النص المفهرس

صفحات 61-80

٠
وقد استوعبت أصْل جميع ذلك فى كتابى تغليق التعليق. انتهى (قال) ابن حجر
(وهذا تحريرٌ بالغ لم أسبق إليه) فانه لم يتعرض من تقدم لعد الحلقات ولا لعد
ما لم يخرج منها، قال (وأنا مقرُّ بعدم العصمة من السهو والخطأ).
وأما عدة طرق الصحيحين فذكر الحافظ ابن حجر عن الحافظ الجوزقى(١)
أنه قال فى كتابه المسمى بالمتفق : إنه استخرج علىجميع ما فى الصحیحین حديثا
حديثاً فكان مجموع ذلك خمسة وعشرين ألف طريق وأربعمائة وثمانين طريقاً ،
وأما ما اتفق الشيخان على إخراجه من المتون فذكر الجوزقى أن جملة ما اتفق
الشيخان على إخراجه من المتون فى كتابيهما ألفان وثلثمائة وستة وعشرون حديثاً.
تنبيه - قال الزركشي: إن عدة أحاديث أبى داود أربعة آلاف وثمانمائة
حديث، قال ابن داسة : سمعت أبا داود يقول: كتبت عن النبى صلى الله عليه
وآله وسلم خمسمائة ألف حديث ، انتخبت منها هذه السنن فيها أربعة آلاف
ونماتمائة والمراسيل نحو ستمائة حديث ، قال أبو داود : لم أصنف فيه كتب الزهد ،
ولا فضائل الأعمال، وهى أحاديث صحاح كثيرة، وعنه: مافى كتاب السنن
حديث إلا وقد عرضته على أحمد بن حنبل ويحيى بن معين .
وأما كتاب ابن ماجة، فقال أبو الحسن بن القطان صاحبه : عدّته أربعة
آلاف حديث.
وأما أحاديث الترمذى والنسائى فإ أرمن عدها.
وأما الموطأ ، فقال أبو بكر الأبهرى: جملة مافيه من الآثار عن النبى صلى الله
عليه وآله وسلم وعن الصحابة والتابعين ألف وسبعمائة وعشرون حديثا المسند
(١) (( الجوزقی)» بالجيم بعدها واو ساكنة فزاى فقاف - نسبة إلىچوزق
وهى ناحية بنسيابور منها الجوزقى صاحب المتفق والمختلف، وجوزق أيضا
ناحية بهراة منها إسحق بن أحمد المحدث .

- ٦٢ -
منها ستمائة حديث ، والمرسل مائتان واثنان وعشرون حديثا، والموقوف ستمائة
وثلاثة عشر حديثا، ومن قول التابعين مائتان وخمسة وثمانون وذكر الكيا الجراسى
فى تعليقه فى الأصول أن موطأ مالك كان اشتمل على تسعة آلاف حديث، ثم
لم يزل ينتقى حتى رجع إلى سبعمائة .
فائدة - ذكرها الحافظ ابن حجر عَنْ أبى جعفر محمد بن الحسين البغدادى
أنه قال فى كتاب التمييز له عن الثورى وشعبة ويحيى بن سعيد القطان وابن مهدى
وأحمد بن حنبل أن جملة الأحاديث المسندة عن النبي صلى الله عليه وسلم - يعنى
الصحيحة بلا تكرير - أربعة آلاف وأربعمائة حديث، وعن إسحق بن راهويه
أنه سبعة آلاف ونيف ، وقال أحمد بن حنبل: وسمعت ابن مهدى يقول: الحلال
والحرام من ذلك ثمانمائة ، وكذا قال إسحق بن راهويه عن يحيى بن سعيد
وذكر القاضى أبو بكر بن العربى أن الذى فى الصحيحين من أحاديث الأحكام
نحو ألفي حديث، وقال أبو بكر السختيانى عن ابن المارك تسعمائة، وقال الحافظ:
ومرادهم بهذه العدة ماجاء عن النبي صلى الله عليه وسلم من أقواله الصريحة فى
الحلال والحرام وقال كل منهم بحسب ما وصل إليه، ولهذا اختلفوا. اهـ. والله أعلى.
٧
مسألة
[ فى بيان الصحيح الزائد على مافى البخارى ومسلم
(الصحيح الزائد على الصحيحين) أى هذا بحث الحديث الصحيح الذى
لم يُرْوَ فى الصحيحين، وهو كالتتمة لكون الشيخين لم يسْتُوْعبا الصحيح،
كأنه قيل: من أين يعرف الصحيح الزائد على مافيهما? (قال زين الدين ما معناه
مانص على صحته إمام معتمد كأبى داود والنسانى والدار قطنى والخطابى والبيهقى

- ٦٣ =
فى مصنفاتهم المعتمدة فهو صحيح، كذا قيده ابن الصلاح بمصنفاتهم) إلا ان ابن
الصلاح لم يذكر البيهقى والخطابى، وذكر أبا بكر بن خزيمة، ثم قال ((وغيرهم))
( ولم أقيده بها) يريد زين الدين إنه لم يقيد حيث قال ((مانص على صحته)) ولم
يقل فى كتابه ( بل إذا صح الطريق إليهم أخبم صححوا ولو فى غير مصنفاتهم)
لأن العلة الموجبة لاقصافه بالصحة إخبارهم بأنه صحيح ، سواء ثبت فى تصنيف
لهم أو غيره ( أو صححه مَنْ لم يشتهر له تصنيف من الأمة كيحيى بن سعيد القطان
ويحيى بن معين ونحوهما فالحكم كذلك على الصواب) لأن التصحيح إخبار من
العدل الثقة بأنه وجد فى الحديث شرائط الصحة، وإخباره بهذا مقبول لأنه من
باب خبر الآحاد، وقد برهن فى الأصول على قبوله، فاذا ثبت له عنه فسواءٌ
كان له مؤلف أم لا ، إذ ليس ذلك من شرائط أخبار الآحاد ، قال زين الدين
(وإنما قيده) أى ابن الصلاح (بالمصنفات لأنه ذهَبَ إلى أنه ليس لأحدٍ فى
هذه الأعصار أن يصحح الأحاديث) هذا محل تأمل لأنه إذا قال ابن الصلاح
لا يصح لأحد فى هذه الأعصار أن يصحح ، وإنما التصحيح مقصور على من
تقدم عصره ، فمن تقدم عصره إذا صحت الطريق إليه بأنه قال هذا الحديث
صحيحٌ مثلا فقد حصل ما يريده ابن الصلاح من أنه صححه مَنْ تقدم، فاشتراط
أن يذكر ذلك التصحيح فى تأليف له لا يلزم من القول بأنه لا يصحح أهل عصره،
وهو واضح، فما أظنه ذكر المصنفات قيداً للاحتراز بل قيدواقعى مبنى على الأغلب
بأن مَنْ صحيح الأحاديث صححها فى مؤلفات له ( فلهذا لم يعتمد ) يعنى ابن
الصلاح (على صحة السند إلى من صحح الحديث من غير تصنيف مشهور)
هكذا نسخة المصنف (( من غير)) ونسخة الزين فى شرحه «فى غير)» وهى أولى،
لأن شرط ابن الصلاح أن يصحح فی تصنیف ، لا أنه یصححه ذو تصنيف ولو
فى غير مصنفه، ثم وجدنا فى نسخة من التنقيح كعبارة ابن الصلاح (وسيأتى كلامه
فى ذلك) ويأتى الكلام عليه، إن شاء الله تعالى. قلت: وسيأتى أيضاً ذكر من
٠

- ٦٤ -
خالفه أى ابن الصلاح فى زعمه أنه ليس للمتأخرين التصحيح (ورد عليه) دعواه
(ال زين الدين: ويؤخذ الصحيح أيضاً) أى كما يؤخذ مانص على صحته إمام
معتمد يؤخذ ( من المصنفات المختصة بجمع الصحيح فقط) أى من المصنفات
التى لم يخلط فيها الصحيح بغيره كسنن أبى داودمثلا، ولذا قال ابن الصلاح، ولا
يكفى فى ذلك - أى فى صحة الحديث - مجرد كونه موجوداً فى سنن أبى داوود
والترمذى وكتاب النسائى وسائر من جمع فى كتابه بين الصحيح وغيره ، ويكفى
كوته موجوداً فى كتب من اشترط منهم الصحيح فيما جمعه ( كصحيح أبى بكر
محمد بن خزيمة وصحيح أبى حاتم محمد بن حبان البستى المسمى بالتقاسيم والأنواع )
قال ابن النحوى فى البدر المنير : غالب صحيح ابن حبان منتزع من صحيح
شيخه إمام الأئمة محمد بن خزيمة ، إلا أنه قال ابن الصلاح : صحيح ابن حبان
يقارب مستدرك الحاكم فى حكمه ، ونقل ابن حجر الهيتمى فى فهرسته أنه قال
الحاكم: إن ابن حبان ربما يخرج عن مجهولين ، لاسيما ومذهبه إدراج الحسن
فى الصحيح، إلى آخر كلامه، ونقل العماد ابن كثير أيضاً أن ابن حبان وابن
خزيمة التزما الصحة ، وهما خير من المستدرك بكثير، وأنظف إسناداً ومتوناً
وعلى كل حال، فلابد للمتؤهل من الاجتهاد والنظر، ولا يقاد هؤلاءومَنْ نحانحوهم
فكم حكم ابن خزيمة بالصحة لما لا يرتقى عن رتبة الحسن ، بل فيما صححه الترمذى
من ذلك جملة مع أنه يفرق بين الحسن والصحيح. انتهى.
قلت : فلا تأخذ ما قاله المصنف والزين وغيرهما مما ذكروه حكما كلياً
(وكتاب المستدرك على الصحيحين لأبى عبد الله الحاكم على تساهل فيه) أى
فى التصحيح (قال ابن الصلاح: ما انفرد الحاكم بتصحيحه لا بتخريجه فقط.
إن لم يكن من قبيل الصحيح فهو من قبيل الحسن يعمل به إلا أن تظهر فيه عامة
توجب ضعفه ) لفظ ابن الصلاح: اعتنى الحاكم أبو عبد الله الحافظ بالزيادة فى
عدد الحديث الصحيح على ما فى الصحيحين ، وجمع ذلك فى كتاب سماه المستدرك
٠

- ٦٥ -
أودعه ماليس فى واحد من الصحيحين مما رواه على شرط قد أخرجا على رواته
فى كتابهما، أو على شرط البخارى وحده، أو على شرط مسلم وحده، وما أدى
اجتهاده إلى تصحيحه وإن لم يكن على شرط واحد منهما ، وهو واسع الخطوفى
شرط الصحيح متساهل فى القضاء به ، فالأولى أن يتوسط فى أمره فنقول :
ماحكم بصحته، ولم نجد ذلك فيه لغيره من الأئمة، إن لم يكن من قبيل الصحيح
فهو من قبيل الحسن . انتهى .
وقد عرفت أن حكم صحيح ابن حبَّان حكم المستدرك كما قاله ابن الصلاح
إلا أنه قال الزين إنه قال الحازمى إن ابن حبان أمكن فى الحديث من الحاكم.
(قال) زين الدين (ابن العراقى: الحكم عليه بالحسن تحكم) أى قول بأحد
المحتملات بلادليل ( والحق أن ما انفرد بتصحيحه تتبع بالكشف عنه) بالنظر
فى رجال إسناده ( ويحكم عليه بما يليق بحاله) المأخوذ من صفات رواته ( من
الصحة أو الحسن أو الضعف، ولكن ابن الصلاح رأيه أنه ليس لأحد أن يصحح
فى هذه الأعصار ، فلهذا قطع النظر عن الكشف عليه) ويأتى الكلام
فى ذلك (قلت : قد كشف عنه) الحافظ أبو عبد الله ( الذهبى، وبينه فى كتاب
تلخيص المستدرك، وذكر أن فيه قدر النصف صحيحا على شرط الشيخين كما
ادعاه الحاكم، وقدر الربع صحيح لا على شرطهما) وهو الذى اجتهدفى تصحيحه
برأيه (وقدر الربع مما يعترض عليه فى تصحيحه).
1
قلت : وفى النبلاء للذهبي مالفظه: فى المستدرك شىء كثير على شرطيهما،
وشىء كثير على شرط أحدهما ، ولعل مجموع ذلك ثلث الكتاب ، بل أقل ،
فإن فى ذلك أحاديث فى الظاهر على شرط أحدهما أو كليهما ، وفى الباطن لها علل
كثيرة مؤثرة، وقطعة من الكتاب أسانيدها صالح وحَسَنٌ وجيد ، وذلك نحو
ربه، وباقى الكتاب منا كير وعجائب، وفى غضون ذلك أحاديث نحو المائة
يشهد القلب ببطلانبها .اهـ.
(٥ - تقبح ١)
٠

- ٦٦ -
ـت وفيه مخالفة لكلام المصنف، وفيه إنصاف يخالف ما حكاه الذهبي عن أبى
محمية المالينى أنه قال: طالعتُ المستدوك الذى صئفه الحاكم من أوله إلى آخره
فلم أرفيه حديثا على شرطهما، قال الذهبي : هذا غلو وإسرافٌ منه، وإلا ففى
المستدرك جملة وافرة على شرطهما وجملة كثيرة على شرط أحدهما ، وهو قدر
النصف، وفيه الربع مما صح سنده أوحسُنُ وفيه بعض العلل ، وباقيه منا كير
واهبات ، وفى بعضها موضوعات قدأفردتها فى جزء . اهـ.
وللحافظ ابن حجر تفصيلٌ وتقسيم لأحاديث المستدرك يطول ذكره من
أخبه راجعه فى نكته على ابن الصلاح.
( قلت: ولعل عذره) أى الحاكم (فى تصحيحه) لما ليس بصحيح عندائمة
الحديث ( أنه لم يلتزم قواعد أهل الحديث ، وصحح على قواعد كثير من الفقهاء
وأهل الأصول، فاتسع فى ذلك ونسب لأجله إلى التساهل) هذا عذر حسن إلا أنه
لا يطابق قول الحاكم ((على شرطهما)) فيما يخرجه فإنه ظاهر أنه إنما يصحح ما يوجد
فيه شرائط الصحة عند الشيخين على اضطلاح الأمة من أهل الحديث، بل على
اصطلاح الشيخين، ولفظ الحاكم فى خطبة المستدرك : وأنا أستعين بالله على
إخراج أحاديث رواتها ثقات قد احتج بمثلها الشيخان أو أحدهما ، وهذا شرط
الصحيح عند كافة فقهاء أهل الإِسلام أن الزيادة فى الأسانيد والمتون من الثقات
مقبولة. انتهى .. فإِنه علل بأن الزيادة مقبولة: أى زيادة رواة الصحيحين على.
ما فيهما ، وهو ظاهر فى أنه روى عن رجالها ، وقوله ((قد احتج بمثلها)) أى بمثل
أخاديث رواتها ثقات وهم رُوَاة الصحيحين أو أحدهما، كمادل له قوله فى أول
حديث أخرجه فى المستدرك فإنه أخرج حديث أبى هريرة مرفوعاً «أكمل
المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقاً)» وقال: إنه على شرط مسلم ، وقد استشهد
بأحاديث القعقاع عن أبى صالح عن أبى هريرة ومحمد بن عثمان، وقد احتج لمحمد
ابن عجلان ، فدل على أنه لا يخرج إلا لرجالهما، سواء ذكروهما فى الاستشهاد ..
١

١
أو فى الاختجاج كما دل لة قوله فى القعقاع وفى محمد بن عجلان ، ولكنه قدم
قبل هذا فى الخطبة ما لفظه : أن أجمع كتابا يشتمل على الأحاديث المروية
بأسانيد يحتج محمد بن إسماعيل ومسلم بن الحجاج بمثلها. انتهى، فانه قال: يحتج
ولم يزد أو يستشهد فلا بد من حمل الاحتجاج على ما يشمل الاستشهاد مجازاً ،
ثم رأيت الحافظ ابن حجر نقل عن الحافظ العلائى أنه قال: مراد الحاكم بقوله
((على شرط فلان)» أن رجال ذلك السند أى مَنْ نسب إليه الشرط أخرج
لكل منهم احتجاجاً ، هذا هو الأصل ، وقد يتسامح الحاكم فيغضى عمن
يتفق أنه وقع فى السند ممن هو فى مرتبة من أخرج له وإن لم يكن عَيْنْه ،
وذلك قليل بالنسبة إلى المثل، وتراه ينوع العبارة: فتارة يقول ((على شرطهما )»
وذلك حيث يخرجان له، وتارة «على شرط البخارى، أو مساٍ)) وذلك حيث
يكون فى السند من انفرد به أحدهما، ومتى كان أكثر السند ممن لم يخرجا له
قال ((صحيح الاسناد)» ولا ينسبه إلى شرط واحد منهما، وربما أورد الخبر ولا
يتكلم عليه كأنه أراد تحصيله وأخر التنقيب عليه فعُرجل بالموت من قبل أن
يتقن ذلك. انتهى .
واستحسنه الحافظ ابن حجر وقال : إنه لامزيد عليه فى الحسن .
وإذا عرفت هذا عرفت عدم تمام كلام المصنف فى قوله « إنه لم يلتزم قواعد
أهل الحديث - الخ)) وإن أراد المصنف أن هذا المُذر فيما صححه باجتهاده وليس
على شرطهما فالظاهر أن كل ما فى كتابه قد زعم أنه على شرطهما ، وإنما .
عرف أن فيه ما ليس كذلك بالكشف عنه ، وحينئذٍ فتصحيحه مبنى على
اصطلاح أئمة الحديث، لكنهم حين كشفوا عنه وجدوه ليس كما ادعاه ، وهذا
الاشكال يرد على قوله (وقد ذكر ابن الصلاح ما يؤيد هذا فإنه قد ذكر أن
الظاهر من تصرفات الحاكم أنه يجعل الحديث الحسن صحيحاً ولا يفرده)
أى الحسن (باسم كما سيأتى) فإنه لم يؤلف كتابه إلا لما هو شرط الشيخين

- ٦٨ =
على زعمه ، وليس عندهما حديث حسنٌ، بل كل ما هو على شرطهما صحيح(١)
ومن هنا تعرف صحة ماذكرناه فى رسم الصحيح من اختلاف اصطلاح الفقهاء
واصطلاح أئمة الحديث فى حقيقته ، وأنه لا يمكن جمعه فى رسم واحد ( قال زين.
الدين: إن الأولين قسموا الحديث إلى صحيح وضعيف ولم يذكروا الحسن )
يريدفهو يؤيد ماقيل من أن الحاكم جعل الحسن صحيحاً، وقد تقدم تقسيم الخطابى
الحديث إلى صحيح وحسن وسقيه (قال زين الدين: وكذلك يؤخذ الصحيح) هو
عطفٌ على قوله سابقاً( قال زين الدين: ويؤخذ الصحيح أيضا» (مما يوجد فى
المستخرجات على الصحيحين ) قال ابن الصلاح: ككتاب أبى عوانة الإٍسفرابينى
وكتاب أبى بكر الاسماعيلى وكتاب أبى بكر البرقانى وغيرهم (من زيادة) على
حديث ( أو تتمة لمحذوف) منه ، زاد ابن الصلاح: أو زيادة شرح فى كثير من
أحاديث الصحيحين ، وكثير من هذا موجودٌ فى الجمع بين الصحيحين
لأبى عبد الله الحميدى (فإنه يحكم بصحته) لما يأتى فى بحث المستخرج وأن حكمه
حكم ما استخرج عليه (قلت: وهذا كله) من قوله ((مانص إمام على صحته)» إلى
هنا ( إنما اشترط فى حق أهل القصور عن بحث الأسانيد ومعرفة الرجال والعلل
عند من يشترط معرفتها) أى العلل، وقد عرفت أنه يشترطها أئمة الحديث ،
لا الفقهاء فإنهم إنما يشترطون القادحة (وأما من كان أهلا للبحث) عن الأسانيد
والعلل مطلقا إن كان محدثا أو العلل القادحة إن كان فقيها (فله أن يصحح الحديث)
ظاهر ما يأتى قريباً أن يقول فعليه (متى وجد فيه شرائط الصحة المذكورة فى
كتب الأصول وعلوم الحديث، ولا يجب الاقتصار) أى على تصحيح الأولين
( إلا على رأى ابن الصلاح) من أنه ليس لأحد من المتأخرين أن يصحح الحديث
(١) وجدهنا بهامش امانصه ((هذا على المشهور عند أئمة هذا الشأن،
وإلا فانه سيأتى لنا التحقيق بأن فى مسلم عدة أحاديث من قسم الحن)) اهـ
٠

- ٩٩ -
(وهو) أى رأيه (مردود كما سيأتى، بل لا يكون) من يقبع الأولين على تصخيخهم
( مجتهدا متى قلد على الصحيح كما يأتى الكلام على المرسل) فاذا قلنا إن الأولى
أن يقال عليه، وسيأتى تحقيق الكلام إن شاء الله تعالى أن من قبل قول الأئمة
فى تصحيح الأحاديث فليس بمقلد لهم ، بل عامل برواية العدل، وليس العمل
بها من التقليد كما سيأتى للمصنف نفسه.
٨
مسألة
[فى المستخرجات]
(قال زين الدين: موضوع المستخرج) أى الكتاب الذى يستخرجه المحدثون
والمراد به حقيقته ، لا الموضوع المصطلح عليه، فلي موضوعه اصطلاحاً الكتاب
الذى يستخرج عليه، فموضوع مستخرج أبى نعيم على البخارى كتاب البخارى
أسانيده ومتونه لأنه يبحث فى المستخرج عن كل منهما (أن يأتى المصنف) أى
من يريد تصنيف المستخرج (إلى كتاب البخارى أو مسلم) لأنه لم يخرج أحد إلا
عليهما كما هو المشهور، ولذا اقتصر المصنف وزين الدين عليهما ، وإلا فانه قد
ذكر السيوطى فى شرح تقريب النووى «فائدة إنه لا يختص المستخرج بالصحيحين
وقد استخرج محمد بن عبد الملك بن أيمن على سنن أبي داود وأبو على الطوسى على
الترمذى، وأبو نعيم على التوحيد لابن خزيمة، وأملى الحافظ العراقى على المستدرك
مستخرجالم يكمل »: رأيت البقاعى ذكر هنا ما لفظه يعد قوله المستخرج موضوعه
(«ظاهره أنه لا يسمى مستخرجا إلا إذا كان على الصحيح، وليس كذلك ، ثم
ذكر من استخرج على غيرهما كما ذكرنا آنفاً عن السيوطى، ثم قال ((وعذر المصنف
.أن كلامه سابقاً ولا حقا فى الصحيح، وحق العبارة الت يقال موضوعه أن يأتى

- ٧٠ -
المصنف إلى كتاب من كتب الحديث الخ انتهى)) قال: واعلى أنه ليس المراد
الموضوع المصطلح عليه، إنما المراد حقيقة المستخرج ومعناه، وأما موضوعه بحسب
الاصطلاح فأحاديث الكتاب الذى يستخرج عليه، فموضوع مستخرج أبى نعيم
على البخارى كتاب البخارى أسانيده ومتونه، لأنه يبحث فى المستخرج عن كل
منهما ( فيخرج أحاديثه) أى البخارى أو مسلم (بأسانيد لنفسه من غير طريق
البخارى أو مسا) فيجتمع إسناد المصنف للمستخريج (مع إسناد البخارى أو مسافى
شيخه) أى شيخ البخارى أو مسلم (ويسمونه ) أى هذا النوع (موافقة) لأنه
وافق المستخرج اسم فاعل البخارى أو مسلماً فى شيخه (أو) يجتمع المستخرج مع
البخارى أو مسلم فى (من فوقه) فوق شيخ أحد الشيخين الأدنى وإلا فمن فوقه
شيخ لهما أيضا، إلا أن الشيخ فى العرف لا يطلق إلا على من أخذ عنه البخارى
مثلا (ويسمونه) أى هذا النوع من الموافقة (عاليا) لأنها موافقة فيمن فوق شيخ
أى الشيخين (بدرجة) إن كان شيخ شيخ البخارى مثلا (أو أكثر على حسب
العلوِّ) ومثله بقوله ( فإذا اجتمع المستخرج مع صاحب الصحيح فى شيْخ شيخه
كان عاليا بدرجة ، وفى الثانى بدرجتين ، ونحو ذلك ، وذلك كالمستخرج على
البخارى لأبى بكر الإسماعيلى ولأبى بكر البرقانى) بالموحدة مكسورة وسكون
الراء وقاف مفتوحة، فى القاموس: برقان بالكسر بلدة بخوارزم وبلدة بجرجان (ولأ بى
نعيم الأصفهانى) هذه كلها استخرجت على البخارى (والمستخرج على مسلم لأبى
عوانة وأبى نعيم أيضا، والمستخرجون لم يلتزموا) فى متن الحديث ( لفظ واحد
من الصحيحين ، بل رووه بالألفاظ التى وقعت لهم من شيوخهم مع المخالفة لألفاظ
الصحيحين ) أى والاتفاق فى المعنى، فقوله فى بيان موضوع المستخرج فيخرج
أحاديثه أى أحاديث ما يخرج عليه أى يقصد ذلك وإناختلف لفظ ما استخرجه
وما استخرج عليه، وإنما سماها أحاديثه مسامحة أو باعتبار مَنْ ينتهى إليه الاسناد
من شيوخه إلى الصحابى الذى ذكر حديثه فى الصحيحين ( وربما وقعت المخالفة

1
- ٧١ -
أيضا فى المعنى ) بخلاف الأول، فإنها تكون فى اللفظ فقط والمعنى متحد ، وإذا
تخالفا لفظاً أو لفظا ومعنى ( فلا يجوز أن تُعْزى) أى تنسب (متون ألفاظ
أحاديث المستخرجات إليهما) أى إلى الشيخين إن خرج لهما معاً ( ولا إلى أحدهما)
لأنه يكون كذبا ( إلا أن يعرف اتفاقهما) أى اتفاق المستخرج والمستخرج عليه
إن تفرد بالتخريج له ( فى اللفظ) جاز أن ينسب متن الحديث المستخرج إلى
المستخرج عليه وأن يقال فيه «أخرجه البخارى مثلا)) لأنه يصدق عليه أنه قد
أخرجه البخارى وإن كان رجاله غير رجال من ذكرهم فى سنده، وإنما وافتهم فى
شيخه أو شيخ شيخه، إلى هنا كلام زين الدين .
1
فتحصل من هذا أن مخرج الحديث إذا نسبة إلى تخريج بعض المصنفين فلا
يخلوُ: إما أن يصرح بالمرادفة أو بالمساواة ، أولا يصرح: إن صرح فذاك ، وإن
لم يصرح كأن على الاحتمال، فاذا كان على الاحتمال فليس لأحد أن ينقل الحديث
منها أى من المستخرجات ويقول هو على هذا الوجه فيهما ، ولكن هل له أن
ينقل منه ويطلق كما أطلق ? هذا محل بحث وتأمل.
قلتُ: ومحل الاحتياط والتورع يقضى بأن لا يجزم بالنسبة إليهما ، وكونه
يريد أن أصله فيهما لادليل عليه إذ هو تعيين لأحد المحتملات بلا دليل ، ولذا
ترى الحافظ ابن حجر فى بلوغ المرام وغيره من المصنفين يقولون بعدعز والحديث
إلى من أخرجه « وأصله فى الصحيحين)» لأنهم قد عرفوا أن أصله فيهما ، وبه
تعرف ضعف الجواب الآتي المصنف رحمه الله تعالى.
(قلت: شرط المستخرج ألا يروى حديث البخارى ومسلم عنهما ، بل يروى
حديثهما عن غيرهما، وقد يرويه عن شيوخهما أو شيوخهم أو أرفع من ذلك) أى
من شيوخهما أو شيوخهم، كما عرفته، ولكنه لابد أن يكون (بسند صحيح)
وقياس ماسلف أنه لابد أن يكون على شرط من خرج عليه (مفى المستخرجات
فوائد) ثلاث (أحدها: أن ما كان فيها من زيادة لفظ أو تتمة محذوف أو زيادة.

- ٧٢ -
شرح فى حديث) قد قدّمنا لك أن هذه الزيادة لم يذكرها زين الدين فيما مضى
وذكرها هنا ( أو نحو ذلك) هذه اللفظة ليست من كلام ابن الصلاح ولا الزين
(حكم بصحته لأنها خارجة من مخرج الصحيح) فإذا قلنا لابد أن يكون رجال
السند فيها على شرط من خرج عليه (وثانيها: أنها قد تكون) الرواية المستخرجة
(أعلى إسناداً، ذكرهما ) أى هاتين الفائدتين (ابن الصلاح فقط) لم يزد عليهما
مازاده من قوله ( وثالثها ذكره) الأحسن ذكرها (زين الدين، وهى قوة الحديث)
المستخرج والمستخرج عليه ( بكثرة طرقه) عند المستخرج والمستخرج عليه
(الترجيح عند التعارض) فاذا تعارضت الأحاديث رجح أكثرها طرقا .
مے
واعا أن هذه الفائدة التى ذكرها زين الدين قد ذكرها ابن الصلاح فى
مقدمة شرح مسا، ونقلها عنه الشيخ محيى الدين النووى ، فاستدركها عليه فى
مختصره فى علوم الحديث، قاله الحافظ ابن حجر .
ثم قال : والمستخرجات فوائد أخرى ! يتعرض أحد منهم لذكرها.
إحداها: عد القمَنْ أخرج له فيه، لأن المخرج على شرط الصحيح يلزمه أن
لا يخرج إلا عن ثقة عنده، فالرجال الذين فى المستخرج ينقمون أقساما: منهم
من ثبتت عدالته قبل هذا المخرج فلاكلام فيهم ، ومنهم من طعن فيه غير هذا
المخرج فينظر فى ذلك الطعن : إن كان مقبولا قادحا فيقدم ، وإلا فلا، ومنهم من
لا يعرف لأحد قبل هذا المخرج فيه توثيق ولا تجريح، فتخريج من يشترط الصحة
لهم ينقلهم عن درجة من هو مستور إلى درجة من هو مؤلَّق ، فيستفاد من
ذلك صحة أحاديثبم التى يروونها بهذا الإسناد، ولو لم تكن فى ذلك المستخرج.
الثانية: ما يقع فيها من حديث المدلسين بتصريح السماع، وهو فى الصحيح
بالعنعنة، فقد قدمنا أنا نعا فى الجملة أن الشيخين اطلعا على أنه مما سمعه المدلس
عن شيخه، لكن ليس اليقين كالاحتمال ، فوجود ذلك فى استخرج بالتصريح
ينفى أحد الاحتمالين.
۔

-٧٣ --
.الثالثة: ما يقع فيها من حديث المختلطين عمن سمع منهم قبل الاختلاط،
وهو فى الصحيح من حديث من اختلط(١) ولم يبين هل سماع ذلك الحديث
منه فى هذه الرواية قبل الاختلاط أو بعده.
الرابعة: ما يقع فيها من التصريح بالأسماء المبهمة والمهملة فى الصحيح فى
الاسناد أو فى المتن .
الخامسة: ما يقع فيها من التمييز للمتن المحال به على المتن المحال عليه ،وذلك
فى كتاب مسلم كثير جدا، فإنه يخرج الحديث على لفظ بعض الرواة ويحيل باقى
ألفاظ الرواة على ذلك اللفظ الذى يورده، فتارة يقول «مثله)» فيحمل على أنه
نظيره، وتارة يقول ((نحوه)) أو («معناه)) فيحمل على أن فيهما مخالفة الزيادة
والنقص ، وفى ذلك من الفوائد مالا يخفى.
السادسة : ما يقع فيها من الفصل للكلام المدرج فى الحديث مما ليس من
الحديث ، ويكون فى الصحيح غير مفصلٍ .
السابعة: ما يقع فيها من الأحاديث المصرح برفعها ، وتكون فى أصل
الصحيح موقوفة أو كصورة الموقوفة.
إلى أن قال: فكملت فوائد المستخرجات هذه الفوائد التى ذكرناها
عشرا، انتهى.
وإذا عرفت أنه لا يجوز أن تُعْزِى ألفاظ متون أحاديث المستخرجات
إليهماولا إلى أحدهما إلا أن يعرف اتفاقهما فى اللفظ فقد وقع لجماعة خلاف هذا،
فلهذا قال المصنف (واعال أنه قد يتساهل بعض المستخرجين فينسبون الحديث
إلى البخارى أو مسا وليس هو بلفظه فيهما) ولا يعزب عنك أنه قد سبق أن
المستخرجين قد يأتون بألفاظ ليست من الكتاب الذى استخرجوا عليه بأحماظها
(١) المراد من ساء حفظه لعلوسن أو مرض أو آفة بعد أن كان حتفظا.

- ٧٤ -
٠
بل قدلا تكون بمعانيها، وأنه لا يجوز لمن ينقل من المستخرجات أن يعزو
ألفاظها إلى الصحيحين ، وهنا قال: إنه قد يتساهل المستخرج نفسه وينسب
الحديث إلى البخارى أو ماٍ، وليس الكلام فى المستخرج، فإنه لا يتعرض
لنسبة حديثه إليهما أو إلى أحدهما، وإنما يسوق إسناداً لنفسه يجتمع فيه مع
إسناد البخارى أو مسلم ، ولفظ ابن الصلاح : الكتب المخرجة على كتاب
البخارى أو كتاب ،ثم لم يلتزم مصنفوها.وافقتهما فى ألفاظ الأحاديث بعينها،
من غير زيادة ولا نقصان، إلى قوله: وهكذا ما أخرجه المؤلفون فى تصانيفهم
المستقلة كالسنن الكبرى وشرح السنة لأبى محمد البغوى وغيرهما مما قالوا فيه
(( أخرجه البخارى ومسلم)). انتهى، وبه تعرف أن التساهل ليس
للمستخرجين ، بل للمؤلفين فى قصانيفهم المستقلة ، أى التى ليس المراديها
الاستخراج على أحد الكتابين ، وبه تعرف أن قوله ( وكذلك فعل البيهقى
فى السنن الكبرى والمعرفة وغيرهما) من كتبه (والبغوى فى شرح السنة ،
وغير واحد ، فإنهم يروون الحديث بأسانيدهم ثم يعزونه إلى البخارى أو مسلم
مع اختلاف الألفاظ والمعانى) صحيح فى هؤلاء ، فإنه لم يقع العَزْو مع
الاختلاف إلا لهؤلاء فقط، لا لمن ذكره وأمثالهم ثمن لم يرد تأليف مستخرج،
فلو اقتصر على هؤلاء كما فعاه ابن الصلاح لكان صوابا ، وعبارة الزين
كعبارة ابن الصلاح ببعض تغيير ألجأه إليه النظم ، فإنه قال الزين فى ألفيته
* والأصل أعنى البيهقى ومن عزا # ثم قال فى شرحها « وقولى = والأصل أعنى
البيهقى ومن عزا # كأنه قيل: فهذا البيهقى فى السنن الكبرى والمعرفة وغيرهما
والبغوى فى شرح السنة وغير واحد يَرْوُون الحديث بأسانيدهم ثم يَعْزونه إلى
البخارى أو مسلم مع اختلاف الألفاظ والمعانى. انتهى)» فعرفت أن المستخرجين
لا يقع لهم الصنع الذى ذكره المصنف ، إنما وقع لغيرهم من أهل التأليف التى لم
يقصد بها المصنفون ما قصده المستخرجون (الجواب عنهم) عن البيبقى ونحوه

- ٧٥ ٠-
(أنهم إِنما يريدون) إذا عَزَوه إلى واحد من الشيخين (أن أصل الحديث فيهما
أو أحدهما، لاأن ألفاظه و) كل (معانيه كذلك) هذا الجواب تقدم فى شرح
قوله « إلا أن يعرف اتفاقهما فى اللفظ)» فتذكر ما فيه، وهو معنى ما ذكره ابن
الصلاح، فإنه قال - بعد ذكره لصنع البيهقى ومن معه - : فلا يستفيد بذلك أى
يَزْ و البيبقى الحديث إلى الشيخين أو أحدهما أكثر من أن البخارى أو مسلماً
أخرج أصل ذلك الحديث مع احتمال أن يكون بينهما تفاوت فى الفظ ، وربما
كان تفاوتاً فى بعض المعنى .
قلت : يريد أى لافى كله، إذ لو كانَ التفاوت فى كل الألفاظ وكل المعانى
لما كان بينهما اتصال فى شئ، ولا يصح أن يقال («أصله فيهما)»، ولذا قيد ناقول
المصنف ومعانيه بقولنا كل فتدير، ثم قال: وإذا كان الأمر فى ذلك على هذا
القياس فليس لك أن تنقل حديثا فيها وتقول ((هو على هذا الوجه فى كتاب
البخارى أو كتاب مسلم)» إلا أن يقابل لفظه أو يكون الذى أخرجه قد قال
((أخرجه البخارى بهذا اللفظ)» انتهى كلامه، وهو كلام واضح فى المؤلفات
المستقلة ، لا المستخرجة ، فإن الكتب المستخرجة لا يذكر فيها مؤلفوها أخرجه
- البخارى أو مسلم كما عرفته من ذكر المصنف لموضوعها ، اللهم إلا أن يثبت أن أهل
المستخرجات ينسبون ما أخرجوه إلى أحد الشيخين، فإِنا لم نرّ شيئاًمن الكتب
المستخرجة ، فإن كان كذلك لم يتم له ما سلفَ فى بيان شروط المستخرجات.
نعم اتفقت المستخرجات والمؤلفات المسندات بأسانيد مؤلفيها فى أنه لا يجوز
عَزْوُ مافيها إلى لفظ البخارى أو مسلم اغتراراً بكون المستخرج استخرج على
الكتابين، وبكون مؤلف الكتب المسندة بأسانيدها نسَبَ ما ذكره إلى أحد
الشيخين، لأن الأول لم يقصد إخراج ألفاظ ما أخرج عليه إلا أن يعرف اتفاقهما
فى اللفظ كما قرره المصنف فيما سَلَفَ بالنسبة إلى المستخرجات ، والثانى لم يقصد
بَعَزْوه إلى أحدهما إلا أن أصل الحديث فيهما، ولذا قال المصنف (وقد انتقد

٨
- ٧٦ -
على الحميدى) هو: الحافظ أبو عبد الله محمد بن نصر أبى فتوح حُقَيْدُ الأزدى
الأندلسى الظاهرى المذهب من أكابر تلامذة ابن حزم ( أنه أورد فى الجمعبين
الصحيحين ألفاظاً وتتاتٍ ليست فى واحد منهما أخذها من المستخرجات أو
استخرجها هو ولم يميزها) ولذا قال الزين فى ألفيته :
* وليت إذا زاد الحميدى ميزا »
قال فى شرحها : يعنى أن أبا عبد الله الحميدى زاد فى كتاب الجمع بين
الصحيحين ألفاظا ليست فى واحد منهما من غير تمييز.
(قال ابن الصلاح : وذلك موجود فيه كثيرا ، فربما نقل بعض من لا يميز
ما يجدد فيه عنى الصحيح وهو مخطئ. انتهى) تمام كلامه «لكونه من تلك
الزيادات التى لا وجود لها فى واحد منَ الصحيحين».
(وأما الجمع بين الصحيحين لعبد الحق) بن عبد الرحمن الحافظ الحجة أبو محمد
الأزدى الاشبيلى، أثنى عليه الذهبى فى التذكرة وذكر له عدة مصنفات منها «الجمع
بين الصحيحين)» وغيره، وهذا عطف على مجموع ما سلف كأنه قال: أما الجمع
بين الصحيحين للحميدى فلا ينقل منه، وأما الجمع لعبد الحق (وكذلك مختصرات
البخارى ومسلم) كمختصر الحافظ المنذري له (فلك أن تنقل منها، وتعزو ذلك)
المنقول ( إلى الصحيح) لأنها ألفاظه، ولذا قال ( ولو باللفظ) بأن تقول «أخرجه
البخارى بلفظه)) (لأنهم أتوا بألفاظ الصحيح، قال زين الدين: واعلم أن
انزيادات التى تقع فى كتاب الحميدى ليس لها حكم الصحيح ، خلاف ما اقتضاه
كلام ابن الصلاح) وإنما قال زين الدين «ليس لها حكم الصحيح)) لقوله (لأنه)
أى الحميدى (ما رَوّاها بسنده كالمستخرج) لأن المستخرج أسند ما أخرجه ،
بخلاف مَنْ يجمع بين الصحيحين فإنه ليس له سند إلا سند الصحيحين، والحال
أنها لم يوجد فيهما (ولا ذكر) أى الحميدى (أنه يزيد ألفاظاً واشترط فيها الصحة
حتى يقاد فى ذلك ، وهذا هو الصواب ) أى : القول بأنه ليس لها حكم الصحيح،
ر

- ٧٧ -
ولا يخفى مافى قوله (( حتى يقار)) وقد نبهنا عليه، وسيأتى تحقيق ذلك.
(قلت: بل الصواب ما ذكره ابن الصلاح، فإن الحميدى من أهل الديانة
والأمانة والمعرفة التامة، وهو من أئمة هذا الشأن بغير منازعة وهو أعقل من أن
يجمع بين أحاديث الصحيحين ثم يشوبها بزيادات واهية، ولوفعل ذلك كان خيانة
فى الحديث وجناية على الصحيح) لا يخفى أن هذا هو الذى يقضى به حسن الظن
إلا أن يعارضه أن هذه زيادات زادها لم يجدها الأئمة الباحثون فى الصحيحين،
قالوا : ولا ذكر أنه يزيدها من كتاب آخر، ولا قال : إنه ملتزم صحتها ، بل
ظاهر تسمية كتابه ((جمع الصحيحين)) أن كل ماوجد فيهفهو منهما ، ولا توجد تلك
الزيادة ، فانتفى حسن الظن به، وأما ابن الصلاح فليس فى كلامه ما يُفْهم صحة
كلام الحميدى، وإنما تتكلم على زيادات المخرجين، قال: إذا ثبتت صحتها بهذه
التخاريخ، لأنها واردة بالأسانيد الثابتة فى الصحيحين أو واحد منهما، ولم يتكلم
فى زيادات الجمع الحميدى، فقول المصنف ((قلت: بل الصواب ما ذكره ابن
الصلاح)» ليس فى محله، ثم ذكر المصنف مختار المحققين بقوله (وقد اختار المحققون
إلحاق ما جزم به البخارى من التعاليق والتراجم) أى إلحاقه بالصحيح (دون
مَا مَرّضه، فكذلك ما جَزَم به الحميدى وألحقه بالصحيح ولم يميزه منه) لعله
يقال : الفرق بين الأمرين واضح ، فإِن الحميدى يقول: هذه أحاديث الصحيحين،
ووجدنا فى كتابه ماليس فيهما. فكيف نقول هو كتعاليق البخارى المجزومة ؟
فان تلك تتبعت وَوصلت مقطوعاتها كما عرفته مما نقلناه عن الحافظ ابن حجر ،
بخلاف مازاده الحميدى فتتبع فلم يوجد فيما قال إنه منه (وهو وإن لم ينص على
ذلك) أى على صحة ما ألحقه وزاده (فهو ظاهر من وضع كتابه) يقال : وضع
كتابه لجمع الصحيحين لاغير، فهذه الزيادات ليست فيهما (وقرائن أحواله)
استدل المصنف لظاهر وضع كتابه وقرائن أحواله بقوله ( ألا تراه حذف من الجمع
بين الصحيح ماعلقه البخارى عمن لايحتج به عنده ، مثل حديث ◌َهْزٍ بن حكيم

- ٧٨ -
عن أبيه عن جده مرفوعا « الله أحق أن يُسْتَحى منه))) قال ابن الصلاح: إن
هذا الحديث ليس من شرط البخارى ، قال : ولهذا لم يورده الحميدى فى جعه بين
الصحيحين (وحديث ((الفخذعورة))) فإنهقال ابن الصلاح: إن قول البخارى
باب مايذكر فى الفخذ ويروى عن ابن عباس وجَرْهَد ومحمد بن جحش عن النبي
صلى الله عليه وآله وسا الفخذ عورة، ثم ذكر أنه ليس من شرط البخارى
(ونحوهما، فلو كان الحميدى متسامحا لذكر ذلك مع الصحيح، فكيف
يحذف من كتاب البخارى ماهو منه لضعفه ثم يجشو فيه من الواهيات ما ليس فيه،
هذا ضعيف جدا) يقال: نعم ، هذه قرائن تُفيد حسن الظن به، لكن عدم وجود
مازاده يَقْلَم هذه القرائن، وإن أراد المصنف أن هذه الزيادات لها طرق عندالحميدى
صحيحة، فقد زعم الزين أنه لميذكرشرطا ولا قال إنهرواها حتى يعتمد عليه فى ذلك
(وقوله أيضا إنه لم يزد ألفاظا ويشترط فيها الصحة فيقاد فى ذلك غير جيد)
يعنى قوله فيقاد ( فإِن قبول الثقة ليس بتقليد ، بل واجب معلوم الوجوب بالأداة
الدالة على وجوب قبول الثقات فى الأخبار والله أعلى) لاشك أن القائل من الأمة
«هذا حديث صحيحٌ)) مخبر بأنها كملت عدالة رواته وضبطهم وسائر صفات
الصحة ، وخبر العدل يجب قبوله ، وليس من باب التقليد للمخبر ، بل من
باب قبول خبر الآحاد كما عرف فى الأصول ، لكنه تقدم للمصنف قبل مسألة
المستخرجات أن من قاد فى التصحيح لا يكون مجتبداً، وهذا ينافيه، والصواب
هو هذا ، ويأتى تحقيقه إن شاء الله تعالى .
وإذا عرفت هذا الكلام فى جمع الحميدى فاعل أن هذا مبنىٌّ من ابن
الصلاح والزين والمصنف على تقليد الآخر للأول ، وإلا فانه قد حقق الحافظ
ابن حجر ما قاله الحميدى فى الزيادات وما شرطه فى كتابه فيما كتبه على كلام
شيخه، فقال بعد سياقه للكلام ما لفظه: وكأنّ شيخنا رضى الله عنه قاد فى
هذا غيره، وإلا فلو رأى كتاب الجمع بين الصحيحين لرأى فى خطبته ما دل على

- ٧٩ -
ذكره لاصطلاحه فى هذه الزيادات وغيرها، ولو تأمل المواضع الزائدة لرآها معزوة
إلى من زادها من أصحاب المستخرجات، وتبعه فى ذلك الشيخ سراج الدين
النحوى فألحق فى كتابه ماصورته : هذه الزيادات ليس لهاحكم الصحيح ،
لأنه ما رواها بسنده كالمستخرج، ولا ذكر أنه يزيد ألفاظا وشرط فيها الصحة
حتى يقاد فى ذلك ، وقال شيخ الإسلام أبو حفص البلقينى فى محاسن
الاصطلاح فى هذا الموضع ما صورته: وفى الجمع بين الصحيحين للحميدي ثيمات
لاوجودلها فى الصحيحين، وهو كما قال ابن الصلاح، إلا أنه كان ينبغى التنبيه
على تلك التتمات لتكمل الفائدة ، انتهى كلامه.
قال الحافظ : والدليل على ماذهبت إليه - من أن الحميدى أظهر اصطلاحه
بما يتعلق بهذه الزيادات - موجود فى خطبة كتابه، إذ قال فى أثناء المقدمة
ما نصه: وربما أضفنا إلى ذلك نبذا مما تَذَجَّنا له من كتب أبى الحسن الدارقطنى
وأبى بكر الاسماعيلى وأبى بكر الخوازمى، يعنى البرقانى، وأبى مسعود الدمشقى
وغيرهم من الحفاظ الذين عموا بالصحيح مما يتعلق بالكتابين : من تنبيه على غرض،
أو تتميم لمحذوف، أو زيادة من شرح، أو بيان لاسم أو نسب، أو كلام على
إسناد، أو تتبع لوهم ، فقوله ((من تتميم لمحذوف أو زيادة)» هوغرضنا هنا وهو يختص
بكتابى الاسماعيلى أو البرقانى، لأنهما استخرجا على البخارى واستخرج البرقانى
على مساء وقوله(( من تنبيه على غرض أو كلام على إسناد أو تتبع لو هم أو بيان لاسم
أو نسب)) يختص بكتابى الدارقطنى وأبى مسعود، وذلك فى كتاب التتبع، وهذا فى
كتاب الأطراف، وقوله ((مما يتعلق بالكتابين)) احتراز عن تصانيفهم التى لا تتعلق
بالصحيحين، فانه لم ينقل منهاشيئا هنا، فهذا الحميدى قد أظهر اصطلاحه فى خطبة
كتابه، ثم إنه فيما تتبعته من كتابه إذا ذكر الزيادة فى المتن يعزوها لمن رواها
من أهل المستخرجات وغيرها، فان عزاها لمن استخرجها أقرها، وإن عزاها لمنلم
يستخرجها تعقبها غالبا، لكنه تارة يسوق الحديث من الكتابين أو من أحدهما.

- ٨٠ -
ثم يقول فيه مثلا« زاد فيه فلان كذا)» وهذا لا إشكال فيه، وتارة يسوق الحديث
والزيادة جميعا فى نسق واحد ثم يقول فى عقبه «اقتصر البخارى على كذا ، وزاد
فيه الاسماعيلى كذا» وهذا يشكل على الناظر غير المميزلأنه الذى حذر ابن الصلاح
منه، لأنه حينئذ يعزو إلى أحد الصحیحین ما ليس فيه، انتهى كلامه .
قلتُ: بل لا إشكال فيه أيضا بعد قوله ((اقتصر منه البخارى على كذا وزاد
فيه الاسماعيلى كذا)) وأى بيان أوضح من هذا البيان ? وكأنه لذلك قال
((يشكل على الناظر غير المميز)) ولكن هذا لا يخفى على ميز ولاغيره، ثم لا يخفى
أن قول الحافظ ((هذا هو الذى حذر منه ابن الصلاح)) غير صحيح، فان ابن الصلاح
قد رُهم أن الحميدى لم يميز الزيادات أصلا، بل ظاهره أنه سردها فى ضمن أحاديث
الشيخين من غير بيان ولا ذكر قاعدة، وهذا مبنى على الوهم الذى وقع له ولغيره
من الأمة ، ولم يكشف قناعه إلا الحافظ بما حققه عن خطبة الحميدى .
ثم ساق الحافظ أمثلة دالة على ماذكره مقررة لما صدره، ثم قال: فهذه الأمثلة
توضح أن الحميدى يميز الزيادة التى يزيد هناهو أو غيره، ثم قال: وقد قرأت فى كتاب
الحافظ أبى سعيد العلانى فى علوم الحديث له قال لما ذكر المستخرجات : ومنها
المستخرج على البخارى للاسماعيلى، والمستخرج على الصحيحين للبرقانى، وهو
مشتمل على زيادات كثيرة فى تضاعيف متون الأحاديث ، وهى التى ذكرها
الحميدى فى الجمع بين الصحيحين منبها عليها، هذا لفظه بحروفه، وهو عين المدعى
ولله الحمد. انتهى .
قلت: ولا يخفى أن هذه فائدة تساوى رحلة فجزاه الله خيرا فقد تم الوهم على
شيوخه وعلى المصنف .
قلت : ولم تتابع الحافظ فى كلامه، بل راجعنا كتاب الحميدى فرأيناه ذكر
ما ذكره الحافظ، وصح الواقع الواهمين، وهذا من شؤم متابعة الآخرِ الأولَ
من غير بحث عما قاله