النص المفهرس
صفحات 141-160
- ١٤١ - التعديل الصريح فليس بشىء ، لأن التعديل الصريح للمبهم المجهول ليس بشىء (وشد ابن حزم فلم يقبل شيئا من تعليقات الصحيح وتراجمه) سواء أوردها بصيغة الجزم أو غيرها ، ولعل وجه ماذهب إليه هو ماقدمناه قريبا من عدم قبول الجمهور لمسألة التعديل على الابهام ، فالأولى عدم قبول تعليق من التزم الصحة. ولما كان فى صحيح البخارى ما ليس بصحيح قطعاً احتاج المصنف أن يذكر ماقاله ابن الصلاح فى التلفيق بين ما قاله البخارى وبين ما وجد فى كتابه فقال ( وحمل ابن الصلاح قول البخارى ((ما أدخلت فى كتابى الجامع إلا ماصح)) وقول الأئمة فى الحكم بصحته) أى صحة كتابه ( على مقاصد الكتاب وموضوعه ومتون الأبواب، دون التراجم ونحوها) وقد تقدم هذا ( وأما الحافظ ابن حجر فصرح فى مقدمة شرح البخارى) المسماة «هداية السارى)) ( بأن جميع تعاليقه . يجزم أو تمريض (غير صحيحة عنده) أى عند البخارى ( يعنى على شرطه، وإن كان يمكن تصحيح بعضها على شرط غيره، إلا أن يسند) أى البخارى (المعلق) أى الحديث الذى علقه (مرة ويعلقه أخرى، ويكون تعليقه المرة الأخرى اختصاراً). قلت : اعلم أن المصنف رحمه الله تعالى أجمل ما نقله عن مقدمة الفتح، وبيانه أنه قسم فى المقدمة تعليقات البخارى إلى قسمين : الأول : المعلق بصيغة الجزم، ثم قسمه إلى صحيح على شرطه، وهو الذى أشار إليه المصنف بقوله « إلا أن يسند المعلق)» وهذا فى الحقيقة معلق صورة عنده، لاحقيقة ، وإلى حسن تقوم به الحجة، وإلى ضعيف بسبب انقطاع يسير. الثانى : ماعلقه بصيغة التمريض فظنه قسمه إلى خمسة أقسام : صحيح على شرطه، صحيح على شرط غيره، جزءاً لا إمكانا ، كما قاله المصنف ، حسن، ضعيف غير منخبر ، ضعيف منجبر، فهذه خمسة أقسام . إذا عرفت هذا عرفت أن تعاليق البخارى لايتم الحكم على المروى منها - ١٤٢ - بشىء من الصحة ولا الحسن ولا الضعف إلا بعد الكشف والفحص عن حال ما علقه، وعرفت أن هذا الذى ذكره الحافظ فى المقدمة مجمل لا بيان فيه ، وقد بسطت الكلام على كلامه فى هامش مقدمة الفتح. نعم قد بين الحافظ هذا الاجمال فى نكته على ابن الصلاح ، وأتى بأمثلته فقال : أقول: الأحاديث المرفوعة التى لم یوصل البخاری إسنادها فىصحيحه منها ما يوجد فى محل آخر من كتابه موصولا ، ومنها مالا يوجد إلا معلقا، فأما الأول فالسبب فى تعليقه أن البخارى من عادته فى صحيحه أن لا يكرر شيئا إلا الفائدة وإذا كان المتن يشتمل على أحكام كرره فى الأبواب بحسبها أو قطعه فى الأبواب إذا كانت الجملة يمكن انفصالها من الجملة الأخرى، ومع ذلك لا يكرر الاسناد بل يغاير بين رجاله إما بشيوخه أو بشيوخ شيوخه أو نحو ذلك، فاذا ضاق مخرج الحديث ولم يكن له إلا إسناد واحد واشتمل على أحكام واحتاج إلى تكريرها فانه والحال هذه إما أن يختصر المتن أو يختصر الاسناد، وهذا أحد الأسباب فى تعليقه الحديث الذى وصله فى موضع آخر ، وأما الثانى - وهو مالا يوجد فيه إلا معلقاً - فهو على صورتين: إما بصيغة الجزْم، وإما بصيغة التمريض ، فأما الأول فهو صحيح إلى منعلقه عنه، وبقى النظر فيما أبرز من رجالهفبعضه يلتحق بشرطه، والسبب فى تعليقه له إما لكونه لم يحصل له مسموعا وإنما أخذه على طريق المذاكرة أو الإجازة أو كان قد خرج ما يقوم مقامه فاستغنى بذلك من إيراد هذا المعلق مستوفى السياق أو لمعنى غير ذلك ، ولتقاعده عن شرطه وإن صححه غيره أو حسنه، وبعضه يكون ضعيفاً من جهة الانقطاع خاصة ، وأما الثانى - وهو المعلق بصيغة التمريض مما لم يورده فى مواضع أخر - فلا يوجد ما يعلق بغير شرطه إلا مواضع يسيرة قد أوردها بهذه الصيغة لكونه ذكرها بالمعنى. نعم فيه ماهو صحيح وإن تقاعد عن شرطه: إما لكونه لم يخرج لرجاله ، أو لوجود علة فيه عنده، ومنها ماهو حَسَنٌ، ومنها ماهو ضعيف، وهو على قسمين: - ١٤٣ - أحدهما ما ينجبر بأمر آخر، وثانيهما مالا يرتقى عن مرتبة الضعيف ، وحيث يكون بهذه المثابة فإنه يبين ضعفه ويصرح به حيث يورده فى كتابه، ثم سرد أمثلة لما ذكره انتزعها من عدة أبواب من صحيح البخارى لا نطوّل بنقلها ، ثم قال : فقد لاح بهذه الأمثلة ، واتضح أن الذى يتقاعد عن شرط البخارى من التعليق الجازم جملة كثيرة ، وأن الذى علقه بصيغة التمريض حين أورده فى معرض الاحتجاج والاستشهاد فهو صحيح، أو حسن ، أو ضعيف ينجبر، وإن أوردهفى موضع الرد فهو ضعيف عنده ، وقد بيّنا كونه يُبَين كونه ضعيفاً ، والله الموفق . وجميع ماذكرناه يتعلق بالأحاديث المرفوعة ، وأما الموقوفات فانه يجزم بما صح عنده منها، ولو لم يبلغ شرطه، ويمرض ما كان من ضعف وانقطاع، وإذا علق عن شخصين وكان لهما إسنادان مختلفان مما يصح أحدهما أو يضعف الآخر فانه يعبر فيما هذا سبيله بصيغة التمريض، والله أعلم. وهذا كلام فيما صرح بنسبته إلى النبى صلى الله عليه وآله وسلم وإلى أصحابه، أما مالم يصرح باضافته إلى قائل - وهى الأحاديث التى يوردها فى تراجم الأبواب من غير أن يصرح بكونها أحاديث - فمنها مايكون صحيحاً وهو الأكثر ، ومنها ما يكون ضعيفاً كقوله (( اثنان فما فوقهما جماعة)) لكن ليس شىء من ذلك ملتحقاً بأقسام التعليق التى قدمناها إذا لم يَسْقُهَا مَسَاق الأحاديث، وهى قسم مستقل ينبغى الاعتناء بجمعه والتكلم عليه ، وبه وبالتعاليق يظهر كثرة ما اشتمل عليه البخارى من الأحاديث، ويوضح سعة اطلاعه ومعرفته بأحاديث الأحكام جملة وتفصيلا، انتهى . وإنما أطلنا بنقله لادته، ولأن المصنف رحمه الله تعالى اختصر اختصاراً مخلا مع الاشارة إلى كلام الحافظ ، وقد عرفت معنى قوله ( ال) أى الحافظ ابن حجر (وقد عرفت ذلك من مقصد البخارى ، فإن الحديث لو كان على شرطه فى الصحة ما ترك وصل إسناده، وهذا الذى ذكره هو الصواب، ومن أمثلة التعلمق - ١٤٤ - المختلف فيها ) بين ابن الصلاح ومن تبعه وابن حزم (قول البخارى قال هشام بن عمار: حدثنا صدقة بن خالد ، قال : ثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر ثنا عطية ابن قيس ، قال ثنى عبد الرحمن بن غنم، قال ثنى أبو عامر أو أبو مالك الأشعرى أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: ليكوننَّ فى أمتى أقوام يستحلون الخز) بالخاء المعجمة والزاى، ويروى بالحاء المهملة والراء (والحرير والخمر والمعازف) بالعين المهملة والزاى بعد الألف ثم فاء ، قال فى القاموس : المعازف الملاهى كالعود والطنبور، والعازف: اللاعب بها والمغنى (الحديث) تمامه «ولينزلن قوم إلى جتب على، تروح عليهم سارحتهم يأتيهم سائل لحاجة فيقولون : ارجع إلينا غداً فيبيتهم الله ويضع العلم وتمسخ أخرى قردة وخنازير إلى يوم القيمة )» (فعند ابن الصلاح وزين الدين ومحيى الدين النووى أن حكمه حكم المتصل بالعَنْنَة) مصدر مأخوذ من ((عَنْ فلان عن فلان)) كالسبحلة والحولقة ، ويأتى تحقيقها (وهى صحيحة ممن لا يدلس) يأتى بيان التدليس وأقسامه (والبخارى ممن لا يدلس، وذلك) أى وجه كونها كالعنعنة من غير المدلس (لأن هشام بن عمار من شيوخ البخارى حدث عنها بأحاديث) متصلة بلفظ حدثنا ( وقدمثل المزى والشيخ تقى الدين) ابن دقيق العيد ( التعليق بهذا الحديث) وهذا على رأيهما، لا على رأى ابن الصلاح، فانه ليس عنده بتعليق كما تقدم أنه إذا روى البخارى عن شيخه بصيغة الجزم فاته متصل، وتقدم تخطئة المصنف له حيث مثل المعلق بهذا الحديث (وقال أبو عبد الله بن منده) فى جزء له فى اختلاف الأئمة فى القراءة والسماع والمناولة والإجازة مالفظه ( اخرج البخارى فى كتابه الصحيح قال لنا فلان ، وهى إجازة، وقال فلان، وهو تدليس، قال: وكذلك مسلم أخرجه على هذا، قال الشيخ زين الدين: انتهى كلام ابن منده، ولم يوافق عليه، وقال) أبو محمد (ابن حزم فى المحلى) بضم الميم فيحاء مهملة ولام مشددة - من التحلية (هذا حديث منقطع، لم يتصل ما بين البخارى وصدقة بن خالد ، ولا يصح فى هذا الباب ) أى باب النهى عن . . - ١٤٥ _ المعازف (شىءٌ أبداً وكل ما فيه) من حديث ( فموضوع). قلت : قال ابن القيم فى إغاثة اللهفان بعد ذكره لهذا الحديث وتصحيحه له: ولم يصنع من قدح فى صحة هذا الحديث شيئاً كابن حزم نصرة لمذهبه الباطل فى إباحة الملاهى ، وزعم أنه منقطع لأن البخارى لم يصل سنده، وجواب هذا الوهم من وجوه : أحدها : أن البخارى قد لقى هشام بنعمار وسمع منه، فاذا قال«قالهشام» .. فهو بمنزلة قوله عن هشام . الثانى: أنه لو لم يسمعه منه لم يستجز الجزم به إلا وقد صح عنه أنه حدث به، وهذا كثير ما يكون لكثرة من رواه عن ذلك الشيخ وشهرته، والبخارى أبعد خلق الله عَن التدليس . الثالث : أنه أدخله فى كتابه المسمى بالصحيح محتجاً به، فلولا صحته عنه . ما فعل ذلك . الرابع : أنه علقه بصيغة الجزم ، دون صيغة التمريض ، فانه إذا توقف فى هذا الحديث أولم يكن على شرطه قال ويُرْوَى عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ويذكر عنه ونحو ذلك، فاذا قال ((قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم)» فقد جزم وقطع باضافته إليه . الخامس: أنا لو أضربنا عن هذا صفحاً فالحديث صحيح متصل عندغيره، ثم ساقه باسناده عن أبى داود ، انتهى. وأما قول ابن حزم« إن کل حديث فىالملاهى موضوع)» فلیس کما قال، بل هى أحاديث منها حسن ومنها مافيه لين ، وبمجموعها يثبت الحكم ، وقد أطلنا الكلام فى ذلك فی حواشینا على ضوء النهار . (وقال ابن الصلاح : ولا التفات إلى ابن حزم فى رده ذلك، وأخطأ فى ذلك من وجوه ، والحديث صحيح معروف الاتصال بشرط الصحيح) وكأنه قيل: (م ١٠ - تنقيم ١) -١٤٦ - .. فاذا كان كذلك فلم صنع البخارى فيه هذا الصنيع ؟ فقال ( والبخارى قد يفعل ذلك لكون الحديث معروفاً من جهة الثقات ) عن الشخص الذى علقه عنه ( أو لكونه ذكره فى موضع آخر من كتابه متصلا) قلت : هذا العذر يوم أن قول البخارى ((وقال هشام)) غير متصل ، وأنه أخرج البخارى حديث هشام بن عمار متصلا فى كتابه فى موضع آخر ، وهو خلاف ما هو بصدد تقريره (ولغير ذلك من الأسباب التى لا يصحبها خلل الانقطاع، قال الحافظ زين الدين) مقرراً لكلام ابن الصلاح (والحديث) أى حديث هشام بن عمار ( متصل من طرق من طريق هشام وغيره) فهو يرد قول من قال إنه غير متصل ، إلا أنه لا يخفى أن ابن حزم قال هو غير متصل عند البخارى، ولم يتعرض لغير طريقه ، نعم قوله (( وكل ما فيه فموضوع )» يشمل حديث هشام، إلا أن يقال : تقدم كلامه . عليه بخصوصه يخصصه عن العموم اللاحق (قال) أبو بكر (الاسماعيلى فى المستخرج) على البخارى ( حدثنا الحسن وهو ابن سفيان الفسوى الامام، قال: ثنا هشام بن عمار، فذكره) فهذا اتصال بالاتفاق برجال البخارى (وقال) أبو أيوب ( الطبرانى فى مسند الشاميين : حدثنا محمد بن يزيد بن عبد الصمد ، ثنا هشام بن عمار) انتهى كلام الزين ، قال المصنف (والصحيح صحة الحديث) أى حديث هشام بن عمار ( بلا ريب ) لما عرفت من ثبوت اتصاله (ولكن دلالته على التحريم) أى تحريم الملاهى (ظنية معارضة: أما كونها ظنية فلأنهذمهم باستحلال مجموع أشياء بعضها) أى استحلالبعضها ( كفر، وهو استحلال الخمر) أى عدهُ حَلَالاً ، لأنه رد لما علم من ضرورة الدين ، فالكفر من هذه الجهة ( والذم بمجموع أمور لا يستلزم القطع على تحريم كل واحد منها لجواز أن يذم الكافر والفاسق بأفعال بعضها مكروه ، مثاله قوله خذوه فغلوه إلى قوله إنه كان لا يؤمن بالله العظيم ولا يحض على طعام المسكين) يريدو الحض على طعام المسكين ليس بواجب ، ولك أن تقول : إنه يجب ، ويراد به إطعامه لسد رمقه، - ١٤٧ - ويؤيده قولهم ذلك وهم فى دركات جهنم (١)، وقد قيل لهم (( ماسلككم فى سقر؟ قالوا لم نك من المصلين، ولم نك نطعم المسكين)) ويحتمل أن قوله تعالى ( ولا يحض على طعام المسكين)) لا يحض نفسه على إطعامه فيكون مثل ((ولم نك نظم المسكين)) (ويقوى هذا أنه جعل استحلال الخز) بالخاء المعجمة والزاى ، وهذه اللفظة قد اختلف فى ضبطها ففى تيسير الوصول أنها بالحاء المهملة والراء ، وهو الأوفق لعطف الحرير لما يأتى ( من جملة صفات أولئك المذمومين مع أن جماعة من جلة الصحابة والتابعين قد لبسوه واستحلوه ) فان لبس الجلة من فريقى السلف للخز يدل على أنه لانهى عنه، ولا يتعلق به الذم، لأنه الأولى بجلالة شأنهم وبعدهم عن المكروهات، فلبسهم إياه دليل على أن لفظ الحديث عندهم الحر بالحاء المهملة والراء والمراد به استحلال الزنا ، وهذا أولى مما يفهمه كلام المصنف من أنه بالخاء المعجمة والزاى، لأنه لاريب فى كراهة لبسه لهذا النهى وإن لم يكن محرما (فيحتمل أن يكون وصفه) أى النبى صلى الله عليه وآله وسلم (لهم) أى للقوم المذكورين فى حديث هشام بن عمار ( بذلك) أى بلبسهم الخز واستحلالهم المعازف ( تمييزا لهم عن غيرهم) لا لأجل أن لوصفهم بذلك دخلالهم فى الخسف بهم والعقوبة لهم ( كما وصف) صلى الله عليه وآله وسلم (الخوارج حين ذمهم بحلق الرؤوس وصغر الأسنان وخفة الأحلام ) ولفظ الحديث عند الشيخين من حديث على رضى الله عنهم « سيخرج أقوام فى آخر الزمان حداث الأسنان سفهاء الأحلام ، يقولون من خير قول البرية ، لا يجاوز إيمانهم حناجرهم ، يمرقون من الدين كما يمرق السهم (٢) من الرمية، فأينما لقيتموهم فاقتلوهم فأن فى قتلهم أجراً (١) حركات: جمع دركة، وهى منزلة من منازل النار، ويقال درك - بغير تاء - أيضا، وراؤه ساكنة أو مفتوحة، والدرك إلى أسفل، والدرج إلى أعلى ، وفى التنزيل ( إن المنافقين فى الدرك الأسفل من النار ) (٢) يمرقون من الدين : أى يجوزونه وخرقونه بتعلى حدوده = - ١٤٨ - لمن قتلهم يوم القيامة )) ( وكون ذو الثدية) بضم المثلثة فدال مصغر ثدى (منهم ونحو ذلك، والله أعلى) وقد بين كيفية الندية فى حديث بلفظ (( آيتهم رجل أسود فى إحدى عضديه مثل ثدى المرأة ، أو مثل البضعة (١). تدردر)) وفى رواية (( إن فيهم رجلاله عضد ليس له ذراع ، على عضديه مثل حلمة الثدى عليه شعرات بيض )) . إذا عرفت هذا فراد المصنف أن خفة الأحلام وحداثة الأسنان وحلق الرؤس ليست من موجبات الأمر بقتلهم، فما ذكرت إلا تمييزاً لهم عن غيرهم، وليس فيه دلالة على تحريم تلك الأمور ، فكذلك استحلال المعازف والخز ليس من أسباب المسخ بأولئك القوم ، فلا يدل الحديث على تحريم المعازف. وأقول: لا يخفى أنه أولاً ليس فى صفات الخوارج المذكورة هنا ضم شئء محرم من صفاتهم إلى مكروه أو مباح ، بل جميع ماذكر من صفاتهم مباحة ضم بعضها إلى بعض للتمييز ، وثانياً أنه احتيج فى حديث الخوارج إلى ذكر ما يميزهم عن غيرهم لأنه صلى الله عليه وآله وسلم أمر بقتالهم فاحتيج إلى ذكر ما يميزهم من الصفات ليقدم على قتالهم على بصيرة، لأنهم مسلمون محقونة دماؤهم فى الظاهر ، بخلاف الذين يمسخون قردة فانه لا حاجة إلى وصف لهم مميز، إذ لسنا مأمورين فيهم بشئ، والأصل فيما ذكر من الأوصاف ورتب عليه الحكم وهو المسخ هنا أن كل صفة لها دخل فى إثبات الحكم إما بالاستقلال أو بالجزئية ، ولا يخرج عن هذا ويصير للتمييز إلا بقرينة كما ذكرناه فى الخوارج واعلم أن المصنف جزم بأن الرواية (« الخز» بالخاء المعجمة والزاى لاغير، = ويتركونه كما يخرق السهم الشىء الذى يمر به ويخرج منه. (١) تدردر: أصله تتدردر حذف إحدى التاءين، ومعنى تدردر تترجرج فتحىء و تذهب - ١٤٩ - وفى النهاية فى حديث أشراط الساعة ((يستحل الحر والحرير)) هكذا ذكره أبو موسى بالحاء والراء، وقال: الحر بتخفيف الراء الفرج، ثم قال ابن الأثير: والمشهور فى هذا الحديث على اختلاف طرقه، يستحلون الخز بالخاء المعجمة والزاى وهو ضرب من ثياب الابريسم معروف ، وكذا جاء فى كتاب البخارى وأبى داود ، ولعله حديث آخر كماذكره أبو موسى فهو حافظ عارف بما روى وشرح ولايتهم . قلت: ولا يخفى أن عطف الحرير عليه يناسب أن يكون بالمهملة والراء لأن الحرير قد دخل فيه الخز بأحد معنييه وبالمعنى الآخر ليس منهياً عنه (قال ابن الأثير فى النهاية: الخز المعروف أولا ثياب يج من صوف وإبريسم ، وهى مباحة، وقد لبسها الصحابة والتابعون فيكون النهى عنها لأجل التشبه بالعجم وزى المترفين ، وإن أريد بالخز النوع الآخر المعروف الآن فهو حرام لأن جميعه معمول من الابريسم ، وعليه يحمل الحديث، قلت : فى هذا الحمل إشكال ، فان الحديث إنما يحمل على ما كان يسمى خزا فى زمانه صلى الله عليه وآله وسلم فى عرف المخاطبين ، وأما الذى ذكره قهو داخل فى تحريم الحرير ، وقد فرق فى هذا الحديث بين الخز والحرير وعطف الحدهما على الآخر ، فدل على التغاير) هذا الكلام صحيح لو تعين فى الرواية بالخاء المعجمة لكن الرواية من حيث الدراية قد ترددت بين اللفظين ، من كان ابن الأثير رجح رواية المعجمة من حيث الرواية فهو معارض بترجيح رواية المهملة من حيث الدراية ، إذضم المحرمات فى قَرَنٍ وجمعها فى حكم هو الأوفق ببلاغته صلى الله عليه وآله وسلم، ولأن الخز المخلوط بالأبريسم غير محرم ، وكونه زى العجم لا يقضى بضمه إلى المحرمات كتاب ولا سنة، ولا بكراهته، ولأن الأصل في) ترتب عليه حكم: هو ماعرفناك من أنه السبب أو جزرة ( فهذا مما يدل على أن دلالة الحديث) على تحريم الملاهى ( ظنية) والظنى المجتهد فيه نظرة ، هذا من - ١٥٠ _ حيث الدلالة (وأماأنها معارضة فلأنه صلى الله عليه وآله وسلم سمع زمارة الراعى) بكسر الزاى وتخفيف الميم ككتابة اسم لفعل الزامى ، يقال : زمن يزمى بضم الميم وكسرها - زمناً وزميراً، وزمر - بتشديد الميم - تزميراً: غنى فى القصب ، وفعلهما زمارة ككتابة ، أفاده فى القاموس ( ولم يكسر هاولا بين له تحريمها) بل سد أذنيه عن سماعها (وحديثها صحيح(١) على الأصح) قديقال: إن هذه واقعة عین قرر علیها الراعى ، فلا یدری علی أی وجه وقع فلا تعارض ماورد من أدلة كثيرة يفيد مجموعها التحريم ، وأما قوله ( وأباح الضرب بالدف فى العرس والعيد وعند قدوم الغائب ولم يأمر بكسره) فقد يقال: هذه رخصةرخص فيها فى هذه الأحوال لاغير ، فيقتصر عليها ( ولاشك فى كراهة ذلك فی غیر العرس ونحوه) مما ذكره ( وإنما الكلام فى صريح التحريم) الأحسن فى قطعية التحريم، إذ هو محل نزاعه فيما سلف (والكف عن النكير عمن استحل ذلك من أهل العلم لأنه محرم ظنى) لانكير فيه ، والمصنف استطرد هذا البحث فى حكم الملاهى ، وليس هذا محله ، إذ كتابه مؤلف فى اصطلاح أئمة الحديث، وكون الغناء محرما أو غير محرم ليس من علوم الحديث كما لايخفى، وقد يوجد محذوفا فى بعض نسخ كتابه هذا . (١) الحديث أخرجه أبو داود، وترجم عليه بباب كراهية الغناء والزمر عن نافع قال : سمع ابن عمر رضى الله عنه مزماراً قال: فوضع أصبعيه على أذنيه ونأى عن الطريق، وقال لى: يا نافع، هل تسمع شيئاً؟ فقات: لا، فوضع أصبعيه من أذنيه، وقال: كنت مع النبى صلى الله عليه وآله وسلم فسمع مثل هذا فصنع مثل هذا ، قال أبو داود: هذا حديث منكر ، وأورد مثله أيضا وأنه مر ابن محمر براع يزمر ، فذكر نحوه. ٦ - ١٥١ - ١٢ مسألة [فى أخذ الحديث من الكتب] من علوم الحديث ، يجوز ( نقل الحديث من الكتب الصحيحة المعتمدة) فى الصحة والضبط (لمن يسوغ له العمل بالحديث) زاد ابن الصلاح (( والاحتجاج به لذى مذهب)» ثم بين المصنف مَن الذى يسوغ في العمل بقوله (وهو العالم بشروط العمل بالحديث وكيفية الاستدلال به ، وجعل ابن الصلاح شرطه أن يكون ذلك الكتاب مُقَابَلاً بمقابلة ثقة على أصول صحيحة متعدّدة مروية بروايات متنوعة) عبارة ابن الصلاح ((قد قابله هو أوثقة غيره)) ثم قال ((ليحصل بذلك مع اشتهار هذه الكتب وُبعدها عن أنْ تَقْصَد بالتبديل والتحريف الثقةُ بصحة ما اتفقت عليه تلك الأصول)» (قال) الشيخ محيى ( الدين النووى فأن قابلها بأصل معتمد محقق أجزأهُ) قال الزين («وفى كلام ابن الصلاح فى موضع آخر ما يدل على عدم اعتبار ذلك ». قلت: المعتبر حصول الظن ، فان كان الأصل صحيحاً عليه خط إمام من الأئمة أو جماعة أجزأه ، وإن كان ليس كذلك فلا بد من ضم أصول إليه ليحصل الظن بالصحة . ( قال زينُ الديْن: وقال ابن الصلاح فى قسم الحسن حين ذكر أن نسخ الترمذى تختلف فى قوله حَسَنٌ أو حَسَن صحيحٌ أو نحو ذلك فينبغى أن تصحح أُصلك بجماعة أصول وتعتمد على ما اتفقتْ عليه، فقوله فينبغى قد يشير إلى عدم اشتراط ذلك) أى تعدد النسخ (وإنما هوَ مستحبٌ، وهو كذلك) قال الحافظ ابن حجر تعقبًاً لشيخه مالفظه: ليس بين كلامه - أى ابن الصلاح - هنا مناقضة بل - ١٥٢ - كلامه هنا مبنى على ما ذهب إليه من عدم الاستدلال بادراك الصحيح بمجرد الأسانيد، لأنه علل صحة ذلك بأنه ما من إسناد إلا ونجد فيه خللا ، فقضية ذلك ألا يعتمد على أحدها ، بل يعتمد على مجموع ما تتفق عليه الأصول المتعددة ، ليحصل بذلك جبر الخلل الواقع فى أثناء الأسانيد ، وأما قوله فى الموضع الآخر ((ينبغى أن تصحح أصلك بعدة أصول )) فلا ينافى كلامه المتقدم ، لأن هذه العبارة تستعمل فى اللازم أيضاً، انتهى . قلت : ومراده بالعبارة ينبغى، وقد وقعت فى اللازم فی حدیث « إن هذه الصدقة لا تنبغى لآل محمد)) مع ورودها فى لفظ آخر بلفظ ((لا تحل)) ولكن الزين قد مرض ما قالة بقوله «قد يُشير إلى عدم اشتراط ذلك)» فلم يجزم باشارته إنما لاحظ مجرد الاحتمال، تم استدَلّ الزين لمختاره بما نقله بقوله ( قال الحافظ أبو بكر محمد بن خير) بالمعجمة فمثناة تحتية ابن عمر الأموى بفتح الهمزة الأشبيلى، وهو خال أبى القاسم السُّهيْلى، قال: ( وقد اتفق العلماء على أنه لا يصح لمسلم أن يقول قالَ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كذا حتى يكون عنده ذلك القول مَرْوَّيا ولو على أقل وجوه الروايات ، لقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ((من كَذَبَ على متعمداً فليتبوأ مقعده من النار))) رواه الجمّ الغفير من الصحابة، قيل : أربعون ، وقيل : اثنان وستون ، ومنهم العشرة المبشرة بالجنة، ولم يزل العدد على التوالى فى ازدياد (وفى بعض الروايات ( عَلى)) مطلقاً من غير تقييد) بالتعمد ( قلت : ومن روى بالوجادة الصحيحة فقد صار الحديث له مروياً بأوسط وجوه الروايات كما سيأتى فى باب الوجادة) وهى: أن يجد بخطه أو يخط شيخه أوخط من أدركه من الثقات، فيأخذ حظاً من الاتصال، وإن كانت منقطعة فى الحقيقة، ويقول إذا روى: وجدت بخط فلان ، ويأتى كلام المصنف تاماً فى ذلك فهذا بعضه ( فلا معنى لاعتراض زين الدين بذلك، على ابن الصلاح والنووى) لا يعزب عنك أن الزين نقل عن الأموى الاشبيلى الاتفاق على أنه - ١٥٢ - لا يصح لمسْلم أن يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كذا حتى يكون عنده ذلك القول مروياً ولو على أقل وجوه الروايات ، فلعله يقول : مَنْ روى بالوجادة فقد روى على وجه من وجوه الرواية ، ولعله المراد له بأقلها فهو حيقة داخل تحت شرط الاتفاق ، فليس كلام الزين اعتراضاً على ابن الصلاح ومن تبعه لأن ابن الصلاح شرط فى النقل مقابلة المنقول منه على أصول صحيحة متعددة مروية بروايات متنوعة ، وهذا نقل بوجادة صحيحة ، ثم نقل الزين تقرير قك عن الأموى وأنه اتفاق ، فأين الاعتراض ؟ إلا أنه لا يخفى أن كلام الأموى فى الرواية عنه صلى الله عليه وآله وسلم جزءاً ونسبة الحديث إليه، وكلام ابن الصلاح فى النقل ، والنقل أعم من الرواية ، إذ قد يكون للعمل لا للرواية ، ولهم فى الصل. شرائط غير شرائط الرواية ، كما يأتى، وقد يقال: إنه إذا امتنع فى الوجادة أن يقال حدثنا امتنع فيها أن يقال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وحينئذ فلا تكون الوجادة طريقاً للرواية بلفظ قال فلا يفسرها أقل وجوه الرواية فى كلام الأموى، فتأمل ( وأما قوله فى بعض الروايات ((من كذب على )) مطلقاً من غير تقييد فالمطلق يحمل على المقيد ) فيكون الحكم للمقيد (وشواهد هذا التقيد كثيرة فى القرآن) « ليس عليكم جناح فيما أخطأتم به، ولكن ما تعمدت قلوبكم)» ونحوها، وكثير فى السنة «رفع عن أمتى الخطأ)» ونحوه ( ولم يسلم من الوجه فى الروايات أحد من الثقات غالبا، والله أعلم) قد عرفت أن الكتب عندالجمهور مالم يطابق الواقع : فمن أخبر به متعمداً كان كاذباً آئماً ، ومن أخبر به غير متعمد كان كاذباً غير آثم ، فالواهم غير آثم قطعا . إذا عرفت هذا فالراوى بالسماع عن الشيوخ مثلا حاكٍ عنهم أنهم قالوا فال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كذا ، فهو غير كاذب قطعاً، ولو فرض أن الحديث كذب فى نفس الأمر، وكذا من رواه بأى الطرق الآتية ، فانه رافي لما كاتبه به فلان أو وجده بخطه أو أجاز له أن یروى عنه . ے نعم لا بد أن يعرف أن من حدثه أو وجد بخطه صادق فما رواه وإلا كان راويا عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما يجوز أنه كذبٌ ، وراوى الكذب أحد الكذابين . * * ١٣ الْحَسْنِ : ولما فرع المصنف من التكام على الصحيح أخذ فى التكلم على الحسن فقال (القسم الثانى الحَسَن) تقدم له أنه قسم الخطّابى الحديث إلى ثلاثة أقسام ثانيها الحَسَنَ. قال الشيخ تقي الدين بن تيمية: إثبات الحسن اصطلاح للترمذى ، وغير الترمذى من أهل الحديث ليس عندهم إلا صحيح وضعيف ، والضعيف عندهم ما انحط عن درجة الصحيح ، ثم قد يكون متروكا وهو أن يكون راويه منهماً أو كثير الغلط، وقد يكون حسناً بأن لا يتهم بالكذب ، قال: وهذا معنى قول أحمد : العمل بالضعيف أولى من صاحب القياس ( وفيه ) أى وفى هذا البحث المذكور فيه الحَّن (ذكرشروط أهل السنن الأربعة)، وشروط ( أهل المسانيد وغيرهم) كأنه يريد أهل الأطراف. ( اختلفت أقوال الأئمة) من أهل الحديث ( فى حد الحديث الحَسن، فقال) فى تعريفه (أبو سليمان الخطابى: الحسنُ ماعرف مخرجه) بفتح الميم وسكون الخاء المعجمة وفتح الراء - قال الحافظ ابن حجر: إنه فسّر القاضى أبو بكر بن العربى مخرج الحديث بأن يكون الحديث من رواية راوٍ قد اشتهر برواية حديث أهل بلد كقتادة فى البصريين وأبى إسحاق السبيعى فى الكوفيين وعطاء فى المكيين وأمثالهم، فان حديث البصريين إذا جاء عن قتادة مثلاً كان تخرجه ء .٠ ١ - ١٥٥ - معروفاً ، وإذا جاء عن غيرقتادة ونحوه كان شاذاً ( واشتهر رجاله) أى كان رجال سنده مشهورين غير مستورين ، وعرفه الحافظ فى النخبة بتعريف الصحيح وإنما فرق بينهما بخفة الضبط فى رجال الحسن ، ومثله صنع المصنف فى مختصره فى علوم الحديث (وعليه مَدّارأ كثر أهل الحديث، وهو الذى يقبله أكثر العلماء، ويستعمله عامة الفقهاء ، انهی کلام الخطابى، قال زين الدين : ورأيت فى كلام بعض المتأخرين أن قوله ماعرف مخرجه احتراز عن المنقطع وعن حديث المدلس قبل أن يبين تدليسه) لا يخفى أن كلام ابن العربى الذى نقلناه آنفاً دال على أنه خرج بذلك القيد الشاذ ( قال الشيخ تقي الدين) ابن دقيق العيد ( ليس فى عبارة الخطابى كثير تلخيص ، وأيضاً فالصحيح قد عرف مخرجه واشتهر رجاله فيدخل الصحيح فى حَدّ الحسن) على تعريف الخطابي، قال الشيخ تقي الدين متأولا للخطابى (وكأنه) أى الخطابى ( بريد مالم يبلغ درجة الصحيح) قد أجابَ عن هذا الشيخ أبو سعيد العلائى فقال: إنما يتوجه الاعتراض على الخطابى أنْ لو كان عرف الحسن فقط، أماوقد عرف الصحيح أولا ثم عرف الحسن فيتعين حمل كلامه على أنه أراد بقوله « عرف مخرجه واشتهر رجاله)» مالم يبلغ درجة الصحيح، ويعرف هذا من مجموع كلامه، انتهى. قلت : هذا هو الجواب الذى أشار إليه الشيخ تقي الدين آخراً ، لكنه أورد عمليه الحافظ ابن حجر أنه على تسليم هذا الجواب فهذا القدر غير منضبط ، انتهى. قلت: ويقال للحافظ: وكذلك تعريفُك الحَسَنَ فى النخبة وشرحها بقولك ((فان خف الضبط أى قلّ مع بقية الشروط المتقدّمة فى حد الصحيح فَحَسَنٌ لذاته)» غيرُ منضبط أيضاً، فان خفة الضبط أمرٌ مجهولٌ ، ومثله تعريف المصنف له فى مختصره، والجواب بأنه مبنى على العرف أو على المشهور غير تمافع إذ لا عرف فى مقدار خفة الضبط . (قال الشيخ تاج الدين التبريزى: فى كلام الشيخ تقي الدين نظر لأنه يذكر - ١٥٦ - من بعد أن الصحيح أخص من الحسن ودخول الخاص) وهو الصحيح هنا ( فى حد العام) وهو الحسن هنا ( أمر ضرورى) لوجود العام فى ضمن قيود الخاص، ضرورة أن الخاص هو العام وزيادة ( والتقييد بما يخرجه) أى الخاص ( عنه) · أى عن حدّ العام (مخل للحد ) فانه ليس ذلك حقيقة العام والخاص ( قال زين الدين: وهو اعتراض متجه) قال الحافظ بن حجر: بين الحسن والصحيح عموم وخصوص من وجه ، وذلكَ بين واضح لمن تدبره ، فلا يرد اعتراض التبريزى، إذالا يلوم من كون الصحيح أخص من الحسن من وجه أن يكون أخص منه مطلقاً(١) حتى يدخل الصحيح فى الحسن ، انتهى . (قلت: بل هو) أى تنظير التبريزى ( اعتراض غير متجه) على ابن دقيق العيد، (لأن العموم والخصوص إنما يقع على الحقيقة فى الحدود الحقيقية المعرفة للذوات المركبة المشتملة على الأجناس والفصول ، وليس فى الحديث الصحيح والحسن شىء من ذلك) قد عرفت مما سلف أن رسم الصحيح (( ما اتصل سنده بنقل العدل الضابط عن مثله - إلخ)) ورسم الحسن بأنه «مااتصل سنده برواية مَنْ خَف ضبطه، إلى آخره، فقيد الضبط قد أخذ فى الرسمين، إنما اختلفت صفة خفته وخلاقها ، فقد تغايرا تغايرَ الخاص والعام ، فكل صحيح حسن وزيادة، كما أن كل إنسان حيوان وزيادة (١)، والعموم والخصوص يجرى بين (١) ضابط العموم والخصوص المطلق: أن يجتمع اللفظان فى صحة الاطلاق على شىء واحد، وينفرد أحدهما بصحة الاطلاق على شىء لا يجوز أن يطلق عليه الآخر ، وخذ لذلك مثلا لفظ الانسان مع لفظ الحيوان ، فان هذين · اللفظين يطلقان معا على زيد مثلا، فيقال: زيد إنان ، ويقال : زيدحيوان ، وينفرد لفظ الحيوان بصحةً إطلاقه عنى الجمل فيقال: الجمل حيوان، ولا يجوز أن يقال: الجمل إنسان، ولا يوجد شىء يصح أن يطلق عليه لفظ الانسان ولا يطلق لفظ الحيوان عليه . وليس كل ما جاز إطلاق لفظ الحيوان عليه يصح أن= - ١٥٧ - المفاهيم عرضية كانت أو ذاتية، نعم رسم الترمذى للحسن على ما سنحققه مغاير لرسم الصحيح مغايرة ظاهرة ، فانه لا يشترط فيه الاتصال الذى لا بد منه فى الصحيح لعدم اشتراطه فى رجاله ما يشترط فى رجال الصحيح ، فأما قول الحافظ إن بينهما عموماً وخصوصاً منوجه(١) فلا يتم على تقدير إرادة الحسن لذاته أو الحسن لغيره ، بل على الأول بينهما عموم وخصوص مطلق، وعلى الثانى بينهما تباين كما ستعرفه، وقول المصنف (لأن لكل واحد منهما) أى من الصحيح والحسن (أمارة يجب العمل عندها ، وبعضها أقوى فى الظن من الأخرى) صحيح ، لكنه لا ينافى كون أحدهما أخص من الآخر ، بل فيه الاقرار بأنه قد جمعهما وجوب العمل كما يجمع العام والخاص أمر يعمهما ثم يفترقان بأمر يختص به أحدهما (لا أن القوية) أى الأمارة القوية ، وهى أمارة الصحيح (متركبة من الضعيفة) يطلق لفظ الانسان عليه ، وبتعبير أخر : بعض ماجاز إطلاق لفظ الحيوان عليه يجوز أن يطلق لفظ الانسان عليه ، وكل ماجاز إطلاق لفظ الانسان عليه جاز إطلاق لفظ الحيوان عليه فتفهم هذا (١) ضابط العموم والخصوص الوجهى: أن يجتمع اللفظان فى صحة الاطلاق على شىء واحد ، وينفرد كل واحد منهما بصحة الاطلاق على شىء لا يجوز أن يطلق عليه الآخر، وخذلذلك مثلا لفظ الانسان مع لفظ الأبيض ، فان هذين اللفظين يطلقان معا على زيد التركى مثلا، فيقال : زيد إنسان، ويقال : زيد أبيض، وينفرد لفظ الانسان بجواز الاطلاق على بكر الزنجى ، فيقال: بكر إنسان، ولا يجوز أن يقال: بكر أبيض. وينفرد الأبيض بجواز الاطلاق على الحجر الأبيض ، فيقال : هذا الحجر أبيض، ولا يجوز أن يقال: هذا الحجر إنسان، ولهذا يقال: بعض ما يصح إطلاق لفظ الأبيض عليه يصح إطلاق لفظ الانسان عليه ، وبعض ما يصح إطلاق لفظ الانسان عليه لا يصح لفظ الأبيض عليه، وبعض مايصح إطلاق لفظ الأبيض عليه لا يصح إطلاق لفظ الانسان عليه . - ١٥٨ - وفى أمارة الحسن (ومن أمر آخر) أى كما هو شأن الذاتيات مثل الانسان والحيوان ، فان الخاص مركب من الأعم بزيادة قيد الناطقية مثلا، ويجاب بأنه قد حصل فى مفهوم الرسمين من التغاير ما يحصل بين العام والخاص ، وأما كونه ذاتياً أو غير ذاتى فليس التغاير يختص بالذاتيات ، بل يقع بين المفاهيم ، وهو المراد هنا، وقوله ( فان الحديث الصحيح المروى عن ابن سيرين لم يتركب من الحديث الحسن المروى عن ابن إسحاق ، ومن الحديث الصحيح المروى عن ابن سيرين ، وأمثال ذلك ) خارج عن محل النزاع، إذ الكلام فى رسم الصحيح. والحسن ومفهومهما ، لا فى معروضهما، فهو انتقال من العارض وهو الصحيح والحسن إلى المعروض وهو أفراد الأسانيد (وبالجملة فالحد الحقيقى) أى التام وهو الذى يجمع الجنس والفصل القريبين، والناقص من الحدما كان بالجنس البعيد والفصل القريب والرسم التام ما كان بالجنس القريب والخاصة ، والرسم الناقص ما كان بالخاصة وحدها أو بها وبالجنس البعيد ( متعذر هنا) بل قد قيل : إنه غير مقطوع به فى مثل الحيوان الناطق الذى جزم به المناطقة بأنه حد حقيقى لجواز أنهماليسا ذاتيين ، وعلى تجويز ذلك فيجوز أنهما غير قريبين (وإنما تفيد تمييز الاعتبارات المصطلح عليها بعضها من بعض) قد قدمنالك هذا بعينه فى أول بحث الصحيح فتذكر (وذكر الحدود المحققة أمر أجنبى عن هذا الفن ، فلا حاجة إلى التطويل فيه) قد عرفت قريباً أقسام التعريف الأربعة للحد والرسم، إلا أن هاهنا بحناً وهو أن الرسوم يقال لها تعاريف كما يقال للحدود ، إذ تعريف الشىء هو الذى يلزم من تصوره تصور ذلك الشىء أو امتيازه عن كل ماعداه كما هو معروف فى كتب الميزان الرسالة الشمسية وغيرها ، فالرسوم لا بدفيها من جنس قريب وخاصة وهو التام ، أو خاصة فقط أو مع الجنس البعيد ، وهو الناقص، فإذا عرفت هذا عرفت أن العموم والخصوص يجرى فى الرسوم كما يجرى فى الحدود ٠ - ١٥٩ - (وقال أبو عيسى الترمذى) وهو محمد بن سورة(١) (فى العلل التى فى أواخر الجامع : وما ذكرنا فى هذا الكتاب حديث حسن فانما أردنا به حسن إسناده، وحقيقته) عنده ( هو كل حديث يروى ولا يكون فى إسناده من يتهم بالكذب، ولا يكون الحديث شاذا ، ويروى من غير وجه نحو ذلك ، فهو عندنا حسن ) قلت : قد أورد على كلام الترمذى أنه لاحاجة إلى قوله (( ولا يكون شاذاً )» إذ قوله (( ويروى من غير وجه)» يغنى عنه ، وقال الحافظ ابن حجر: ليس فى كلامه تكرار، والشاذ عنده : ما خالف فيه الراوى من هو أحفظ منه أو أكثر، سواء تفرد به أو لم يتفرد کما صرح به الشافعى ، وقوله « ویروی من غير وجه )» شرط زائد على ذلك ، وإنما يتمشى ذلك على رأى من يزعم أن الشاذ ما تفرد به الراوى مطلقاً ، وحمل كلام الترمذى على الأول أولى، لأن الحمل على التأسيس أولى من الحمل على التأكيد، سيما فى التعاريف، انتهى (قال الحافظ أبو عبد الله محمد بن أبى بكر المواق) عبارة الزين ((ابن المواق (٢))) معترضاً على الترمذى (لم يخص الترمذى الحسن بصفة تميزه عن الصحيح) فان شرائط الحسن هذه لا بد منها فى الصحيح ( فلا يكون) الحديث ( صحيحاً إلا وهو غير شاذ) كما عرفت فى رسم الصحيح ( ويكون رواته غير متهمين ) لأنا قلنا فى رسمه بنقل العدل الضابط والمتهم غير عدل ( بل ثقات، فظهر من هذا) الرسم الذى ذكره الترمذى للحسن (أن الحسن عند أبى عيسى صفة لا تخص هذا القسم بل قد يشركه فيها الصحيح قال) أبو عبد الله ( فكل الصحيح عنده حسن ، وليس كل حسن عنده صحيحاً) ظاهر كلامه أن الترمذى أتى بقيود الصحيح فى رسم الحسن ، ولم يميزه بقيد يخصه به، وإذا كان كذلك فقياسه أن يقول فكل صحيح حسن، وكل حسن (١) سورة: هو بفتح السين المهملة وسكون الواو بعدها راء مهملة فهاء (٢) المواق : هو بفتح الميم وتشديد الواو ، وبعد الألف قاف - ١٦٠ - صحيح ( قلت: هذا ) أى القول بالأعمية والأخصية المطلقة (مثل كلام تاج الدين) التبريزى (المقدم) وقد رده المصنف بما رددناه (وليس ما قاله) ابن المواق (بلازم للترمزى) من اتحاد الصحيح والحسن (لأنه يشترط فى رجال الصحيح من قوة العدالة) قلت : كلامهم كلهم ومنهم المصنف فى مختصره وقد نقلنا عبارته قاض بأنه لايخالف الحسن الصحيح إلا بخفة ضيط رواته، لا بضعف العدالة ، على أن فى تحقق ضعف العدالة تأملا لا يخفى ( وقوة الحفظ والاتقان) هذا صحيح وبهذا تعرف أن الحسن يتميز عن الصحيح بزيادة شروط فى القيود، ولا يخفى أن الحافظ ابن حجر والمصنف لم يفرقا بين الصحيح والحسن إلا بخفة ضبط الراوى فقط، وزاد المصنف هنا الاتقان فى شرائط رواة الصحيح، ولم يذكره فيما مضى، إلا أن يقال إن قولهم فى حد الصحيح الضبط التام عبارة تفيد شرطية الاتقان (مالا يشترط فى رجال الحسن ) حينئذ فالحسن يتميز عن الصحيح بزيادة قيود فى شروط الصحيح ، وقد عرفت غير مرة أنه لم يفرق المصنف والحافظ ابن حجر بين الحسن والصحيح إلا بخفة ضبط الراوى لا غير ( ولكن يعترض عليه) أى على الترمذى (كونه لم يورد ذلك ) أى لم يورد ما يدل على اشتراطه بقوة رجال الصحيح عدالة وحفظا وإتقاناً ، وقد يقال: إذا لم يورد ذلك فبأى شىء عرف أنه يشترطه؟ فأجاب بأنه ( يمكن أن يجاب عنه بأنه مفهوم من عبارته ، حيث شرط فى رجال الحسن أن يكونوا غير متهمين بالكذب ، لأن الثقة الحافظ لا يوصّف فى عرف المحدّثين بأنه غير متهم بالكذب فقط ، لأن عدم التهمة بذلك قد يوصف بها الضعفاء ) الذين ضعفوا بسوء الحفظ أو الغفلة أو نحو ذلك ( وقد بين مراده بقوله بعد ذلك ((ویروی من غير وجه نحو ذلك)» يعنى حتى ينجبر ما فيه من الضعف ) فانه لما خص رسم الحسن بهذا الاشتراط كان قرينة قوية على مراده فى صفات رجاله، وإلا لو حملنا صفة رجاله على صفة رجال الصحيح للزم من زيادة هذا القيد أن يكون الحسن أقوى من الصحيح ، والمعلومُ خلافه .