» وما أشبه «لأ بين لكم صلاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم)»
من المرفوع، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم ((أمرت)) هو كقوله أمرنى الله تعالى
وكقوله صلى الله عليه وسلم (( أمرت بقرية تأكل القرا يقولون يثرب - الحديث))
لأنه لا آمر له صلى الله عليه وسلم إلا الله سبحانه وتعالى.
(وأما إذا قال ذلك التابعى فنيه وجهان، وهو كقوله ((من السنة)) سواء)
وقد تقدم تحقيقه .
(مسألة - أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال زين الدين: وأما إذا
صرح) أى الصحابى ( بالآمر فقال ((أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم )) فلا

- ١/ ٢٧ -
أعلم فيه) أى فى كونه مرفوعاً ( خلافا، إلا ماحكاه ابن الصباغ فى العدة) وحكاه
أيضاً شيخه أبو الطيب الطبرى ( عن داود وبعض المتكلمين أنه لا يكون حجة
حتى ينقل لنا لفظ النبي صلى الله عليه وسلم) قال: إذ يحتمل أن يكون سمع صيغة
ظنها أمراً أو نهياً وليست كذلك فى نفس الأمر .
قلت : إن عملنا بمثل هذا الاحتمال لم تقبل إلا الرواية باللفظ النبوى
وبطلت الرواية بالمعنى، وهى أكثر الروايات، بل قيل: لم تتواتر رواية باللفظ
إلا فى حديثين ، ولا شك أن الظاهر من حال الصحابي مع عدالته ومعرفته
الأوضاع اللغوية أنه لا يطلق ذلك إلا فيما تحقق أنه أمرٌ أو نهى وإن لم يكن
كذلك فى نفس الأمر ، ثم هذا الاحتمال الذى استدل به لداود يجرى فى الخبر
إذ يحتمل أنه ظن ما ليس بخبر خبراً، فلا وجه لتخصيص الأمر (وهو ضعيف
مردود) بما عرفته ( قال زين الدين: إلا أن يريدوا) أى داود ومن وافقه ( أنه
ليس بحجة فى الوجوب ، ويدل تعليله) أى ابن الصباغ (للقائلين بذلك بأن من
الناس من يقول: المندوب مأمور به، ومنهم من يقول: المباح مأمور به أيضاً)
وهذه المسألة مبسوطة فى أصول الفقه ( قال زين الدين : فاذا كان ذلك مرادهم
كان له وجه ) قلت: قول الصحابى ((أمرنارسول الله صلى الله عليه وسلم)» إخبار
بأنه صلی الله عليه وسلم قال لهےبصيغة إنشاءوهی افعلوا کذا ، فهو كالو قال الصحابى
قال صلى الله عليه وسلم افعلوا ولفظ افعلوا الأصل فيه الايجاب عند الجمهور كما
عرف ، فلا وجه لتأويل كلام داود ، إلا أن يكون مذهبه فى الأصول أن الأمر
ليس للإيجاب فبحث آخر ، على أن افعلوا ونحوه ليس بحجة فى الايجاب، هذا
كله فما كان ذلك من الصحابى ( فاذا قال التابعى أمرنا هل يكون مرسلا؟ففيه
احتمالان للغزالى، وجزم ابن الصباغ فى الشامل أنه مرسل، وحكى فيما إذا قال ذلك
ابن المسيب وجهين) كأنه خص سعيداً من التابعين لأنه قد عرف منه أنه لا يقول
ذلك إلا مرفوعا ( وأما إذا قال الصحابى أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم)

- ٢٧٢ .-
أى بحذف المفعول (فلم يذكرها أهل الحديث) ولا كثير من أهل الأصول
وذكرها فى الفصول وجعلها مرتبة ثالثة بعد مرتبة قال رسول الله صلى الله عليه
وآ له وسلم، واعترض عليه بأنها ليست مرتبة غير مرتبة قال ، فان الأمر والنهى
قول، فاذا أسند إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم بصيغة الفاعل فهو إسناد
للقول قطعاً ( واختلف أصحابنا فيها: فذهب قاضى القضاة إلى حمل ذلك على
الاتصال وسماع الصحابى منه عليه السلام، وقال المنصور بالله : لانحكم له بذلك
ونجوز أنه ثبت له ذلك بسماع) فيتم الاتصال (أو بواسطة ثقة) فيكون مرسلا،
و إذا عرفت أن قوله أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مثل قال رسول الله
صلى الله عليه وآله وسلم كما سلف فهو محتمل كما قاله المنصور بخلاف أمرنا
(وقال الشيخ أحمد) الرصاص (يحمل على ثبوته) أى ثبوت رفعه (عنده)
عند التابعى ( بطريق قاطع من سماع أو تواتر) إذ حسن الظن يقضى بذلك،
إلا أنه لا يحتاج إلى القطع، لأن المرسل منفق على جوازه ، وإن لم يتفق على
حجيته ، ولا يشترط فيه الجزم، بل الذى يحصل بالظن
إذا عرفت هذا فقوله أمرنا كقوله قال لنا افعلوا ، وهو قول ، فاذا عارضه
أرجح منه قدم عليه ، وإلا فهو قول مقدم على الفعل والتقرير، وأما أمر رسول
الله صلى الله عليه وآله وسلم فهو دونه لاحتماله الارسال احتمالا قويا فاذا عارضه
أمرنا فهو أرجح .
٠
تنبيه - أما إذا قال الصحابى (( قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم)» ففى
كتب الأصول أن الظاهر عند الأئمة من أهل البيت والمعتزلة وبعض الأشعرية
سماعه منه صلى الله عليه وآله وسلم، أى فيكون مرفوعاً، لأنه سمعه بغير واسطة،
ذكر ذلك فى الفصول، إلا أنه لم يستدل له على قاعدته فى عدم ذكر أدلة
الأقوال ، ولا يخفى أن معنى ظهور اللفظ فى المعنى الذى دل عليه أنه الموضوع له
أو الذى قامت عليه واضحة ، فلا بد من تقديم مقدمة لمدعى ظهور لفظقال فى
المشافهة والسماع هى أنه موضوع للسماع ولا يستعمل فى غيره إلا مجازا ، والمعلوم
،

- ٢٧٣ -
لغة أن ((قال)) موضوع لنسبة القول إلى فاعله أعم من أن يكون السماع منه بلا
واسطة أو معها، فانه لاخلاف أنه يصح أن يقول القائل ((قال زيد كذا)) وإنلم
يسمعه منه ، وإنما كان معرفته أنه قاله بالواسطة كما يقال: قال الله تعالى ، قال
رسول الله صلى الله عليه وآله وساٍ ، فالظاهر احتماله للأمرين ، لا ظهوره فى
أحدهما ، ولذا إذا أريد المشافهة والسماع قال : قال لنا، وقال لى .
(مسألة- كنا نفعل ونحوه، إذا قال الصحابى (( كنا نفعل كذا)) فاما أن
يقيده بزمان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كقول جابر « كنا نعزل على عهد
رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم )) متفقٌ عليه ، فالذى اختاره المنصور بالله فى
الصفوة وقطع به الحاكم وغيره من أهل الحديث وغيرهم أن ذلك من قبيل المرفوع
وصححه الأصوليون مثل الشيخ أحمد فى الجوهرة والفقيه على بنعبد الله) أى ابن
أبى الخير شارح المختصر لابن الحاجب (وغيرهما والرازى والآمدى وأتباعهما
قال ابن الصلاح: وهو الذى عليه الاعتماد) ووجه ذلك قوله (لأن ذلك يشعر
بأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم اطلع على ذلك وقررهم عليه، وتقريره
أحد وجوه السنن المرفوعة، فانها) أى وجوه السنن ( أقواله وأفعاله وتقريراته
وسكوته() عن الانكار بعد اطلاعه) هكذا فى شرح زين الدين نقلا عن ابن
(١) قال البقاعى يذكر اعتراضاً على عبارة ابن الصلاح التى نقلها المصنف.
هنا وردا على هذا الاعتراض ، ما لفظه : فان قيل : كان من حقه حذف، الواو
ويقول ((وتقريره وهو سكوته - إلخ)) لأن ذلك هو التقرير ، قيل : المراد
بالتقرير هنا أن يحسن فعل الفاعل أو قول القائل ، بأن يقول : نعم مافعلت
أو نعم ماقات، أو أحسنت ، ونحو ذلك ، اهـ، وأنت إذا تدبرت فى هذا
الكلام وجدت أن ماذكره فى بيان معنى التقرير ليس مستقيما، وإنما هو
نوع من أنواع التقرير وضرب منه، ومنه السكوت أيضا، فلم يدفع جوابه
اعتراض المعترض .
١٨-١ تقبح

- ٢٧٤ -
الصلاح، وعبارته فى كتابه فانها أنواع منها أقواله صلى الله عليه وآ له وسلم ومنها
أفعاله، ومنها تقريراته، وسكوته عن الانكار بعد اطلاعه، فقوله ((وسكوته )»
عطف على تقريره بتقديروهى سكوته بيان لحقيقة التقرير وأنه عدم إنكاره لما علمه
من قول أو فعل أو تقرير صدرت من غيره وعرف صلى الله عليه وآ له وسلم بها
ولا بد من زيادة فيه وهو أنه لم يكن قد سبق منه إِنكارها، وعلم منه ذلك، لئلا
يدخل فيه سكوته عن مرور ذمى إلى كنيسة كما عرف فى الأصول ( قال ) أى
ابن الصلاح ( وبلغنى عن البرقانى) تقدم أنه بفتح الموحدة وكسرها نسبة إلى
برقانة قرية بخوارزم وقرية بجرجان ، وهو الامام الحافظ شيخ الفقهاء والمحدثين
أبو بكر أحمد بن محمد بن غالب الخوارزمى الشافعى شيخ بغداد سمع من الخلائق
منهم أبو بكر الاسماعيلى أخذ عنه بجرجان ، ومن جماعة بهراة ونيسابور ودمشق
ومصر، وصنف التصانيف ، وخرج على الصحيحين ، وأخذ عنه البيهقى والخطيب
وجماعة (أنه سأل الاسماعيلى) هو الامام الحافظ الثبت شيخ الاسلام أبو بكر أحمد
ابن إبراهيم بن إسماعيل الاسماعيلى الجرجانى كبير الشافعية بناحيته ، ولدسنة سبع
وسبعين ومائتين، سمع من أئمة ومنه أتّة منهم الحاكم والترمذى وغيرهما ، وله
معجم مروى، وصنف الصحيح وأشياء كثيرة، وله مستخرج على البخارى بديع ،
قال الحاكم: كان الاسماعيلى واحد عصره وشيخ المحدثين والفقهاء وأجلهم فى
الرياسة والمروءة والسخاء بلا خلاف بين علماء الفريقين ، مات غرة رجب سنة
إحدى وسبعين وثلثمائة عن أربع وتسعين سنة (عن ذلك) عن مثل قول الصحابى
(( كنا نفعل)» ( فأنكر كونه من المرفوع) قال البقاعى: أى أنكر هذا الاطلاق،
فان لفظ مرفوع إذا أطلق انصرف إلى كونه مضافة إلى رسول الله صلى الله عليه وآله
وسلمصريحاً، ولو سأله ماحكم هذا قال حكمه الرفع، قال: فيحمل عليه ابن الصلاح
تلزم الخطيب من أنه يريد ليس مرفوعا لفظاً، وهو مثل ما تقدم من قولهم (( من
السنة كذا)) فكأنه حينئذ موافق ليس بمخالف ( قال زين الدين : أما إذا كان

- ٢٧٥ -
فى القصة اطلاعه) أى النبى صلى الله عليه وآله وسلم (فحكمه الرفع إجماعا) لأنه
يعلم منه تقريره له، وبه تعرف أنه أراد بقوله فى أول المسألة (( فاما أن يقيده بزمان
رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم)» أن يطلع عليه ( وأما إذا لم يكن ذلك مقيداً
بوقت النبى صلى الله عليه وآله وسلم فذ كر المنصور بالله أن ذلك ليس بمرفوع)
لعدم العلم بتقريره صلى الله عليه وآله وسلم له ( ولكنه يفيد الاجماع فيكون حجة
وكذا قال صاحب الجوهرة) لكن لابد أن يعلم أن هذا الفعل الذى ذكره
الصحابى وقع بعد وفاته صلى الله عليه وآله وسلم إذ لا إجماع فى عصره صلى الله
عليه وآله وسلم كما على فى الأصول، وكما يأتى فى قوله ((والاجماع من بعده )» ثم
غايته أن يكون إجماعا سكوتياً لأنه معلوم عادة عدم اجتماع الأمة على فعل معين،
فالمراد كان أكثرهم أو بعضهم يفعل والآخرون مقرون لهم، فيكون إجماعاً سكوتياً
وفى كونه حجة نزاع فى الأصول (وقال) المنصور بالله ( أيضاً: إن قولهم («كانوا
يفعلون)» مثال هذا فى إفادة الرفع فى زمانه والاجماع من بعده ، وقال أهل الحديث:
ليس فى حكم المرفوع، قاله زين الدين) حكاية عن أهل الحديث أيضاً (وجزم به)
أى بعدم رفعه (الخطيب وابن الصلاح، وجعلاه) إذا لم يقيد بعصره صلى الله عليه
وآله وسلم (موقوفاً، وهو مقتضى كلام البيضاوى) لأنه جعله موقوفاً (وخالف
كثير من الأصوليين ) بل من أهل الحديث كما فى منظومة زين الدين وشرحها
( منهم الرازى والجوينى والسيف الآمدى ) فجعلوا منهم ذلك من قبيل المرفوع،
وإن لم يقيده بعصره صلى الله عليه وآله وسلم ( وقال به أيضاً كثير من الفقهاء كما
قاله النووى فى شرح المهذب ، قال : وهو قوى من حيث المعنى ، وقال ابن
الصباغ فى العدة: إنه الظاهر، ومثله بقول عائشة («كانت اليد لاتقطع فى السرقة
فى الشىء التافه ))) فى القاموس: تفه كفرح تفهاً وتفوهاً: قل وحقر ، والحديث
أخرجه إسحاق بن راهويه كما فى فتح البارى .
واعلم أن حاصل ماقيل فى المسألة أنه موقوف جزءاً ، والثانى التفصيل :
.

- ٢٧٦ -
إن أضافه إلى زمن الوحى فمرفوع عند الجمهور ، وإن لم يضفه إلى زمنه فموقوف،
قال الحافظ ابن حجر: وبقى مذاهب : الأول: أنه مرفوع مطلقاً، قلت : وهو
رأی الحا کم والجوینی ومن ذكر، قال: وهو الذى اعتمده الشيخان فی کتابیهما
وأكثر منه البخارى ، ومذهب ثالث ، وهو التفصيل بين أن يكون الفعل مما
لا يخفى غالباً فيكون مرفوعاً أو يخفى فيكون موقوفاً، وبه قطع الشيخ أبو إسحاق
الشيرازى ، وزاد ابن السمعاني فى كتاب القواطع فقال : إذا قال الصحابى
(( كانوا يفعلون كذا)) أو أضافه إلى عصر النبى صلى الله عليه وآله وسلم وكان مما
لا يخفى مثله فيحمل على تقرير النبى صلى الله عليه وآله وسلم ويكون شرعاً، وإن
كان مثله يخفى فان تكرر حمل أيضا على تقريره لأن الأغلب فيما يكثر أنه
لا يخفى ، ومذهب آخر ، هو : إن أورده الصحابى فى معرض الحجة حمل على
الرقم ، وإلا فهو موقوف، حكاه القرطبى ، وفى شرح المهذب للنووى : وظاهر
استعمال كثير من المحدثين وأصحابنا فى كتب الفقه أنه مرفوع مطلقاً ، سواء أضافه
أو لم يضفه، وهذا قوى، لأن الظاهر من قوله ((كنا نفعل)) أو (( كانوا يفعلون)
الاحتجاج به على وجه يحتج به ، ولا يكون ذلك إلا فى زمن رسول الله صلى الله
عليه وآله وسلم ، ويبلغه، انتهى ، قال الحافظ ابن حجر: ولم يتعرض الشيخ
ولا ابن الصلاح لقوله « ما كنانرى بالأمر الفلانى بأساً)» وكذلك جميع العبارات
المصدرة بالنفى ، وذلك موجود فى عباراتهم ، وحكمه حكم ماتقدم ، انتهى
(واختلفوا فى قول المغيرة بن شعبة (( كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله
وسلم يقرعون بابه بالأظافير))) أخرجه الحاكم فى علوم الحديث (فقال الحاكم هذا
يتوهمه من ليس من أهل الصنعة مسنداً مرفوعا لذكر رسول الله صلى الله عليه وآله
وسلم فيه، وليس بمسند بل هو موقوف، وذكر الخطيب فى) كتابه ( الجامع بين
آداب الراوى والسامع مثل ذلك) أى مثل كلام الحاكم ، إلا أنه- أى الخطيب.
رواه من حديث أنس ، والظاهر أنهم كانوا يقرعونه بالأظافير تأدباً ، وقيل:

- ٢٧٧ -
لأن بابه لم يكنله حلق يقرع بها ( قال ابن الصلاح: بل هو مرفوع، وهو بذلك
أحرى) أى هو أحق بأن يكون مرفوعامن قولهم ( كنا نفعل )» (لكونه جری
بإطلاعه صلى الله عليه وآله وسلم لأنه لا يخفى عليه) قرع بابه ( قال: والحاكم
معترف بأن ذلك من قبيل المرفوع) لأنه قد عد قوله((كنا نفعل)) من فوعا فهذا
أحرى منه (قلت : الصواب ما ذكره الحاكم والخطيب) من الحكم بوقفه ( وقد
وهم ابن الصلاح فى إلزام الحاكم) حيث قال: والحاكم معترف بأن ذلك من قبيل
المرفوع (فانه) أى الحاكم (إنما جعل قول الصحابى ((كنا نفعل)) مرفوعا)
وهو الذى وقع بسببه إلزام ابن الصلاح (لأنه) أى قولهم كنا نفعل (ظاهر فى
قصد الصحابة إلى الاحتجاج بذلك) وإلا لم يكن لذكره فائدة فى مقام الاحتجاج
به (والظن بالصحابى أنه لا يعتقد أن ذلك حجة إلا أن يطلع عليه الرسول
صلى الله عليه وآله وسلم) لعلمه بأن مجرد فعلهم من حيث هو فعلهم ليس بحجة
(الظن به ) أى الصحابى (أيضاً أنه لا يوهم الغير ذلك ) أنه حجة ( وليس
بصحيح) الظاهر أن يقول وليس بحجة فانه إن فعل ذلك (فيكون قد غرّ
من سمعه من المسلمين فى أمور الدين ) والظن فى الصحابة خلاف هذا ، قلت :
ولا يخفى أن هذا يشمل ما قيده الصحابى بعصره صلى الله عليه وآله وسلم وما لم
يقيده ( وأمافرع الصحابة لباب النبى صلى الله عليه وآله وسلم بالأظافير فليس
فيه تعليق لذلك بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم) كأنه يريد ليس فيه تعليق حكم،
ولكنه لما استشعر أن فيه حكما هو جواز قرع أبواب المسلمين بغير إذن منهم
فدفعه بقوله ( وأما الظن لاطلاع النبى صلى الله عليه وآله وسلم على ذلك وتقريره
عليه فيدل على جواز قرع أبواب المسلمين بغير إذن منهم، فلا يؤخذ) جواز ذلك
( من مجرد هذا الحديث) فإذا قال لا تعليق له بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم،
لأنه لا دلالة على علمه بالقرع وتقريره ( لأن الفرع بالأظافير خفى الصوت ، فاذا
اتفق مرات يسيرة فيحتمل أن لا يسمعه لاقباله على مهم من أمور الدين أو

٠٠
- ٢٧٨ -
تومه أو غير ذلك) قلت : لا يخفى بعد هذا أن العبارة تفيد أنه كان ذلك
عادة لهم ، فيبعد أن لا يطلععلى ذلك مع تكرره، وقد كان فى بيته يغلى ثوبه
ويعلف داجنه ويقم منزله، ثم إنهم لا يقرعونه إلا ليشعر وه بأنهم فى الباب ( بل
ليس فى الحديث أنهم كانوا يفعلون ذلك وهو فى البيت ، فلعلهم كانوا يخفون
الفرع أدباً مع نساء النبى صلى الله عليه وآله وسلم) ولا يخفى بُعد هذا التأويل
(وإن كان حاضراً) فى بيته (استأذنوا فقد كان أنس يخدم رسول الله صلى الله
عليه وآله وسلم ويستأذن لمن أراد أن يدخل عليه) يقال عليه: إنه كان يقع
هذا تارة وهذا تارة ، فانه قد يغيب الخادم أحيانا ويكون تارة داخل المنزل
فيقرعون الباب ليخرج فيستأذن لهم ( بل يحتمل أن ذلك فعل فى غيبة النبى
صلى الله عليه وآله وسلم عن المدينة) الظاهر من حديث المغيرة الاخبار عن
توقيرهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم أو تأدبهم معه، ولا يكون ذلك إلا وهو فى
منزله ( وإنما يظن اطلاعه وتقريره لو كان ذلك مستمراً، وكان الدق قويا بحيث
إن العادة تقضى برجحان سماعه ) لاخفاء أن قرب منزله من الباب يقضى بسماعه
القرع بالأظافير، ولو كان القرع لا يسمع لما فعلوه له ولا لنسائه كما تأوله ، وقد
-كان منزله صلى الله عليه وسلم لاصقاً بالأرض فيسمع منه خفق نعال من مر
فضلا عن قرعه بابه بأدنى قارع ( لبعد أن يستمر اتفاق ذلك) أى الذى دل
عليه كان يقرع كما قدمناه (وهو غائب) إذ الوارد إلى منزله وهو غائب قليل،
وحينئذ فلا يتم التأويل بأنه كان يفعل ذلك وهو غائب ، بل وهو حاضر فقيم
الاستدلال، فدفعه بقوله ( وبعد أن يتفق ذلك كثيراً وهو فى البيت وهو
لا يسمع) يقال عليه: ومن أين أنه كان لا يسمع ؟ ليس فى حديث المغيرة
ذلك ، بل إنما قرعوا ليسمع ، ويدل لسماعه قوله ( فقد كان بيته صلى الله
عليه وآله وسلم صغيراً فى نفسه وإن كان كبيراً فى قدره) لكبر قدرسا كنه
صلى الله عليه وآله وسلم، ولما كان ظاهر («كانوا يفعلون)» الاستمرار كما علم فى

- ٢٧٩ -
الأصول وقد نفاه بقوله ولو كان مستمراً دفع ذلك بقوله ( ولفظة كان لا تقتضى
ذلك) وكأنه يريد لفظة (( كان يفعل)» وإلا فلفظ كان لا يفيد الاستمرار إلا إذا
كان خبرها . ضارعاً لا مطلق كان (فقد يطلق على التكرار اليسير الذى لا يحصل
معه الظن) أى ظن اطلاعه صلى الله عليه وآله وسلم وتقريره، ولا يخفى أن
الأصل فى ((كان يفعل)) الدلالة على الاستمرار، وقد يخرج عنه للقرينة كما تفيده
عبارة المصنف، حيث قال ((فقد تطلق))، وأتى بقد ، ثم ظاهر كلامه أن المراد
استمرار الفرع ، والحديث إنما سيق لبيان أنها كانت عادتهم قرعه بالأظافير
فى إتيانبم إليه صلى الله عليه وآله وسلم ، ولا تعرُّضَ فيه لكثرة القرع نفسه أو
قلته، بل إنما يكون بحسب الحاجة حتى يسمع بقرعة أو أكثر (مع أن الحديث
صحيح المعنى من أراد أن يحتج به على مثل ذلك ) أى على جواز قرع أبواب
المسلمين من غير إذن منهم، لكن لا يخفى أنه لا يتم الاحتجاج به إلا مع علمه
صلى الله عليه وآله وسلم وتقريره، ولا حجة فى مجرد فعلهم ، وأما قوله (لموافقته)
أى الحديث المذكور (لاجماع المسلمين المعلوم، والله أعلم) فهو خروج إلى
الاستدلال بالاجماع فى عصره، ولا إجماع فيه ، وكأنه يريد أنه معلوم أن أهل
المدينة كانوا يقرعون الأبواب بعضهم على بعض ، وعلمه صلى الله عليه وآله
وسلم بذلك معلوم وتقريره معلوم، فهو رجوع إلى الاستدلال بتقريره صلى الله
عليه وآله وسلم بالاجماع(١) (قلت: وقد ذكر بعض أصحابنا) تقدم عن المنصور
وصاحب الجوهرة أنهما يقولان ( إن قول الصحابى كنا نفعل ظاهرٌ فى دعوى
الاجماع أيضاً) أى كماهو الظاهر فى الرفع (وذكره فى الجوهرة وغيرها لأنه يقتضى
بمفهومه أنهم فعلوا ذلك كلهم أو فعله بعضهم على وجه يعلمه الباقون ولم ينكروا)
فكان إجماعا سكوتيا (وليس) ما قالاه ( بجيّدٌ لأن هذه العبارة قد تطلق كثيراً
إذا فعل ذلك كثيرمنزم ) أو فعله بعضهم على وجه يظهر (وسكت الباقون،
(١) كذا فى الأصلين، ولعل أصل العبارة (( لا بالاجماع))

-- ٣٨٠ -
وإن سكتوا عن غير علم بذلك) ولا يكون إجماعا سكوتيا إلا إذا علموا ، ومن
أين يعلم أن كل واحد على ذلك ؟ وقد قدمنا قريباً من هذا وبحثنا فى حجية
الاجماع السكونى فى الدراية حاشية الغاية بما يضمحل به القول بأنه حجة
(وأما إذا قال الصحابى (( أوجب علينا أو حظر))) بالبناء للمجهول (أونحوها)
كأبيح لنا (فلم يذكرها أهل الحديث) وقد قدمنا ذكرها (وذكرها أصحابنا
فى خواص الصحابة ، وقالوا : إنها تحمل على الرفع ، إلا أن المنصور بالله شرط
فى ذلك أن يكون مما لا مساغ للاجتهاد فيها، حكاه عنه فى الجوهرة) وإن كان
الظاهر أنه مرفوع ، والاجتهاد احتمال مرجوح.
وها هنا فوائد يحسن ذكرها :
الأولى: قول الصحابى ((كنانرى كذا)) ينقدح فيها من الاحتمال
أكثر مما ينقدح فى قولنا (« كنا نقول، أو نفعل)» لأنها من الرأى، ومستنده قد
يكون تنصيصاً أو استنباطاً .
الثانية: قول الصحابى ((كان يقال كذا)) قال الحافظ المنذرى: اختلفوا
هل يلحق بالمرفوع أو بالموقوف ، قال: والجمهور على أنه إذا أضافه إلى زمن النبى
صلى الله عليه وآله وسلم، قال الحافظ ابن حجر: ومما يؤكد كونه مرفوعا مطلقاً
مارواه النسائى من حديث عبد الرحمن بن عوف، قال (( كان يقال : صائم رمضان
فى السفر كالمفطر فى الحضر)) ورواه ابن ماجة من الوجه الذى أخرجه عنه النسائى
بلفظ «قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم)» فدل على أنها عندهم من صيغ
الرفع ، والله أعلم.
الثالثة : أنه لايختص جميع ما تقدم بالاثبات ، بل يلحق به النفى، كقولهم
((كانوا لا يفعلون كذا)) ومنه قول عائشة ((كانوا لا يقطعون فى انسىء
التافه » وتقدم
(مسألة) - هذا الفرع الثالث (تفسير الصحابى) أى القرآن (اختلف أهل