النص المفهرس
صفحات 401-420
٤٠١ كتاب الجامع - باب الترهيب من مساوىء الأخلاق الملَّة إلاَّ أنَّه خطر. - الرياء: بكسر الرَّاء، وتخفيف الياء، ممدود، من الرؤية، وحَدُّهُ: هو إظهار العبادة؛ لقصد رؤية النَّاس لها؛ فيحمدوا صاحبها . ما يؤخذ من الحديث: ١ - الرِّيَاء: مشتقٌّ من الرؤية يرائي النَّاس بما يطلب به الحظوة عندهم، وهو أقسام: منها: ما يكون بالبدن؛ كإظهار النحول والاصفرار، من طول القيام، وكثرة الصيام . ومنها: الزِّي والهيئة؛ كإظهار أثر السجود على الجبهة، وغلظ الثياب، ومنها: القول؛ كإظهار الغضب عند المنكرات، وتحريك الشفتين بالذكر في محضر النّاس . ٢ - النَّبِي وَّهَ بالمؤمنين رؤوفٌ رحيم، فهو حريص على جلب كل خيرٍ لأُمَّته، ودفع كل أذى وضرر عنها، فيخاف عليها أن تقعَ في المهالك التي تذهب بالحسنات، وتجلب السيئات. وإنَّ من أخطر تلك المعاصي الرِّياء الَّذي هو من أنواع الشرك بالله تعالى، ووجه الخوف يأتي من أمرين : الأوَّل: أنَّه خفيُّ المداخل، لطيف المسالك، يقع فيه المسلم المتعبِّد وهو لم يشعر به، إذا كان من الرياء الخفي، الَّذي هو - غالبًا - يقع في المسلمين المتعبِّدين . الثاني: أنَّه من الشرك، والشرك أعظم الذنوب. ووجه كونه من الشرك: أنَّ المرائي إذا عَبَدَ اللهَ، فهو بمراءاته النَّاس أشرك بتلك العبادة من يرائيهم من النَّاس؛ وبهذا فقد أشرك بالله تعالى، إلاَّ أنَّه من الشرك الأصغر؛ والله تعالى يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ﴾[النساء: ٤٨]. ٤٠٢ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ٣- قال شيخ الإسلام: إنَّ المرائي في العبادة لا يكتفي ببطلان عبادته، فيرجع منها لا له ولا عليه، وإنَّما عليه - مع بطلان العبادة - إثم الرِّياء، وهو من الشرك الأصغر. ٤ - قال ابن رجب في شرح الأربعين: العمل لغير الله أقسام: تارةً یکون: ریاءً محضًا؛ بحيث لا يُراد به سوى مراءاة المخلوقين؛ لغرضٍ دنيوي؛ كحال المنافقين في صلاتهم. وهذا الرِّياء لا يكاد يصدر من مؤمن في فرض الصَّلاة والصيام، وقد يصدر في الصدقة الواجبة، والحج، وغيرهما من الأعمال الظاهرة التي يتعدّى نفعها؛ فإنَّ الإخلاص فيها عزيز، وهذا العمل لا شك أنَّه حابط، وأنَّ صاحبه يستحق المقت من الله تعالى، والعقوبة. وتارةً: يكون العمل لله، ويشاركه الرِّياء : فإنَّ شاركه من أصله، فالنصوص الصحيحة تدل على بطلانه أيضًا وحبوطه. ففي صحيح مسلم (٢٩٨٥) عن أبي هريرة، عن النَّبِي وَّ قال: يقول الله تعالى: ((أنا أغنى الشركاء عن الشِّرك، من عمل عملاً أشرك معي فيه غيري، تر كته وشر كه)). وممَّن يروى عنه هذا المعنى - أنَّ العمل إذا خالطه شيءٌ من الرِّياء، كان باطلاً ــ طائفة من السلف؛ منهم عبادة بن الصامت، وأبوالدرداء، والحسن، وسعيد بن المسيب، وغيرهم. ولا نعرف عن السلف في هذا خلافًا، وإنْ كانَ فيه خلافٌ عن بعض المتأخرين. وقد روي عن مجاهد؛ أنَّه قال في حجِّ الجمَّال، وحج التاجر: هو تامٌ لا ينقص من أجورهم شيء، وهذا محمولٌ على أنَّ قصدهم الأصلي، كان هو الحج دون التکسب . ----- ٤٠٣ كتاب الجامع - باب الترهيب من مساوىء الأخلاق وأمَّا إذا كان أصل العمل لله، ثمَّ طرأتْ عليه نية الرِّياء: فإنْ دفعه، فلا يضره بغير خلاف، وإنْ استرسل معه، فهل يحبط عمله، أم لا يضره ذلك ويجازى على أصل نيته؟ : في ذلك خلافٌ بين العلماء من السلف، وأرجو أنَّ عمله لا يبطل بذلك، وأنّه يجازى على نيته الأولى. ويستدل لهذا القول بما أخرجه أبوداود في مراسيله (ص ٣٤٢) عن عطاء الخراساني؛ أنَّ رجلاً قال: ((يارسول الله، إنَّ بني سلمة كلهم يقاتلون في سبيل الله، منهم من يقاتل للدنيا، ومنهم من يقاتل نجدة، ومنهم من يقاتل ابتغاء وجه الله، فأيهم الشهيد؟ قال: كلهم إذا كان أصل أمره أنْ تكون كلمة الله هي العليا)). وذكر ابن جرير أنَّ هذا الاختلاف إنَّما هو في عمل يرتبط آخره بأوله؛ كالصَّلاة، والصيام، والحج، فأمَّا الَّذي لا ارتباط فيه؛ كالقراءة، والذكر، وإنفاق المال، ونشر العلم، فإنَّه ينقطع بنية الرِّياء الطارئة عليه، ويحتاج إلى تجدید نية . وأمَّا إذا عمل العمل خالصًا، ثمَّ ألقى الله له الثناء الحسن في قلوب المؤمنين: فذلك فضل الله ورحمته، فإذا استبشر بذلك، لم يضره ذلك، وفي هذا المعنى حديث أبي ذرٍّ عن النَّبِيِّ وَِّ أنَّه سئل عن الرَّجل يعمل لله عمل الخير، ويحمده النَّاس عليه؟ فقال: ((تلك عاجل بشرى المؤمن)) [رواه مسلم (٢٦٤٢)]. * فوائد: الأولى: الرياء جلي وخفي : فالجلي: هو الّذي يبعث على العمل، ويحمل عليه، ولو قصد العبد الثواب . ٤٠٤ توضيح الأحكام من بلوغ المرام وأمَّا الخفي: فهو لا يحمل على العمل؛ ولكنَّه بحضور النَّاس يخففه عليه، وقد يخفى؛ فلا يدعو إلى الإظهار بالنطق، ولكن بالشمائل والهيئات. الثانية: علمنا ممَّا سبق أنَّ الرِّياءَ محبطٌ للأعمال، وسببٌ لمقتِ الله تعالى، وأنَّه من المهلكات، وَمَنْ هذا حاله، فجديرٌ بالتشمير عن ساق الجد في إزالته ومعالجته؛ وذلك بقلع جذوره وأصوله من القلب إنْ كان موجودًا، ومدافعة ما يخطر منه في الحال. الثالثة: لم يزل المخلصونَ خائفين من الرِّياء الخفي، يجتهدون في مخادعة النَّاس عن أعمالهم الصَّالحة، ويحرصون على إخفائها أعظم ممَّا يحرص النَّاس على إخفاء فواحشهم. كل ذلك رجاء أن يخلص عملهم؛ ليجازيهم الله تعالى يوم القيامة بإخلاصهم. الرَّابعة: أنَّ في إسرار الأعمال فائدة الإخلاص، والنَّجاة من الرِّياء. قال الحسن: قد علم المسلمون أنَّ السِّرَّ فيه إحراز العمل، ولكنْ في الإظهار - أيضًا - فائدة القدوة الحسنة؛ ولذلك أثنى الله تعالى على السر والعلانية؛ فقال تعالى: ﴿إِن تُبْدُواْ الصَّدَقَتِ فَنِعِمَّا هِىَّ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا اَلْفُقَرَآءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧١]. الخامسة: قد ينشط الإنسان على الطاعة إذا وجد من يتعبَّدون، فيظن أنَّ هذا من الرِّياء، وليس كذلك على الإطلاق؛ لأَنَّ المؤمن يكون له رغبةٌ في العبادة، ولكنْ قد تُعوِّقه وتمنعه الأشغال، وغلبة الشهوات، وتستولى عليه الغفلة؛ فمبشاهدة الغير تزول الغفلة، أو تندفع العوائق والأشغال في بعض المواضع؛ فيبعث له النشاط . وينبغي للمؤمن أنْ يُوقن قلبه بعلم الله لجميع طاعاته. ------ ٤٠٥ كتاب الجامع - باب الترهيب من مساوىء الأخلاق ١٢٩٥ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوََّ: («آيَةُ المُنَافِقِ ثَلاَثٌ: إذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١) . وَلَهُمَا مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو : ((وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ))(٢). * مفردات الحديث: - آية: آية أصلها: أَيَيَة، فقلبت الياء الأولى ألفًا؛ لتحركها وانفتاح ما قبلها، والآية هي العلامة، وسمِّيت آية القرآن آية؛ لأَنَّهَا علامة انقطاع كلام عن کلام . - المنافق: مشتقٌّ من نافقاء اليربوع، فإنَّ أحد بابي جحره يُقال له: النافقاء، وهو موضعٌ یرقِّقه بحیث إذا ضربه رأسه انفتح، وهو یکتمها، ویظهر غيرها . والمنافق في التعريف الشرعي: هو الّذي يظهر الإسلام، ويبطن الكفر، فإنْ كان في اعتقاد الإيمان، فهو نفاق كفر، وإلاّ فهو نفاق عملٍ، ويدخل فيه الفعل والترك، وتتفاوت مراتبه. - إذا حدث كذب: الكذب نقيض الصدق؛ فهو الإخبار بالشيءٍ على خلاف الواقع . - وإذا وَعَدَ: وعد الأمر عِدَة ووعدًا ومَوعِدةً، وموعودًا، وهذا من المصادر التي جاءت على مفعول. وفي الاصطلاح: الوعد: الإخبار بإيصال الخير في المستقبل؛ ولذا قالوا: (١) البخاري (٣٣)، مسلم (٥٩). (٢) البخاري (٣٤)، مسلم (٥٨). ٤٠٦ توضيح الأحكام من بلوغ المرام في الخير: وَعَدْتُهُ، وفي الشرِّ: أوعدته. - أَخْلَف: الإخلاف جعل الوعد خلافًا؛ فهو عدم الوفاء به . - اؤتمن: على صيغة المجهول، من الائتمان، وهو جعل الشخص أمينًا . - خَانَ: يُقال: خانه خونًا وخيانة، ورجلٌ خائن وخائنة، والجمع : خانة وخَوَنة، والخيانة: هي التصرف في الأمانة على خلاف الوجه المشروع. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - قال ابن رجب: النفاق في اللغة: هو جنس الخداع والمكر، وإظهار الخير وإبطان خلافه، وهو في الشرع ينقسم إلى قسمين: أحدهما: النفاق الأكبر، وهو أن يظهر الإيمان بالله، وملائكته، و کتبه، ورسله، واليوم الآخر، ويبطن ما يناقض ذلك كله أو بعضه، وهذا هو النفاق الَّذي كان على عهد رسول الله وَّة، ونزل القرآن بذمّ أهله وتكفيرهم، وأخبر أنَّ أهله في الدرك الأسفل من النَّار. الثاني: النفاق الأصغر، وهو نفاق العمل، وهو أنْ يظهر الإنسان علانيةً صالحة، ويبطن ما يخالف ذلك. وأصول هذا النفاق يرجع إلى الخصال المذكورة في هذه الأحاديث (الأحاديث - ذكرها رحمه الله - في شرح الأربعين النووية ونحن نوردها لتمام الفائدة). ٢- قال رحمه الله : أحدها: ((أنْ يُحدِّث بما يُصَدَّق به وهو كاذب))؛ ففي المسند (١٧١٨٣) عن النَّبِّ وَّ قال: ((كبرت خيانة أنْ تُحدِّث أخاك حديثاً هو لك مصدّق وأنت له كاذب)) . الثاني: ((إذا وعد أخلف))؛ وهو على نوعين: أحدهما: أنْ يَعِدَ وفي نيته أنْ لا يوفي بوعده، وهذا أشر الخلق. ----- - ٤٠٧ كتاب الجامع - باب الترهيب من مساوىء الأخلاق الثاني: أنْ يعد وفي نفسه أنْ يفي، ثمَّ يبدو له فيخلف من غير عذرٍ له في الخلف، وقد أخرج أبوداود (٤٩٩٥) والترمذي (٢٦٣٣) من حديث زيد بن أرقم، عن النَّبِيِّ ◌َّ قال: ((إذا وعد الرجل، ونوى أنْ يفي به فلم یفِ به، فلا جناح علیه)). ((إذا خاصمَ فجر))؛ ومعنى الفجور: أنْ يخرج عن الحقِّ عمدًا حتَّى يصير الحق باطلاً، والباطل حقًّا، وهذا ممَّا يدعو إلى الكذب؛ كما قال النَّبِيُّ وَّة: ((إيَّاكم والكذب؛ فإنَّ الكذب يهدي إلى الفجور، وإنَّ الفجور يهدي إلى النّار)). وفي البخاري (٢٤٥٧) ومسلم (٢٦٦٨) عن النَّبِيِّ بَّهِ: ((إنَّ أبغض الرّجال إلى الله الألد الخصم)». وفي سنن أبي داود (٣٥٩٧) عن ابن عمر، عن النَّبِيِّ وَّ قال: ((من خاصمَ في باطل، وهو يعلمه، لم يزل في سخطٍ من الله حتَّى ينزع)). وفي روايةٍ له: ((من أعانَ على خصومةٍ بظلم، فقد باء بغضبٍ من الله)). الرَّابع: ((إذا عاهد غدر)) ولم يوف بعهدهً، وقد أمر الله تعالى بالوفاء ﴾ [الإسراء]، ٣٤ بالعهد؛ فقال تعالى: ﴿ وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِّ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا وقال تعالى: ﴿وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَاَ عَهَدْتُمْ وَلَا نَنقُضُواْ الْأَيْمَنَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا﴾ [النحل: ٩١]. وفي البخاري (٦٩٦٦) ومسلم (١٧٣٦) عن ابن عمر، عن النَّبِيِّ وَله قال: ((لكلِّ غادرٍ لواءٌ يوم القيامة يُعْرَف به، فيُقال: هذه غدرة فلان)). والغدر حرامٌ في كلِّ عهدٍ بين المسلم وغيره، ولو كان المعاهَد كافرًا؛ ولهذا جاء في البخاري (٦٩١٤) من حديث عبدالله بن عمرو بن العاص، عن النَّبِيِّ وَّه قال: ((من قتل نفسًا معاهدة بغير حقٍّ، لم يَرَح رائحة الجنة، وإنَّ ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عامًا)). ٤٠٨ توضيح الأحكام من بلوغ المرام وأمَّا عهود المسلمين فيما بينهم، فالوفاء بها أشد، ونقضها أعظم إثما، ومن أعظمها نقض عهد الإمام على من تابعه ورضيَ به . ففي البخاري (٦٧٨٦) ومسلم (١٠٨) من حديث أبي هريرة ، عن النَّبِيِّ وَّ قال: ((ثلاثةٌ لا يكلّمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم، ولهم عذابٌ أليم ... ))، وذكر منهم: ((رجلٌ بايع إمامًا لا يبايعه إلاَّ للدنيا، فإنْ أعطاه ما یرید وفئ له، وإلاً لم یفٍ له)). ويدخل في العهود التي يجب الوفاء بها، ويحرم الغدر في جميع عقود المسلمين فيما بينهم إذا تراضوا عليها من المبايعات، والمناكحات، وغيرها من العقود الَّلازمة، التي يجب الوفاء بها، وكذلك ما يجب الوفاء به لله عزَّوجل ممَّا يعاهد العبد ربَّهُ علیه من نذر التبرر ونحوه. الخامس: ((إذا اؤتمن خان))؛ فإنَّه إذا أُؤتمن الرَّجل أمانةً، فالواجب عليه أنْ يردَّها، كما قال تعالى: ﴿﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُّكُمْ أَنْ تُؤَدُّواْ الْأَمَنَتِ إِلَ أَهْلِهَا ﴾ [النساء: ٥٨]. وقد أخرج الترمذي (١٢٦٤)، وأبوداود (٣٥٣٤) من حديث أبي هريرة، أن النبي وَلِّ قال: ((أدّ الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك)) فالخيانة في الأمانة من خصال النفاق؛ قال تعالى: ﴿﴿ وَمِنْهُم مَنْ عَهَدَ اللَّهَ لَيِثْ ءَاتَلْنَا مِن فَضْلِهِ، لَنَصَّدَّقَنَّ﴾ ... [التوبة: ٧٥] إلى قوله: ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِ قُلُوبِهِمْ ٧٧) ﴾ [التوبة]. إِلَى يَوْمٍ يَلْقَوْنَهُ بِمَآ أَخْلَفُواْ اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُواْيَكْذِبُونَ قال تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ ... ﴾ الآية [البقرة: ٧٢]. وحاصل الأمر: أنَّ النّفاق الأصغر كله يرجع إلى اختلاف السريرة والعلانية؛ كما قال الحسن البصري، رحمه الله تعالى. وقال طائفة من السلف: خشوع النفاق أنْ ترى الجسد خاشعًا، والقلب -Arm ٤٠٩ كتاب الجامع - باب الترهيب من مساوىء الأخلاق لیس بخاشع . قال عمر - رَضِي الله عنه -: ((إنَّ أخوف ما أخاف عليكم المنافق العليم، قالوا: كيف يكون المنافق عليمًا؟ قال: يتكلّم بالحكمة، ويعمل بالجور، أو المنكر)). ٣- النِّفاق الأصغر، وسيلة: إلى النِّفاق الأكبر؛ كما أنَّ المعاصي بريد الكفر. ٤- ومن أعظم خصال النّفاق العملي: أنْ يعمل الإنسان عملاً يظهر أنَّه قصد به الخير، وإنَّما عمله ليتوصَّل به إلى غرض له سيء؛ فيتوصل بهذه الخديعة إلى غرضه، ويفرح بمكره وخداعه، وَحَمْدِ النَّاس له على ما أظهره، وتوصل به إلى غرضه السيِّء الَّذي أبطنه . ٥- لمَّا تقرَّر عند الصحابة أنَّ النّفاق اختلاف السِّر والعلانية، خَشِيَ بعضهم على نفسه أنْ يكون إذا تغيَّر عليه حضور قلبه، ورقته، وخشوعه عند سماع الذكر، برجوعه إلى الدنيا، والاشتغال بالأهل، والأولاد، والأموال، أنْ يكون نفاقًا؛ حتَّى قال لهم النَّبِي ◌َّ: ((ليس ذاكم من النِّفَاق)) [رواه أبو يعلى (٦ /١٠٥)]. * خلاف العلماء: اختلف العلماء في حكم الوفاء بالوعد على ثلاثة أقوال: فذهب جمهور العلماء على أنَّ الوفاء به مستحب، وليس بواجب، لا ديانة، ولا قضاء، وهو مذهب الأئمة الثلاثة: أبي حنيفة، والشَّافعي، وأحمد. قال الحافظ: ونَقْل الإجماع في ذلك مردود؛ فإنَّ الخلاف فيه مشهور، لكن القائل به قليل، واستدلوا على ذلك بأدلَّة: منها: ما أخرجه أبوداود (٤٩٩٥)، والترمذي (٢٦٣٣) وحسنه؛ أنَّه ◌ِّيه قال: ((إذا واعد أحدكم أخاه، ومن نيته أنْ يفي له فلم يف، فلا شيء عليه)). ومنها: أنَّ الرَّجل إذا وعد وحلف واستثنى بقوله: ((إنْ شاء الله))، سقط ٤١٠ توضيح الأحكام من بلوغ المرام عنه الحنث بالنص والإجماع؛ فهذا دليلٌ على سقوط الوعد منه. وذهب ابن شبرمة : إلى لزوم الوفاء بالوعد ديانة وقضاء؛ وهو مذهب بعض السلف، منهم عمر بن عبدالعزيز، والحسن البصري، وإسحاق بن راهويه، والظاهرية. واستدل أصحاب هذا الرَّأي بنصوصٍ من الكتاب والسنَّة؛ منها: - ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١]. ◌َكَبُرَ مَقْتًا ٢ - وقال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ [البقرة]، وغيرهما من الآيات. ٣ عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُواْمَا لَا تَفْعَلُونَ - جاء في البخاري (٣٣)، ومسلم (٥٩)، عن النَّبِيِّ وَّ قال: («آية المنافق ثلاث)) وذكر منها: ((إذا وعد أخلف))؛ وبهذا يكون إخلاف الوعد من صفات المنافقين، ويكون محرَّمًا . - ما أخرجه الترمذي (١٩٩٥)؛ أنَّ النَّبيَّ وَّ قال: ((لا تمار أخاكَ، ولا تمازحه، ولا تعده موعدًا فتخلفه)). وذهب المالكية: إلى التفصيل فقالوا: يجب الوفاء به إذا كان الوعد على سبب، كأن يأمر بأن يدخل لشراء سلعةٍ، أو القيام بمشروع، فإذا تورّط الموعود، رجع الواعد بوعده؛ فهذا يجب عليه الوفاء ديانةً وقضاء. وأمَّا إنْ لم يحصل ضررٌ على الموعود من الرجوع بالوعد، فلا يلزم الوعد. وحجَّة هؤلاء في تفصيلهم هذا: أنَّ النصوص الشرعية في هذه المسألة تعارضت، وهذا أحسن جمع بينها . قال الشنقيطي في تفسيره: اختلف العلماء في لزوم الوفاء بالعهد : : فقال بعضهم: يلزم الوفاء به مطلقًا . وقال بعضهم: لا يلزم مطلقًا. وقال بعضهم: إن أدخله بالوعد في ورطةٍ لزم الوفاء به، وإلاّ فلا. ... ----. ٤١١ كتاب الجامع - باب الترهيب من مساوىء الأخلاق وقال أبو حنيفة، وأصحابه، والأوزاعي، والشَّافعي، وسائر الفقهاء: إنَّ العِدَة لا يلزم منها شيء؛ لأنَّها منافع لم يقبضها كالعارية؛ لأَنَّها طارئة. والّذي يظهر لي: أنَّ إخلاف الوعد لا يجوز؛ لكونه من علامات المنافقين، ولكن الواعد إذا امتنع من إنجاز الوعد لا يحكم عليه به، ولا يلزم به جبرًا، بل يؤمر به، ولا يجبر عليه. وممَّن اختار القول بلزوم الوعد من علماء العصر: الشيخ عبدالرحمن بن سعدي، وعبدالرحمن بن قاسم، ومصطفى الزرقاء، ويوسف القرضاوي، وغيرهم. قال الشيخ القرضاوي: الَّذي ينبغي ألاَّ يقبل الخلاف فيه هو الوعد في شؤون المعاوضات، والمعاملات التي يترتَّب عليها التزامات وتصرفات مالية واقتصادية . ويترتَّب على جواز الإخلاف فيها إضرارٌ بمصالح النَّاس وتغريرهم؛ فالوفاء بالوعد هنا كالوفاء بالعهد؛ ولذا وصفت الأحاديث: ((إذا عاهدَ غدر)) مكان ((إنْ وعَد أخلف)) . وقرَّر مجمَّع الفقه الإسلامي بجدَّة بقراره رقم (٤٠) في الدورة الخامسة المنعقدة في الكويت فيما بين ١-١٤٠٩/٥/٦ هـ ما يلي: الوعد بالوفاء يكون ملزمًا للواعد ديانة إلاّ لعذر، وهو ملزم قضاء إذا كان معلَّقًا على سبب، ودخل الموعود في كلفة نتيجة الوعد، ويتحدَّد أثر الالتزام في هذه الحالة إمَّا بتنفيذ الوعد، وإمَّا بالتعويض عن الضرر الواقع فعلاً، بسبب عدم الوفاء بالوعد بلا عذر . ٤١٢ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ١٢٩٦ - وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِّهِ: ((سِبَابُ المُسْلِمِ نُسُوقٌ، وَقِتَالُهُ كُفْرٌ)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). * مفردات الحديث: - سِبَاب: مصدر سبَّ يسب سبًّا، وسبَابًا، بكسر السين، وتخفيف الباء، وهو الشتم، وهو التكلُّم في عرض الإنسان بما يعيبه . قال إبراهيم الحربي: السباب أشد من السب، وهو أنْ يقول في الرَّجل ما فیه، وما ليس فيه. - فُسوق: يُقال: فسق يفسق فسقًا وفسوقًا، مصدر، أي: فجور وخروج عن الحق، وهو خبر، والمبتدأ ((سباب)). - قتاله: أي مقاتلته، وهو مبتدأ، خبره ((كفر)). - كفر: لم يُرد حقيقة الكفر الَّذي هو خروجٌ عن الملَّة، بل إنَّما أُطلق عليه الكفر زجرًا؛ للتحذير، فالإجماع منعقدٌ من أهل السنَّة على أنَّ المؤمن لا يكفر بالقتال، ولا بفعل معصيةٍ أخرى. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - الفسوق هو الخروج عن طاعة الله تعالى إلى معصيته، وأنَّ سباب المسلم من معاصيه التي نهى عنها وحرَّمها . ٢ - مفهوم الحديث: أنَّ سباب الكافر جائز، ولكن إنْ كان كافرًا معاهدًا فهو أذيةٌ له، وقد نُهيَ عن أذيته؛ فلا يعمل بمفهوم الحديث في حقِّه من أدلَّة واعتبارات أخر. (١) البخاري (٦٠٤٤)، مسلم (٦٤). ٤١٣ كتاب الجامع - باب الترهيب من مساوىء الأخلاق ٣- المراد هنا تحريم سباب المسلم المستور الَّذي ظاهره العدالة والاستقامة، أمَّا الَّذي خلع جلباب الحياء، وجاهر بالمعاصي، فهذا لا غيبة له، ولا لسبابه حرمة؛ فقد أخرج مسلم أنَّ النَّبِيَّ وَّ قال: ((كل أمَّتي معافى إلاَّ المجاهرين)) [رواه البخاري (٦٠٦٩) ومسلم (٢٩٩٠)]، وهم الّذي جاهروا بمعاصيهم، فهتكوا ما ستر الله عليهم. ٤ - وقوله: ((وقتاله كفر)) فمعناه: أنَّه إن استحل قتال المسلم، فهو كافر كفرًا يخرج من الملَّة؛ ذلك لأنَّه مكذِّبٌ للنصوص الصحيحة الصريحة، وأمَّا إذا لم يستحل قتاله، فالمراد بالكفر هنا كفر النعمة، والإحسان، والأخوّة الإسلامية، فإنكار هذه المعاني الإسلامية الكريمة جحودٌ لها، فهو كفر نعمة لا يخرج من الإسلام، والله أعلم. ٤١٤ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ١٢٩٧ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُوْلُ اللهِ وَّ: ((إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ؛ فإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). * مفردات الحديث: - إِيَّاكم والظن: إيَّكم في محل نصب، مفعول به لفعلٍ محذوف، تقديره: احذروا الظن، و((الكاف)) للخطاب، والظن معطوف على إيَّكم، أو مفعول به لفعلٍ محذوف تقديره - أيضًا - : ((احذروا))، وتقدير الكلام من جهة المعنى: حذَّروا أنفسكم من الظن، واحذروا الظَّن، والمراد: لا تظنوا بالمسلم شرًّا. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - الظن: هو ما يخطر بالنفس من تجويز الأمور المحتملة للصحة والبطلان؛ فيحكم بهذا الظن الّذي لم يبن على قرائن قويّة، وأمارات صحيحة، ويعتمد عليه، ويُجري عليه أحكام الحقائق الواقعة، وهذا هو الَّذي حذَّر منه هذا الحديث الشريف: ((إياكم والظن)). وقال تعالى: ﴿يَّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَجْتَنِبُواْ كَثِيرًا مِّنَ الَّنِ إِنََّ بَعْضَ اُلَّنِّ إِثْمٌ ﴾ [الحجرات: ٤٩]، قال المفسرون: هو أنْ يظن بأهل الخير سوءًا. فالظنِ القبيح عمَّن ظاهره الخير لا يجوز، وهو المراد بقوله: ﴿إِنَّ بَعْضَ اُلَّنِّ إِثْهٌ﴾ [الحجرات: ١٢]. ٢- أمَّا أهل السوء والفسوق، فلنا أنْ نظنَّ بهم مثل الّذي ظهر لنا منهم؛ فلا يضر الظن السيِّء لمن بدت منه مخايله، وظهرت منه أماراته؛ فقد أخرج الطبراني في الأوسط (١٨٩/١) والبيهقي (١٢٩/١٠) من حديث أنس؛ أنَّ (١) البخاري (٥١٤٣)، مسلم (٢٥٦٣). ٤١٥ كتاب الجامع - باب الترهيب من مساوىء الأخلاق النَّبِيَّ وَّ قال: ((احترسوا من النَّاس بسوء الظن)). ٣- قال النووي: المراد: التحذير من تحقيق التهمة، والإصرار عليها، وتقررها في النَّفْس دون ما يعرض ولا يستقر؛ فإنَّ هذا لا يكلف به؛ فقد ثبت عن النَّبِيِّ وَِّّ قال: ((إنَّ اللهَ تَجَاوَزَ لأُمَّتِي عمَّا حدَّثْت به أنفسها مالم يتكلِّموا، أو يعملوا به)) [رواه البخاري (٥٢٦٩) ومسلم (١٢٧)]. ٤ - الزمخشري قسّم الظنَّ إلى أربعة أقسام، وهو تقسيمٌ حسن، فقال: - محرَّم: هو سوء الظن بالله تعالى، وسوء الظن بكلِّ مَنْ ظاهره العدالة من المسلمين، فمن عرفت منه الأمانة في الظاهر، فظنُّ الفساد والخيانة به محرَّم، بخلاف من اشتهر بتعاطي الريب . - واجب: حُسْن الظن بالله تعالى. - مندوب: حُسْن الظن بمن ظاهره العدالة من المسلمين . - مباح: من ظهرت أمارات فسقه، ودخل في مداخل السوء. ٥- إنَّما كان الظن أكذب الحديث؛ لأَنَّ الكذب: مخالفة الواقع من غير استنادٍ إلى أمارة . ٤١٦ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ١٢٩٨ - وَعَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: ((سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِّهِ يَقُولُ: مَامِنْ عَبْدٍ يَسْتَرْعِيهِ اللهُ رَعِيَّةً، يَمُوتُ يَوْمَ يَمُوتُ وَهُوَ غاشٌّ لِرَعِيَتِهِ، إلاَّ حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الْجَنَةَ)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). * مفردات الحديث: - ما: حرف نفي. - مِنْ: بكسر الميم وسكون النون، حرف جر زائد جاء للتأكيد. - يسترعيه: رعى الماشية يرعاها رعيًا، فهي راعية: إذا سرحت بنفسها، والفاعل راع، والجمع رعاة. ويُقال: رعى الأمير رعيته رعاية: ولي أمرها وساسها؛ فالأمير الرَّاعي، والأمة راعية . - رعية: الرعية: عامَّةُ النَّاس الَّذين عليهم راع، والجمع رعايا. - غاش: غشَّهُ يغشُّهُ غشًّا: لم يمحضه النصح؛ والغاش اسم فاعل، جمعه غُشَّاش . وجملة: ((وهو غاش لرعيته)) محلها النصب على الحال. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - هذا الحديث يتضمن وعيدًا شديدًا للولاة الَّذين لا يهتمون بأمور رعيتهم، ولا ينظرون إلاَّ لما يعود على مصالحهم الخاصَّة، والسياسة التي تخدم مصالحهم وأغراضهم، حتَّى ولو كانت هذه السياسة فيما يضر بمصالح الرعية في دينها ودنياها . (١) البخاري (٧١٥٠) مسلم (١٤٢). ٤١٧ كتاب الجامع - باب الترهيب من مساوىء الأخلاق ٢ - الوعيد الأكيد، والعذاب الشديد مُنْصَبٌّ على هؤلاء الرعاة الغاشِّين، بأنّهم إذا ماتوا على هذه الحالة، فإنَّ الله قد حرَّم عليهم الجنَّة التي هي السعادة الأبدية؛ لأنّهم لم يغشوا رعاياهم إلاّ لأجل سعادتهم في الدنيا باستعبادهم، وجعلهم يشقون لحساب سعادتهم في حياتهم؛ فكان جزاؤهم أنَّ اللهَ حرمهم من السعادة الحقيقية الخالدة الدَّائمة. ٣- من الغش: ظلمُهُمْ بأخذ أموالهم بالضرائب والمكوس، واستيلائهم على حقوقهم الخاصَّة بأدنى الحيل من اختلاق ضرائب غير مباشرة، ومن غشِّهم : الاحتجابُ عن مصالحهم وحاجاتهم، ومن غشهم: تركُ المفسدين يعيثون فيهم بالفساد، بالنَّهب، والسطو، بدون إقامة الحدود وردع المجرمين، ومن غشِّهم: توليةُ الأمراء، والقضاء، والرؤساء، ممَّن لا كفاءة لهم، ولا أمانة، وإنَّما ولوا من أجل القرابات والصِّلات. ٤- الأحاديث كثيرة تدل على أنَّ الغش من الولاة من الكبائر، وأنَّه من المعاصي المتعدِّي ضررها وشرها. قال ابن بطال: هذا وعيدٌ شديدٌ على أئمة الجورِ؛ فمن ضيّع من استرعاه الله عليهم، أو خانهم، فقد توجَّه إليه الطلب بمصَّالح العباد يوم القيامة؛ فكيف يقدر على التحلل من الظلم من أمَّةٍ عظيمة؟ . ٥- قال شيخ الإسلام في السياسة الشرعية: وقد دلَّت السنّة على أنَّ الولاية أمانة، يجب أداؤها؛ فقد جاء في البخاري (٥٩) عن أبي هريرة؛ أنَّ النَّبيَّ وَ الر قال: ((إِذَا ضيعت الأمانة فانتظر السّاعة، قيل: وما إضاعتها؟ قال: إذا وُسِّدَ الأمر إلى غير أهله، فانتظر السّاعة)). ٦ - ثمَّ قال رحمه الله: الولاة نواب الله تعالى على عباده، وهم وكلاء العباد على أنفسهم، والمقصود بالولاية : إصلاح دين الخلق الّذي متى فاتهم، خسروا خسرانًا بينًا، ولم ينفعهم ما نعموا به في الدنيا، وإصلاح مالا يقوم الدِّين إلاَّ ٤١٨ توضيح الأحكام من بلوغ المرام به من أمر دنياهم. وهو نوعان : - قَسْم المال بين مستحقيه. - وعقوبات المعتدين. فإذا اجتهد الرَّاعي في إصلاح دينهم ودنياهم بحسب الإمكان، فإنَّه أفضل أهل زمانه، وكان من المجاهدين في سبيل الله . فقد رويَ: ((يومٌ من إمام عادلٍ أفضل من عبادة ستِّين سنة)) [رواه الطبراني (٣٣٧/١١)]. وفي مسند الإمام أحمد (١٠٧٩٠) عن النَّبِيِّ وَّ قال: ((أحب الخلق إلى الله إمامٌ عادل، وأبغضهم إليه إمامٌ جائر)). ٧- ومن الولاية: النظارة على الوقف، والقيام على الوصية، والولاية على الصغير والقاصر، والوكالة عن الحي، والرَّجل في أسرته، والمرأة في بيت زوجها وغيرهم؛ فكل هؤلاء ولاة فيما تحت أيديهم، وهم مشمولون بدلالة عموم الحديث: ((كلكم راع، وكلكم مسؤولٌ عن رعيته)) [رواه البخاري (٨٩٣) ومسلم (١٨٢٩)]. ٤١٩ كتاب الجامع - باب الترهيب من مساوىء الأخلاق ١٢٩٩ - وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَه : ((اللَّهُمَّ مَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئًا، فَشَقَّ عَلَيْهُمْ، فَاشْقُقْ عَلَيْهِ» أَخْرَجَهُ مُسْلِمُ(١). * مفردات الحديث: - اللهم: هي بمعنى ((يا ألله)) حذفت ياء النِّداء، وعوِّض عنها الميم . - شق: شق عليهم يشق شقًّا ومشقّة: صعَّب عليهم الأمر؛ فأوقعهم في المشقّة . - فاشقق عليه: جملة دعائية من جنس عمل الشاق. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - الحديث فيه وعيدٌ شديدٌ على الولاة، والأمراء، والعمَّال، والموظفين الَّذين يشقون على أصحاب الحاجات، والمراجعين في قضاياهم، وأعمالهم ومعاملاتهم؛ فالنَّبِي ◌َّ دعا على هؤلاء وأمثالهم، فمن جعل الله حاجاتٍ النَّاس وأعمالُ الخلق عندهم، فشقوا عليهم، فقد دعا عليهم بأن يشُقَّ الله تعالى يشق عليهم، كما شَقُّوا على النَّاس، وعلى المراجعين، وذوي الحاجات. ٢ - يوجد - والعياذ بالله - كثير من الموظفين ذوي القلوب الميتة، والنفوس المريضة، ممَّن يرتاحون لأذية الخلق بالمشقّة عليهم، فتجدهم يضيعون الوقت بالقيل والقال، ولا يهمهم أعمال النَّاس، طالت مدَّة مراجعتهم فيها أم قصَّرت، ويصرفون النَّاس عنهم بالوعود الكاذبة. ٣- ومن المشقّة على النَّاس: فرض ما يسمَّى ((روتين العمل ونظامه))؛ ممَّا يعقد (١) مسلم (١٨٢٨). ٤٢٠ توضيح الأحكام من بلوغ المرام المسائل، ويطيل المراجعات، ويضيع الحقوق؛ فالواجب تخفيفه ما أمكنَ الحال، وتسهيل مهمّة سير الأعمال. ٤ - ومن المشقّة على الخلق تولية من ليس فيه كفاءة على العمل، ولا قدرة له علیه، ولا معرفة له فيه. ٥- قال شيخ الإسلام: فيجب على الوالي أن يستعمل الأصلح الموجود، ويختار الأمثل، فالأمثل في كل منصب بحسبه. والقوّة في كلِّ ولاية بحسبها، فالقوَّة في إمارة الحرب ترجع إلى الشجاعة، وإلى الخبرة في الحروب، والقوّةُ في الحكم بين النَّاس: ترجع إلى العلم والعدل، وإلى القدرة على تنفيذ الأحكام. وإذا كانت في الولاية أشد، قُدِّم الأمين، مثل حفظ الأموال ونحوها، ويقدم في ولاية القضاء الأعلم، والأشد ورعًا. وأهم ما في هذا الباب: معرفة الأصلح، وذلك إنَّما يتم بمعرفة مقصود الولاية . ٦- بهذه الطريقة في التعيين على الأعمال تحصل السهولة في أعمال النَّاس، ويبعد عنهم العسر والمشقّة .