النص المفهرس

صفحات 101-120

- ١٠١-
متحد ، وأنه شىء واحد ، قلت : ولا يخفى أنه لا يوافق ما سلف منْ تقسيم
الصحيح ، ومن قولهم («ثم ما على شرط البخارى ، ثم ما على شرط مسلم»
( قال زين الدين: وليس ما قاله ابن طاهر بجيد) حيث قال المجمع على ثقة نقلته
فانه غير صحيح (لأن النسائى ضعف جماعة أخرج لهم الشيخان أو أحدهما) فلم
تتم دعوى ابن طاهر أن رواتهما مجمع على ثقتهم ( قلت : مَاهذا) أى تضعيف
جماعة من رواة الشيخين ( مما اختصّ به النسائى ، بل شاركه فى ذلك غیرُ
واحد من أئمة الجرح والتعديل كما هو معروف فى كتب هذا الشأن) كأنه لم يرد
الزين إلا التمثيل، وإلا فانه لا يخفى على مثله أن غير النسائى قدح فى جماعة من
رواتهما (ولكنه) أى ماضعف به من قدح فيه من رُواتهما ( تضعيف مطلق)
فسر المطلق بقوله ( غير مُبَيَّن السبب) فهو وصف كاشف ( وهو غير مقبول على
الصّحيح كما سيأتى بَيان ذلكَ فى موضعه من هذا المختصر) سيأتى للمصنف رحمه
الله تعالى فى مراتب الجرح فى الفائدة السادسة أن الجرح الذى لم یبین سببهغير
مفيد للجرح، ولكن يوجب الريبة والوقف فى غير المشاهير بالعدالة والأمانة فلا
يؤثرفيهم ، ولا ينتر سنتر بأن الجرح مقدم على التعديل ، فذاك الجزح المبين
للسبب ، انہی.
قلت : إلا أنه لا يخفى أنه ليس كل مَنْ جرح من رجال الصحيحين جرحه
مطلق مطلقاً، بل فيهم جماعة جرحوا جرحاً مبين السبب منهم من جرح بالارجاء (١)
(١) الارجاء : فى اللغة معناه التأخير، تقول: أرجأت كذا إرجاء، إذا
أخرته ، وهو فى الاصطلاح: مقالة لبعض أهل الدين ، زعموا أنه لا يضر مع
الإيمان شىء من المعادى، كما أنه لا ينفع مع الكفر شىء من الطاعات ،
وفسروا الايمان بالتصديق القلبى الجازم، ولم يجعلوا للعمل دخلا فيه لا بالشرطية
ولا بالشطرية، وسموهم مرجئة لأنهم أخروا العمل ، أى جعلوه فى مرتبة
متأخرة

-- ١٠٢ -
كأيوب بن عَائِذ بن مفلح أخرج له الشيخان ، قال النسائى وأبو داود : كان
مرجئاً ، وقال غيرهما: كان يرى الارجاء إلا أنه صدوق ، وبالنصب (١) فانه
أخرج البخارى لتورين يزيد الحصى ، وكان يرمى بالنصب ، قالَ ابن معين :
كان يجالس قوماً ينالون من أمير المؤمنين على رضى الله عنه لكنه كان
لا يسبُّ ، وأخرج البخارى لجرير بن عثمان الحمصى ، قالَ الفلاس : كان يبغض
علياً، قال الحافظ بن حجر : جاءَ عنه ذلكَ من غير وَجْه ، وجاءَ عنه خلاف
ذلك ، روى عنه أنه تاب ، وبالتشيع (٢) أخرج البخارى عن خالد القطوانى،
قال ابن سعد: كان متشيعاً مفرطا، وبالقدر (٣)، أخرج لهشام بن عبد الله
الدستوائى ، كان حجة ثقة إلا أنه كان يرمى بالقدر، قاله محمد بن سعيد ، وفيهم
عوالم من رمى ببدعة، وقد سقنا فى ثمرات النظر جماعة من ذلك ، وقد أخذوا
السلامة من البدعة فى رَسم العدالة ، فالبدعة قادحة عندهم فيها ، وفيهم من هو
داعية إلى بدعته، حتى بالغ ابن القطان ، وقال: فى رجالهما مَنْ لا يعْف إسلامه
(١) النصب- بفتح النون وسكون الصاد - مقالة لبعض الناس، ويقال.
لهم النواصب والناصبة، وهم يتدينون بيغض على بن أبى طالب رضى الله
تعالى عنه وكرم الله وجهه، وأصل النصب العداوة، وإنما سموا بذلك لأنهم
نصبوا له أى عادوه
(٢) التشيع فى اللغة: مصدر تشيع الرجل للرجل، إذا صار من شيعته
وأنصاره، والتشبع: فى العرف مقالة الشيعة. وهم فرق كثيرة، ويجتمعون
على مشايعة على بن أبى طالب رضى الله عنه والانتصار له، والقول بأنه هو الامام
بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، والاعتقاد بأن الامامة لاتخرج عنه وعن
أولاده .
(٣) القدر فى عرف أهل النحل : مقالة قوم زعموا أن كل عبد فهو خالق
لأفعال نفسه، وزعموا أن الإيمان والكفر لا يحصلان بتقدر الله تعالى، وإنما
يحصلان بفعل الانسان وخلقه، والقائلون بهذه المقالة يقال لهم القدرية .

- ١٠٣ -
نقله عنه العلامة المقبلى، وإن كنا لا نرى هذا إلا من الغلو، فانه من المعلوم
أنه لا يروى أئمة الحديث عن غير ملم، على أنه لوسلم للمصنف أنه ليس فى
رجالهما إلا من جرح جرحاً مطلقاً فانه قال: إنه يوجب الريبة والتوقف، وهذا
كاف فيما تعقب به زين الدين ابن طاهر حيث قال: إنشرطهما أن يخرجا الحديث
المجمع على ثقة نقلته، إذ الثقة لا يتوقف فى قبول روايته لسلامته عن الجرح مطلقاً
ومفسراً، فقول المصنف («وهو أى التضعيف المطلق غير مقبول على الصحيح))
خلاف ما يأتى له منْ أنه يقتضى الريبة والتوقف ، لا أنه يجزم بعدم القبول له كماهنا
القول الثاني مما قيل إنه شرط الشيخين ما أفاده قوله (قال الحازمى ) كما
نقله عنه زين الدين ( فى شروط الأئمة ما حاصله : إن شرط البخارى أن يخرج
ما اتصل إسناده بالثقات المتقنين الملازمين لمن أخذوا عنه ملازمة طويلة) هذا
لا يوافق مانقل عن البخارى من أنه يشترط اللقاء ولو مرة، بل هذا يدل على أنه إنما
يكتفى بالمرة فى حق أهل الطبقة الثانية الذين أشار إليهم بقوله (وأنه قد يخرج
أحيانا عن أعيان الطبقة التى تلى هذه فى الانقان والملازمة لمن رووا عنه فلم
بلادهوه إلا ملازمة يسيرة، وأن شرط .إم) عطف على قوله أن شرط البخارى
( أن يخرج أحاديث هذه الطبقة الثانية) لا يخفى أن مسلماً لا يشترط اللقاء أصلا
كما صرح به فى مقدمة صحيحه كما يأتى لفظه ، وأهل هذه الطبقة يشترط فيهم
اللقاء ولو يسيراً كما عرفت، فان أريد أن مسلماً قد يخرج لأهل هذه الطبقة فنعم،
ويخرج لأهل الأولى، وهم على شرطه وزيادة ، وليسوا شرطه، إلا أن يريد هنا
تخريجه بغير العنعنة إذ هى التى لا يشترط فيها اللقاء فلا بأس ، لكن كان عليه
أن يصرح بذلك هنا ( وقد يخرج مسا أحاديث من لم يسلم عن غوائل الجرح إذا كان
طويل الملازمة من أخذ عنه كحرد بن سلمه فى ثابت البنانى وأيوب) قال الذهبي
فى الميزان: احتجمسلم بحماد بن سلمة فى أحاديث عدة فى الأصول، وتحايده
البخارى، قال الحاكم فى المدخل : ما خرج مسلم لحماد بن سلمة فى الأصول إلا فى
-

- ١٠٤ -
حديثه عن نابت ، قال الذهبي: وحماد إمام جليل مفتى أهل البصرة مع إسحق
ابن أبى عروبة، انتهى، ولم يذكر فيه جرحا إلا أنه ساق عنه أحاديث فيها
نكارة ( قال زين الدين : هذا حاصل كلام الحازمى) ونقل النووى فى شرح مسلم
عن ابن الصلاح أن شرط مسلم فى صحيحه أن يكون الحديث متصل الاسناد
بنقل الثقة عن الثقة من أوله إلى منتهاه سالماً عن الشذوذ والعامة .
وقال النووى أيضا: ذكر مسلم فى أول مقدمة صحيحه أنه يقسم الأحاديث
إلى ثلاثة أقسام : الأول: مارواه الحفاظ المتقنون ، والثانى: مارواه المستورون
المتوسطون فى الاتقان والحفظ، والثالث: مارواه الضعفاء والمتروكون ، وأنه إذا
فرغ من هذا القسم الأول أتبعه الثانى، وأما الثالث فلا يعرج عليه، فاختلف
العلماء فى مراده بهذا التقسيم: فقال الامامان الحافظان أبو عبد الله الحاكم وصاحبه
أبو بكر البيهقى: إن المنية اخترمت مسلما قبل إخراج القسم الثانى ، وإنما ذكر
القسم الأول، قال القاضى عياض: وهذا مما قبله الشيوخ والناس من الحاكم أبى
عبد الله، وتابعوه عليه. قال القاضى: وليس الأمر على ذلك لمن حقق نظره وام
يتقيّ بالتقليد، فانك إذا نظرت فى تقسيم مسلم فى كتابه الحديث على ثلاث طبقات
من الناس كما قال فذكر أن القسم الأول حديث الحفاظ ، وأنه إذا انقضى أتبعه
بأحاديث من لم يوصف بالحذق والاتقان مع كونهم من أهل الستر والصدق وتعاطى
العلم، ثم أشار إلى ترك حديث من أجمع العلماء أو اتفق الأكثر منهم على تهمته، وبقى
من ذكره بعضهم وصححه بعضهم فلم يذكره هنا ، ووجدته ذكر فى كتابهحديث
الطبقتين الأولَيَيْن بالأسانيد الثابتة عنهما بطريق الاتباع للأولى والاستشهاد ،
وحيث لم يجد فى الباب من الأولى شيئا ذكر أقواماً تكلم فيهم قوم وزكاهم
آخرون، وخرج حديثهم ممن ضعف أواتهم ببدعةٍ ، وكذا عمل البخارى، فتبين

- ١٠٥ -
أنه أتى بطبقاته الثلاث(١) فی کتابه على ماذ کر، ورتبه فی کتابه ، وبينه فى
تقسيمه ، وطرح الرابعة كما نص عليه .
قلتُ: وهى التى تأتى فى عبارته بقوله « وكذلك من الغالب على حديثه المنكر
أو الغلط أمسكنا أيضاً عن حديثه)).
والحاكم لم يذكر إلا ثلاث طبقات كما عرفت، فالحاكم تأوّل أنه إنما أراد
أن يفرد لكل طبقة كتابا، ويأتى بأحاديثها خاصة مفردة، وليس ذلك مراده،
بل إنما أراد ماظهر فى تأليفه، وبَان من غرضه أن يجمع ذلك على الأبواب،
ويأتى بأحاديث الطبقتين، فيبتدئ بالأولى ، ثم يأتى بالثانية على طريق الاستشهاد
والاتباع، حتى يستوفى جميع الأقسام الثلاثة.
ويحتمل أن يكون أراد بالطبقات الثلاث الحفاظ، ثم الذين يلونهم، والثالثة
هى التى طرحها، وكذلك على الأحاديث التى ذكر وَوَعَد أنه يأتى بها، وقدجاء
بها فى مواضعها من الأبواب من اختلافهم فى الأسانيد كالارسال والإِسناد والزيادة
والنقص ، وذكر تصاحيف المصحفين ، وهذا يدل على استيفائه غرضه فى تأليفه
وإدخاله فى كتابه كل ما وعدّ به .
قال القاضى: وقد فاوص فى حأريلى هذا ورأيى مَنْ يفهم هذا الباب فما
رأيت منصفاً إِلا صوَّبه، وبان له ما ذكرت، وهو ظاهر لمن تأمل الكتاب
وطالع الأبواب، انتهى.
قلت: قد اضطرب العلماء فى فهم مراد مسم فلننقل لفظه،ولنُبين ما يفهمه.
قال مسلم فى مقدمة صحيحه (« إنه يقسم الرواة على ثلاث طبقات من الناس:
(١) لا يخفى أنه ذكر أن الثالثة لا يعرج عليها، والقاضى يدعى أنه أتى
بالثالثة، وكيف وهو قد صرح بأنه لا يتشاغل بأهل الثالثة وأهل الرابعة ولا
يخرج أحاديثهما !.

- ١٠٦ -
أما القسم الأول فإنا نتوخى أن نقدم الأخبار التى هى أسلم من العيوب من غيرها
وأنقى من أن يكون ناقلوها أهل استقامة فى الحديث وإتقان لما نقلوه ولم يوجد
فى رواياتهم اختلاف شديد ولا تخليط فاحش، ثم قال : فاذا نحن تقصَّينا أخبار
هذا الصنف من الناس أتبعناها أخباراً يقع فى أسانيدها بعضُ مَنْ ليس
بالموصوف بالحفظ والاتقان كالصنف المقدم قبلهم، على أنهم وإن كانوا ممن وصفنا
فان اسم الستر والصدق وتعاطى العلم يشملهم، ثم قال : وأما ما كان منهاعن قوم هم
عند أهل الحديث متهمون أوعند الأكثر منهم فانا لا نتشاغل بتخريج أحاديثهم،
ثم قال: وكذلك مَنْ كان الغالب على حديثه المنكر أو الغلط أمسكنا أيضاً
عن حديثه، ثم قال أيضا: فلسنا نصرح بتخريج حديثهم، ولا نتشاغل به،لأن
حكم هؤلاء عند أهل العلم والذى يعرف من مذهبهم فى قبول ما انفرد به المحدث
من الحديث أن يكون قد شارك الثقات من أهل الحفظ فى بعض ما رَوَوْا ،
وأتقن فى ذلك على الموافقة لهم)) انتهى جملة ما قاله بلفظه، إلا حذف ما أتى
به من تعداد رجال من أهل كل صنف .
إذا غرفت هذا فالذى أفادته عبارته أنه يخرج أحاديث أهل القسم الأول،
وهم أهل الاستقامة فى الحديث والاتقان لما نقلوه، وهؤلاءهم المرونون بتمام الضبط
المأخوذ قيماًفى رسم الصحيح، ثم يخرج أحاديث الصنف الثانى، وهم الذين خف
ضبطهم ، وهم من أهل الستر والصدق وتعاطى العلم، وهؤلاء هم شرط الحسن،
فانهم الذين خف ضبطهم مع عدالتهم، ثم ذكر أنه يترك الصنفين الآخرين
بالكلية، وهماقسمان: الأول المتهمون عند أهل الحديث أو عندالأكثر، والثانى
مَنْ الغالب على حديثه المنكر أو الغاط ، فانه صرح بأنه لا يتشاغل بأهل هذين
القسمين ولا يخرج أحاديثهم ، فعرفت أنه ذكر أنه يقسم الرواة ثلاث طبقات ،
ونحصل من كلامه أربع طبقات، فكأنه جعل مَنْ لا يتشاغل بحديثه قسما واحدا،
وبعد تحقيقك لما ذكرناه تعرف أن قول القاضى « إنه أتى مسلم بالطبقات الثلاث»

- ١٠٧ --- -
خلاف صريح قول مسلم بأنه لا يتشاغل بحديث المتهمين عند أهل الحديث أوعند
الأكثر، فإن هؤلاءهم أهل الطبقة الثالثة فى كلامه، وقول القاضى «إنه طرح
الرابعة)) صحيح لكنه أيضا طرح الثالثة ، فانه حكم على أهل الثالثة والرابعة
أنه لا يتشاغل بحديثهم، وقول القاضى « ويحتمل أنه أراد بالطبقات الثلاث من
الناس الحفاظ ثم الذين يلونهم والثالثة التى طرح» يقال: هذا هو الاحتمال الذى
يتبادر إليه كلام مسلم، لكنه طرح الثالثة والرابعة أيضاً .
وبعد هذا تعرف أن تأويل الحاكم بأنه إنما أتى بأهل الطبقة الأولى غير
٠
صحيح، لأنه صرح مسلم أنه بعد تقضى أخبار أهل الطبقة الأولى يأتى بأهل
الطبقة الثانية، والظاهر أنه يأتى بهم فى كتابه هذا لا فى غيره ، فتبين أنه أتى
بأهل طبقتين، وترك أهل طبقتين ، هذا ما يفيده كلامه فى المقدمة من دون نظر
إلى مافى أبواب الكتاب ، ولا بد لنا من عودة إلى هذا، ونذكر ماقاله الحافظ
ابن حجر رحمه الله فيما يأتى، وقد اتضح لك أن صحيح مسلم فيه الصحيح
والحسن بصريح ماقاله، واتضح لك أن الأمر أوسع دائرة مما قاله الحازمى.
(قلت: ومراده) أى الحازمى ( باخراج مسلم لحديث من لم يسلم من غوائل
الجرح إذا كان طويل الملازمة هو) أى من لم يسلم من غوائل الجرح (أن يكون
متكاماً عليه بضعف فى حفظه لا فى دينه) فهو خفيف الضبط (فان ضعف الحفظ
ينجبر بطول الملازمة) فتلحقه طول الملازمة بالحفاظ المتقنين (وهذا معروف
من عرف المحدثین ، ولذا مجدهم يقولون فی کثیر من الرواة إنه قوی إذا روى عن
فلان ضعيف إذا روى عن فلان) فهذا كلام حسنٌ جداً وفائدة جليلة فانه قد
يقول الناظر - إذا رأى أئمة الحديث يقولون مثلا فى إسماعيل بن عياش إنه مقبول
إذا روى عن أهل الشام ضعيف فى روايته عن غيرهم - : إنه كيف يقبل فى قوم
ويضعف فى آخرين؟ فانه إذا كان فيه شروط الرواية كاملة قبل فى الفريقين ، وإلا
◌ُدَّفيهما، ولذا وصى المصنف رحمه الله بمعرفة هذا بقوله ( فاعرف ذلك) لنفالسته.

- ١٠٨-
الثالث مما قيل إنه شرط الشيخين ما أفاده قوله ( وقال النووى : إن المراد
بقولهم) أى أئمة الحديث ( على شرطهما أن يكون رجال إسناده فى كتابيهما ،
لأنهليس لهما شرط فى كتابيهما ولا فى غير هما،قال زين الذين: وقد أخذ) أى
النووى (هذا من ابن الصلاح فانه لما ذكر كتاب المستدرك للحاكم قال إنه
أودعه مارآه على شرط الشيخين قد أخرجا عن رواته فى كتابيهما إلى آخر كلامه)
وهو قوله « أو على شرط البخارى وحده، أو على مسلم وحده)) (وعلى هذا) الذى
ذكره ابن الصلاح (عمل الشيخ تقي الدين) ابن دقيق العيد ( فانه ينقل عن الحاكم
تصحيحه لحديث على شرط البخارى مثلا) أى يقول بعد إخراجه فى المستدرك
على شرط البخارى ( ثم يعترض) الشيخ تقي الدين (عليه) على الحاكم ( بأن فيه)
أى الحديث الذى صححه الحاكم على شرط البخارى مثلا ( فلانا ولم يخرج له
البخارى ، وكذلك فعل الذهبى فى مختصر المستدرك) فدل هذا منه ومن الشيخ
تقى الدين أنهما جعلا شرط البخارى ومسلم وُجودَ رجال الإِسناد فى كتابيهما ،
وأن شرطهما هو روايتهما عن الراوى فى كتابيبما كما قاله النووى، وتبعهم الحافظ
ابن حجر فقال فى النخبة وشرحها: والمراد به أى شرطهما رواتهما مع باقى شروط
الصحيح (وليس ذلك منهم) أى من ابن الصلاح والنووى وابن دقيق العيد
والذهبي (بجيد) أى جعلهم شرط الشيخين ماذكر غير جيد (فان الحاكم صرح فى
خطبة كتابه المستدرك بخلاف ما فهموه عنه، فقال: وأنا أستعين بالله تعالى على إخراج
أحاديث رواتها تقات قداحتج بمثلها الشيخان أو أحدهما) فقوله (بمثلها)» أى يتمثل
روان الاأن أنفسهم ، وحينئذ فلا يصح جعل شرطهما ماذكره ابن الصلاح ومن تبعه إذا
كان مستندهم هو صنيع الحاكم فى المستدرك، فان كلامه فى الخطبة لا يوافق ماقالوه .
قلت: ولكنه يبقى الاشكال فى قول الحاكم («على شرطهما وإيخرجاه)فإنه قد
أثبت لهما شرطا فى الرواة، فلينظر ما أراد بقوله ((على شرطهما)) فانه غير مبين
ولا معلوم، ووجود من ليس من رواتها فى حديث يقول فيه ((على شرطهما)) دليل على أنه

- ١٠٩ -
لا يقول بأن شرطهما رواتهما، وكيف يجهل رجالهما مع شدة عنايته بكتابهما
ويجهل شرطهما مع أنه قد ذكر ابن الأثير فى مقدمة كتابه جامع الأصول ما نقلناه
عنه فى البحث الرابع فى الكلام على رسم الصحيح ، فانه قال نقلا عن الحاكم
« شرط الشيخين أن يرويا حديث الصحابى المشهور بالرواية عن رسول الله صلى
الله عليه وآله وسلم وله راويان ثقتان ـ إلى آخر ماقدمناه) ، رجحه ابن الأثيروذهب
إليه ابن العربى المالكى، وهذا قول رابع فى شرط الشيخين ، وحينئذ فاذا قال
الحاكم ((على شرطهما)» فالمرادُ ماذكره هو، وقد نقله عنه الحافظ ابن حجر فى
شرح النخبة ، ولکنه ردًّە کما قدمناه .
وإذا عرفت هذه الأربعة الأقوال فى شرطهما، وعرفت أنها مدخولة كلها بما
ذكر ، فاعلم أنه يرد على ماذكروه مِنْ جَعْلهم لشرط الشيخين متحداً كما هو
الذى دل له كلام محمد بن طاهر وكلام ابن الصلاح ومن تبعه من الثلاثة المحققين
إشكال من جهتين :
الأولى: أنهم قسموا الصحيح أقساماً أحدهما ما كان على شرطهما، ثم
ما كان على شرط البخارى، ثم ما كان على شرط مسلم، وقد قرروا أن شرطهما
شىء واحدٌ متحد، فكيف يتصور انفراد شرط أحدهما عن الآخر؟ وحينئذ
فيسقطُ قسمان من السبعة الأقسام من أقسام الصحيح وتبقى خمسة .
والثانية: أنهم جعلوا ماهو على شرطهما قسما، ولم يتعين لهما شرط: فهو إحالة
على مجهول .
نعم يتم انفصال شرط أحدهما على شرط الآخر على كلام الحازمى، وهو الذى
أفاده كلام الحافظ ابن حجر فيما نقلناه سابقاً فى مرجحات البخارى على مسا، وأن
شرط البخارى اللقاء ولو مرة، وشرط مسلم مجرد المعاصرة ولو يسيرة ( إلا أن
الخلاف بين الشيخين فى اللقاء وعَدَمه إنما هو فى رواية العنعنه لامطلقا ] (١)
(١) ما بین احاصر تين زيادة فى ب، وهو مذ كور فى هامش ا

- ١١٠ -
قلت : ولا يخفى أن هذا خلاف ماصرح به مسلم فى مقدمة صحيحه بعدم
شرطية اللقاء، بل هجن على من اشترطه غاية التهجين كماسيأتى لفظه .
وقال الحافظ ابن حجر فى النخبة وشرحها: إن الصفات التى تدور عليهاشروط
الصحة من العدالة وتمام الضبط فى كتاب البخارى أتم منها فى كتاب مسلم وأشد
وشرطه أى البخارى أقوى وأسد إلى آخر كلامه الصريح فى اختلاف شرط الشيخين
وأنا شديد التعجب حيث لم أجد من نبه على هذا مع وضوحه ، والتحقيق
عندى أن العمدة فى الصحة وجود شرط البخارى ، لأنه أخص من شرط مسلم
كما قررناه ووجود الأخص لازم اوجود الأعم ، فاذا وجد الأخص فهو الأقوى ،
وحينئذ فشرطهما وشرط البخارى قسم واحد ، وأقرب الأقوال إلى شرطهما
كلام الحازمى، لأنه فرّق بين الشرطين، إلا أنه يرد عليه أنه قال: شرط مسلم
أن يخرج عمن هم فى أعلى درجات الاتقان ولازموا من أخذوا عنه ملازمة
طويلة أو عمن ليسوا فى أعلى درجات الاتقان ولا لازموا مَنْ رَوَوْا عنه ملازمة
طويلة، فأفاد أن مسلما يشترط اللقاء إذ هو لازم الملازمة طويلة كانت أوغير
طويلة ، وقد عرفت أن مسلماً صرح بخلاف هذا ، بل هو مهجّن على من اشترطه،
إلا أن يخص كلام الحازمى بغير مارواه مسلم بالعَنْنَة ، وفيه بعد هذا الحمل تأمل .
وأما الحافظ ابن حجر فإنه تناقض كلامه فى النخبة وشرحها، فذكر ماسمعته
قريبا من أن شرط البخارى غير شرط مسلم، وذكر ما سمعته قريبا من أن شرطهما
رواتهما مع باقى شروط الصحة ، إلا أن يقال: مراده شرطهما رواتهما وكل واحد
منهما له فى رواته شروط يمتاز بها عن رواة الآخر اتجه كلامه، وسا، لكن قوله
«مع باقى شروط الصحة وهى السلامة عن الشذوذ والعلة )» يفت فى عضد هذا
لأن من كملت عدالته وأتتن ضبطه قد لا تسلم روايته عن العامة والشذوذ.
ثم من الأدلة على عدم اتحاد شرطهما ماذكره النووى فى شرح ١٠ أن أبا الزبير
المكى وسهيل بن أبى صالح وحماد بن سلمة أحاديثهم صحيحة لأنهم على شرط
٦

١ -
-١
مسلم اجتمعت فيهم الشروط المعتبرة ، ولم يثبت عند البخارى ذلك فيهم، وكذا
فيما أخرجه البخارى من حديث عكرمة عن ابن عباس وإسحق بن محمد القروى
وغيرهما مما احتج به البخارى ولم يحتج به مسا، انتهى بمعناه وهو مبنى على أن
شرطهما رواجما كما سلف.
. ولكنه لا يخفى بعد هذا كله أن جعل شرطهما ماذكر من أحد الأربعة
الأقوال إنما هو تظنن وتخمين من العلماء أنه شرط لهما إذ لم يأت عنهما تصريح
بما شرطاه، نعم مسلم قد أبان فى مقدمة صحيحه من يخرج عنه حديثه كما عرفت.
ثم بقى بحثٌ فى تعقّب الشيخ تقي الدين على الحاكم حيث يقول ((على
شرطهما)) فيقول (( فيه فلان لم يخرج له البخارى)) وذلك أن ترك البخارى
التخريج عن شخص ليس دليلا على أنه ليسَ على شرطه عند الحاكم فإن الحاكم
قائل بأن شرطهما ما قدّمناه عنه بلفظه وأشرنا إليه قريبا ، فتصريحه بشرطهما
عنده يدلُّ على أنه لا يقول بأن شرطمما رواتهما، وبما صَرّح به من شرطهما
ينبغى أنْ يتعقب كلام ابن دقيق العيد فى تعقّبه للحاكم بأن فلاناً لم يخرج له
البخارى مثلا ، وذلك لأن عدم إخراج البخارى عن فلان ليْسَ دَليلاً أنه ليس
على شرطه عند الحاكم ، بل كل من وجدت فيه الصفات التى ذكرها الحاكم وجعلها
شرط روَاة الشيخين فهو على شرطهما وإن لم يخرجا عنه، فاذا أريد الانتقاد
على الحاكم إذا قال ((على شرطهما)) ثم وَجَدْنا فيه رجلاً لم يخرجا عنه نظرنا فى صفات
ذلك الرجل: هل هو جامع لما ذكره الحاكم من الصفات فى شرط روَانهما ? فلا
اعتراض عليه بأنه لم يخرج له الشيخان مثلا، فالمعتبر وجود الشرط فى الراوى ،
لا وجوده عندهما أو عند أحدهما.
وبعد هذا تعرف أن قوله فى خطبة المستدرك «قد احتج يمثلها)) أى مثل
رواتها فى صفاتهم التى ذكرها وقد يكونون هم أنفسهم أو من اتصف بصفاتهم
إذ ذلك هو المعتبر عنده، لا أن شرطهما عنده وُجود الراوى فى كتابيهما كما
-۔۔

- ١١٢ --
عرفته من كلامه الذى نقله عنه ابن الأثير والحافظ ابن حجر، وإن كان كلاما
غير مقبول ، لكن المراد تطبيق كلامه على ماصرح هو به ، لا على كلام غيره
كما فعله زين الدين، ويلزم زين الدين أن الحاكم لم يخرج عمن خرجا عنه فى كتابه
المستدرك أصلا، ولذا قال الزين لا أنهم أنفسهم ، وهذا خلاف الواقع ، فلم يرد
الحاكم فى خطبته إلا مثل من كان على صفة رواتهما التى هى شرطهما عنده أعم
من أن يكونوا نفس رواتهما أوغيرهما ممن له تلك الصفات، ( ويحتمل أن يراد بمثل
تلك الأحاديث) فيكون ضمير ((بمثلها)) للأحاديث لا لرواتها (وإنما تكون مثلها
إذا كانت بنفس رواتها) وهذا الاحتمال يتم ما ادعاه ابن الصلاح ومن تبعهم.
قلت : ولا يخفى ماقدمناه قريبا من أن الحاكم قد بين فى كتابه المدخل
شرط الشيخين ، وتصريحه مقدّم على شىء تحتمله عبارة خطبته ، بل تصريحه
يعين أحد المحتملين ، وقد أوضحناه قريباً .
إنما العجب كيف يؤخذ من كلامه المحتمل شرط الشيخين ويترك ماطرح
به من أنه شرطهما ؟ .
:
وإذا عرفت ما أسلفناه فى شروطهما عرفت أنه يتعين الامساك عن
الجزْم بوَصف حديثٍ لم يخرجاه فى كتابيهما بأنه على شرطهما، لأن شرطهما
غير معلوم جزءاً، فكيف نجزم بوصف حديث لم يخرجاه ونصححه مع الشك فيها
يوجبه ويتفرع عنه تصحيحه؟ والشك لا يتفرع عنه يقين ، ولا يهاب إطاق
المحققين على قولهم فى حديث لم يخرجاه إنه على شرط الشيخين فان الحجة
فى الدليل، لا فى مجرد الأقاويل .
( قال زين الدين: وقد بينت المثلية فى الشرح الكبير) إلا أنه قال
الزين قبل هذا : وفيه نظر، أى فى احتمال أن يراد بمثل تلك الأحاديث نفس
رواتها، فأفاد أنه لم يرتض الاحتمال الذى به يتم مراد ابن الصلاح ومن تبعه
ثم قال: وقد بينت المثلية - إلى آخره .

- ١١٣ -
(قلت : المثلية تقتضى العبرية) أى حقيقة، وإلا فانه يأتى فى الكناية أنه
قد يراد بالمثل غير المغاير، نحو( مثلك لا يبخل)) أى أنت لا تبخل ، ومنه قوله:
ولم أقل مثلك أعنى به سواك، يافردا بلا مشبه
إلا أن قول المصنف ( وقد تبين أن مراد الحاكم ما ذكره زين الدين
بإخراجه) أى الحاكم ( لحديث من لم يخرج حديثه البخارى ومسلم) يقتضى أنه
لم يرد الحاكم بالمثل إلا الغير أو الأعم منه (وكلامه) أى الحاكم (يقتضى ذلك من
غير هذه القرينة ) التى هى إخراجه لحديث من لم يخرج له الشيخان (فكيف معها؟
والله أعلم) واعلى أنه لا ريب أن فى كتاب الحاكم جماعة من رجال الشيخين
قطعاً، وجماعة من غير رجالهما قطعا، فلا يتم حمل المثلية فى خطبة المستدرك على
غير رواتهما ، ولا على نفس رواتهما ، بل يتعين حمله على من اتصف بصفات
رواتهما ، وحصل فيه شرطهما الذى قرره الحاكم نفسه فى المدخل كما قررناه قريباً
فقول المصنف ((إنه قد تبين أن مراد الحاكم بالمثل ماذكره الزين)) غير صحيح، إذ
ظاهره أنه ليس فى كتاب الحاكم أحد من رجال الصحيحين، وهذا باطل، وقول
المصنف ((إنه قد أخرج حديث من لميخرج له الشيخان)) مسلمًّ، لكن من أين له
أنه لم يخرج لمن أخرج له الشيخان ? كيف وقد قدم المصنف كلام الذهبى بأن فى
المستدرك قدر النصف صحيحاً على شرط الشيخين، والمراد به أنه رواه برجالهما، لأن
ذلك شرطهما عند الذهبي كما قاله الزين آنفاً، ثم قال: وقدر الربع على غير شرطهما ،
أى ليس رجاله رجال الصحيحين ، فإذا قلنا قطعا فى الطرفين ، وبه يدين لك أن
الحق فى كلام الحاكم فى المثلية ما ألهمنا الله إليه، لاما قاله زين الدين والمصنف .
(٨ - تنقلح ١)

- ١١٤ -
١٠
مسألة
[ فى إمكان التصحيح فى كل عصر ، ومن كل إمام]
( إمكان التصحيح مطلقا) أى: فى أى عصر من الأعصار ، ومن أى
إمام من الأئمة (اعلم أن التصحيح على ضربين : أحدهما أن ينص على صحة
الحديث أحد الحفاظ المرضيين المأمونين ، فيقبل ذلك منه ) وهذا القسم قد تقدم
فإنه أحد الأقسام السبعة الماضية، لكنه ذكره هنا استيفاء للأقسام، ولأجل
الاستدلال عليه بقوله ( للاجماع وغيره من الأدلة الدالة على وجوب قبول خبر
الآحاد كما ذلك مبين فى موضعه ) من أصول الفقه ، وقد استدل ابن الحاجب
بالاجماع بعدذ كره لخلاف القاشانى والرافضة وأبى داود واستدل أحمد والقفال وابن
سريح وأبو الحسين على وجوب العمل بخبر الآ حاد بالعقل، وبيانه بالدليل العقلى
مذكورفى مختصر ابن الحاجب، واستدل الجمهور باجماع الصحابة والتابعين، قالوا :
بدليل ما نقل عنهم من الاستدلال بخبر الواحد ، وعملهم به فى الوقائع المختلفة
التى لاتكاد تحصى ، وقد تكرر ذلك مرة بعد أخرى، وشاع وذاع بينهم ، ولم
ينكر عليهم أحد ، وإلا لنقل، وذلك يوجب العلم العادى باتفاقهم كالقول الصريح
وإن كان احتمال غيره قائماً فى كل واحد واحد، هكذا قرر الاستدلال عَضْدُ الدين
فى شرح المختصر، وتأتى الأدلة على ذلك فى قبول رواية كفار التأويل وفُسَّقه،
وهو من باب الاستدلال بالاجماع السكونى ( ولا يجوز ترك ذلك ) أى العمل يخبر
الواحد بصحة الحديث الذى نحن بصدده ( متى تعلق الحديث بحكم شرعى)
وذلك لأنا قد تعُبِّدْنا بالأحكام الشرعية قطعاً ، وقد قام الدليل على وجوب قبول
خبر الآحاد، وأكثر تفاصيل الشرعيات أحادية، فيجب قبوله ، وسرُّه أن

- ١١٥ -
قول العَدل ((هذا حديث مخيح)» فى قوة: هذا حديث عُدُّلتْ نقلته، وثبت
إتقانهم فى الضبط ، وسلم الحديث من الشذوذ والعلة، والعدْلُ إذا عدل غيره
وَجَبَ قبول خبره، وإذا شهد له بالاتقان فى حفظه وَجَبَ قبول خبره أيضاً ،
وقد بسطنا هذا فى رسالتنا المسماة ((إرشاد النقاد)) بسطاً شافياً، وبينا أن قول
العدل «فلان عدل)) عبارة إجمالية معناها أنه آتٍ بالواجبات مجتنب للمقبحات
ولما فيه خسة من الصغائر محافظ على المروءة، وكما وقع الاجماع على قبول تلك العبارة
الإجمالية يجب قبول [قول] القائل من الأئمة ((هذا حديث صحيح)) فانه إخبار
عما تضمنه الاجمال من التفصيل ، وهذا الذى ذكره المصنف هنا هو الحق،
لا ماتقدم له من قوله « إنمن قاد فى ذلك لا یکون مجتهداً )» . وسيأتى زيادة فى
بحث المرسل إن شاء الله تعالى.
( إلا أن تظهر علة قادحة فى صحة الحديث من فسق فى الراوى خفى على من
صحح حديثه، أو تغفيل كثير ، أوغير ذلك من المانع من قبول الثقات) حاصله
أن قبول خبر العدل بأن الحديث صحيح مقتضٍ للعمل به، مالم يعارضه المانع.
واعلم أنه قد سبق أنه إذا صحح الحديث إمامٌ منَ المتقدمين كابن خزيمة
وابن حبان قبل تصحيحه وجوباً على ما ذكره المصنف إذا تضمن حكما شرعياً،
وهذان الامامان اللذان نص على التمثیل ہما قد قدمناماقيل فى کتايهما، ومثلهما
تصحيح الترمذى، فإنه قال ابن حجر الهيتمى فى فهرسته «فانْ قلت: قد صرحوا
بأن عندمـ أى الترمذى- نوع تساهل فى التصحيح، فقد حكم بالحسن مع وجود
الانقطاع فى أحاديث فى سننه، وحسن فيها بعض ما انفرد به رُواته، كما صرح
هو بذلك ، فانه يورد الحديث ثم يقول عقيبه ((إنه حسن غريب)) و ((حسن
صحيح غريب لانعرفه إلا من هذا الوجه)» قلت: هذا كله لا يضره، لأن ذلك
اصطلاح جديد له ، ومن بلغ النهاية فى الامامة والحفظ لا ينكر عليه ابتداع
اصطلاح يختص به ، وحينئذ فلا مُشَاححة فى الاصطلاح، وبهذا يجاب عما

....
- ١١٦ --
استشكاوه من جمعه بين الصحة والحسن على متن واحد مع ماهو معلوم من
تغايرهما )) انتهى.
قلتُ : إذا كان اصطلاح الترمذى أن الحسن والصحيح شئ واحد فانه
لا يصح حمل قوله ((صحيح)» على المعنى الذى نحنُ بصدده، بل يحمل على أنه
قسم من الحَسّن ، وسيأتى كلام آخر فى وَجْه جمعه بين الوصفين ، على أنه لا يتم
ما قاله ابنُ حجر إلا إذا أريد بالحَسَن الذى يرادف الصحيح فى اصطلاح الترمذى
الحسنُ لذاته ، لا الحسن لغيره ، فانه قال ابن حجر أيضاً: إن أبا داود قال
فى خطبة كتابه : ذكرت الصحيح وما يشابهه وما يقاربه ، ثم قال: والذى
يتجه أن المراد بما يشبه الصحيح الحسن لذاته، وبمقاربه الحَسَن لغيره ، وقد
تقرر أن كلا من هذين معتمد ، قال: وإِنما حملتها على ذلك لأن الحسن لذاته فى
الاحتجاج به مثله: أى مثل الصحيح ، اتفاقا ، بخلاف الحسن لغيره ، فانه بعيد
عن الصحيح، لأنه باعتبار ذاته وحده ضعيف، لكنه لما انْجَبَرَ بغيره صَارتْ
له قوة عَرَضية ، وصار بسبب ماعرض له من تلك القوة حجة أيضاً . انتبى .
وقد وقع للبغوى فى المصابيح اصطلاح آخر فى الصحيح والحسن ، فجعل
الصحيح ما رواه الشيخان أو أحدهما فى كتابَيْمَا، والحسن مارواه غيرهما ،
واعترضه ابنُ الصلاح والنووى وغيرهما أن تخصيصه الصحاحَ بما رواه الشيخان
أوْ أحدهما فى كتابيهما والحسَانَ بما رواه أبو داود والترمذىُ والنسائىُّ وابن
ماجة والدارمى، اصطلاحٌ لا يُعْرف ، بل هو خلاف الصواب، إِذ الحسن عند
أهل الحديث ليس عبارة عن هذا الذى ذكره ، لما أنه وقع فى كتب السنن
الصحيح وهو كثير والضعيف وهو كثير.
وقد أجاب التاجُ التبريزىُّ بأن هذا الاعتراض عجيب ، إذ من المشهور
المقرر عند أرباب العلوم العقلية والنقلية أن لامشاحة فى الاصطلاح، وحينئذ
فتخطئة المرء فى اصطلاجه بعيد عن الصواب ، وقد اخترع غيره له اصطلاحا
---
٠

- ١١٧ -
آخر كالحاكم والخطيب ، فانهما اصطلحا على إطلاق الصحة على جميع مافى
سنن أبى داود والنسائى، ووافقهما فى النسائى جماعة منهم أبو على النيسابورى.
وأبو أحمد بن عدى ، والدار قطنى، انتهى ملتقطا من فهرسة ابن حجر الهيتمى،
وإنما نقلته لئلا يقف الناظر على تصحيح الترمذى أو تحسين البغوى فيظن أنه
من قسم ما صححه إمام من الأئمة أو تحسين بالمعنى الذى ذكره المصنف وغيره
للصحيح، بل لابد من معرفة اصطلاح الامام الذى قالى صحيح أوحسن قبل ذلك
على أنه قد تعقب الحافظ ابن حجر كلام التبريزى فى اعتراضه على ابن
الصلاح، فقال: وعندى أن ابن الصلاح لم يَسُقُ كلامهَ اعتراضاً على البغوى ،
وإنما أراد أن يُعرف أن البغوى اصطلح لنفسه أن يسمى السنن الأربع الحسان
ليستغنى بذلك عن أن يقول عقب كل حديث يخرجه منها خرجه أصحاب السنن
أو بعضهم ، وكلامه يكاد يكون صريحاً فى ذلك ، حيث قال (( هذا اصطلاح
لا يعرف)» فبين أنه اصطلاح، وأنه حادث ، ثم قال : وليس الحسن عند أهل
الحديث عبارة عن ذلك، حتى لا يظن أنه ليس فيها إلا الحسن الذى تقدم
تعريفه، ثم قال الحافظ ابن حجر: والحاصل أنا لانسلم أن البغوى أراد الحسن
المتقدم تعريفه، ولا نسلم أن ابن الصلاح اعترض عليه، انتهى.
(الضَرْبُ الثانى من ضربى التصحيح : أن لاينص على صحة الحديث أحد
من المتقدمين، ولكن تبين لنا رجال إسناده) أى الحديث (وعرفناهم) بصفاتهم
(من كتب الجرح والتعديل الصحيحة بنقل الثقات سها أو غيره من طرق
النقل كالاجازة والوجادة) يأتى بيانهما (فهذا) الذى لم يصححه أحد من
المتقدمين (وقع فيه) أى فى تصحيحه ( خلاف لابن الصلاح فانه ذكراً نالانجزم
بصحة ذلك) أى التصحيح، بل ولا التحسين كما ستعرقه من لفظه ( لعدم خُلُوّ
الاسناد فى هذه الأعصار ممن یعتمد على کتابه من غیر تمییز لما فيه) لفظه « إذا
وجدنافيما يروى من كتب الحديث وغيرها حديثاً صحيح الإسنادولم تجده فى أحد

- ١١٨ -
الصحيحين ولا منصوصاً على صحته فى شئ من مصنفات أئمة الحديث المعتمدة المشهورة
فأنا لانتجاسر على جزم الحكم بصحته، فقد تعذر فى هذه الأعصار الاستقلال
بادراكالصحيح بمجرد اعتبار الأسانيد، لأنه مامن إسناد من ذلك إلا ونجد فى
رجاله من يعتمد فى روايته على مافى كتابه عربيًّا عما يشترط فى الصحيح من الحفظ
والضبط والاتقان، قال الأمر إذن فى معرفة الصحيح إلى الاعتماد على ما نص عليه أئمة.
الحديث فى تصانيفهم المعتمدة، انتهى)) قال عليه الحافظ ابن حجر: فيه أمور:
الأول قوله ((فيما يشترط فى الصحيح من الحفظ)) فيه نظر، لأن الحفظ لم يعد أحدٌ
من أئمة الحديث شرطا للصحيح، وإن كان حكى عن بعض المتقدمين من الفقهاء
ولكن العمل فى الحديث والقديم على خلافه، لاسيما عند رواية الكتب ، وقد
ذكر المؤلف - يريد به ابن الصلاح - فى النوع السادس والعشرين أن ذلكَ
من مذاهب أهل التشديد، هذا إن أراد المصنف بالحفظ حفظ مايحدث به الراوى
بعينه، وإن أراد أن الراوى شرطُه أن يُعَدّ حافظاً فللحافظ فى عُرْف المحدثين
شروط إذا اجتمعت فى الراوى سموه حافظاً، وهو: المشهور بالطلب والأخذ من
أفواه الرجال، لا من الصُحُفُ، والمعرفة بطبقات الرواة ومراتبهم، والمعرفة بالتجريح
والتعديل ، وتميز الصحيح من السقيم ، حتى يكون مايستحضره من ذلك أكثر
ممالا يستحضره، مع استحضار الكثير من المتون، فهذه الشروط إذا اجتمعت
فى الراوى سموه حافظاً، ولم يجعله أحدٌ من أئمة الحديث شرطاً للحديث الصحيح.
نعم المصنف لما ذكر حد الصحيح لم يتعرض للحفظ أصلا، فما قاله يشعرهنا
بمشروطيته، ومما يدل أنه أراد حفظه ما يحدث بعينه أنه قائل به من اعتمد على مافى
کتابه، فدل على أنه یعیب من حدث من کتابه و یصوب من حدث عن ظهر
قلبه، والمعروف عن أئمة الحديث خلاف ذلك كالإمام أحمد وغيره. الأمر الثانى
أن من اعتمد فى روايته على مافی کتابه لايُعاب ، بل هو وصف أكثر رواة
الصحيح من بعد الصحابة وكبار التابعين. ثم قال: الأمر الثالث قوله «فآل

- ١١٩ -
الأمر إلخ)» فيه نظر ، لأنه يشعر بالاقتصار على ما يوجد منصوصاً على صحته
وردًّ ماجمع شروط الصحة إذا لم يوجد النص على صحته من الأئمة المتقدمين، فيلزم
على الأول تصحيح ماليس بصحيح لأن كثيراً من الأحاديث التى صححها
المتقدمون اطلع غيرهم من الأئمة فيها على علل تحطها عن رتبة الصحة، ولاسيما
من لايرى التفرقة بين الصحيح والحسن ، فكم فى كتاب ابن خزيمة من حديث
محكوم بصحته وهو لا يرتقى عن رتبة الحسن ، وكذا فى صحيح ابن حبان، وفيما
صححه الترمذى من ذلك جملة مع أن الترمذى ممن يفرق بين الصحيح والحسن،
لكنه قد يخفى على الحافظ بعض العلل فى حديث فيحكم عليه بالصحة بمقتضى
ماظهر له، ويطلع عليه غيره فيرد به الخبر، وللحاذق الناقد بعدهما الترجيح بين
كلاميهما ميزان العدل، والعمل بما يقتضيه الإنصاف. الأمر الرابع: كلامه
يقتضى الحكم بصحة مانقل عن الأئمة المتقدمين ماحكموا يصحته فى كتبهم المتقدمة
المسرودة، والطريق التى وصل إلينا بها كلامهم على الحديث بالصحة وغيرهاهى
الطريق التى وصلت إلينا بها أحاديثهم ، فان أفاد الإسناد صحة المقالة عنهم فليقد
الصحة بأنهم حدثوا بذلك الحديث، ويبقى النظر إنما هو فى الرجال الذين فوقهم
وأكثرهم رجال الصحيح كما سنقرره. الأمر الخامس: ما استدل به على تعذر
التصحيح فى هذه الأعصار المتأخرة بما ذكره من كوف الأسانيد مافيها سندٌ إلا
وفيه من لا يبلغ درجة الضبط والحفظ والاتقان، ليس بدليل ينهض لصحة ما ادعاه
من التعذر، لأن الكتاب المشهور المغنى بشهرته عن اعتبار الأسانيد إلى مصنفه
كستن النسائى مثلا لا يحتاج فى صحة نسبته إلى النسائى اعتبار حال رجال الاسناد
منا إلى مصَفه، فاذا روى حديثا ولم يعلله وجمع إسناده شروط الصحة ولم يطلع
المحدث المطلع فيه على علة: ما المانع من الحكم بصحته ولو لم ينص على صحته
أحدٌ من الأئمة المتقدمين (لاسمها وأكثر ما يوجد من هذا النقل ما رواته
رواة الصحيح .

- ١٢٠ -
هذا لا ينازع فيه من له ذوق فى هذا الفن ، ولذا قال المصنف (وخالفه) أى
ابن الصلاح (فى دعواه النووى فقال: الأظهر عندى جوازه ) أى التصحيح
(لمن يمكن وقويت معرفته، قال زين الذين: وهذا) أى التصحيح لما لم يسبق
تصحيحه عن أحد من المتقدمين (هو الذى عليه عمل أهل الحديث، فقد صحح
غير واحد من المعاصرين لابن الصلاح ومن بعده أحاديث لم يجر لمن تقدمهم
فيها تصحيح كأبى الحسن ابن القطان والضياء المقدسى والزكى عبد العظيم)
المنذرى ( ومن بعدهم) انتهى كلام الزين من شرح ألفيته ، قال الحافظ ابن
حجر : أما استدلال شيخنا بأن من عاصر ابن الصلاح قد خالفه فيما ذهب إليه
وحكم بالصحة لأحاديث لم يوجد لأحد من المتقدمين الحكم بتصحيحها فليس
بدليل ناهض على ردما اختار ابن الصلاح لأنه مجتهد وهم مجتهدون فكيف
ينقض الاجتهاد بالاجتهاد، وما أورد ناهفى نقض دعواه أوضح فيما يظهر ، انتهى.
(واختار ذلك) أى تصحيح المتأخربن لما لم يصححه المتقدمون (ابن كثير
فى علوم الحديث له، وذكر) انتصاراً لما اختاره ( أنه قد جمع فى ذلك الحافظ
ضياء الدين محمد بن عبد الواحد المقدسى كتاباسماه المختار ولميتم كان بعض مشائخنا
يرجحه على مستدرك الحاكم) قلت : لا يخفى أن ذكر المصنف لاختيار ابن كثير
وذكر ابن كثير لجمع الضياء كاستدلال الزين بعمل أهل عصر ابن الصلاح وغيرهم
ويأتى فيهمن النظر ما أتى فى ذلك، إلا أن يقال: إن كلام الجميع إشارة إلى كون
المسألة خلافية فى عصر ابن الصلاح وبعده، وإن لميخرج ذلك مخرج الاستدلال
بل مجرد حكاية الأقوال ( وسوف يأتى بيان كيفية التصحيح فى هذه الأعصار
فى) مسألة (معرفة من تقبل روايته ومن ترد فى آخر الفصل قبل مراتب التعديل)
و یأتی تحقيقه إن شاء الله تعالى .