النص المفهرس

صفحات 241-260

- ٢٤١ -
(ممن اعتقد صحة هذا) أى العموم والخصوص فى هذه الرسوم، كأنه يريد أن
هذه التسمية تفرعت عن اعتفاد العموم والخصوص فى رسوم هذه الأشياء
فلا يرد الاشكال على الفرع على من اعتقد صحة الأصل (وهذا لطيف) جداً
(فتأمله، وأورد) أبو الفتح اليعمرى وهو ( ابن سيد الناس) على ابن المواق
كما صرح به زين الدين والمصنف، قال ( على هذا) وهو ماسلف عن ابن دقيق
العيد وابن المواق ( إن الترمذى شرط فى الحسن أن يروى من وجه آخر ، ولم
يشترط ذلك فى الصحيح ، فانتفى أن يكون كل صحيح حسناً، انتهى ،قال
الحافظ ابن حجر: وهو تعقب وارد ورد واضح على من زعم التداخل بين
النوعين، قلت: تقدم للمصنف الرد على ابن المواق بأن الترمذى يشترط فى
رجال الصحيح من قوة العدالة وقوة الحفظ والاتقان ما لا يشترط فى رجال الحسن
إلى آخر كلامه، فأفاد أنه لا يقول الترمنی کل صحیح حسن (قال زين الدين:
فعلى هذا) أى على كون كل صحيح حسن (الأفراد الصحيحة ) أى التى لم تُرْو
إلا من وجه واحد ( ليست حسنة عند الترمذى) لأنها لم ترومن وجه آخر وهو
شرط الحسن عند الترمذى ، وذلك ( كحديث الأعمال بالنيات ) فانه فرد
بالنسبة إلى أول رتبة منه ، وما بعدها من رتبه، فانه تفرد به عنه صلى الله عليه
وسلم عمر بن الخطاب، ثم تفرد به عن عمر علقمة، واستمر التفرد إلى يحيى بن
سعيد (و) حديث (السفر قطعة من العذاب) فانه تفرد به مالك (و) حديث
(ثى عن بيع الولاء وعن هبته) فانه تفرد به عبد الله بن دينار (قال) أى
زين الدين (وجواب ما اعترض به) أى ابن سيد الناس (أن الترمذى إنما
يشترط ذلك فى الحسن) أى مجىء الحسن من وجه آخرا (إذا لم يبلغ مرتبة
الصحيح، فان بلغها لم يشترط ذلك) فليس شرطه ذلك فى الحسن مطلقاً ( بدليل
قوله) أى الترمذى (فى مواضع) من جامعه ( هذا حديث حسن صحيح غريب
فلما ارتفع إلى) رتبة ( الصحة أثبت ) له ( الغرابة باعتبار فرديته) انتهى كلام
(٢- ١٦ تنقيح)
٦
٠

- منبـ ٢٤٢ -
لزين، فهذا صريح فى أنه يصف الحديث بأنه حسن إذا بلغ رتبة الصحيح وإن
لم يأت إلا من وجه واحد ، قال المصنف (وعندى جواب آخر) يُوجه به جمع
الترمذى بين الحسن والصحة فى صفة حديث واحد (وهو أن يريد الترمذى أن
الحديث صحيح فى إسناده، ومتنُهُ) مبتدأ خبره ( حسن فى الاحتجاج به على
ماقصد الاحتجاج به فيه ويكون هذا الحسن هو الحسن اللغوى دون الاصطلاحى)
تقدم تفسير الحسن اللغوى بأنهما تميل إليه النفس ولا يأباه القلب، وهو صفة اللفظ،
وليس من مدلولها الاحتجاج به، ولا يرد على هذا ما أورده الشيخ تقي الدين على ابن
الصلاح حيث حمل الحسن على اللغوى، وهو (من لزوم تحسين الموضوع لأن الموضوع)
وإن كان قد يكون حسناً لغة لكنه ( لا يحسن الاحتجاج به لأن ابن الصلاح
أطلق الحسن اللغوى) وقد قيده المصنف به لاخراج الموضوع (ولم يقيده)
ابن الصلاح ( بحسن الاحتجاج، فورد على إطلاقه والله أعلم ) قلت : "إلا أنه
لا يخفى أن زيادة قيد حسن الاحتجاج ليس من مدلول الحسن اللغوى ، كما أشرنا
إليه، فهذا معنى للحسن آخر ليس لغوياً، ولا هو الاصطلاحى المعروف ، أوقال
الحافظ ابن حجر ، نقلا عن غيره: وقيل يجوز أن يكون مراده أن ذلك باعتبار
وصفين مختلفين ، وهما الاسناد والحكم، فيريد حسن باعتبار إسناده ، صحيح
باعتبار كونه من قبيل المقبول، وكل مقبول يجوز أن يطلق عليه اسم الصحة ،
انتهى ( وهذا الجواب عندى أرجحها لأنه لا يرد عليه شىء من الاشكالات)
إلا ما عرفته من أنه ليس مدلوله ذلك لغة، وكذلك يرد عليه أنه إذا كان الحديث
صحيح الاسناد والمتن فالاحتجاج به معلوم لا يفتقر إلى ذكره، ولأنه لم يأت فى
. اصطلاحهم وصف الحديث بالحسن مراداً به حسن الاحتجاج به ، ولا يحمل
كلامهم إلا على اصطلاحهم ، ولأنه قد يكون الحديث صحيح الاسناد والمتن
ويخار عن الحسن اللغوى بأن يكون لفظه غريباً فان الغريب لا يميل إليه النفس،
ثم إنه كان الأولى على تقدير إرادة ما ذكره المصنف أن يقال صحيح حسن
١
1

- ٢٤٣ -
لا حسنصحیح لأن حسن الاحتجاج فرع عن صحته .
(فان قيل: يرد عليه) أى على هذا الجواب ( أنه يلزم منه أن يقول ) أى
الترمذى ( فی الحديث الحسن:هذا حديث حسن حسن مرتین ، أحدهما یعنی بها
الحسن الاصطلاحى، والأخرى يعنى بها الحسن اللغوى) قد عرفت مماسلف أن
الاشكال وارد على جمع الوصف للحديث بين صفتى الحسن والصحة ، وأنه أجاب
المصنف بأن المراد بالحسن حسن الاحتجاح به وبالصحة صحة إسناده ، أومتنه
حسن للاحتجاج به ، وهذا السؤال وارد على انفراده بصفة الحسن ، وليس فيه
إشكال ، ومعلوم أنه لا يريد أن السؤال هذا وارد على محل الاشكال ، وأنه
یرید أنه يلزم أن يقال حديث حسن حسن صحيح واحتمال إرادته هذا تكلف
(فالجواب أنه يجوز أن يريدهما) أى الحسن اللغوى والاصطلاحى ( بلفظ
واحد کما لو صرح بذلك فقال هذا حديث حسن إسناده والاحتجاج به ) قد
عرفت أن الاحتجاج به ليس معناه اللغوى (لأن الحسن الاصطلاحى بعض.
أنواع الحسن اللغوى) قد ينازع فى هذا ويقال : بينهما عموم وخصوص من وجه
لوجود الحسن اللغوى فى الموضوع، ووجود الحسن الاصطلاحى فيما كان فى لفظه
غرابة، واجتماعهما فيما حسن إسناده وفيما تميل النفس إليه ولا يأباه القلب
(وليس لحسن مشتركا بينهما، مع أن كثيراً من العلماء أجازوا فى المشترك )
لو فرضده مشتر كا بينهما ( أن يعبر به عن كلا معنييه، وهو اختيار الأصحاب)
يريد الزيدية وعبر بذلك هنا وفيما سلف وقدمنا رأيه فى هذا ( فى لفظة مولى فى
حديث من كنت مولاه فعلى مولاه) أخرجه جماعة من أئمة الحديث منهم أحمد
والحاكم من حديث ابن عباس، وابن أبى شيبة وأحمد من حديث ابن عباس
عن بريدة، وأحمد وابن ماجة عن البراء، والطبرانى وابن جرير وأبو نعيم عن
جندع الأنصارى ، وابن قانع عن حبشى بن جنادة ، وأخرجه أئمة لا يأتى عليهم
العد عن جماعة من الصحابة وقد عده أئمة من المتواتر (وهذا بحث أصولى)

- ٢٤٤ -
أى كون المشترك يطلق على معنبيه أولا، فانه من مسائل الخلاف فى الأصول الفقهية ،
لكن لا يخفى أن هذا يتوقف على معرفة رأى الترمذى فى اللفظ المشترك.
، واعلم أنه قد أجاب الحافظ ابن حجر جوابا حسناً عن جمع الترمذى بين
صفتى الحسن والصحيح للحديث ، فقال فى النخبة وشرحها : فان جمعا فالتردد فى
الناقل : هل اجتمت فيه شروط الصحة أو قصر عنها؟ وهذا حيث التفرد بتلك
الرواية، وإلا يحصل التفرد فباعتبار إسنا دين أحدهما حسن والآخر صحيح
قال : وعلى هذا فما قيل فيه حَسَن صحيح فوق ماقيل فيه صحيح فقط إذا كان
فرداً لأن كثرة الطرق تقوى أى تقوى الحديث من رتبة الصحيح إلى رتبة الأصح ا
( ثم إنّ بعدُ) أى بعد ماذكرت ماسلف فحذف المضاف إليه وبنيت
بعد على الضم (وقفت على كلام جيد يتعين المصير إليه) إلا أنه كلام
فى وصف الترمذى للحديث بالحسن وليس له إلا طريق واحد مع قول
الترمذى فى الحسن: إنه الذى يروى من غير وجه مع سائرما ذكر من شروطه
مع أنه يقول فى بعض الأحاديث ((حسن لا نعرفه إلا من هذا الوجه)) لا أنه.
كلام فى إشكال جمعه بين الحسن والصحيح الذى هو الاشكال الأصلى، وقد
أجاب عنه ابن حجر بأجوبة أخروما تعقبها ثم قال: وفى الجملة أقوى الأجوبة جواب
ابن دقيق العيد ( ذكره) أي الكلام الجيد ( حافظ العصر ) أى عصره وعصر
المصنف فانهما كانا فى عصر واحد ، وتوفى المصنف قبله ، فانه توفى فى اليوم
الرابع والعشرين من شهر محرم غرة سنة أربعين ونمانمائة ، وتوفى الحافظ فى اليوم
الثامن والعشرين من ذى الحجة سنة اثنين وخمسين وثمانمائة (العلامة الشهير بابن
حجر فى شرح مختصره) يريد شرج النخبة ( فى علم الحديث فقال مالفظه : فان
قيل: قد صرح الترمذى بأن شرط الحسن أن يروى من غير وجه فكيف يقول
فى بعض الأحاديث حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه ) فان هذا يتقضى
بأن هذا الحسن لم يرد إلا من طريق واحد كما هو شرط الغريب ( الجواب أن

- ٢٤٥ -
الترمذى لم يعرف الحسن مطلقا) بمانقله عنه المصنف قريبا ناسباله إلى ابن حجر
( وإنما عرف بنوع خاص منه وقع فى كتابه وهو مايقول فيه حسن من غير صفة
أخرى) مضمومة إليه من صحيح وغريب ، فلا يرد ما أورده ابن سيد الناس
اليعمرى من إيراده الذى سلف قريباً (وذلك لأنه يقول فى بعض الأحاديث
حسن وفی بعضها صحیح وفی بعضها غر یب ، وفى بعضها حسن صحيحغريب،
إلى آخرِ الأقسام) اختصر المصنف عبارة ابن حجر وعبارته هكذا : وفى بعضها
حسن غريب وفى بعضها صحيح غريب وفى بعضها حسن صحيح غريب،
(وتعريفه) أى الترمذى (إنماوقع على الأول) وهو حيث يفرد الحسن ، هذا كلامه،
ثم قال (وعبارته) أى الترمذى ( ترشد إلى ذلك، حيث قال فى آخر كتابه
وما قلنا فى كتابنا حديث حسن فانما أردنا بأن حسن إسناده عندنا ، وكل)
استئناف ، وهو هكذا فى الترمذى ، وفى شرح النخبة نقلا عن الترمذى
((لأن كل)) إلى آخره (حديث) يروى (ولا يكون راويه متهماً بكذب)
لفظ الترمذى ( ولا يكون فى إسناده من يتهم بالكذب ولا يكون الحديث شاذاً
ويروى )» إلى آخره ، فوقع تقديم وتأخير وإبدال فيما نقل من عبارته كأنه نقل
بالمعنى (ويروى من غيروجه) أى بل من أوجه كثيرة ، والمراد فوق الواحد
(نحو ذلك ولا يكون شاذاً) تمامه «فهو عندنا حديث حسن)) وما كان يحسن
حذف المصنف له لأنه خبر قوله ((كل حديث))/ثم قال الحافظ بعدهذا: فعرف
بهذا أنه إنما عرف الذى يقول فيه ((حسن )) فقط ، أما ما يقول فيه « حسن
صحيح)) أو ((حسن غريب)) أو (حسن صحيح غريب)) فلم يعرج على
تعريفه كما لم يعرج على تعريف ما يقول فيه ((صحيح)) فقط أو (( غريب))
فقط ، وكأنه ترك ذلك استغناء به لشهرته عند أهل هذا الفن ، واقتصر على
تعریف مایقول فی کتابه « حسن )) فقطلغموضه، وإما لأنه اصطلاح جدید ،
ولذلك قيده بقوله ((عندنا)» ولم ينسبه إلى أهل الحديث كما فعل الخطابى،
٠

- ٢٤٦ -
وبهذا التقرير يندفع كثير من الايرادات التى طال البحث فيها، ولم يُسْفُر وجه
توجيهها ، انتهى كلام الحافظ ، وهو حسنٌ، إلا أنه مبنى على أنه لم يقل الترمذى
(( حسن)) فقط إلا فى حديث يرويه من وجوه فليطالع الترمذى، وقد تتبعت
مواضع فوجدت كلام الحافظ فى إفراده الحسن صحيحاً، ولم أستوف ذلك.
٢٠
مسألة
[ فى بيان القسم الثالث، وهو الحديث الضعيف ]
(القسم الثالث ) من الثلاثة الأقسام، وقد تقدم الصحيح والحسن، وهذا
القسم ( فى الضعيف ، قال ابن الصلاح: ما لم يجمع صفات الصحيح ولا صفات
الحسن فهو ضعيف، قال زين الدين) تعقباً له (ذكر الصحيح غير محتاج إليه)
فى بيان الضعيف ( لأن ما قصر عن الحسن فهو عن الصحيح أقصر) وأجاب
عن ذلك بعض من عاصر الحافظ ابن حجر فقال : مقام التعريف يقتضى ذلك ،
إذ لا يلزم من عدم وجود وصف الحسن عدم وجود وصف الصحيح، إذ
الصحيح بشرطه السابق لا يسمى حسناً فالترديد متعين ، قال : ونظيره قول
النحويين إذا عرف الحرف بعد تعريف الاسم والفعل: فالحرف مالا يقبل شيئاً
من علامات الاسم ولا من علامات الفعل ، انتهى . وأقول : النظير غير مطابق
لأنه ليس بين الاسم والفعل والحرف عموم ولا خصوص، بخلاف الصحيح والحسن،
فقدقررنا فيما مضى أن بينهما عموما وخصوصاً ، وأنه يمكن اجتماعهما وانفراد كل
منهما ، بخلاف الاسم والفعل والحرف . والحق أن كلام المصنف - يعنى
ابن الصلاح - معترض ، وذلك أن كلامه يقتضى أن الحديث حيث تنعدم
فيه صفة من صفات الصحيح يسمى ضعيفاً، وليس كذلك ، لأن تمام الضبط

- ٢٤٧ -
مثلا إذا تخلف صدق أن صفات الصحيح لم تجتمع ويسمى الحديث الذى
اجتمعت فيه الصفات سواه حسناً لا ضعيفاً ، وما من صفة من صفات الحسن
إلا وهى إذا انعدمت كان الحديث ضعيفاً، ولو عبر بقوله « حديث لم تجتمع فيه
صفات القبول)) لكان أسلم من الاعتراض وأخصر، انتهى ( وإن كان بعضهم
يقول إن الفرد الصحيح لا يسمى حسناً على رأى الترمذى فقد تقدم رده) هذا
من كلام زين الدين دفعاً لما يقال: لو اقتصر ابن الصلاح على قوله (( ما لم يبلغ
صفات الحسن)) للزم أن يدخل الفرد الصحيح فى رسم الضعيف ، لأنه لم يبلغ
صفات الحسن، فإذا لم يسم حَسَنًا ، فأجاب زين الدين بأنه قد تقدم رد هذا
وأنه يسمى الفرد الصحيح حسنًا ( قلت: لا اعتراض على ابن الصلاح ، فانه.
لا يلزمه أن يحدّ الضعيف على رأى غيره، وإنما كان يلزمه لو كان يرى أن كل
صحيح حسن، أو كان الدليل على أن كل صحيح حسن قاطعاً ملتزما لكل
مكاف أن يسميه بذلك ) قد عرفت أن زين الدين قال فى اعتراضه: إن ذكر
عدم بلوغ الحديث رتبة الحسن يفيد أنه لم يبلغ درجة الصحيح ، لأن الصحيح
أخص من الحسن ، وإذا انتفى الأعم انتفى الأخص ، ضرورة انتفاء الأخص
عند انتفاء الأعم ، والمصنف اعترضه بأنه لا يرد على ابن الصلاح ما أورده
إلا بأحد أمرين: الأول أن يكون رأى ابن الصلاح أن كل صحيح حسن أو
بأن يقوم على ذلك دليل قاطع، ولم يوجد أحد الأمرين كما أفاده قوله ( وليس
كذلك) أى ليس واحد من الأمرين، وجوداً ( وإنما هذا الكلام فى اصطلاح
أهل الأثر، ولم يصطلحوا كلهم على أن كل صحيح حَسَن ) هذا كلام جيد ،
إلا أن الذى تفيده عبارة ابن الصلاح أنه يقول بأن الصحيح أخص من
الحسن، فانه قد تقدم عنه أنه قسم الحسن إلى قسمين وأفاد فيما ذكره أخصية
الصحيح ، ثم قال فى آخر كلامه « ومن أهل الحديث من لا يفرد نوع الحسن
ويجعله مندرجأ فى أنواع الصحيح لاندراجه فى أنواع ما يحتج به)) وهذا مع

- ٢٤٨ -
مافصله هنالك يقضى بأن ابن الصلاح رأيه رأى من يقول بأن كل صحيح
حسن، فيتم الاعتراض عليه، على أنه وإن سلم أنه يقول إن الصحيح والحسن
متحدان فالاعتراض وارد عليه لا غناء ذكر أحدهما عن الآخر .
(فهذا كلامٌ ◌ُجْلى فى تعريف الضعيف ، وأما التفصيلى فنقول: شروط
الصحيح والحسن سته) وهى: الضبط، والعدالة ، والاتصال ، وفقد الشذوذ ،
وفقد العلة ، وعدم العاضد عند الاحتياج ، كذا عدها البقاعى ، وهى شروط
القبول ، وشروطه شروط الحسن والصحيح ( فإذا اختل شرط منها فأكثر
ضعف الحديث) قلت : يشكل هذا بما إذا فقد تمام الضبط، فانه من شروط
الصحيح ، وإذا فقد بأن خف صار الحديث حسنا، وعبارة الزين («أقسام
الضعيف ما فقد فيه شرط من شروط القبول قسم ، وشروط القبول هى شروط
الصحيح والحسن )) انتهى ، فلا إشكال فى عبارته ، ولا يرد عليه ما ذ کرنا
لأنه إذا خف الضبط فالحديث مقبول ، لأنه حسن ، فلا يكون الحديث ضعيفاً
على هذا الكلام ، إلا إذا فقدت فيه شروط الصحيح وشروط الحسن ولا إِشكال
( فالضعيف باعتبار اختلال شرط من شروطهما ستة أسباب : أحدها عدم
الاتصال) الذى هو أول شروط الصحيح ، زاد الزين حيث لم يتميز المرسل بما
يؤكده، وكأن المصنف اكتفى عن هذا الشرط بقوله (على الخلاف كما سيأتى)
فى بحث المرسل (وثانيها : عدم عدالة الرجال ) وهو ثانى شروط الصحيح،
قلت: وهذه عبارة الزين، وكان الأحسن أن يقال ((الرواة)) ليشمل النساء
تغليباً ، ولا يتأتى ذلك فى لفظ الرجال ( وثالثها: عدم سلامتهم من كثرة الخطأ
وكثرة الغفلة) هذه عبارة الزين ، وقال الحافظ ابن حجر : بل التعبير هنا
باشتراط الضبط أولى ، انتهى . قلت : وجهه أنه يوافق ما سلف فى رسم
الصحيح من قولهم ((نقل عدل ضابط)) (ورابعها: عدم مبئه من وجه آخر
حيث كان فى لااسناد مستورلم تعرف أهليته وليس متهماً بالكذب) عبارة

١
- ٢٤٩ -
الزين (« وليس متهماً بالغلط)) قال الحافظ ابن حجر: وكذا إذا كان فيه ضعف
بسبب سوء الحفظ ، أو كان فى الاسناد انقطاع خفيف أو خفى، أو كان مرسلا
كما قررنا ذلك فى الكلام على الحسن المجبور (وخامسها: الشذوذ، وسادسها:
العلة) وسيأتى بيان معنى الشذوذ والعلة ( وللضعيف باعتبار هذه الأسباب أقسام
كثيرة) قال الحافظ ابن حجر : تلخيص التقسيم المطلوب أن قيد الأوصاف
راجع إلى ما فى راويه طعن، أو فى سنده سقط ، فالسقط : إما أن يكون فى أوله
أو فى آخره أو فى أثنائه، وبيانه فى كلام المصنف (لأن عدم الاتصال) أى
اتصال الحديث بالراوى ( يدخل تحته قسمان: المرسل) زاد زين الدين الذى لم
يجبر (والمنقطع، على الخلاف فيهما كما سيأتى) بل ويدخل فيه المدلس والمعلق
والمعلل (وما انضم إليه سبب آخر مع السبب المتقدم) وهو عدم الاتصال
(قسم آخر) باعتبار ماانضم إلى الأول (ويدخل تحته) تحت هذا القسم (اثنا
عشر قسما لأن فقد العدالة ) الذى هو السبب الثانى من الستة الأسباب إذا
انضم إلى السبب الأول (يدخل فيه الضعيف) إذ الضعيف مفقود العدالة
(والمجهول) فانه مفقودها أيضاً (وهذه أقسامه ) أى أقسام القسم الذى
انضم إليه سبب آخر من الأسباب الستة بعد عدم الاتصال ، وهى اثنا عشر.
(الأول المنقطع) ويقال له المقطوع كما يأتى، وهو قول التابعى وفعله (الثانى
المرسل) يأتى أنه قول التابعى (قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم )) هذا
عند أكثر المحدثين ، ويأتى فيه خلاف ، فهذان قسمان فقد فيهما الاتصال
( الثالث مرسل فى إسناده ضعيف) هذا مما انضم إليه سبب آخر مع السبب
المتقدم، ومثله ( الرابع منقطع فيه) راو (ضعيف) يأتى بيانه ( الخامس مرسل
فيه) راو ( مجهول) يأتى تقسيمه إلى مجهول عين وعدالة (السادس منقطع فيه)
راو ( مجهول ) إلى هنا أقسام فقد السبب الأول مع فقد الثانى، وهذه أقسام فقد
السبب الأول أيضاً مع فقد السبب الثالث: الأول منها قوله (السابع مرسل فيه)
-

- ٢٥٠ -
راو ( مغفل) يأتى بيانه (كثير الخطأ وإن كان عدلا) إذ لا ملازمة بين العدالة
وعدم التغفيل ( الثامن) وهو الثانى مما فقد فيه الأول والثالث (منقطع فيه
مغفل كذلك) أى كثير الخطأ وإن كان عدلا ( التاسع) وهو الأول ممافقد فيه
الأول والرابع (مرسل فيه مستور) يأتى بيانه (ولم ينجبر بمجيئه) أى الخبر
(من وجه آخر، العاشر) وهو الثانى مما فقد فيه الأول والرابع (منقطع فيه
مستور ولم يجىء من وجه آخر، الحادى عشر) وهو الأول مما فقد فيه الأول
ووجد فيه الخامس (مرسل شاذ، الثانى عشر) وهو الثانى مما فقد فيه الأول
ووجد فيه الخامس (منقطع شاذ، الثالث عشر) وهو الأول مما فقد فيه الأول
ووجد فيه السادس (مرسل معل) من العلة يأتى بيانها (الرابع عشر) وهو
الثانى مما فقد فيه الأول ووجد فيه السادس (منقطع معل ، فهذا ما اجتمع فيه
سببان مضعفان) هما عدم الاتصال وما انضم إليه .
واعلم أنها أربعة عشر قسما، لأنك تضم عدم الاتصال إلى كل واحد من
الخمسة الأسباب تحصل خمس صور ، ثم تضم المنقطع إلى كل واحد من الخمسة
تحصل خمس أخرى، كانت عشراً ، ثم قد عرفت أن الضعيف والمجهول قد
دخلا تحت فقد العدالة ، فتهم عدم الاتصال إليهما يحصل قسمان ، ثم تضم
المنقطع إليهما يحصل قسمان كانت أربعة عشر، وهى التى سردها المصنف .
إذا عرفت هذا نظرت ما المراد من قول المصنف (« إنه يدخل تحت هذا .
القسم اثنا عشر)) فان الحاصل أربعة عشر، وعبارة المصنف والأعداد هى
بعينها عبارة الزين وأعداده.
( وما اجتمع فيه ثلاثة) مضعفات ( يدخل تحته عشرة أقسام، وهى هذه)
ما عدا أربعة منها (مضمومة) فى التعداد ( إلى ما تقدم) من الصور الأربعة
عشر، أولها (الخامس عشر: مرسل شاذ، وفيه عدل مغفل كثير الخطأ ) فقد
فُقِدَ فيه الأول من الستة الأسباب والثالث ووجد فيه الخامس من ذى الثلاثة ،

-- ٢٥١ --
( السادس عشر: منقطع شاذ فيه مغفل كذلك) أى كثير الخطأ فقدْ فقدَ فيه
الأول والثالث ووجد فيه ما وجد فى المثال الأول الخامس عشر (السابع عشر:
مرسلٌ معلٌّ فيه ضعيف) فقدْ فقدَ فيه الأول والثانى ووجد فيه السادس
( الثامن عشر: منقطع معل فيه مضعف) هو كالذى قبله فقداً ووجوداً ، وإنما
خالفه بأنه منقطع ( التاسع عشر : مرسل معل فيه مجهول ) فقدْ فقدَ الأول
والثانى ووجد فيه السادس ( العشرون : منقطع معل فيه مجهول ) هو كالذى قبله
فقداً ووجوداً إنما تفاونا أنقطاعا وإرسالا ( الحادى والعشرون : مرسل معل فيه
مغفل كذلك) أى كثير الخطأ ، فقد فيه الأول ووجد فيه الثالث والسادس
( الثانى والعشرون : منقطع معل فيه مغفل كذلك) هو كالذى قبله فقداً
ووجوداً ( الثالث والعشرون: مرسل معل فيه مستور ولم ينجبر) فقد فيه الأولى
ووجد السادس والرابع مع شرطه ( الرابع والعشرون : منقطع معل فيه مستور
كذلك) أى لم ينجبر بمجيئه من وجه آخر، وهو كالذى قبله فقداً ووجوداً »
لا يخفى أنه قد سبق للمصنف أن فى اجتماع الثلاثة عشر صور، والرابع والعشرون
العاشر منها لكن الخامس والعشرون والسادس والعشرون منها كما ترى قوله
( الخامس والعشرون : مرسل شاذ معل) فقد فيه الأول ووجد فيه الخامس
والسادس (السادس والعشرون: منقطع شاذ معل) هو كالأول فيما ذكر، ولا
يخفى أنها صارت أقسام ما أجتمع فيه ثلاثة اثنى عشر قسما، وأما زين الدين فه
العشر الصور إلى الرابع والعشرين، ثم قال « وهكذا فافعل إلى آخر الشروط»
فخذ ما فقد فيه الشرط الأول - وهو الاتصال - مع شرطين آخرين غير
ما تقدم، وهما السلامة من الشذوذ والعلة ، ثم خذ مافقد فيه شرط آخر مضموما إلى
فقد هذه الشروط الثلاثة ، وهى هذه ، ثم ذكر الخامس والعشرين والسادس
والعشرين والسابع والعشرين والثامن والعشرين (السابع والعشرون: مرسل
شاذ معل فیه مغفل کثیر الخطأ) فهذا اجتمعت فیه أربعة ، کما اجتمعت فى قوله
٠

- ٣٥٣ -
( الثامن والعشرون : منقطع شاذ معل فيه مغفل كذلك) أى كثير الخطأ ،
فهذان مثالان لما اجتمعت فيه أربعة ، وقدمنا كلام الزين فى هذا ، وأما
المصنف فسرد ما تراه من غير تنبيه ، ثم قال زين الدين بعد هذا «ثم عُدْ
فابدأ بما فقد فيه شرط واحد غير ما بدأت به أولا ، وهو ثقة الراوى وتحته
قسمان ، وهما ( التاسع والعشرون: ما فى إسناده ضعيف ، الثلاثون : ما فيه
مجهول) فهذان القسمان فقد فيهما عدالة الراوى ، ثم قال زين الدين (( ثم زد
على فتد عدالة الراوى فَقْدَ شرط آخر غير ما بدأت به ، وتحته قسمان » وهما
( الحادى والثلاثون : ما فيه ضعيف وعلته ، الثانى والثلاثون : ما فيه مجهول
وعلنه) ثم قال زين الدين ((ثم كمل هذا العمل الثانى الذى بدأت فيه بفقد
الشرط المثنى به كما كملت الأول، أى تضم إلى فقد هذين الشرطين فقد شرط
ثالث ، ثم عد فابدأ بما فقد فيه شرط آخر غير المبدو به والمثنى به، وهو سلامة
الراوى من الغفلة ، ثم زد عليه وجود الشذوذ أو العلة أو هما معاً، ثم عد فابدأ
بما فقد فيه الشرط الرابع ، وهو عدم مجيئه من وجه آخر حيث كان فى إسناده
مستور، ثم زد عليه وجود العلة ، ثم عد فابدأ بما فقد فيه الشرط الخامس ، وهو
السلامة من الشفوذ، ثمرد عليه وجود العلة بعد، ثم اختم بفقد الشرط السادس،
ويدخل تحت ذلك عشرة أقسام ، وهى ( الثالث والثلاثون : شاذ معل فيه عدل
مغفل كثير الخطأ ، الرابع والثلاثون : مافيه مغفل كثير الخطأ) زاد الزين
معل كثير التساهل ( الخامس والثلاثون : شاذ فيه مغفل كذلك) أى كثير
الخطأ (السادس والثلاثون: معل فيه مغفل كذلك) كثير الخطأ (السابع
والثلاثون : شاذ معل فيه مغفل كذلك) كثير الخطأ (الثامن والثلاثون: ما فى
« إسناده مستور لم تعرف أهليته ولم یرو من وجه آخر ، التاسع والثلاثون : معل فيه
مستور كذلك) أى لم تعرف أهليته ولم يرو من وجه آخر (الأربعون: الشاذ،
الحادى والأربعون : الشاذ المعل، الثاني والأربعون المعل ، فهذه أقسام
:

- ٢٥٣ -
الضعيف باعتبار الانفراد والاجتماع، ذكرها الحافظ زين الدين ، قال : وقد
تركت من الأقسام التى يظن أنه ينقسم إليها بحسب اجتماع الأوصاف عدة
أقسام هى اجتماع الشذوذ ووجود ضعيف أو مجهول أو مستور فى سنده ، لأنه
لا يمكن اجتماع ذلك على الصحيح ، لأن الشذوذ تفرد الثقة ، ولا يمكن وصف
ما فيه راو ضعيف أو مجهول أو مستور بأنه شاذ ، والله أعلم ) انتهى كلام
زین الدین .
( قلت : ومن أقسام الضعيف ماله لقب خاص كالمضطرب والمقلوب
والموضوع والمنكر، وهو بمعنى الشاذ كما سيأتى) قلت: هذا بلفظه كلام الزين،
فلا وجه لفصل قوله ( قال زين الدين : وعدّ أبو حاتم محمد بن حبان البستى أنواع )
الحديث ( الضعيف تسعة وأربعين نوعا) هذا نقله زين الدين من كلام
ابن الصلاح، ولفظه ((وأطنب أبو حاتم البُسْتى فى تقسيمه ، فبلغ به خمسين قسما
إلا واحداً)) قال عليه الحافظ ابن حجر: لم أقف على كلام ابن حبان فى ذلك،
وتجاسر بعض من عاصر ناه فقال: هو فى أول كتابه فى الضعفاء ، ولم يصب فى
ذلك ، فان الذى قسمه ابن حبان فى أول كتاب الضعفاء له تقسيم الأسباب
الموجبة لتضعيف الرواة ، لا تقسيم الحديث الضعيف ، ثم إنه بلغ الأقسام
المذكورة عشرين قسما، لا تسعة وأربعين ، والحاصل أن الموضع الذى ذكر
فيه ابن حبان ذلك لم نعرف موضعه ، انتهى.
( قلت: لعله) أى ابن حبان ( عدّ ما ترك الزين مما تحتمله القسمة
العقلية، ويمنع عرفهم من اجتماعه، والله أعلم) حتى أبلغها تسعة وأربعين.
فائدة - قال الحافظ ابن حجر: تنبيهات: الأول: قولهم (ضعيف
الاسناد)) أسهل من قولهم ((ضعيف)) على حد ما تقدم من قولهم ((صحيح
الاسناد) و(( صحيح)) ولا فرق، الثانى: من جملة صفات القبول التى لم
يتعرض لها شيخنا - يريد زين الدين - فى منظومته وشرحها أن يتفق العلماء

--- ٢٥٤ -
على العمل بمدلول حديث ، فانه يقبل حتى يجب العمل به ، وقد صرح بذلك
جماعة من أئمة الأصول ، ومن أمثلته قول الشافعى رحمه الله: «وماقلت من أنه
إذا غير طعم الماء وريحه ولونه يروى عن النبى صلى الله عليه وآله وسلم من وجه
لا يثبت أهل الحديث مثله ، ولكنه قول العامة ، لا أعلم منهم فيه خلافا»،
وقال فى حديث (( لا وصية لوارث)): لا يثبته أهل العلم بالحديث ، ولكن العامة
تلقته بالقبول وعملت به ، حتى جعلته ناسخاً لآية الوصية للوارث ، ثم ذكر
الثالث من التنبيهات وعدّ فيه ماقيل فيه « إنه أو هى الأسانيد )» كما عدوا فما
سلف ما قيل فيه(( إنه أصح الأسانيد))، وطول به فلم يذكره، وقد ذكره الحاكم
فى كتابه علوم الحديث.
٢١
مسألة
[ في بيان الحديث المرفوع ]
(المرفوع) قدم على ما بعده لشرفه بالاضافة إليه صلى الله عليه وآله وسلم
وهو من أنواع علوم الحديث، جعله ابن الصلاح النوع السادس ( اختلف فى حد
المرفوع، فالمشهور أنه: ما أضيف إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم قولا له أو
فعلا) قلت: أو تقريراً أو هماً، كما قررناه فى حواشى شرح غاية السول ( سواء "
أضافه إليه صحابى أو تابعى أو من بعدهما، سواء اتصل إسناده أم لا، فعلى هذا)
التفسير ( يدخل فيه المتصل والمرسل والمنقطع والمعضل) والمعلق أيضاً لعدم
اشتراط الاتصال (وقال) أبو بكر (الخطيب) البغدادى المرفوع (هو ما أخبر
فيه الصحابى عن قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أو فعله ، فعلى هذا)
٠

- ٢٥٥ --
حيث خصص الصحابى (لا يدخل فيه مراسيل التابعين ومن بعده ) قال
الحافظ ابن حجر : مقتضاه - يعنى كلام الخطيب - أن يكون فى السياق
إدراجا، وعند التأمل يتبين أن الأمر بخلاف ذلك ، لأن ابن الصلاح لم ينقل
عبارة الخطيب بلفظها ، وبيان ذلك أن الخطيب قال فى الكفاية ((وصفهم
للحديث بأنه مسند یریدون أن إسناده متصل بین راو یه وبین من أسند عنه،
إلا أن أكثر استعمالهم هذه العبارة هو فيا أسند عن النبي صلى الله عليه وآله
وسلم)» ثم قال: والحاصل أن المسند عند الخطيب ينظر فيه إلى مايتعلق بالسند.
فيشترط فيه الاتصال، وإلى ما يتعلق بالمتن فلا يشترط فيه الرفع إلا من حيث
الأغلب فى الاستعمال ، فمن لازم ذلك أن الموقوف إذا اتصل سنده قد يسمى
مسنداً ، ففى الحقيقة لا فرق عند الخطيب بين المسند والمتصل إلا فى غلبة
الاستعمال ، ثم نقل كلام ابن عبد البر والحاكم ، ثم قال بعد ذلك : والذى
يظهر لى بالاستقراء من كلام أئمة الحديث وتصرفهم أن المسند عندهم من سمع النبي
صلى الله عليه وآله وسلم بسند ظاهره الاتصال ، فمن سمع أعم من أن يكون
صحابياً مسلماً أو فى حال كفره وأسلم بعد النبى صلى الله عليه وآله وسلم ، ومن لم
يسمع يخرج المرسل ، وبسند يخرج ما كان بلا سند كقول القائل من المصنفين
(( قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم)) فان هذا من قبيل المعلق ، وظهور
الاتصال يخرج المنقطع ، لكن يدخل فيه ما كان فيه انقطاع فهو كمنعنة
المدلس، والنوع المسمى بالمرسل الخفى ، فلا يخرج ذلك عن كون الحديث
يسمى مسنداً، ومن رأى مصنفات الأئمة فى المسانيد لم يرها تخرج عن اعتبار
هذه الأمور، وقد راجعت كلام الحاكم بعد هذا فوجدت عبارته ((والمسند
ما رواه المحدث عن شيخ يظهر سماعه منه )) فلم يشترط حقيقة الاتصال ، بل
اكتفى بظهور ذلك كما قلته تفقهاً، ولله الحمد، وبهذا يتبين الفرق بين الأنواع،

- ٢٥٦ -
وتحصل السلامة من تداخلها واتحادها ، إذ الأصل عدم الترادف والاشتراك ،
والله أعلم، انہی.
( قال ابن الصلاح : ومن جعل من أهل الحديث المرفوعَ فى مقابلة المرسل
فقد عنى بالمرفوع المتصل) انتهى كلام ابن الصلاح فى هذا النوع ، وقد ذكر
فى النوع الرابع من تفريعات النوع الثامن قوله ( ومن المرفوع قولهم عن الصحابى:
يرفع الحديث، أو يبلغ به ) كحديث أبى الزناد عن الأعرج عن أبى هريرة يبلغ "
به (الناس تبع لقريش)» (أو يَنْميه) بفتح أوله وسكون النون وكسر الميم
كحديث مالك عن أبى حازم عن سهل بن سعد («كان الناس يؤمرون أن
أن يضع الرجل يده اليمنى على ذراعه اليسرى فى الصلاة )) قال أبو حازم : لا أعلم
إلا أنه يَنْمى ذلك ، وهذا هو معنى نميت الحديث إلى فلان إذا أسندته إليه
(أو رواية رفع) أى مرفوع بلا خلاف كما صرح به النووى وهو تفسير لرفع
الحديث (قال ابن الصلاح: حكم ذلك ) أى قولهم عن الصحابى يرفع الحديث
(عند أهل العلم حكم المرفوع صريحاً) إلا أنه ليس فى كلام ابن الصلاح لفظ
((رفع)) بل لفظ ((أو رواية)) بالتنوين ليس بعدها لفظ، قال الحافظ ابن
حجر: وكذا قوله ((يرويه)) أو (رفعه)) أو ((مرفوعا)) وكذا قوله ((رواه))
وعبارة الزين فى نظمه :
وقولهم يَرْفعه يَبْلِغ به روايةٌ يَنْميه رفعٌ فانتبه
وقد ذكر ابن الصلاح أمثلة ذلك (قال زين الدين : وإن قيلت هذه
الألفاظ عن التابعى فمرسل ، بخلاف قول التابعى (( من السنة)) ففيه خلاف كما
يأتى) هذا كلام ابن الصلاح ، فانه قال بعد قوله صريحاً : قلت وإذا قال
الراوى عن التابعى يرفع الحديث أو يبلغ به فذلك أيضاً مرفوع، ولكنه
مرفوع مرسل ، والله أعلم
تنبيه ذكر الحافظ ابن حجر أن من أغرب المرفوع سقوط الصيغة مع
هـ

- ٢٥٧ -
الحكم بالرفع مع القرينة ، كالحديث الذى رويناه من طريق الأعمش عن
أبى ظبيان، عن ابن عباس، قال «أحفظوا عنى، ولا تقولوا قال ابن عباس،أيما
عبد حج به أهله ثم عتق فعليه حجة أخرى - الحديث)) رواه ابن أبى شيبة من
هذا الوجه ، فزعم أبو الحسن ابن القطان أن ظاهره الرفع، أخذهمن نهى ابن عباس
عن إضافة القول إليه، فكأنه قال لا تضيفوه إلىّ وأضيفوه إلى الشارع، لكن
يعكر عليه أن البخارى رواه من طريق أبى السفر سعيد بن محمد قال : سمعت
ابن عباس يقول: يا أيها الناس اسمعوا عنى ما أقول لكم، وأسمعونى ما تقولون،
ولا تذهبوا فتقولون قال ابن عباس قال ابن عباس، وظاهر هذا أنه إنماطلب منهم أن
يعرضوا عليه قوله ليصححه لهم ، خشية أن يزيدوا فيه أو ينقصوا، انتهى، قلت:
بل الظاهر مع ابن القطان ، إذ ليس من طريقة ابن عباس المألوفة أن يطلب عرض
ما حدث به مع كثرة تحديثه، ويزيد كلام ابن القطان قوة أن هذا الحكم الذى
ذكره ابن عباس ليس للاجتهاد فيه مسرح، فهو من قرائن الرفع، والله أعلم.
ثم قال : تنبيهات - قد يقال : ما الحكمة فى عدول التابعى عن قول
الصحابى «سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم)» ونحوها إلى «يرفعه)»
وما يذكر معها ، قال الحافظ المنذري : يشبة أن يكون التابعى - مع تحققه
بأن الصحابى رفع الحديث إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم - يشك فى الصيغة
بعينها، فلما لم يمكنه الجزم بما قاله له أتى بلفظ يدل على رفع الحديث ، قلت :
وإنما ذكر الصحابى كالمثال، وإلا فهو جار فی حق من بعده، ولافرق، ويحتمل
أن يكون من صنع ذلك صنعه لطلب التخفيف وإيثار الاختصار، ويحتمل أن
يكون شك فى ثبوت ذلك عن النبى صلى الله عليه وآله وسلم فلم يجزم بلفظ «قال
رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كذا))، بل كنى عنه تحرراً بأيتهما، ذكر
المصنف ما إذا قال التابعى عن الصحابى يرفعه، ولم يذكر ما إذا قال الصحابى
عن النبى يرفعه، وهو فى حكم قوله ((عن الله عز وجل)) ومثاله الحديث الذى
( ٢ - ١٢ تنقيح)
۔

- ٢٥٨ --
رواه الداروردى عن عمرو بن أبى عمرو عن سعيد المقبرى عن أبى هريرة رضى
الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يرفعه (( إن المؤمن عندى
له کل خیر، يحمدنى وأنا أنزع نفسه من بین جنبیه » حديث حسن رواه أهل
الصدق ، أخرجه الداربى فى مسنده، وهو من الأحاديث الإلهية ، وقد أفردها
جمع بالجمع، انتهى.
٢٢
مسألة
[ فى بيان المسند من أنواع الحديث ]
( المسند - اختلف فيه) أى فى حقيقته (على ثلاثة أقوال).
الأول: ما أفاده قوله ( فقال أبو عمر بن عبد البر فى التمهيد: هو ما رفع إلى
النبى صلى الله عليه وآله وسلم خاصة ، قال : وقد يكون متصلا مثل مالك عن نافع
عن ابن عمر عن رسول اللهصلى الله عليه وآله وسلم ، وقد يكون منقطعاً مثل مالك
عن الزهرى عن ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، قال : فهذا
مسند لأنه قد أسند إلى النبى صلى الله عليه وآله وسلم وهو منقطع لأن الزهرى لم
يسمع من ابن عباس رضى الله تعالى عنه، انتهى . قال زين الدين: فعلى هذا
يستوى المسندوالمرفوع) قال الحافظ ابن حجر: وهو مخالف للمستفيض من عمل
أئمة الحديث فى مقابلتهم بين المسندوالمرسل، يقولون: أسنده فلان، وأرساء، فلان.
والثانى: ما أفاده قوله (وقال) أبو بكر (الخطيب) البغدادى ( هو عند أهل
الحديث الذى اتصل إسناده من راويه إلى منتهاه، قال ابن الصلاح: وأكثر
ما يستعمل ذلك فيما جاء عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، دون ما جاء عن .

- ٢٥٩ -
الصحابة وغيرهم ) قد قدمنا لفظ الخطيب فى نوع المرفوع وماحققه الحافظ ابن
حجر فى المسند، فقول ابن الصلاح هذا هو كما قال الحافظ ابن حجر - معنى قول
الخطيب ، إلا أن أكثر استعمالهم هذه العبارة فيما أسند عن النبى صلى الله عليه وآله
وسلم خاصة، وتقدم تحقيقه، فالمسند والمتصل سواء لا طلاقهما على كل من المرفوع
والموقوف، ولكن الأكثر استعمال المسند فى الأول كما قاله الخطيب
والثالث : ما أفاده قوله ( وقال ابن الصباغ فى العدة : المسند ما اتصل
إسناده، فعلى هذا يدخل فيه المرفوع والموقوف ، ومقتضى كلام الخطيب أنه
ما اتصل إسناده إلى قائله من كان، فيدخل فيه المقطوع) لأنه يصدق عليه أنه
اتصل إسناده من راويه إلى منتهاه ( وهو قول التابعى ومن بعده ) إذا اتصل
إلى أحدهما (قال زين الدين : وكلام أهل الحديث يأباه، وقيل) هذا قول
رابع (هو) أى المسند (ما رفع إلى النبى صلى الله عليه وآله وسلم باسناد
متصل، وبه) أى بهذا القول الرابع ( قطع الحاكم أبو عبد الله) فى كتابه علوم
الحديث فلم يحك فيه غيره (وحكاه ابن عبد البر قولا لبعض أهل الحديث)
هكذا قاله الزين ، وقال الحافظ ابن حجر: إن الحاكم وغيره فرقوا بين المسند
والمتصل والمرفوع ، بأن المرفوع ينظر فيه إلى حال المتن مع قطع النظر عن
الاسناد، حيث يصح إضافته إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان مرفوعا ،
سواء اتصل إسناده أم لا ، ومقابله المتصل، فانه ينظر فيه إلى حال الاسناد مع
قطع النظر عن المتن ، سواء كان مرفوعا أو موقوفا ، وأما المسند فينظر فيه إلى
الحالين معا فيجمع شرطى الاتصال والرفع ، فيكون بينه وبين كل من الرفع
والاتصال عموم وخصوص مطلق ، فكل مسند مرفوع، وكل مسند متصل ،
ولا عكس فيهما ، هذا على رأى الحاكم ، وبه جزم أبو عمرو الدانى والشيخ
تقى الدين فى الاقتراح، انتهى، وقد قدمنا ما قاله الحافظ ابن حجر مما ظهر فى
حقيقة المسند بالاستقراء .
١

- ٢٦٠ -
٢٣
مسألة
في بيان المتصل والموصول من أنواع الحديث]
( المتصل والموصول) قال الحافظ ابن حجر : ويقال له المؤتصل - بالفك
والهمز - وهى عبارة الشافعى فى الأم فى مواضع، قال ابن الحاجب فى التصريف
له : هى لغة الشافعى، انتهى (هما) الأولى إفراد الضمير لأنه معنى واحد ،وإنما
تعدد لفظه واتحد معناه وهو واحد، إذ عبارة الزين ((المتصل والموصول هو))
(ما اتصل إسناده إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم أو إلى واحد من الصحابة) احتراز
عما لم يتصل سنده به صلى الله عليه وآله وسلم ولا بصحابى كما قال ( وأما أقوال
التابعين إذا اتصلت الأسانيد هم فلا يسمونها متصلة ، بل يسمونها مقطوعة،
قال زين الدين: وإنما يمتنع هذا) أى إطلاق المتصل على أقوال الصحابة المتصلة
الأسانيد ( مع الاطلاق ، فأما مع التقييد نجائز شائع فى كلامهم كقولهم: هذا
متصل إلى سعيد بن المسيب) بالتقييد بذكر من أتصل إليه ( قال ابن الصلاح:
وحيث يطلق المتصل يقع على المرفوع والموقوف) إذ قد أخذ فى مفهومه ((أو إلى
أحد من الصحابة)» وهو الموقوف(١).
(١) اعلم أن الموصول فى اللغة اسم مفعول من مصدر وصله، ومعنى وصله
لغة : بلغه، أو أعطاه، أو ترك هجره وقطيعته. وهو فى الاصطلاح عبارة
عما ذكره المصنف، وبالتأمل فى التعريف تعلم أن الموصول قد يكون مرفوعا
إذا كانت نهاية السند إلى الرسول صلوات اللهوسلامهعليه، وقد يكون موقونا
إذا كانت نهاية السند أحد الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، وإذا اتصل
الاسناد وكانت نهايته إلى واحدمن التابعين فهل يسمى ذلك الحديث موصولا
اولا يسمى ؟ الذى عليه جمهور المحدثين أنه لا يسمى بذلك مع الاطلاق ، فأما
مع التقييد كأن يقال ((متصل الاسناد إلى الزهرى» نجائز، وكأن السرفى ذلك
أن الذى ينتهى إلى التابعى يسمونه («المقطوع» والمقطوع ضد الموصول،
فكرهوا أن يطلقوا اسم الضدعلى ضده .
.