النص المفهرس

صفحات 21-40

- ٢١ -
من كتب الحديث أن عمر رضى الله عنه رَدَّ خبر المغيرة، وردّ خبر أبى موسى،
حتى انضم إليهما غيرهما، وردّ خبر فاطمة بنت قيس ، ورد على رضى الله عنه
خَبّر معقل بن سنان، وقال: أعرابى بوال على عقبيه، وإن قيل: إنه لم يصح(١)
عنه، ثم كانوا يقبلون الْمُرْسل فإنهم قالوا: إن ابن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما لم
يَسْمع من النبى صلى الله عليه وسلم إلا بضعة عشر حديثاً، وقيل : أقل ،وروى .
الكثير الطيب عن الصحابة من دون ذكرهم، وكذلك غيره .
الثانى: أن ابن الصلاح قد صرح بمراده من قيد نفى الخلاف ، فإنه قال:
«بلاخلاف بين أهل الحديث، وقد يختلفون فى صحة بعض الأحاديث لاختلافهم
فى وجود هذه الأوصاف فيه أو لاختلافهم فى اشتراط بعض هذه الأوصاف كما
فى المرسل)). انتهى، فأفاد أن المحدثين يختلفون فى صحته لعدم وجود بعض
الأوصاف التى هى الاتصال بنثمل العدل الضابط عن مثله وعدم الشذوذ والعلة ،
فإِن وُجِدَتْ فهو عندهم صحيح بلا خلاف بينهم ، وإن فقد البعض منها جاء
فيه الخلاف، ومَثْل بالمرسل لأنه فُتِدَ فيه الإتصال، وقد ذهب أقوام إلى أنه
صحيح، ولذا قال المصنف فى مختصره فى رسم الصحيح إنه نقل عدل تام الضبط
متصل السندغير مُعَل ، ثم قال: وعند مَنْ يقبل المرسل تقل عَدْل غير مُغَفَّل بصيغة
الجزم دون صيغة التمريض والبلاغ، فجعل المرسل عند قابليه قسماً من الصحيح.
وإذا عرفت هذا عرفت أن ابن الصلاح لم يرد بقوله « بلا خلاف بين
أهل الحديث)) الإِشارة إلى مَنْ يشترط العدد من المعتزلة كما قاله زينُ الدين،
بل الإِشارة إلى خلاف أهل الحديث الذين ألف كتابه فى اصطلاحهم ، ولذا قال
(١) وجد هنا بها مش امانصه ((إلا أن يدعى أنه لم يحلف إلا من لم
يره عدلا ضابطا، وإن قوله بوال على عقبيه- يرشد إلى ذلك، وكذلك ود
عمر خبرهم، لأنهم لم يجمعوا شروط الرواية. اهمنه )»
1

- ٢٢ -
((وقد يختلفون)) أى أهل الحديث أنفسهم، فالحديث إن جمع تلك القيود اتفقوا
على صحته، وإن فقد بعضها جاء فيه الخلاف بين أهل الحديث إذ منهم مَنْ
لا يشترط تمام الضبط فيدخل الحسن فى الصحيح كما يأتى.
/
وبه تعرف أنه لابد من التقييد لنفى الخلاف بالمحدثين، إذ التأليف على
اصطلاحهم، والخلاف بينهم، لا أنه إشارة إلى مَنْ يشترط العدد ، وتعرف أنه
لا يريد إجماع الصحابة، وكيف يُحْمل كلامه على الإِشارة إلى مَنْ يشترط العدد
كما زعمه زين الدين وهو يقول «لاختلافهم فى وجود هذه الأوصاف فيه أو
لاختلافهم فى اشتراط بعض هذه الأوصاف - أى فى شرطيته- كالإ تصال»
فإِن مَنْ يقبل المرسل لا يشترطه، ولم يقل لاختلافهم هل تكفى هذه الأوصاف
أو لابد من زيادة عليها حتى يفسرها باشتراط العدد .
وبه أيضاً تعرف أن قول المصنف (« قلت بل مذهب البغدادية من المعتزله
اشتراط التواتر» ليس فى مماله .
البحث الثالث: أن من جعل ذلك القيد للإشارة إلى مَنْ يشترط العدد
مبنى على أنه أريد بالعَدْل الضابط فى الرسم الواحد، فلا يدخل فيه الاثنان
ولا أكثر منهما ، ولا تصح إرادته لأنه يُخْرج حينئذ عن الرسم الحديث
العزيز، وهو: ما يرويه اثنان عن اثنين ، والمشهُور: وهو ماله طرق محصورة
بأكثر من اثنين، والكل من قسم الآحاد، ورسم الصحيح عالمٌ لهما، فلابد
من أن يراد بالعدل والضابط الجنس ليشمل ما ذكر، وحينئذ لا يخرج عنه مَنْ
يشترط العدد باثنين أو أكثر.
البحث الرابع: (١) كلام الزين والسيد محمد رحمهما الله تعالى أن شرط العدد
(١) وجد هنا بهامش امانصه (( ووجدت بحمد الله بعد أعوام من
تأليف الشرح فى حاشية البقاعى مالفظه : قال شيخنا: وبعض أهل الحديث
۔

- ٢٣ -
إنما هو لجماعة غير أهل الحديث غيرُ صحيح، فإِن أهل الحديث قاطبة قد
اعتبرواالعدد فى العزيز وهو أحد أقسام الآحاد كما عرفت، وإنما اختص الجبائى
بأنه حصر المقبول من الآحاد عليه فما فوقه، ثم إنه قد نقل ابْنُ الأثير فى مقدمة
جامع الأصول أن شرط الشيخين أن يَرْوى الحديث الصحابى المشهورُ بالرواية عَنْ
رسول الله صلى الله عليه وسلم، وله راويان ثقتان ، ثم يرويه عنه التابعى المشهور
بالرواية عن الصحابة وله راويان ثقنان، ثم يرويه عنه من أتباع التابعين الحافظ
المشهور وله رواة من الطبقة الرابعة ، ثم يكون شيخ البخارى ومسلم متقناً مشهورا
بالعدالة فى روايته، ثم قال: وهذا الشرط الذى ذكرناه ذكره الحاكم ، ثم رد
ابن الأثير على من قال إن هذا لا يتم إذ فى البخاري أحاديث على غير هذا الشرط
كما هو معروف فى كتابه، وقرر أن هذا شرط الشيخين، وقال الحافظ ابن
حجر فى النخبة وشرحها عند ذكر العزيز: وهو أن لا يروى الحديث أقل من
اثنين، وليس شرطاً للصحيح خلافاً لمن زعمه وهر أبو على الجُبَائى من المعتزلة
وإليه يومئ كلام الحاكم فى علوم الحديث حيث قال: الصحيح أن يرويه الصحابى
الزائل عنه اسمُ الجهالة بأن يكون له راويان ثم يتداوله أهل الحديث إلى وقتنا
كالشهادة على الشهادة، وصرح به القاضى أبو بكر بن العربى فى شرح البخارى.
يشترط العدد فى الرواية، حتى ادعى ابن العربي فى أو ئل شرح البخارى
أن ذلك شرط البخارى ، وتعقبه ابن رشيد فى كتاب ترجمان التراجم وحكاه
أبو محمد الجوينى عن بعض أهل الحديث، وحكى الحازمى عن الحاكم وهو
من أجل علماء الحديث أن شرط الشيخين العدد ،قال الحافظ أبو حفص : إن
شرطهما فى الصحيحين ألايدخلا فيه إلاماصح، وهو مارواه عن رسول الله صلى
الله عليه وسلم اثنان فصاعدا ونقله عن كل واحد من الصحابة أربعة من التابعين
فصاعدا، وأن يكون لكل واحد من التابعين أكثر من أربعة ، فقد علم
بهذا أن اشتراط العدد ليس خاصا ببعض المعتزلة كما قاله الشيخ ، وهو يوافق
ما بحثناء والحمد لله. اهـ منه)).

- ٢٤ -
ثم قال : قال ابن رشيد : ولقد كان يكفى القاضى فى بطلان ما ادعى أول حديث
فیهمذ کور، انتهى .
قلت : وإليه أشَرْنا فى نظم النخبة بقولنا :
وليس شرطا للصحيح فاعلم وقيل شرطٌ وهو قول الحاكم.
ومراد ابن رشيد بأول حَديث حديث ((إنما الأعمال بالنّات)» وهو
مروى بالآ حاد فإنه لم يَرْوه إلا عمرُ رضى الله عنه، ولم يروه عنه إلا عَلْمة ، ولم
يَرْوه عن علقمة إلا محمد بن إبراهيم ، ثم تفرد به يحيى بن سعيد عن محمد،
وكذلك آخر حديث مذكور فيه، وهو حديث («كلمتان خفيفتان على اللسان
إلخ )» لم يروه إلا أبو هريرة، وتفردبه عنه أبوزُرعة، وتفرد به عنه عمارة بن القعقاع،
وتفرد به محمد بن فضيل وعنه انتشر.
وإذا عرفت هذا عرفت أن فى اعتبار العدد خلافا لبعض أئمة الحديث ،
وادّعى أنه شرط البخارى ، لكن التحقيق خلاف ذلك .
(وسوف يأتى تعريف الحسن والضعيف وغيرهما إن شاء الله تعالى) يعد
استيفاء الكلام على ما يتعلق بالصحيح .
٢
مسألة
[فى بيان مراد أهل الحديث بقولهم: هذا حديث صحيح]
ـن
(المراد) أى مراد أهل علوم الحديث (بالصحيح والضعيف) ذكره وإن
كان تعريفه متأخراً ذكراً لحكم النقيض عند حكم نقيضه ( قال زين الدين :
وحيث يقول المحدثون هذا حديث صحيح فمرادهم فيماظهر لنا عملاً بظاهر الإسناد
لاأنه مقطوع بصحته) هو مأخوذ من كلام ابن الصلاح فانه قال: وليس من شرطه

- ٢٥ -
- يريد الصحيح - أن يكون مقطوعا به (فى نفس الأمر) وهذا كلام صحيح
( لجواز الخطأ والنسيان على الثقة (١)) سواء أريد المصِّح له من الرواة إلا أنه
لا يخفى أن هذا الإخبار عن مرادهم قليل الإفادة لأنه معلوم أنَّ ما فى نفس الأمر
لا يطلع عليه إلا الله تعالى، وأنه لا يكلف أحدا إلا بالعمل بما خوطب به وظهر
له صحته أوغيرها ، وقد قال نبينا صلى الله عليه وآله وسلم «إنما أقطع له قطعة من
نار)» لأنه يحكم بما أوجب عليه الحكم به عنده وهو حصُول نصّاب الشهادة مثلا
وإن كانت كذباً فى نفس الأمر، وقد نقل إليه صلى الله عليه وآله وسلم أن رجلا
يأتى أم ولده فأرسل علياً عليه السلام لقتاله فوجده محبوبا فتركه، فقال النبى صلى الله.
عليه وسل « أحسنت)» ولكنه ذكره المصنف ليتوصل به إلى قوله (هذا هو الصحيح
الذى عليه أكثر أهل العا ، خلافاً لمن قال إن خبر الواحد يوجب العلم الظاهر
كحسين الكرابيسى) نسبة إلى الكاباس - بالكسر - الثوب الأبيض من
القطن معرب فارسَّيته بالفتح غيروه لعزة فَهْلال، والنسبة كرابسى كأنه شبه
بالأنصارى (٢) وإلا فالقياس كرياسى، قاله فى القاموس (وغيره)
(١) بها مش الأصلين هنا ما نصه ((وإذا دخله تجويز الخطأ والنسيان لم يفد
إلا الظن ، ومن ثمة فرع الخلاف فيمن يقول يفيد العلم على هذا)) يشير إلى أن
بين العلماء خلافا فى بيان ما يفيده الحديث الصحيح، فمنهم من ذهب إلى أنه
يفيد العلم ، ومنهم من ذهب إلى أنه يفيد الظن ، و إلى أن هذا الخلاف من
فروع هذه المسألة .
(٢) الأصل فى النسب أن المنسوب إليه إذا كان جمعا فاما أن يستعمل هذا
الجمع استعمال العلم مثل أنصارفان أصله جمع ناصرولكنه استعمل استعمال
الأعلام فصار كالعلم على من كان من أهل مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم ،
وإما ألا يستعمل استعمال الأعلام: فان استعمل استعمال الأعلام نسب إليه على
لفظه فقيل أنصارى ، وإن لم يستعمل استعمال الأعلام رد إلى واحده ثم أحب
إلى الواحد، فيقال فى النسب إلى الغلمان والديار، غلامى ودارى، هذا مذهب=

منا
- ٢٦ -
واعلم أن ظاهر مراده بالعلم العلم بالمعنى الأخص إذ العلم بالمعنى الأعم يشمل
الظن لكن لماقال الظاهر قال الحافظ ابن حجر: إنما يكون ذلك مخالفاً لو قال يفيد
العلم وأطلق ، فأما الظاهر - وهو غلبة الظنِّ على صحته - فلاخلاف فى أنه يفيده،
والله أعلم بمرادالكرابيسى، فان العبارة المذكورة هنا لا تصريح بالمقصُود، وقد نقل
عن أبى بكر القفال مثلُها، وأول ذلك بغالب الظن، لأن العالم لا يتفاوت اهـ
قلت: يعنى لا يقال فيه ظاهر (١) وغير ظاهر، بخلاف الظن
( وحكاه ابن الصباغ) بفتح الصاد المهملة فموحدة مشدّدة فعين معجمة بعد
ألفه، هو أبو نصرٍ عبد الله بن محمد بن عبد الواحد، فقيه العراقيين فى وقته ،
مؤلف كتاب الشامل فى فقه الشافعية والعدة فى الأصول (فى العدة عن قوم من أصحاب
الحديث) قدعا أن خبر الواحد يفيد الظن، فاذا حقَّته القرائن أفاد العام كما قال
الحافظ فى النخبة وشرحها ، وقديقع فيها - أى فى أخبار الآحاد المنقسمة إلى مشهور
وعزيز وغريب وهى أقسام الآحاد - ما يفيد العلم النظرى بالقرائن على المختار اهـ
وقلنا فى نظم النخبة :
وقد يفيد العلم أعنى النظرى إذا أتّتْ قرائن للخبر
واعلم أن الأقوال فى خبر الواحد فى إفادته العل ثلاثة كما ذكره ابن الحاجب
والعضد وغيرهما :
الأول: أنه يفيد العلم بنفسه مطرداً: أى كلما حصل خبر الواحد حصل العلم،
وهو قول أحمد بن حنبل.
= جمهور البصريين، والكوفيون يجوزون النسب إلى الجمع بلفظه من غير أن
يكون مستهملا استعمال الأعلام ، وقد ورد فى نسب العلماء كثير من ذلك
كالجواليق والكرابيسى والثعالبى، وقد ألف شيخ النحاة ابن جنى كتابا فى
الصرف سماه التصريف الملوكى فنسب إلى الجمع بلفظه .
(١) فى ب ((لايقال منه ظاهر وغير ظاهر)» ولها وجه وجيه

- ٢٧ -
والثانى: أنه يحصل به العلم ولا يطرد، أى ليس كلّما حصل حصل العلم به.
الثالث: أنه لا يحصل العلم به إلا بقرينة .
والمسألة مستوفاة هنالك، والمراد بيان أن المسألة من المسائل المعروفة،
والخلاف فيهاواسع، فأحد أقوال أحمد كقول الكرابيسى، وكأنّه الذى أراده ابنُ
الصباغ بقوله عن قوم من أصحاب الحديث ((والحق أن فيه ما يفيد العام (١) كما
هو أحد الأقوال)) وقد كان صلى الله عليه وآله وسلم يبعث الآحاد إلى الأقطار
يَدْعون إلى الإِيمان، ولا بُدَّ فيه من العلم، ولا يكفى فيه الدخول بالظن)» وكان
يُرَتَب على خبر الآحاد ما يرتب على ما يفيد العا كقبوله خبر الوليد بن عقبة فى
قصة بنى المصْطَاق وإرادته صَلى الله عليه وآله وسلم غزوهم استناداً إلى خبره،
حتى أنزل الله ((إن جاءكم فاسق بنبأ)) ثم المراد من العلم هنا بخبر الآحاد العلم بالمعنى
الخاص، وهو الاعتقاد الجازم المطابق الذى لا يبقى معه شك ولا شُبْهَة، نقول
الزين («العلم الظاهر)) يريد به هذا المعنى، إذ العلم بالمعنى الأعم لاخلاف فى إغلاقخبر
الآحاد له ، على أن قول الكرابيسى العلم الظاهر يحتمل أنَّه لا يريد به مافى نفس
الأمر، بل أنه يفيد خبر الآحاد العام المذكورظاهراً لاقطعاً (قال الباقلانى) هو أبو بكر
محمد بن الطيب الباقلانى - بفتح الموحدة، وبعد الألف قاف ثملام ألف × وبعده
نون - نسبة إلى الباقلاء وبَيْه، وأنكر الحريرىُ هذه النسبة، وقال: هن قصر
الباقلاً قال: باقِىٌّ، ومن مدَ قال: باقلاوِىّ وباقلائىٌّ، وفى جامع الأصول (قولهم
باقلانى على خلاف القياس مثل صنعانى)» ذكر ابن خلكان أنه سكن يهداد
وصنف التصانيف الكثيرة فى علم الكلام وسمع الحديث (إنه) أى القول بافادة
خبر الواحد العلم (قول من لا يحصل على هذا الباب) أى باب ما تفيده أخبار
الآحاد ، ولا يخفى ما تقدم من قول أحمد وغيره فى إفادته إياه، والحاصل أنه قيل
(١) وهو إذا حفته القرائن الدالة على صدق الخبر كما سيذكره

- ٢٨ -
بإعادته العلم مه لقا وعدمها مطلقا وإفادته تارة وعدمها أخرى، فكيف يقال إنه قول
من لايحصل على هذا الباب ? على أنه لا يخفى أن مَنْ أخبر عن نفسه بأنه حصل له
العالم بأى سبب من الأسباب المحصلة له يُصَدق فى نفسه، وأما حكمه بأنه يحصل
لغيره ما حصل له من العلم بذلك السبب فهذه دعوى على الغير مستندها القياس
على النفس ، واختلاف الإدراك معلوم، فلا يكاد يستوى اثنان فى رتبة،
فالقول بأن هذا السبب الفلانى مثلا يفيد العلم أولا يفيده لكلٌ من حصل له
ليس بمقبول ( قال زين الدين: إن أخرجه) أى الحديث الصحيح الأحادى
(الشيخان) البخارى ومسلم: أى اتفقا على إخراجه عن الصحابى (أو) انفرد
(أحدهما) بإخراجه (فاختيار ابن الصلاح القطع بصحته ، وخالفه المحققون كما
سَآتى) للمصنف فى ذكر حكم الصحيحين، ويأتى الكلام عليه.
(وكذا قولهم) أى أئمة الحديث (هذا حديث ضعيف، مرادهم فيما لم يظهر
لنا فيه شروط الصحة) أى ولا الحسن (لا أنه كذبٌ فى نفس الأمر) هذا إذا
کان تضعیفه لکذب راو یه، وإلافان أسباب التضعيف کثیرہ کمایاتی، فلو قال
«لا أنه ضعيفٌفى نفس الأمر)» لكان أشمل ، وفى قوله « وإصابة من هو کثیر
الخطأ)» إشارة إلى ماصوبنا به عبارته إذ كثير الخطأ ليس خبره كذبا بل مردودا
(لجواز صدق الكاذب وإصابة من هو كثير الخطأ).
٣٠
مسألة
:[من علوم الحديث: فى معرفة أصح الأسانيد]
(أصح الأسانيد - واختلفوا) أى أئمّة الحديث على ثلاثة أقوال: إطلاقين
وتفصيل كماستعرفها (هل يمكن معرفة) المحدث (أصح الأسانيد) وكذا مجرى
٠

- ٢٩ -
فى الحديث نفسه، قال ابن الصلاح: ولهذا نرى الإمساك عن إسناد أو حديث إلى
آخره، فليس الكلام مقصوراً على الأسانيد كماهنا.
قلتُ: كأنه حذف الزين قوله ((أو حديث)) لأنه قال الحافظ ابن حجر:
لا يحفظ عن أحد من أئمة الحديث أنه قال حديث كذا أصح الأحاديث على
الإطلاق لأنه لا يلزم من كون الإسناد أصح من غيره أن يكون المتن المروى به
أصح من المتن المروى بالإسناد المرجوح، لاحتمال انتفاء العلة عن الثانى ووجودها
فى الأول، أو كثرة المتابعات وتواترها على الثانى دون الأول ،فلأجل هذا ماخاض
الأئمة إلا فى الأول خاصة ، وكأنه قال: هل يمكن أو لا يمكن.
( قال زين الدين: والمختار أنه) أى معرفة الأصح، ذكر الضمير لإضافته
إلى المذكر ( لا يصح) الظاهر أن يقال (( لا يمكن)) لأنه عنوان البحث،
فكأنه أراد بالصحة الإمكان (لأن تفاوت مراتب الصحة) التى يفيدها صحيح
وأصح، إلا أن ابن الصلاح ذكر هذا البحث بعد بيان مراتب الصحة ، فإنه
قال: (( الصحيح يتنوع إلى متفق عليه ومختلف فيه، ويتنوع إلى مشهور وغريب
وبين ذلك ، ثم قال: إن درجات الصحيح تتفاوت فى القوة بحسب تمكن.
الحديث من الصفات المذكورة التى تنبنى الصحة عليها، وتنقسم باعتبار ذلك
إلى أقسام يستعصى إحصاؤها على المَادّ الحاصِر)» اهـ.
وهذا التفاوت فى المراتب التى علل بها زينُ الدين لا يتضح إلا بعد
معرفة هذه التقاسيم، فلوأشار إليها كان أتم فى الإفادة لقوله ( مترتب على تمكن
"الإِسناد من شروط الصحة) ولاسبيل إلى معرفه تمكنه منها إلا بعد معرفة هذه
التقاسيم ليعرف الأعلى مرتبة من الأدنى، كماقال (ويعز وجود (١) أعلى دَرَجات
(١) قوله ((ويعز وجود أعلى درجات القبول إلخ)) قدسبق للمصنف الحكم
بعدم إمكان ذلك ، وكون الشىء عزيزا أى نادرا قليل الوجود لا يستدل به=

- ٣٠ -
القبول فى كل فرد فرد) من الرواة: بأن يكون أكمل رواة الأحاديث عدالة
وضبطا بالنسبة إلى كل راو فى الدنيا للحديث النبوى (فى ترجمة واحدة بالنسبة
لجميع الرواة) إذ قد لا يعن فى بعض الرواة أو فى تراجم معقودة لرواة متعددين
كما يأتى أنه قد حكم على بَعْض التراجم بالنسبة إلى راءٍ معين ، وهذا التعليل
يشعر بأنه يمكن، وإنما يعز، ولو عبر المصنف فى أول البحث بقوله «يعز معرفة
أصح الأسانيد)) لكان أوفق لماذكره هنا، نعم عبارة الحافظ بلفظ ((لا يمكن أن
يقطع الحكم فى أصح الأسانيد لصحابى واحد)» وكأنه لذلك قال المصنف :
(وقريب من هذا) أى من كلام الزين ( ما قاله الحاكم) أى: أبوعبد الله الإِمام
الكبير الحافظ الشهير الضبى النيسابورى، متفق على إمامته وجَلاَلته، ويأتى ذكر
كتابه المستدرك وكلام الأئمة فيه، وهذا الذى ذكره المصنف ذكره الحاكم فى
كتابه علوم الحديث (وسيأتى كلامه) قريبا، وهذا الاطلاق الأول فى المسألة
والإ طلاق الثانى ما أفاده قوله (قال ابن الصلاح: إن جماعة من المحدثين خاضوا غمرة
ذلك) الغَمْرَة - بالغين المعجمة فمر ساكنة فراء - من غَمَره الماء غطاه، ففى الكلام
استعارة، شبه البحث عن أصح الأسانيد بالبحر، فأثبت له الحوْضَ والغمرة،
وهذا دليل على أن هؤلاء الخائضين ! ون إمكان معرفة أصح الأسانيد، بل وجزموا
فيما عينوه، وهذا القسم يقابل قول المصنف (يمكن)) وكأنه قال أولاثم ذكر القسم
الأول وأخذ فى ذكر الثانى (فاضطر بت أقوالهم) اختلفت فى تعيين أصح الأسانيد
(فقال البخارى أصح الأسانيد) زاد ابن الصلاح لفظ «كلها)) وكذلك الحاكم
فى الرواية عن البخارى، وما كان يحسن حذفها إذ فيها التنصيص على المراد : أى
كل سند فى الدنيا (مارواه مالك) الإِمام المعروف (عن نافع) مولى عبد الله بن
= على أنه لا يصح أو لا يمكن، ويمكن أن يجاب بأن مراده فيما سبق بأنه لا يصح
أى لايتيسر ولا يتأتى بغير مشقة وتتبع طويل

- ٣١ -
عمر (عن ابن عمر) هو الصحابي الجليل عبد الله بن عمربن الخطاب، أخرج هذا الحاكم
عن البخارى بسنده، فهذارأى البخارى، ولا يصح أنه يريد أصح أسانيد عبد الله بن
عمر عنده وفى نظره، لأنه صرح بقوله («كلها)) فاذاً هذا الحكم بالنسبة إليه ليس
محلا للخلاف، إذ محله بالنسبة إلى كل حديث يروى، ثم إذا كان البخارى عين
الأصح عنده فلا يقال إنها اضطر بت أقوال من عين رتبة الأصح عنده لأنه أخبر
عن رأيه وماحصل عنده، فكل قائل قوله غير مضطرب فى نفسه، ولا يلزمه القول بقول
غيره إذهو مخبر عماصح له (وقال عبد الرزاق ) هو الصنعانى الإمام المعروف
صاحب المسْد ( وأبو بكر بن أبى شَيْبة) هو عبد الله بن محمد بن أبى شيبة
صاحب المسند والمصنف (أصحها مطلقا الزهرى) هو محمد بن شهاب ، التابعى
المعروف، منسوب إلى زهرة بن كلاب بطن من قبيلة من قريش منهم أمُّ النبى
صلى الله عليه وآله وسلم (عن على بن الحسين) زين العابدين وإمام المتقين ،
شهرة أمره تغنى عن ذكره (عن أبيه الحسين بن على) ريحانة المصطفى وسيد
الشهداء وقتيل كر بلاء (عن جده) على بن أبى طالب أمير المؤمنين أبى الحسن
خامس أهل الكساء وسيد الأنقياء وإمام الشهداء، قد بينا بعض ما يجبُ من
بيان فضائله فى الروضة الندرة شرح التحفة العلوية ( سلام الله عليهم أجمعين)
وهذه الرواية عن عبد الرزاق وابن أبى شيبة أخرجها الحاكم فى علوم الحديث
بسنده، وفيها ( أصح الأسانيد كلها)) (وقال أحمد) هو إمام المحدثين أبوعبد الله
أحمد بن حنبل صَاحب المسند (وإسحق) هو أبو يعقوب إسحق بن إبراهيم
الحنظلى من أئمة الحديث عرف بابن رَاهَوَيْهِ (أصحها) مطلقا (الزهرى عن سالم
ابن عبد الله بن عمر عن أبيه) عبد الله بن عمر بن الخطاب (وقال عُمر بن على
الفلاس) أخرجه الحاكم عنه، وفى كتاب ابن الصلاح ((عمرو)) بفتح العين، وهى
فسخة فى كتاب المصنف، والفلاس بفتح الفاء فتشديد اللام فسينٍ مهملة (وسليمان
ابن حرب) وفى كتاب علوم الحديث للحاكم ((ابن داود» وفى نسكت الحافظ ابن

- ٣٢ -
حجر (( ابن حرب)) مثل ما هنا (وعلى بن المدينى) هو الحافظ المعروف شيخ
البخارى (أصحها محمد بن سيرين) التابعى المعروف بتعبيره الأحلام (عن عبيدة).
بفتح المهملة فموحدة فمثناة تحتية فدال مهملة (السدانى) بالسين المهملة وسكون اللام
ويقال بفتحها، وهو أحد الرواة (عن على بن أبى طالب عليه السلام، إلا أن على بن
المدينى قال: أجود الأسانيد) كأنه (١) عبارة عن أصحها ليوافق ماتقدم [ من قوله
أصحها] (عبد الله بن عون عن) محمد (ابن سيرين عن عبيدة عن على) فشرط أن
يكون الراوى عن محمد بن سيرين عبد الله بن عون (وقال سليمان بن حرب: أصحها
أيوب) السختيانى الثقة المعروف (عن محمد بن سيرين عن عبيدة عن على) فشرط
فى الراوى عن ابن سيرين أن يكون أيوب ، فقد اتفق الثلاثة أن أصحها محمد بن .
سيرين عن عبيدة عن على ، وإن اختلفوا فى الراوى عن محمد ، وظاهر هذا
أن الغَلاس لم يشترط راوياً معيناً عن محمد (وقال ابن معين) بفتح الميم فعين
مهملة فمتناه تحتية فنون - هو يحيى بن معين الإمام الحافظ صاحب الجرح
والتعديل (أصحها سليمان ابن مِهْرَان) بكسر الميم وسكون الهاء فراء (الأعمش)
بعين مهملة فشين معجمة - حافظ مشهور ثقة عالم رأى أنس بن مالك ولم يُرْزَق
السماع منه، فهو تابعى برؤية الصحابى، وأما مايرويه عنه فهو مُرْسل، أرسل عن
كبار التابعين (عن إبراهيم بن يزيد النخعى) بفتح النون وفتح الخاء المعجمة فعين
مهملة - فقيه كوفى أحد الأئمة المشهورين، تابعى رأى عائشة ولم يسمع منها ، وهو.
منسوب إلى النّشْع قبيلة كبيرة من مذحج باليمن (عن علقمة) بعين مهملة مفتوحة
(١) وجد بهامش الأصلين هنا ما نصه ((إنما قلت كأنه لأنى لم أجد لحم
كلاما فى ذلك ، ثم رأيت بعد أعوام فى حاشية البقاعى ما لفظه : فان قيل
قد يكون الاسناد جيدا باعتبار اشتهار رواته بالعلم والصلاح، ومع ذلك قد
يكون غيرهم أحفظ وأضبط ، قيل: ليس الأمر كذلك ، وإنما هذا تفنن فى
العبارة، ولا مغايرة بينهما عند من تتبع مواقع استعمالهم. انتهى ، فصح
بحمد الله ماظنناه)) اهـ منه .

- ٣٣ -
فلام فقاف - فقيه ثبت نايعى عالم (ابن قيس) ابن عبد الله النخعى الكوفى (عن
عبد الله بن مسعود) أخرجه الحاكم سنده عن يحيى، زاد فقال له - أى ليحيى -
إنسان: الأعمش مثل الزهرى ؟ فقال: برئت من الأعمش أن يكون مثل الزهرى،
الزهرى كان يرى العرض والإِجارة، وكان يعمل لبنى أمية، وكان الأعمش، فمدحه
فقال: فقير صبور مجانب للسلطان (فيهذه الأقوال) وهى خمسة (ذكرها ابن
الصلاح ، قال زين الدين) بعد سياقه لكلام ابن الصلاح (وفى المسألة أقوال
أخر ذكرتها فى الشرح الكبير) الذى شرح به ألفيته، وقد ذكر الحافظ
ابن حجر أقوالاً أخر نص أئمة من أئمة الحديث بأنها أصح الأسانيد غير ما ذكر
(وفيه) أى فى الشرح الكبير (فوائد مهمة لا يستغنى عنها طالب الحديث )
لنفعها فى ذلك الفن ، فهذان الاطلاقان إلى هنا ، والتفصيل ما أفاده قوله (قال).
أى زين الدين ( ولا يصح تعميم الحكم فى أصح الأسانيد ) كند حديث
أبى هريرة مثلا (فى ترجمة لصحابى واحد ، بل ينبغى أن تقيد كل ترجمة منها
بصحابنها ) على جميع تراجم الصحابة: أى لا يحكم بأنها أصح أسانيد الأحاديث
كلها، وهذا منه رد لما قاله مَنْ ساق كلامهم من الأئمة فى حكمهم بأن أصح الأسانيد
مطلقا رواية الصحابى الذى عينوه، وهذا الكلام من كلام الحاكم فإنه قال بعد
سياقه لما ذكر من التراجم التى حكم عليها بأنها أصح الأسانيد ، وهى التى سلف
ذكرها قريبا، ما لفظه: إن هؤلاء الأئمة الحفاظ قد ذكر كل واحد منهم ما أدى
إليه اجتهاده فى أصبح الأسانيد، ولكل صحابى رواة من التابعين، ولهم أتباع،
وأكثرهم ثقات، ثم قال ما نقاء المصنف بقوله (قال الحاكم: لا يمكن أن يقطع
. الحكم فى أصح الأسانيد لصحابى واحد) ثم قال الحاكم (فنقول وبالله التوفيق)
فى بيان أصح الأسانيد وتقييد كل ترجمة بصحابيها ( إن أصح أسانيد أهل البيت
عليهم السلام) ما رواه ( جعفر) هو جعفر الصادق ( ابن محمد) هو محمد الباقر
(٣ -١)

- ٣٤ -
(عن أبيه) محد (عن جده) على بن الحسين زين العابدين، وهذا الذى نقله.
المصنف هو لفظ الحاكم كما رأيناه فى كتاب الحاكم، إلا أنه لا يخفى أن الظاهر
أن يزاد بأبيه محمد لأن على بن الحسين جد جعفر، لا أبوه ، مع أنه مشكل فإن
ضمير جده على هذا يكون لعلى بن الحسين فأنه جد جعفر، ولكن على بن الحسين لم
يسمع من على بن أبى طالب فيكون منقطعاً(١)، فكيف يكون من أصح الأسانيد؟
وإذا أعيد ضمير أبيه إلى على بن الحسين وإن كان جداً لجعفر فإنه يصح إطلاق
الأب عليه لغة وحينئذ فلا انقطاع إلا أنه لا يتم إلا بعد ثبوت سماع جعفر من جده
على بن الحسين، ولأن هذا خلاف القاعدة لهم، فإنهم إذا قالوا ((عن أبيه عن
جده )) لا يريدون إلا أنه يروى عن أبيه، وأبوه يروى عن جده ، وقد ثبت
سماع جعفر من جده على بن الحسين لأن مولد جعفرسنة ثمانين ، ووفاة على بن الحسين
سنة ثلاث وتسعين، فقد صحب جعفر جده على بن الحسين ثلاث عشرة سنة ، فسماعه
منه يقين ، كما أن سماع زين العابدين من أبيه الحسين السبط يقين ، فإنه حضر
الطف مع أبيه وعمره ثلاث وعشرون سنة (عن جده) الحسين السبط (عن على)
رضى الله عنهم ( إذا كان الراوى عن جعفر ثقة) نقل عن المصنف أنه إنما قيد
الحاكم بذلك لكثرة رواية الضعفاء عنه ( قلت: قال أحمد بن حنبل : هذا
إسناد أو مسح به على مريض لشفى، رواه) عن أحمد (المنصور بالله) عبد الله بن
حمزة (فى المجموع المنصورى) وذكره السُّهُودى فى جواهر العقدين من طريق
المحدثين ،يريد أنه يشفى لبركة هؤلاء الأئمة ، وكأنه يريد لو كتب ومسح به أولو
قرئ على المريض ومسح بيده القارئ، قال الحاكم (وأصح أسانيد أبى بكر
(١) لوجعلتا الضمير لعلى بن الحسين يصير الكلام كانه قال: عن جعفر
عن محمد عن على بن الحسين عن الحسين السبط عن أمير المؤمنين على رضى الله
عنهم، وهو حينئذ متصل لامنقطع . اهـ من هامش ابمعناه

- ٣٥ -
رضى الله عنه لفظ الحاكم الصديق عوضاً عن أبى بكر، وكذا نقله عنه الزين،
. ما رواه ( إسماعيل بن أبى خالد) البجلى، ثقة روى عن كبار التابعين ( عن قيس
ابن أبى حازم) بالحاء المهملة والزاى، وقيس هو أبو عبد الله الكوفى البلخى
مخضرم من كبار التابعين، وهو ثقة ( عن أبى بكر، وأصح أسانيد عمر رضى الله
عنه: الزهرىُ عن سالم) بن عبد الله بن عمر (عن أبيه) عبد الله (عن جده)
عمر ، وقال ابن خزم : أصح طريق يروى فى الدنيا عن عمر رواية الزهرى من
السائب بن يزيدعنه ( وأصح أسانيد أبى هريرة: الزهرى عن سعيد بن المنتخب)
بفتح المثناة وروى عنه أنه كان يقول: بكسرها، تابعى مشهور فاضل ( عن أبى:
هريرة، وأصح أسانيد ابن عمر: مالك عن نافع عن ابن عمر ) وهى التى قال البخارى!
إنها أصح الأسانيد مطلقاً كما سلف ( وأصح أسانيد عائشة: عبيد الله بن عبر)
ابن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب، كان أحد الأعلام (عن القاسم) بن محمد
ابن أبى بكر (عن عائشة) عَمّته أخت أبيه، أخرج الحاكم عن يحيى بن يعني أنه
قال: عبيد الله بن عمر عن القاسم بن محمد عن عائشة ترجمة مشبكة بالذهب (أصح
أسانيد عبد الله بن مسعود: سفيان) هو أبو عبد الله سفيان بن سعيد (الشورى)
بالمثلثة مفتوحة وسكون الواو فراء - نسبة إلى نوربن عبد مناف، وهو رأس
فى العلم والورع والتقوى ( عن منصور) هو ابن المعتمر (عن إبراهيم النخعى عن
علقمة) تقدم (عن ابن مسعود، وأصح أسانيد أنس بن مالك: مالك عن الزهرى
عن أنس) فهذه أصح الأسانيد بالنظر إلى الصحابى من غير اعتبار محل،
وأما باعتبار المحلات فقال ( وأصح أسانيد المكيين من الرواة : سفيان) بسين
مهملة مثلثة الحركات ( ابن عيينة) بضم العين المهملة وفتح المثناة التحتية وسكون
المثناة التحتية وفتح النون - هو أبو محمد سفيان ثبت حجة معروف (عن عمرو
ابن دينار) بالدال بلفظ الدينار المعروف ( عن جابر بن عبد الله، وأصح أسانيد
اليمانيين) جمع يمانى منسوب ، ويقال فى النسبة أيضاً يمنى ويمانٍ كقاض كما فى

- ٣٦ -
القاموس، والمراد رواة اليمن ( معمر) بفتح الميم وسكون العين المهملة وفتح الميم
الثانية فراء، هو أبو عروة بن راشد الأردى نزيل اليمن ، ثقة فاضل (عن همام)
بفتح الهاء وتشديد الميم ابن مُثْبَّهُ، هو تابعى وهو أخو وهب بن منبه المانى
صاحب الأخبار (عن أبى هريرة، وأثبت أسانيد المصريين) أى أصحها (الليث)
ابن سعد أحد أعلام عصره ( عن يزيد بن أبى حبيب) المصرى أبى حازم ، اسم
أبيه سويد ، ثقة فقيه، كان يرسل ( عن أبى الخير) بالخاء المعجمة وتحتية ، اسمه
مَرْ ثد بن عبد الله، ثقة فقيه ( عن عقبة) بضم العين المهمله وسكون القاف فموحدة
(ابن عامر) وعقبة صحابى معروف ( وأثبت أسانيد الشاميين) جمع شامى منسوب
إلى الشام ويقال فى النسبة إلى الشام أيضاً شام وشامى كما فى القاموس (الأوزاعى)
بفتح الهمزة وسكون الواو فزاى مفتوحة فعين مهملة - وهو أبو عمر عبد الرحمن
ابن عمرو ثقة جليل (عن حسان) بمهملتين الثانية مشددة (ابن عطية) هو أبو
بكر حسان الدمشقى فقيه عابد ( عن الصحابة ، وأثبت أحاديث الخراسانيين:
الحسين بن واقد) اسم فاعل من الوقود، ولى قضاءَرْو، وكان يحمل حاجته من
السوق ، وثقه ابنُ معین وغیره، واستنكر أحمد بعض حديثه ( عن عبد الله بن
بُرَيْدة) تصغير برد بالحاق التاء (عن أبيه) بُرَيْدة بن الحصيب الصحابى
المعروف، قال الحاكم بعد سياقه لهذا: ولعل قائلا يقول: هذا الأسناد لم يخرج
منه فى الصحيحين إلا حديثان، فيقال له : أوجدنا للخراسانيين أصح من هذا
الأسناد ، وكلهم ثقاتٌ وخراسانيون ، وبريدة بن الحصيب مدفون بمروٍ،
انتهى. وقال الحافظ ابن حجر بعد سياقه لكلام الحاكم هذا، ما لفظه: قلت:
وهذا الذى ذكره قديُنَازَع فى بعضه، ولاسيما فى أصح أسانيد أنس، فانقتادة
وثابتا البنانى أقعد وأسْعَد بخدمته من الزهرى ، ولهما فى الرواة جماعة ، فأثبت
أصحاب ثابت البنانى: حماد بن زيد ، وأثبت أصحاب قتادة شعبة ، وقيل :
غيره، وإنما جزمت بشعبة لأنه كان لا يأخذ عن أحد ممن وصف بالتدليس إلا

- ٣٧ -
ما صرح فيه ذلك المدلس بسماعه من شيخه، وقوله فى أسانيد أهل الشام فيه
نظر ، فإِن جماعة من أثمتهم رَجحوا رواية سعيد بن عبد العزيز عن ربيعة بن يزيد
عن أبى إدريس الخَوْلاَنى عن أبى ذر ، ثم قال « تنبيه، لم يذكر المصنف
- يريد ابن الصلاح - أو هى الأسانيد وقد ذكره الحاكم، وأظنه حذفه لقلة
جَدْواه بالنسبة إلى مقابله » انتهى .
واعلم أن فائدة معرفة أصح الأسانيد مما ذكر وغيره أنه إذا عارضه حديث
مما لم ينص فيه إمام على أصحيته يرجح ما نص على أصحيته عليه ، وإن كان
صحيحاً فإن عارضه مانص أيضا على أصحيته نظر إلى المرجحات فأيهما كان
أرجح حكم بقوله ، وإلارجع إلى القرائن التى تحف أحد الحديثين فيقدم بها
على غيره .
مسألة [ فى ذكر أول من صنف فى جمع الصحيح]
(أصح كتب الحديث - أول من صنف فى جمع الصحيح البخارى) هذا
كلام ابن الصلاح، قال الحافظ ابن حجر: إنه اعترض عليه الشيخ علاء الدين
مغلطاى - فيما قرأت بخطه - بأن مالكا أول من صنف الصحيح ، وتلاه
أحمد بن حنبل ، وتلاه الدارمى ، قال: وليس لقائل (١) أن يقول: لعلهُ أراد
(١) وجد بهامش الأصلين هنا مانصه ((إشارة إلى رد كلام زين الدين بن
العراقى ، فان هذا كلامه راداعلى من اعترض بأن مالكاأول من صنف الصحيح
(هـ منه)) قال المعتز بالله أبو رجاء: والخلاصة أن العلامة ابن الصلاح ذكران
أول من صنف فى جمع الصحيح الامام البخارى ، واعترض عليه الشيخ علاء
الدين مغلطاى بأن هذه الأولية غير مسلمة بل أول من ألف الصحيح هو إمام=

- ٣٨ -
الصحيح المجرَّد، فلا يرد كتاب مالك لأن فيه البلاغ والموقوف والمنقطع والفقه
وغير ذلك ، لوجود ذلك فى كتاب البخاری . اهـ . قال : وقد أجاب شيخنا
- يريدبه زين الدين- ثم ذكر جوابه واعتراضه بما هو حق ، ثم قال: لكن
الصواب فى الجواب، ثم ذكر ما حاصله أنه يَصْدق على مالك أنه أول من صنف
الصحيح باعتبار انتقائه للرجال، فكتابه أصح من الكتب المصنفة فى هذا الفن
من أهل عصره وما قاربه كمصنفات سعيد بن أبى عَرُوبة وحماد بن سلمة والثورى
وابن إسحق ومعمر وابن جُرَيج وابن المبارك وعبد الرزاق وغيرهم، ولهذا قال
الشافعى : ما بعد کتاب الله أصحُ من کتاب مالك، فكتابه أصح عنده وعند
من تبعه ممن يَحْتِج بالمرسل والموقوف.
وأما أول من صنّف الصحيح المعتبر عند أئمة الحديث الموصوف بالاتصال
وغير ذلك من الأوصاف فأول مَنْ جعه البخارى، ثم مُسْلم، كما جزم به ابنُ
الصلاح، وأما قول مغلطاى ((إن أحمد أفرد الصحيح)) فقد أجاب عنه الشيخ
ابن الصلاح فى التنبيه السادس من الكلام على الحديث الحسن. انتهى كلام ابن حجر
= دار الهجرة مالك بن أنس الأصبحى، وبعده إمام أهل السنة أحمد حتمل الشيبانى
وقد رد كلامه زين الدين العراقى بأن بين المراد من قول ابن الصلاح إن أول
من صنف فى الصحيح هو البخارى ، وذلك بأن قال إن المراد من الصحيح
فى كلام ابن الصلاح هو الصحيح الذى لا يخالطه غيره، وعلى هذا يتم كلام ابن
الصلاح لأن موطأ مالك ومسند أحمد لم يشترط صاحباهما على أنفسهما تجريد
الصحيح عماعداه فلا تعتبر أسبقيتهما مانعة من جعل الأولية للبخارى . وقد
أفسد العلامة الحافظ ابن حجر كلام زين الدين العراقى بأن هذا الكلام يستلزم
أن يكون كتاب البخارى غير مشتمل على شىء سوى الصحيح، وهو غير مسلم
لأن فيه كما فى موطأ مالك ومسند أحمد البلاغ والموقوف والمنقطع. فقوله
((فَلاَءٍ كتاب مالك لأن فيه البلاغ» تفريع على إرادة الصحيح المجرد. وقوله.
«لوجاء ذلك فى البخارى» تعليل تقوله «ليس لقائل»

- ٣٩ -
قلت : يريد حيث قال الشيخ ابنُ الصلاح ((كتبُ المسانيد غير ملحقة
بالكتب الخمسة التى هى: الصحيحان، وسنن أبى داود ، وستن النسائى، وجامع
الترمذى، وما جرى مجراها فى الاحتجاج بها والركون إلى ما ورد فيها مطلقا
كسند أبى داود الطيالسى، ومسندعبيد الله بن موسى، ومسند إسحاق،ومُسْند
عَبْد بن حُمَيْدٍ ، ومسند الدارمى، ومُسْند أبى يَعْلَى الموصلى، ومسند الحسنبن
سفيان، ومسند البزار أبى بكر، وأشباهها ، فهذه عادتهم فيها أن يُخْرجوا فى
مُسْتد كل صحابى مَا رَؤؤه من حديثه غير منقيدين بأن يكون حديثاً محتجاً به
أولا ، فلهذا أخرت مرتبتها - وإن جات لجلالة مؤلفيها - عن مرتبة الكتب
الخمسة » انتهى .
ثم قال الحافظ : وأما ما يتعلق بالدارمى فتعقبه الشيخ زين الدين بأن فيه
الضعيف والمنقطع، لكن بقي مطالبة مغلطاى بصحة دعواه أن جماعة أطلقوا على
مسند الدارمى كونه صحيحاً، فنى لم أرذلك فى كلام أحد ممن يعتمد عليه.
ثم قال: كيف ولو أطلق عليه ذلك من يعتمد لسكان الواقع بخلافه، لما فى
الكتاب المذكور من الأحاديث الضعيفة والمنقطعة والموضوعة، والموطأ فى الجملة
أنظف أحاديث وأتقن رجالا منه، ومع ذلك كله فلست أسلم أن الدارمى صنف
كتابه قبل تصنيف البخارى الجامع، لتعاصرهما ،.ومن ادعى عليه ذلك فعليه
البيان . انتهى .
قلت : ومن ادعى تقدم تصنيف البخارى على تصنيف الدارمى فعليه
البيان أيضا، وكأنه اختر الحافظ العلائى بكلام مغاطاى، فانه قال: ينبغى أن
يجعل مسند الدارمى سادساً للخمسة بدل ابن ماجة، فانه قليل الرجال الضعفاء،
نادر الأحاديث المنكرة والشاذة ، وإن كان فيه أحاديث مرسلة وموقوفة فهو مع
ذلك أولى من سنن ابن ماجة، إلى آخر كلامه، ويحتمل أنه إنما أراد تفضيله على ابن
ماجة بخصوصه وأن ابن ماجة رجاله الضعفاء أكثر، وأحاديثه الشاذة والمنكرة غير نادرة.

- ٤٠ -
إذا عرفت هذا فعلى تحقيق الحافظ ينبغى أن يقال: أول من صنف فى الصحيح
المعتبر عند أئمة الحديث الموصوف بالاتصال وغير ذلك من الأوصاف: البحارى،
غير أن جواب الحافظ لم يتضح به رد كلام مغلطاى كل الاتضاح كما لا يخفى
(وكتابه) أى البخارى (أصح من كتاب مساعند الجمهور، وقال النووى:
إنه الصواب ، واختاره زين الدين ، قالاهما) أى النووى والزين (وغيرهما) من
أئمة الحديث (والمراد) بالحكم بأصحية كتابه على مسلم أصحية ( ما أسندمدون
التعليق) يأتى تعريفه (والتراجم) جمع ترجمة، وهى عنوان الباب الذى تساق
فيه الأحاديث ، ولا بد أن تكون مناسبة لما يساق من الأحاديث، قالوا: وذلك
لأن الصفات التى تدور عليها الصحة فى كتاب البخارى أثم منها فى كتاب
مسلمٍ وشروطه فيها أقوى وأشد .
أما رُجحانه من حیث الاتصال فلا شتراطه أن یکون الراوى قد ثبتت له .
لقاء مَنْ روى عنه ولو مرة، واكتفى مسلم بمطلق المعاصرة، وأما رُجحانه من
حيث العدالة والضبط فلأن الرجال الذين تكلم فيهم من رجال مسا ا كثر عدداً
من الرجال الذين تكلم فيهم من رجال البخارى ، فإن الذين انفرد بهم البخارى
أربعمائة وخمسة وثلاثون رجلا، المتكلم منهم فيه بالضعف ثمانون رجلا ، والذين
تفرد بهم مسلم ستمائة وعشرون رجلا المتكلم منهم فيه بالضعف مائة وستون رجلا
على الضعف من كتاب البخارى ، ولا شك أن التخريج عمن لم يتكلم فيه أصلا
أولى من التخريج عمن تكلم فيه، ولأن الذين تفرد بهم البخارى ممن تكلم
فيه لم يكثر من تخريج أحاد ينهم ، وليس لواحد منهم نسخة (١) كبيرة أخرجها
أو أكثرها كنسخة عكرمة عن ابن عباس ، بخلاف مسلم فقد أخرج أكثر
تلك الفسخ التى رواها عمن تكلم فيه كأبى الزبير عن جابر وسهيل عن أبيه
(١) كذا فى ا، وفى ب ((نسخة كثيرة))
٠