النص المفهرس
صفحات 441-460
٤٤١ كتاب الجامع - باب الترهيب من مساوىء الأخلاق * ما يؤخذ من الحديث: ١ - الحديث الشريف يدل على أنَّ المؤمن لا يجمع هاتين الخصلتين الذميمتين، وهما: البخل، وسوء الخلق، ومفهوم الحديث: أنَّهما قد يجتمعان فيمن حُرِمَ نعمة الإيمان، فإنَّه قد يكون فيه البخل وسوء الخلق معًا؛ لأنَّه فقد الإيمان الذي ينهى صاحبه عن سيِّء الأخلاق، كما يأمره بالجود والكرم. ٢- البخل: أحسن ما يعرَّف به: بأنَّه التقصير بالنفقات الواجبات، والنفقات المستحبات، وعدم التوسعة على الأهل والأولاد، والتقصير في بر الجار، والقريب، والضعيف، ونحو ذلك. ٣- جاء ذم البخيل والبخل في كثير من نصوص الكتاب والسنة؛ قال تعالى: ﴿ اُلَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ﴾ [النساء: ٣٧]، وقال تعالى: (10)﴾ [الحاقة]، وقال تعالى عن أهل النار: ﴿وَلَمْ نَكُ وَلَا يَحُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ [المدثر]، وقال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنُّ ◌َخِلَ وَأَسْتَغْنَى رِجْ﴾ [الليل]، ٤٤ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ [الحشر]، ٩ وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُعَّ نَفْسِهِ، فَأَوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وقد جاء في صحيح مسلم (٢٥٧٨)، من حديث جابر؛ أنَّ النَّبِيَّ وٍَّ قال: ((أَّقوا الشح، فإنَّ الشح أهلك من كان قبلكم، حملهم على أن سفكوا دماءهم، واستحلوا محارمهم)) . ٤- البخل مذموم شرعًا، وعقلاً، وعرفًا؛ فهو إمساك عن الواجبات، فيحصِّل صاحبه الإثم، والإمساك عن الفضائل والمرواءت، فيحصِّل صاحبه المذمة والعار، وضد ذلك: القيام بالنفقات الواجبة، والنفقات التي تجلب حمدًا وأجرًا. ٥- أما سوء الخلق فضده حسن الخلق؛ من حسن العشرة، ولين الجانب، والحلم، والعفو، والسماح، والصبر، والرحمة، والشفقة، والإحسان، والبر . ٤٤٢ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ٦- والآيات والأحاديث في ذم سوء الخلق، ومدح حسن الخلق كثيرة جدًّا؛ ويكفي منها قوله تعالى: ﴿خُذِ اُلْعَفْوَ وَأُمُرُ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَهِلِينَ ١٩٩ [الأعراف]، وقوله: ﴿وَلَا تَسْتَوِى الْحَسَنَّةُ وَلَا السَّيِّئَةُ أَدْفَعْ بِالَّتِى هِىَ أَحْسَنُ [فصلت: ٣٤]. وجاء في الترمذي (٢٠٠٢) عن أبي الدرداء؛ أنَّ النَّبِيَّ وَّه قال: ((إنَّ الله يبغض الفاحش البذيءَ)) وجاء في أبي داود (٤٧٩٨) عن عائشة قالت: سمعت رسول الله وَ له يقول: ((إنَّ المؤمن ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم)) . ٤٤٣ كتاب الجامع - باب الترهيب من مساوىء الأخلاق ١٣٠٩ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّ: (المُسْتَبَانِ مَا قَالاَ فَعلَى البَادِىءِ، مَا لَمْ يَعْتَدِ المَظْلُومُ)) أَخْرَجَهُ مُسْلِمُ(١) . * مفردات الحديث: - المُسْتبان: بتشديد الباء الموحدة، اسم فاعل، من باب الافتعال، يقال: سابَّه مسابَّةً وسبابًا: شتمه، والمراد: المتشاتمان اللذان تبادلا الشتائم بينهما . - فعلى الباديء: أي: فعلى الذي بدأ بالشتم الإثم، دون المجيب المنتصر. - ما لم يعتد: أي: يتجاوز حد ما شتمه الباديء. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - السباب: فسوق لما يصدر فيه من الكلام الفاحش، واللفظ البذيء، وقد يجر الفسوق إلى ما هو أعظم منه؛ من سفك الدماء، وإثارة الفتن، وأقل ما فيه إشعال العداوة والبغضاء بين المسلمين؛ ولذا كان محرَّمًا؛ فإنَّ الله يكره الفاحش البذيء. ٢ - ومن اعتدي عليه بالسباب، فله مجازاة الساب بمثل سبه من غير ذلك زيادة على ذلك؛ قال تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمبِهٌِ﴾ [النحل: ١٢٦ ]. وللكن أفضل من المجازاة: الحلم، والصبر، والعفو: ﴿وَلَيِنِ صَبَّرْثُمْ لَهُوَ [النحل]، وقال تعالى: ﴿فَصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ خَيْرٌ لِلصَّبِين ٨٥ ٢٦ [الحجر]، وقال: ﴿وَلَيَعْفُواْ وَلْيَصْفَحُوْ أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [النور: ٢٤]، (١) مسلم (٢٥٨٧). ٤٤٤ توضيح الأحكام من بلوغ المرام وقال تعالى: ﴿ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسُِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [آل عمران]. ١٣٤ ٣- دلَّ الحديث على أنَّ إثم السباب يقع على الذي بدأ بالسباب: إما مباشرة، أو تسبب له بأفعاله، أو أحواله. ولا يقع على المجازي إلاَّ إذا زاد على حقه، فيصير ظالمًا. ٤ - السباب ليس من خلق ذوي الهيئات والمرواءات، وإنما هو خلق السفهاء، ومن ليس لديهم حياء يردهم عن هُجْرِ الكلام، وفاحشه، والبذاءة؛ لذا فإنه يُجمل بالمسلم أن يبتعد عن هذه الأخلاق، وأن ينأى عمن ليس عنده خلق حسن؛ فليتأدب معه بآداب القرآن من الإعراض عن الجاهلين، والصفح الجميل، والصبر، والعفو، والمغفرة؛ لينال درجة المتخلقين بالقرآن، والله الموفق . ٤٤٥ كتاب الجامع - باب الترهيب من مساوىء الأخلاق ١٣١٠ - وَعَنْ أَبِي صِرْمَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَهُ: ((مَنْ ضَارَّ مُسْلِمًا ضَارَّهُ اللهُ، وَمَنْ شَاقَّ مُسْلِمًا شَقَّ اللهُ عَلَيْهِ)) أَخْرَجَهُ أَبُودَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ(١). * درجة الحديث: الحدیث حسن . فقد حسَّنه الترمذي . قال المناوي في شرح الجامع الصغير: رمز لحسنه المؤلف، أي السيوطي . ورواه أبوداود، وسكت عنه هو والمنذري، وعزاه لابن ماجه والنسائي، فهو حديث مقبول، والله أعلم. وهناك شواهد كثيرة للحديث؛ منها ما في صحيح مسلم: ((اللَّهم من ولي من أمر أمتي شيئًا فشقَّ عليهم، فاشقق عليه)) وغيره. * مفردات الحديث: - من ضارَّ مسلمًا: أي: من أدخل على مسلم مضرة في ماله، أو نفسه، أو عِرضه بغير حق، أدخل الله عليه المضرة؛ مجازاة له من جنس فعله. - من شاقَّ مسلمًا: يقال: شاقه مشاقة وشقاقًا: خالفه، وعاداه، وحقيقته: أن يأتي كل واحد منهما بما يشق على صاحبه، فيكون كل واحد منهم في شق صاحبه، والمعنى هنا: من نازع مسلمًا ظلمًا، أنزل الله عليه المشقة . (١) أبوداود (٣٦٣٥)، الترمذي (١٩٤٠). ٤٤٦ توضيح الأحكام من بلوغ المرام * ما يؤخذ من الحديث: ١ - أذية المسلم وغيره بغير حق حرام، سواء أكانت الأذية في بدنه، أو عرضه، أو ماله، أو ولده، أو أهله، أو أي شيء يلحقه الضرر به؛ فمن أدخل الضرر على مسلم، أو ذمي، أو معاهد، جازاه الله تعالى من جنس عمله، بأن يدخل عليه المضرة والمشقة . ٢- جاء في الحديث الذي أخرجه أحمد (٢٢٢٧٢)؛ أنَّ النَّبِيَّ وَِّ قال: ((لا ضرر ولا ضرار))؛ وهذا الحديث جعله علماء الأصول قاعدة شرعية عامة كبرى، استقوا منها عددًا كبيرًا من المسائل الفرعية . ومعناه: نفي الضرر من الرجل لأخيه ابتداءً وجزاءً. فالحديث : ((لا ضرر ولا ضرار)) وأخوه ((حديث الباب)): نص في تحريم الضرر بأنواعه كلها؛ لأنَّ النفي بـ(لا)) للاستغراق، فيفيد تحريم جميع أنواع الضرر؛ لأنَّه الظلم الذي حرَّمه الله تعالى على نفسه، وجعله بين عباده محرّمًا . ٣- الضرر قد يكون بحق؛ كإقامة الحدود، والعقوبات، والإكراه على استخلاص الحقوق المستحقة الواجبة. ٤- المضارة المحرّمة هي المضارة المقصودة، أما غير المقصودة فلا تحرم، قال شيخ الإسلام: المضارة معناها القصد والإرادة، أو على فعل فيه ضرر، فمتى قصد الإضرار، أو الفعل بالإضرار من غير حاجة، فهو مضار. وأما إذا فعل الضرر المستحق للحاجة لا لقصد الضرر، فليس بمضار؛ ومن ذلك قوله وَلّ لصاحب النخلة التي تضر صاحب الحديقة لما طلب صاحبها المعاوضة عنها بعدة طرق فلم يفعل، قال: ((إنما أنت مضار)) [أبو داود: ٣٦٣٦]، ثم أمر بقلعها؛ فدل على أنَّ الضرر محرَّم لا يجوز تمكين صاحبه منه . ٤٤٧ كتاب الجامع - باب الترهيب من مساوىء الأخلاق ١٣١١ - وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَثَ : (إِنَّ اللهَ يَبْغَضُ الفَاحِشَ البَذِيءَ)) أَخْرَجَهُ التِّر مِذِيُّ وصَحَّحَهُ(١). وَلَهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَفَعَهُ: (لَيْسَ المُؤْمِنُ بِالطَّعَانِ، وَلاَ اللَّغَانِ، وَلاَ الفَاحِش، وَلاَ البَذِيءٍ)) وَحَسَّنَهُ، وَصَخَّحَهُ الحَاكِمُ، وَرَجَّحَ الدَّارَقُطْنِيُّ وَقْفَهُ(٢). ** درجة الحديث: الحدیث صحیح. للکن اختلف في رفعه ووقفه، ورُجِّح وقفه . قال المؤلف: أخرجه الترمذي وصحَّحه، وله شاهد من حديث ابن مسعود يرفعه: ((ليس المؤمن بالطعَّان، ولا اللغَّان، ولا الفاحش، ولا البذيء))، وحسنه الترمذي، وصححه الحاكم، وللكن رجح الدار قطني وقفه. قال الشيخ شعيب الأرناؤط في تعليقه على رياض الصالحين: أخرجه البخاري في الأدب المفرد، وإسناده صحيح، وصحَّحه ابن حبان، والحاكم، ووافقه الذهبي . وقال العراقي: أخرجه الترمذي بإسناد صحيح، من حديث ابن مسعود، وروي موقوفًا، قال الدارقطني: والموقوف أصح. وهو - وإن كان موقوفًا - لكن له حكم الرفع، حيث هو إخبار عن الله تعالى، وهذا لا مدخل للرأي فيه. (١) الترمذي (٢٠٠٢). (٢) الترمذي (١٩٧٧)، الحاكم (١٢/١). ٤٤٨ توضيح الأحكام من بلوغ المرام * مفردات الحديث: - الفاحش: الفحش: هو القبح الشنيع من قول أو فعل؛ فالفاحش هو الذي يأتي الفاحشة، من قول، أو فعل. البذيء: البذيء على وزن فعيل، قال: بذأ الرجل يبدأ بذاء وبذاءة: فحش، فهو بذيء وهي بذيئة، والبذاء هو الكلام القبيح. - الطعَّان: يقال: طعن فيه طعنًا: قدحه وعابه؛ فالطعن هو السب، والطعَّان صيغة مبالغة معناه: كثير السب للناس . - اللعان: يقال: لعنه يلعنه لعنًا: طرده وأبعده من الخير؛ فهو لعَّان، صيغة مبالغة من اللعن، معناه؛ كثير اللعن للناس، قال في التعريفات: اللعن من الله هو إبعاد العبد بسُخطه، ومن الإنسان الدعاء بسُخطه. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - الحديث فيه النهي الأكيد عن هذه الخصال القبيحة، وأنَّها ليست من صفات المؤمن الكامل الذي يمنعه إيمانه من المنكرات، وفاحش القول، وبذيء الكلام، وإنما هذه صفات وأخلاق ضعفاء الإيمان وسَيِّيء الأخلاق، ممن لم يذوقوا حلاوة الإيمان، ولم تخالط بشاشته قلوبهم. ٢- أنَّ الله يبغض الفاحش في قوله، ممن فاه بفاحش القول: من السب، والشتم، واللعن، والقذف، والكذب، وجميع الألفاظ النابية المحرَّمة. ٣- البذيء: صاحب منطق السوء، وقبيح اللفظ ممن يؤذي بهجره، وسفاهة منطقه، فلا يخاطب الناس إلاَّ باللفظ المستكره، ولا يناديهم إلاَّ بالألقاب المستقبحة، ولا يشافههم إلا بخشن الكلام؛ فهذا مكروه يبغضه الله تعالى؛ کما يبغضه خلقه في السموات والأرض. ٤ - أما الطَّعَان: فهو الذي يطعن الناس في أعراضهم، وأنسابهم، ويعيبهم في أقوالهم، وأفعالهم، ويوجِّه إليهم انتقاده المُرَّ الذي لم يقصد به التوجيه، --------- ٤٤٩ كتاب الجامع - باب الترهيب من مساوىء الأخلاق = = وإنما يقصد به إظهار العيب والفضيحة . ٥- وأما اللَّعَان: فهو كثير اللعن والشتم، بسبب، وبدون سبب، وإنما اللعن والشتم سجية قبيحة، طَبعَ على أصلها، ونمت عنده، وزادت من إهماله تهذيب نفسه وتزکیتَهَا . ٦- وبالجملة: فليست هذه الأخلاق من أخلاق من نوَّر الإيمانُ بالله تعالى قلوبهم، وزيَّنت التقوى سمتهم ، وعدلت العبادة سلوكهم، وهذَّب الذكر ألسنتهم، وإنما هي أخلاق السفلة من الفسقة والمنافقين. نسأل الله العافية والمعافاة في الدنيا والآخرة . ٤٥٠ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ١٣١٢ - وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّ : ((لاَ تَسُبُّوا الأَمْوَاتَ؛ فَإِنَّهُمْ قَدْ أَفْضَوْا إِلَى مَا قَدَّمُوا)) أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ(١). : مفردات الحديث: - أَفْضَوْا إلى ما قدموا: يقال: أفضى فلان إلى فلان: وصل إليه، وأفضى به إلى كذا، أي: بلغ وانتهى به إليه، ومعناه: أنَّهم صاروا إلى ما قدموا من أعمالهم. * ما يؤخذ من الحديث: ١- الحديث يدل على تحريم سب الأموات، وعمومه: يفيد أنَّه سواء أكانوا مسلمين أو كفارًا . وحكمة النَّهي جاءت من قوله ◌َّر في بقية الحديث: ((قد أفضوا إلى ما قدّموا)) يعني: أنَّهم وصلوا إلى ما قدموه من الأعمال، سواء أكانت صالحة، أو طالحة. ٢- الأموات لا فائدة في سبهم، والتفكه في أعراضهم، وتعداد مساويهم وأعمالهم؛ فإنَّ ذلك قد يؤذي الحي من أقاربهم. قال ابن الأثير في أسد الغابة: لما أسلم عكرمة بن أبي جهل، صار الناس يقولون: هذا ابن عدو الله أبي جهل، فساءه ذلك، فشكى إلى رسول الله وَّة؛ فقال النبي وَلّ: ((لا تسبوا أباه؛ فإنَّ سبَّ الميت يؤذي الحي)). ٣- يستثنى من الثَّهي عن سب الأموات إذا كان في ذكر معايبهم فائدة، ولم يقصد به التنقيص منهم، واغتيابهم، وإنما يقصد من ذلك بيان الحقيقة، (١) البخاري (١٣٩٣). ----- ٤٥١ كتاب الجامع - باب الترهيب من مساوىء الأخلاق وتحذير الناس؛ وذلك مثل جرح رواة الحديث. ٤ - قال النووي: اعلم أنَّ الغيبة تباح لغرض صحيح شرعي، لا يمكن الوصول إليه إلاّ بها، ثم ذكر منها: تحذير المسلمين من الشر ونصحهم؛ وذلك من وجوه: منها: جرح المجرحين من الرواة والشهود، وذلك جائزٌ بإجماع المسلمين، بل واجب، ومنها: التعريف إذا كان الإنسان معروفًا بلقب؛ كالأعمش، والأعرج، والأصم، ونحوهم، ويحرم إطلاقه على جهة التنقیص، ولو أمكن تعریفه بغير ذلك، كان أولى. ٥- مذهب أهل السنة والجماعة في أموات المسلمين: أننا نرجو للمحسن أن يوفيه الله أجره، ويرحمه، ولا يعذبه، ونخاف على المسيء بأن يؤخذ بذنوبه وإساءته، ولا نشهد لأحد بجنة ولا نار، إلاَّ لمن شهد له النبي وَله . ويحرم سوء الظن بمسلم ظاهره العدالة، بخلاف من ظاهره الفسق؛ فلا حرج بسوء الظن به . ٤٥٢ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ١٣١٣ - وعَنْ حُذَيْفَةَ - رَضِىَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّه: ((لاَ يَدْخُلُ الجَنَّةَ قَتَّاتٌ)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). * مفردات الحديث: - قَّت: يقال: قَتَّ الأحاديثَ يقتها قتًّا: نَمَّها وبثها، فهو قتات، بالفتح والتشديد، وهو النمام الذي ينقل حديث رجل أو قوم، إلى رجل أو قوم، على طريق الوشاية؛ لإفساد ما بينهما. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - القتات: هو النمام الذي ينقل كلام الناس بعضهم إلى بعض؛ لغرض الإفساد بينهم، وإثارة العداوة والبغضاء فيما بينهم، وكلما عظم أمرها، واشتد خطرها، كانت أكبر إثمًا، وأعظم جرمًا؛ فهي بين الأقارب وذوي الرحم والأصحاب والجيران أشد منها بين الناس البعيدين . ٢- النميمة من كبائر الذنوب؛ لما يحصل فيها من الأثر السَّيِّء، والعاقبة الوخيمة . قال المنذري: أجمعت الأمة على أنَّ النميمة محرَّمة، وأنها من أعظم الذنوب عند الله. ٣- جاء في النميمة نصوص مخيفة؛ قال تعالى: ﴿ وَاَلَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ [الأحزاب]. ٥٨ وَالْمُؤْمِنَتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُواْ فَقَدٍ أُخْتَمَلُواْ بُهْتَنًا وَإِنْمَّا قُبِينًا وجاء في البخاري (٢١٨)، ومسلم (٢٩٢)، من حديث ابن عباس قال: مرَّ النبي ◌َّ بقبرين فقال: ((إنهما ليعذبان، وما يعذبان بكبير، أما أحدهما: (١) البخاري (٦٠٥٦)، مسلم (١٠٥). ---- --- كتاب الجامع - باب الترهيب من مساوىء الأخلاق ٤٥٣ فكان لا يستتر من البول، وأما الآخر: فكان يمشي بالنميمة بين الناس)). وأخرج الإمام أحمد (١٧٦٣٧)؛ أَنَّ النَّبِيَّ وَّ قال: ((شر عباد الله المشاؤون بالنميمة)). ٤٥٤ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ١٣١٤ - وَعَنْ أَنَسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّه ((مَنْ كَفَّ غَضَبَهُ، كَفَتَّ اللهُ عَنْهُ عَذَابَةٌ)) أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ (١). وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، عِنْدَ ابْنِ أَبِي الدُّنْيَا(٢). * درجة الحديث: إسناده ضعيف . قال الهيثمي: رواه أبويعلى، وفيه الربيع بن سليمان الأزدي، وهو ضعيف . وقال ابن كثير في التفسير (٤٠٦/١): هذا حديث غريب، وفي إسناده نظر. * مفردات الحديث: - كفَّ: يقال: كفَّ يكف كفَّا، أي: منع؛ فالكفّ المنع، والمراد منع نفسه حين الغضب . * ما يؤخذ من الحديث: ١- الغضب: هو غليان القلب، وثورة النفس لأجل الانتقام، وإذا جاءت الأسباب المهيجة للغضب، شق على الإنسان منع نفسه، وقهرها، وكفها. ٢ - من هذا صار للذي يجاهد نفسه ويكفها أجر عظيم من جنس عمله، وهو أن يكف الله عنه عذابه يوم القيامة، ولا شكَّ أنَّ هذا جزاءٌ كبيرٌ؛ فإنَّ من زُخْزِح عن النَّار وأُدخل الجنَّة، فقد فاز. (١) الطبراني في الأوسط (١٤٠/٦)، أبو يعلى (٣٠٢/٧). (٢) الطبراني في الكبير (١٣٦٤٦). ٤٥٥ كتاب الجامع - باب الترهيب من مساوىء الأخلاق ٣- تقدمت وصية النبي ◌ّ للرجل الذي قال له: علّمني، ولا تكثر عليَّ؛ لعلي أعيه، فقال ◌َله: ((لا تغضب))، ومعنا كما تقدم أحد أمرين: - إمَّا لا تنفذ غضبك إذا غضبت، بل حاول إطفاء الغضب . - أو اجتنب الأسباب الذي تجلب لك الغضب . ٤٥٦ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ١٣١٥ - وَعَنْ أَبِي بَكْرِ الصِّدِّيقِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: (لاَ يَدْخُلُ الجنَّةَ خَبٌّ، وَلاَ بَخِيلٌ، وَلاَ سَيِّءُ المَلَكَةِ)) أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَفَرَّقَهُ حَدِيثَيْنٍ، وَفِي إِسْنَادِهِ ضَعْفٌ(١). * درجة الحديث: الحدیث ضعيف . قال المؤلف: أخرجه الترمذي، وقال: حسن غريب، ولكن في إسناده ضعف؛ لأنَّ فيه صدقة بن موسى، قال عنه الذَّهبي: إنَّه ضعيف، لكن شواهده كثيرة؛ فقد رواه أحمد، وأبويعلى، وغيرهما، قال الحافظ المنذري، والعراقي، والذَّهبي: وهو ضعيف. * مفردات الحديث: - خَبَّ: يقال خب الرجل يخب خبًا: كان خذَّاعًا خبيثًا غشَّاشًا، فالخَبّ - بفتح الخاء، وتشديد الباء الموحدة -: هو الخذَّاع. - الملكة: بفتح الميم واللام، يقال: ملكه يملكه ملكًا وملكةً: احتواه قادرًا على الاستبداد به، يقال: فلان حسن الملكة، أو سَيِّءُ الملكة. قال في المحيط: الملكة عند العلماء: هي صفة راسخة في النفس، وتحقيقه: إن كانت هذه الصفة سريعة الزوال فهي حالة، فإذا تكررت رسخت تلك الكيفية، فصارت ملكة وخُلُقًا . * ما يؤخذ من الحديث: ١- الحديث يشتمل على ثلاث خصال قبيحة حُرِم صاحبها والمتخلُّق بها من (١) الترمذي (١٩٤٧، ١٩٦٤). ٤٥٧ كتاب الجامع - باب الترهيب من مساوىء الأخلاق دخول الجنة، مما يقتضي أنَّها من كبائر الذنوب؛ فإنَّ من نُفِيَ عنه دخوله الجنة، فقد أتى كبيرة، كما تقدم تعريفها . الأولى: الخبّ مخادع المحتال على الناس، فلا يعيش إلاَّ بالخديعة، والحيلة الذميمة، فيسلب أموال الناس بطرق الخداع؛ من الكذب في المعاملة، والتغرير فيها، والتدليس، والاحتيال، أو يخادع الناس بالمصاهرة منهم؛ بإظهار الدين، والغنى، والخصال المرغبة في إجابة خطبته، أو تظهر المرأة صفات بها ترغب مكرّا منها، وخداعًا، أو غير ذلك. فالخداع لا تعد أساليبه وطرقه، وإنما يشمله: أنَّ كل من خادع الناس لأي غرض من الأغراض، فخداعه محرَّم مسبب للحرمان من الجنة . الثانية: البخل: تقدمت النصوص من الكتاب والسنة، وكلام العلماء، وإجماع الناس على ذمه وقبحه، وإجماع العلماء على تحريمه إذا وصل إلى منع الزكاة، والنفقات الواجبة، والتقصير في حق من يمونه، فكفى بالمرء إثمًا یمنع عمن يمونه قوته. الثالثة: سيِّء الملكة: هو الذي فقد الشفقة والرحمة، فصار يسيء إلى مماليكه، فيكلفهم من العمل ما يشق عليهم، ولا يطيقونه، ويترك ما وجب عليه من الإنفاق عليهم، والقيام بحقوقهم. ثم مع هذا يتجاوز الحد في تأديبهم، فيعاقبهم على أتفه الأشياء عقاب المجرمين، بلا رحمة، ولا شفقة، ولا هوادة، ومثل المماليك: البهائم التي تحت يده، يقصر عليها بالنفقة، ويكلفها من العمل والحمل ما يشق عليها . ٢- فهؤلاء الثلاثة الموصوفون بهذه الصفات حرِّمت عليهم الجنة؛ لأنَّ الجنَّة لا تكون للمخادع، ولا للكذاب، ولا للبخيل الشحيح، ولا للقاسي الذي خلا قلبه من الرحمة . ٤٥٨ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ١٣١٦ - وعَنِ ابْنِ عَبَاسِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّمَ: ((مَنْ تَسَمَّعَ حَدِيثَ قَوْمٍ، وَهُمْ لَّهُ كَارِهُونَ، صُبَّ فِي أُذُنَيْهِ الآنُّكُ يَوْمَ القِيَامَةِ)) يَغْنِي: الرَّصَاصََّ. أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ(١). * مفردات الحديث: - من تسمَّع: فعل ماض من التفعُّل، وهو يقتضي التكلَّف، والمعنى: من اجتهد في سماع حدیث قوم. - صُبَّ: مبني للمجهول، من باب نصر، بمعنى: انسكب. - الآنك: يقال: أنك الشيء يأنك أنكًا: عظم وغلظ، والآنك بمد الهمزة، وضم النون، آخره كاف: هو الرصاص الخالص. * ما يؤخذمن الحديث: ١- الحديث دليل على تحريم الاستماع إلى حديث من يكره سماع حديثه، ويعرف هذا بالتصريح من المتكلم، أو بقرائن الأحوال. قال ابن عبدالبر: لا يجوز لأحد أن يدخل على اثنين في حال تناجيهما . ٢- الوعيد الذي في الحديث يدل على أنَّ استماع حديث من لا يرغب في سماع حديثه: أنَّه من كبائر الذنوب؛ ذلك أنَّ فيه وعيدًا شديدًا في الآخرة ، وهو لا یکون إلاّ على كبيرة. ٣- من أدب المجالسة أن لا يدخل الإنسان في حدیث اثنین لم يدخلاه فيه، ما لم يكن الحديث من المجالس العامة، أو يكون من مسائل العلم. ٤- وكما يحرم استماع كلام الاثنين المتناجِيَيْن، فأشد منه حرمة: أن يطلع من (١) البخاري (٧٠٤٢). ٤٥٩ كتاب الجامع - باب الترهيب من مساوىء الأخلاق الأماكن المرتفعة، أو من خلال الأبواب والجدران على عورات الناس في منازلهم . ٥- ولو أنَّ صاحب المنزل أصابه في عينه، أو في أذنه، أو في غيرهما لمعاقبته على نظره وسمعه، لم يكن ضامنًا ما تلف بذلك من أعضائه؛ فقد تقدم حديث أبي هريرة في البخاري (٦٩٠٢) ومسلم (٢١٥٨)؛ أنَّ النَّبِيَّ ◌َه قالَ: (لَو أنَّ امرأً اطلع عليك بغير إذن، فخذفته بحصاة، ففقأت عينيه، لم يكن عليك جناح)) زاد أحمد (٨٧٧١) والنسائي (٨٤٦٠): ((فلا فدية له، ولا قصاص)). ٤٦٠ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ١٣١٧ - وَعَنْ أَنَسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ إنَّه : ((طُوبَى لِمَنْ شَغَلَهُ عَيْبَّهُ عَنْ عُيُوبِ النَّاسِ)) أَخْرَجَهُ البَزَّارُ بِإِسْنَادِ حَسَنٍ(١). * درجة الحديث: حسَّنه الحافظ ابن حجر . قال المناوي: رواه العسكري عن أنس، ورواه أبونعيم من حديث الحسين بن علي، والبزار من حديث أنس، قال العراقي: وكلها ضعيفة. قال الهيثمي في مجمع الزوائد: (٢٢٩/١٠)، فيه النضر بن محرز وغيره من الضعفاء . وحسَّن إسناده المصنف، وذلك بمجموع طرقه، والله أعلم. * مفردات الحديث: - طُوبَى: بضم الطاء، آخره ألف التأنيث المقصورة، اسم شجرة في الجنة، وقيل: عيش طيب له في الآخرة، وحياة طيبة. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - هذا الحديث الشريف فيه توجيه رشيد لمن يريد السير إلى الله تعالى، فيقطع المفاوز المعوّقة حتى يجد طعم الوصول، وذلك باتباع الآثار المحمَّدية، والتعاليم الإسلامية فمِن ذُلك: أولاً: من شغله عيبه، فصار جادًّا في التخلص من رذائل الذنوب، ومعوِّقات المعاصي، والآثام، فمثل هذا يرجى أن يتخلى منها، فيصبح (١) أبونعيم في الحلية (٢٠٢/٣).