النص المفهرس
صفحات 381-400
٣٨١ كتاب الجامع - باب الزهد والورع يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤]. وأمَّا الكبائر: فلا يكفرها إلاَّ التوبة النصوح، المشتملة على الإقلاع عن المعصية في الحال، والعزم على أنْ لا يعود، والنَّدم على مافات، وإنْ كانت مظلمة لمخلوق فالبراءة منها بأداءٍ، أو استحلالٍ، أو غير ذلك. ٣- وصغائر الذنوب لا سبيل إلى حصرها وعدِّها. أمَّا الكبائر: ففي عدِّها خلافٌ بين العلماء، فبعضهم قال: سبع، وقال بعضهم: سبعة عشر، وبعضهم قال : سبعون، وقال بعضهم: ستمائة . وأحسن الأقوال أنَّها محدودة بتعريف، وليست محصورةً بعددٍ، وقد عرفها العلماء بتعريفاتٍ كثيرة، وأجمعها ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية : (الكبيرة: ما فيه حدٌّ في الدنيا، أو وعيدٌ في الآخرة، أو غضبٌ، أو لعن صاحبها، أو نفي الإیمان عنه)). ٤- والغزالي أرجع المعاصي إلى أربع صفات: ((صفات استعلائية، صفات شيطانية، صفات بهيمية، صفات سَبُعِية)) : فالأولى: صفات استعلائية: ينتج منها الكبر، والفخر، والعجب، وحب المدح، وطلب الاستعلاء، ونحو ذلك، وهذه الصفات مهلكات، وبعض النَّاس يغفل عنها . والثانية: صفات شيطانية: ومنها ما ينتج الحسد، والبغي، والخداع، والمكر، والغش، والنِّفاق، والأمر بالفساد، ونحو ذلك. والثالثة: صفات بهيمية: ومنها يتشعَّب الشر، والحرص على قضاء شهوة البطن والفرج، ومن ذلك: الزنى، واللواط، والسرقة، والرشوة، والغلول، وأخذ حطام الدنيا بدون حق. والرَّابعة: صفات سَبُعِية: ينتج عنها الغضب، والحقد، والتهجم على النَّاس بالقتل، والضرب، وغصب الأموال من النَّاس. ٣٨٢ توضيح الأحكام من بلوغ المرام فهذه أمهات الذنوب ومنابعها، ثمَّ تفجَّر الذنوب من هذه المنابع على الجوارح : فبعضها: في القلب؛ كالكفر، والبدعة، والنِّفاق، وإضمار السوء للنَّاس، وبعضها: على العين، والسمع، وبعضها: على اللسان، وبعضها: على البطن، والفرج، وبعضها: على اليدين، والرجلين، وبعضها: على جميع البدن . ولا حاجة إلى تفصيل ذلك؛ فإنَّه واضح. ٥- التوبة: هي الرجوع إلى الله تعالى بالنَّدم على ما مضى من المعاصي، والعزم على تركها إيمانًا لا لأجل نفع الدنيا، أو أذى النَّاسِ، وأنْ لا يكون على إكراهٍ وإلجاءٍ، بل اختيار حال التكليف. ٦ - قال الغزالي: المقبل على الله تعالى لا بُدَّ لهُ من التوبة من المعاصي، وذلك لأمرين : أحدها: ليحصل له توفيق الطّاعة؛ فإنَّ شؤم الذنوب يورث الحرمان، وإنَّ الذنوب تمنع عن السير إلى الله تعالى، والمسارعة إلى خدمته. الثاني: إنَّما تلزم التوبة لتُقْبَل من العبد الطَّاعات؛ فإنَّ التوبة إرضاءٌ للرَّبِّ، فکیف ندعوه ونناجیه، ونثني عليه، وهو غضبان. والتوبة النَّصوح من مساعي القلب، فهيَ ترك اختيار ذنبٍ سبق مثله؛ تعظيمًا لله تعالى، وحذرًا من سخطه. ٧- وللتوبة ثلاثة شروط : أحدها: ترك الذنب اختيارًا لله تعالى. الثاني: العزم على أنْ لا يعود إليه. الثالث: النَّدم على مافات منه . ثمَّ إذا كان الذنب في حقٌّ آدمي، فإنَّه يزاد شرطٌ رابعٌ: وهو أداؤه أو ٣٨٣ كتاب الجامع - باب الزهد والورع الاستسماح من صاحبه : فما كان من المال: فيجب عليك رده إن أمكنك، وإلاّ فتستحل صاحبه، فإن عجزت عن معرفته، فتصدق عنه. وأمَّا النَّفس: فتمكنه من القصاص أو أولياءه، فإنْ عجزت فالرجوع إلى الابتهال أنْ يرضيه الله عنه يوم القيامة . وأمَّا العرض: فإن اغتبته، أو بهتَّه، أو شتمته، فتكذُّب نفسك بين يدي من فعلت ذلك عنده، وأن تستحل من صاحبه، هذا إذا لم تخش زيادة غيظ، وإلا فالمرجع إلى الله تعالى ليرضى عنك. وأمَّا الحرمة: فإنْ خنته في محارمه، فتضرَّع إلى الله ليرضى عنك. وأمَّا في الدِّين: فإنْ فسَّقته، أو بدَّعته، أو ضلَّلته، فتحتاج إلى تكذيب نفسك عند من كفَّرته، أو بدَّعته عنده، وأنْ تستحل من صاحبه إنْ أمكنك ذلك. ٨- فإذا أنت عملت ما وصفناه، وبرَّأت القلب عن اختيار فعلها في المستقبل، فقد خرجت من الذنوب كلها، وإنْ حصلت منك تبرئة القلب، ولم يحصل منك قضاء الفوائت، وإرضاء الخصوم، فالتبعات لازمةٌ، وسائر الذنوب مغفورة . ٩ - قال شيخ الإسلام: من تاب توبةً عامَّة، كانت هذه التوبة مقتضية لغفران الذنوب كلها، وتصح من بعض ذنوبه في الأصح؛ خلافًا للمعتزلة . ١٠ - قال الطيبي: من يترك المعاصي، ويندم على فعلها، ويدخل في العمل الصَّالح، فإنَّه بذلك يكون تائبًا إلى الله مثابًا مرضيًّا عند الله، مكفرًا للخطايا، محصِّلاً للثواب، والله يحب التوابين، ويعرف لهم حقَّهم، والتّائب من الذنب كمن لا ذنب له. ١١ - قال ابن رجب: الهمُّ بالسيئة من غير عملٍ لها: ٣٨٤ توضيح الأحكام من بلوغ المرام تارةً: يتركها الهامُّ لخوف من الله تعالى، فهذه يكتب له بها حسنة؛ لما في الحديث القدسي: ((إنَّما تركها من جرَّائي)). وتارةً يتركها خوفًا من المخلوقين، أو مراءاةً لهم؛ فقد قيل: إنَّه يعاقب على تركها بهذه النية؛ لأَنَّ تقديم خوف المخلوقين على خوف الله محرَّم. وإنْ سعى في حصول المعصية بما أمكنه، فلم يقدر عليها، فإنَّه يعاقب؛ لقوله ◌َّر: ((إِذَا التقى المسلمان بسيفهما ... إلخ)) [رواه البخاري (٣١) ومسلم (٢٨٨٨)]. وأمَّا إن انفسخت نيَّة الهام بالمعصية، وفترت عزيمته من غير سبب منه، فهل يعاقب على ما هم به من المعصية أم لا؟ على قسمين : أحدهما: أنْ يكون الهَمُّ بالمعصية خاطرًا خطر، ولم يساكن صاحبه، ولم يعقد قلبه عليه، فهذا معفو عنه. الثاني: أنْ تقع النَّفس، ويدوم، ويساكن صاحبها، فهذا أيضًا نوعان: الأوَّل: ما كان عملاً منْ أعمال القلوب؛ كالشكِّ في الوحدانية، أو النبوة، أو البعث، أو نحو ذلك من صور الكفر والنّفاق، فهذا يعاقب عليه العبد، ويصير به كافرًا، أو منافقًا، ويلتحق بهذا سائر المعاصي المتعلّقة بالقلوب . الثاني: مالم يكن من أعمال القلوب، بل من أعمال الجوارح؛ كالزنى، والسرقة، والقتل، ونحو ذلك، فالرَّاجح من أقوال العلماء: أنَّه يؤاخذ به؛ وهو قول أكثر الفقهاء والمحدِّثين من أصحابنا وغيرهم؛ واستدلوا بقوله تعالى: ﴿وَأَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِىَ أَنفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ﴾ [البقرة: ٢٣٥]؛ وحملوا قوله وَله: ((إنَّ الله تجاوز لأُمَّتي عمَّا حدَّثت به أنفسها، مالم تتكلّم به أو تعمل)) [رواه البخاري (٥٢٦٩) ومسلم (١٢٧)] على الخطرات، وغالبُ ما عقد العبد قلبه علیه، فهو من کسبه وعمله، فلا یعفی عنه. ..... -. ٣٨٥ كتاب الجامع - باب الزهد والورع ١٢ - وإذا أتى المؤمن بالتوبة النصوح، خرج من ذنوبه طاهرًا كيوم ولدته أمه، وأحبه الله سبحانه وتعالى، وحصل له من الأجر، والثواب، والبركة، والرحمة ما لا يحيط به وصف الواصفين، وحصل له الأمن والخلاص بإذن الله تعالى . ١٣ - وأهل القبلة ثلاثة أقسام: ((فائزون، ومعذَّبون، وناجون)): الفائزون: هم إمَّا مقرَّبون، أو من أصحاب اليمين، وهؤلاء هم الَّذي أحكموا أصل الإيمان، وقاموا بجميع الفرائض، واجتنبوا الكبائر، ولم يصروا على الصغائر، فهؤلاء إمَّا يلتحقون بالمقرَّبين، أو بأصحاب اليمين، بحسب إيمانهم ويقينهم. ومن أتى بكبيرةٍ، أو أهمل واجبًا، أو ترك الإسلام، ثمَّ تابَ توبةً نصوحًا قبل قرب الأجل، أُلحق بمن لم يرتكب؛ لأَنَّ التَّائبَ من الذنب کمن لا ذنب له. أمّا المعذَّبون: فهم الَّذين ماتوا قبل التوبة من الكبيرة، فهؤلاء على خطرٍ، وهم تحت مشيئة الله تعالى، وإذا ماتَ قبل التوبة وعُذِّبَ، فإنَّ عذابه بحسب قبح الكبائر، ومدَّة الإصرار. وأمَّا النَّاجون: ويُراد بالنَّجاة السَّلامة فقط من العذاب، وهم قومٌ لم يخدموا فَيُخْلَع عليهم، ولم يقصروا فيعذبوا. ويشبه أنْ تكون الحالُ للمجانين، وأولاد الكفَّار، والّذين لم تبلغهم الدعوة فلم يكن له معرفة ولا جحود، ولا طاعة ولا معصية، ويصلح أنْ يكونوا أصحاب الأعراف. ٣٨٦ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ١٢٨٩ - وَعَنْ أَنَسِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ : ((الصَّمْتُ حِكَمٌ، وَقَلِيلٌ فَاعِلُهُ)) أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي الشُّعَبِ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ، وَصَخَّحَ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ مِنْ قَوْلِ لُقْمَانَ الحَكِيمِ(١). * درجة الحديث: الحديث موقوف. قال زين الدِّين العراقي في تخريجه أحاديث الإحياء: أخرجه أبومنصور الديلمي في مسند الفردوس، من حديث ابن عمر بسندٍ ضعيف، والبيهقي في شعب الإيمان، من حديث أنس بلفظ ((الصمت))، والصحيح عن أنسٍ أنَّه من قول لقمان، قال: رواه كذلك هو، وابن حبان في كتاب ((روضة العقلاء)) بسندٍ صحيح إلى أنس. * مفردات الحديث: - حِكَم: جمعة حكمة، يُقال: حَكَمَ حُكْمًا: صار حكيمًا، والحكمة لها معانٍ كثيرة جليلة، أجمعها: أنَّها وضع الشيءٍ في موضعه. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - الحديث فيه فضيلة الصمت، وأنَّه من الحكمة قال تعالى: ﴿ مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا [ق]، وجاء في البخاري (٦٤٧٤) أنَّ النَّبِيَّ ◌َّ قال: ((من ١٨ لَدَيْهِ رَقِيبُ عَنِيْدٌ ضمنَ لي ما بين لَحييه ورجليه أضمن له الجنَّةً))، وما أخرجه الترمذي (٢٦١٦) من حديث معاذ بن جبل؛ أنَّ النَّبيَّ ◌َّه قال: «وهل يَكُبُّ النَّاسَ في النَّارِ على وجوههم إلاَّحصائد ألسنتهم))، وما أخرجه الترمذي (٢٤٠٦) من (١) البيهقي في الشعب (٥٠٢٧). ٣٨٧) كتاب الجامع - باب الزهد والورع حديث عقبة بن عامر؛ أنَّه سأل النَّبِي وَجّ عن النَّجاة؟ فقال: ((أمسك عليك لسانك)». وكان أبوبكر الصديق - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - يشير إلى لسانه، ويقول: ((هذا الَّذي أوردني في الموارد)». وقال الحسن البصري: ((ما عقل دينه من لم يحفظ لسانه)). ٢- ذكر الغزالي من آفات اللسان: الخوض في الباطل، والتقعر في الكلام، والفحش، والسب، والسخرية، والاستهزاء، وإفشاء السر، والمراء، والجدال، واللعن، والكذب، والغيبة، والنميمة، والخصومة. ٣- وبهذا نعلم أنَّ الصَّمْت المحمود هو عن الكلام المحرَّم الَّذي ذكرنا بعضه، ومثله الكلام الَّذي لا فائدة منه؛ إذ ربما يجرَّ إلى الكلام المكروه، أو المحرّم. أمَّا إذا كان الكلام فيما ينفع، من التلاوة، والذكر، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وتعليم العلم، ومباسطة الأهل والإخوان: فهذا محمود. ٤- واللسان لهذه الأغراض الفاضلة من نِعَم الله تعالى العظيمة، ولطائف صنعه، فإنَّه ينطق بالإيمان والإسلام؛ قال تعالى: ﴿﴿لَّا خَيّرَ فِى كَثِیرٍمِّن نَّجْوَدُهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَحِ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [النساء: ١١٤]. فهذه الآية الكريمة هي الفصل في قبيح الكلام وملیحه. ٥ - قوله: ((قليلٌ فاعله)): لأَنَّ النَّاسَ مجبولون على القيل والقال، وكثرة السؤال . والله الموفِّق والهادي إلى سواء السبيل. ٣٨٨ توضيح الأحكام من بلوغ المرام باب الترهيب من مساوىء الأخلاق مقدمة قال في المصباح: رَهِبَ رَهَبًا - من باب تعب -: خاف. وقال في تاج العروس: رهبَ كعلم، يرهب رهبةً، بالضم والفتح، وَرَهَبًا، بالتحريك، أي: أنَّ فيه ثلاث لغات، أي: خاف مع تحرُّز. وهناك مبدأ عند أصحاب السَّيْر والسلوك إلى الله تعالى، وهو التخلّي عن مساوىء الأخلاق، ثمَّ التحلِّي بفضائلها ومحامدها. وهكذا المؤلِّف - رحمه الله - صنع في ترتيبه أحاديث هذا الباب؛ فإنَّه بدأ هنا بالأحاديث التي تنهى عن القبائح والفضائح: من الحسد، والظلم، والشرك، والنّفاق، والسباب، والفسوق، والغضب، والفتنة، والبخل، وسوء الخلق، وغير ذلك من المساوىء، والعيوب. ثمَّ ثنى بذكر ((باب الترغيب في مكارم الأخلاق)) ممَّا سيأتي بيانه إنْ شاء الله تعالی؛ فهذا صنع جید، وترتیب حسن، جزاه الله خيرًا، ورحمه. ------- --- ٣٨٩ - كتاب الجامع - باب الترهيب من مساوىء الأخلاق ١٢٩٠ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَله : ((إِيَّاكُمْ وَالْحَسَدَ؛ فَإِنَّ الحَسَدَ يَأْكُلُ الحَسَنَاتِ، كَمَا تَأْكُلُ النَّارُ الحَطَبَ)) أَخْرَجَهُ أَبُودَاوُدَ(١)، وَلاِبْنِ مَاجَةَ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ نَحْوُجُ(٢). * درجة الحديث: الحدیث ضعيف. أخرجه أبوداود، وسكت عنه، وقال المنذري: جد إبراهيم لم يُسمَّ، وذكر البخاري إبراهيم هذا في التاريخ الكبير، وذكر له هذا الحديث، وقال: لا يصح، وضعَّفه السيوطي في الجامع الصغير، وقال بعض المحدثين: في سنده عيسى بن أبي عيسى الحناط، قال في التقريب: متروك، والله أعلم. * مفردات الحديث: - الحسد: تمنِّي الإنسان أنْ يحوِّل الله إليه نعمة الآخر، أو فضيلته، ويسلبها منه، هذا هو المذموم، وأمَّا أنْ يتمنَّى النعمة لنفسه من غير أنْ تزول عن صاحبها، فتسمَّى الغبطة، فإذا كانت في أمور الدنيا: فمباح، وإنْ كَانت في أمور الآخرة: فمحمودة؛ لأنَّها منافسةٌ على الخير. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - الحديث فيه تحذيرٌ من الحسد، ووجوب مجاهدته، وأنَّ وجوده يذهب الحسنات، ويبطل ثوابها؛ كما تأكل النَّار الحطب، فتجعله رمادًا. ٢- الحسد الَّذي نهى عنه هو أن يرى الإنسان نعمة الله عند آخر، فيتمنَّى زوالها (١) أبو داود (٤٩٠٣). (٢) ابن ماجة (٤٢١٠). ٣٩٠). توضيح الأحكام من بلوغ المرام منه، فهذا هو الحسد المذموم. ٣- الحسد قد جاء ذقُّه في الكتاب والسنَّة؛ فقال تعالى: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَآ ءَاتَدُهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ [النساء: ٥٤]؛ فهذا إنكارٌ من الله تعالى لمن يحسد النَّاس على ما أنعم الله عليهم. وجاء في مسند أحمد (١٤١٥) وسنن الترمذي (٢٥١٠) من حديث الزبير ابن العوام، عن النَّبِي بَّ قال: ((دبَّ إليكم داء الأُمم قبلكم: الحسد، والبغضاء هي الحالقة، حالقة الدِّين)). وفي الحسد آثارٌ كثيرة، وقد قيل: إنَّ أوَّل ذنبٍ عُصِيَ الله به الحسد، حينما أمر الله إبليس بالسجود لآدم، فحسده، وامتنع من السجود، فطرده الله من الجنَّة . ٤- قال ابن رجب: الحسد مركوز في طباع البشر، وهو أنَّ الإنسان يكره أنْ يفوقه أحدٌ من جنسه في شيءٍ من الفضائل. والنّاسُ ينقسمون فيه مراتب : - منهم: من يسعى في زوال نعمة المحسود بالبغي عليه بالقول والفعل. - ومنهم: من یسعی في نقل ذلك إلى نفسه. ١ - ومنهم: من يسعى في إزالة المحسود فقط، من غير نقل ذلك إلى نفسه، وهذا كله حسدٌ مذموم، وهو المنهي عنه . - وقسمٌ آخر من النَّاس: إذا حسد غيره، لم يعمل بمقتضى حسده، ولم يبْغِ على المحسود بقولٍ ولا بفعل، وقد رُوِيَ عن الحسن أنَّه لا يأثم بذلك. - وقسمٌ آخر: إذا وجد في نفسه الحسد، سعى في إزالته، وفي الإحسان إلى المحسود بإبداء الإحسان إليه، والدعاء له، ونشر فضائله، وفي إزالة ما وجد في نفسه من الحسد حتَّى يبدَّل بمحبته. وهذا من أعلى درجات الإيمان، وصاحبه هو المؤمن الكامل الَّذي يحب ٣٩١ كتاب الجامع - باب الترهيب من مساوىء الأخلاق لأخيه ما يحب لنفسه . ٥- وقال الشيخ عبدالرحمن السعدي : الحسد نوعان: نوعٌ محرَّمٌ مذموم: وهو أنْ يتمنَّى زوال نعمة الله عن العبد، سواءٌ أحب ذلك محبّة استقرَّت في قلبه، ولم يجاهد نفسه عنها، أو سعى مع ذلك في إزالتها وإخفائها، وهذا أقبح؛ لأَنَّه ظلمٌ متكرِّر. وهذا النوع هو الذي يأكل الحسنات، كما تأكل النَّار الحطب. النوع الثاني: أنْ لا يتمنَّى زوال نعمة الله عن العبد، ولكن يتمنَّى حصول مثلها له، أو فوقها، أو دونها . وهذا نوعان: محمودٌ، وغير محمود: فالمحمود: أنْ يرى نعمة الله الدينية على عبده، فيتمنَّی أن یکون له مثله، فهذا من باب تمنِّي الخير، فإن قارن ذلك سعيٌّ وعملٌ لتحصيل ذلك، فهو نورٌ علی نور. وأمَّا الغبطة التي لم تحمد: فيتمنِّي حصول مطالب الدنيا؛ لأجل اللذات، وتناول الشهوات؛ كقصَّة قوم قارون. * [الفلق]: ٦ - قال ابن القيم عند قوله تعالى: ﴿وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ تأمَّل تقييده سبحانه وتعالى شرَّ الحاسد بقوله: ﴿إِذَا حَسَدَ﴾؛ لأَنَّ الرَّجل قد يكون عنده الحسد، ولكن يخفيه، ولا يظهر عليه بوجهه، ولا بقلبه، ولا بلسانه، ولا بيده، بل لا يجد في قلبه شيئًا من ذلك، ولا يعامل أخاه إلاَّ بما يحب الله، فهذا لا يكاد يخلو منه أحدٌ إلاّ من عصم الله . وللحسد ثلاث مراتب: إحداها: هي المتقدمة . الثانية: تمنِّي استصحاب عدم النعمة، فهو يكره أنْ يحدث الله بعبده نعمة، بل يحب أنْ يبقى على حاله، من جهله، أو فقره، أو ضعفه، أو ٣٩٢ توضيح الأحكام من بلوغ المرام شتات قلبه عن الله، أو قلَّة دينه؛ فهو يتمنَى ما هو فيه من نقص وضعف. فهذا حسد على شيءٍ مقدَّر، والأوَّل حسدٌ على شيءٍ محقَّق؛ وكلاهما حاسد عدو نعمة الله، وعدو عباده، وممقوت عند الله تعالى وعند النَّاس . الثالثة: حسد الغبطة، وهو تمنِّي أنْ يكون له مثل حال المحسود، من غير أنْ تزول النعمة عنه، فهذا لا بأس به، ولا يعاب صاحبه، بل هذا قريبٌ [المطففين]. من المنافسة؛ قال تعالى: ﴿وَفِ ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُنَنَافِسُونَ وفي الصحيح عن النَّبي ◌َّ أنَّه قال: ((لا حسد إلاّ في اثنتين: رجلٌ آتاه الله مالاً وسلَّطه على هَلَكَتِهِ في الحقِّ، ورجلٌ آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها، ويعلِّمها النَّاس)). فهذا حسد غبطة، الحامل لصاحبه كِبَرُ نفسه، وحب خصال الخير، والتشبه بأهلها، والدخول في جملتهم، وأنْ يكون من سابقيهم، وعليه فتحدث له من هذه الهمّة المنافسة والمسابقة والمسارعة، مع محبته لمن يغبطه، وتمنِّي دوام نعمة الله عليه؛ فهذا لا يدخل في الآية بوجهٍ ما. ٧- قال الغزالي: الحسد من الأمراض العظيمة للقلوب، ولا دواء لأمراض القلوب إلاَّ بالعلم والعمل : والعلم النَّفع لمرض الحسد: هو أنْ تعرف أنَّ الحسد ضرره عليك في الدِّين والدنيا، والمحسود لا ضرر عليه في الدنيا، ولا في الدِّين، بل ينتفع بحسدك في الدِّين؛ لأَنَّه مظلومٌ من جهتك، لا سيما إذا أخرجت الحسد إلى القول والفعل، وأمَّا منفعته في الدنيا: فهو أنَّه من أهم أغراض الخلق غم الأعداء، ولا غَمَّ أعظم ممَّا فيه الحاسد. وأمَّا العمل النَّفع فيه: فهو أنْ يتكلّف نقيض ما يأمره به الحسد، وهو بعْثه على الحقد، والقدح في المحسود؛ فيكلف نفسه المدح له، والثناء عليه، وإنْ حمله على الكبر، ألزم نفسه بالتواضع له، وإنْ بعثه على كفِّ .-- ٣٩٣ كتاب الجامع - باب الترهيب من مساوىء الأخلاق الإنعام عنه، ألزم نفسه زيادة في الإنعام. فهذه أدويةٌ نافعةٌ للحسد إلاَّ أنَّها مُرَّة، ويسهّل شربها الاستعانة بالله تعالى، ولا حول ولاقوَّة إلاّ بالله العلي العظيم. ٣٩٤ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ١٢٩١ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَه: «لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ؛ إِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الغَضَبِ)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ(١). -- - ---- * مفردات الحديث: - الشديد: المراد بالشدَّة هنا القوَّة المعنوية، وهي مجاهدة النّفس وإمساكها عن الشرِّ . - الصُّرَعة: بضم الصاد المهملة، وفتح الرَّاء، هو القوي الَّذي يصرع النَّاس کثیرًا؛ لقوته وشدَّته . * ما يؤخذ من الحديث: ١- الحديث يدل على أنَّ القوَّة الحقيقية ليست هي قوَّة العضلات، والقوّة البدنية، وإنَّما القوَّة الحقيقية هي القوّة المعنوية؛ فليس الشديد القوي هو الَّذي يصرع دائمًا غيره من الأشداء. وإنَّمَا الشديد هو الَّذي جاهد نفسه، وقهرها حينما يشتد به الغضب؛ فيملك زمامها، فلا يقدِّم على فعل محرَّم، من اعتداء، ويمسك لسانه، فلا يتفوه بكلامٍ محرَّمٍ، من شتمٍ، أو لعنٍ، أو قذْفٍ، أو غير ذلك. ٢ - الغضب غريزةٌ في الإنسان، فإذا جاء ما يبعثها، تحرَّكت نفسه من داخلها إلى خارج الجسد؛ لإرادة الانتقام؛ فالقوي الشديد هو الَّذي يجاهد هذه الحركة، ويقوى عليها، فيصدها عمَّا تريده من الانتقام. ٣- أمَّا ما جاء من الحديث الَّذي رواه البخاري (٦١١٦) من حديث أبي هريرة : (١) البخاري (٦١١٤)، مسلم (٢٦٠٩). ٣٩٥ كتاب الجامع - باب الترهيب من مساوىء الأخلاق ((أنَّ رجلاً قال للنَّبِيِّ ◌َّ: أوصني، فقال: لا تغضب)) فالمراد أمران: الأوَّل: يوصيه بأن يعمل الأسباب التي توجب له حسن الخلق، من الحلم، والأناة، والحياء، والاحتمال، وكف الأذى، والصفح، والعفو، وكظم الغيظ، ونحو ذلك؛ فإنَّ النَّفس إذا تخلَّقت بهذه الأخلاق، وصارت لها عادة ، أوجب لها ذلك دفع الغضب عند حصول أسبابه . الثاني: أنَّه يوصيه أنْ: لا تعملْ بمقتضى الغضب إذا حصل لك، بل جاهد نفسك على ترك تنفيذه، والعمل بما يأمرك به، فإنَّ الغضب إذا ملك من بني آدم، كان هو الآمر النَّاهي له؛ ولهذا قال تعالى: ﴿ وَلَمَّا سَكَتَ عَن ◌ُوسَى الْغَضَبُ﴾ [الأعراف: ١٥٤]، ٤ - فضيلة الحلم: قال تعالى: ﴿وَاَلْكَظِمِينَ الْغَيْظَ﴾ [آل عمران: ١٣٤]. ﴾[الشورى]. وقال: ﴿وَإِذَامَا غَضِبُواْ هُمْ يَغْفِرُونَ الـ وأخرج أبوداود (٤٧٧٧) والترمذي (٢٠٢١) وحسّنه، من حديث معاذ بن أنس الجهني، عن رسول الله وَله: ((من كظم غيظًا هو قادر على أنْ ینفذه، دعاه الله على رؤوس الخلائق، ويخيره من أي الحور شاء)). والآثار والحِكَم المنقولة عن العلماء والحكماء في هذا الباب كثيرةٌ جدًّا. * ٣٩٦) توضيح الأحكام من بلوغ المرام ١٢٩٢ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - قَالَ: قَالَ رُسْوُل اللهَِّهِ: ((الظُّلِمُ ظُلُمَاتٌ يَومَ القيامة)) مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ(١). * ما يؤخذ من الحديث: ١- الحديث من أدلَّة تحريم الظلم، وهو يشمل جميع الظلم، وأعظمه الشرك ﴾ [لقمان]. ١٣ بالله تعالى، قال تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ وقال تعالى في الحديث القدسي: ((يا عبادي! إنِّي حرَّمتُ الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرَّمًا». والآيات، والأحاديث، والآثار، في تحريم الظلم، وبيان قبحه كثيرةٌ جدًّا . ٢ - قال ابن رجب: الظلم نوعان: أحدهما: ظلم النفس، وأعظمه الشرك؛ فإنَّ المشرك جعل المخلوق في منزلة الخالق؛ وبهذا فقد وضع الأشياء في غير مواضعها، ثمَّ يليه المعاصي على اختلاف أجناسها من كبائر وصغائر. الثاني: ظلم العبد غيره، سواءٌ كان في النفس، أو في المال، أو في العِرض؛ فقد قال ◌َّ في خطبته في حجَّة الوداع: ((إنَّ دماءَكُمْ، وأموالكم، وأعراضكم، عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا» [رواه البخاري (٦٧) ومسلم (١٦٧٩)]. وجاء في صحيح البخاري (٦٥٣٤) عن أبي هريرة عن النَّبِي وٍَّ قال: ((مَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ مظلمةٌ لأخيه، فليتحلَّل منها قبل أنْ تُؤْخَذ حسناته، فإنْ لم يكن له حسنات، أُخِذَ مِنْ سيئات أخيه، فطُرِحَتْ عَلَيْهِ)). (١) البخاري (٢٤٤٧)، مسلم (٢٥٧٩). ٣٩٧ كتاب الجامع - باب الترهيب من مساوىء الأخلاق ١٢٩٣ - وَعَنْ جَابرٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَله: (اتَّقُوا الظُّلْمَ؛ فَإِنَّ الظُّلْمَ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ القِيَامَةِ، واتَّقُوا الشُّح؛ فَإِنَّهُ أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ)) أَخْرَجَهُ مُسْلِمُ(١). * مفردات الحديث: - الشُّح: بضم الشِّين، وتشديد الحاء، هو البخل بما عنده، والحرص على ما ليس عنده، ويشمل غير المال. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - الحديث فيه التحذير من الظلم، والأمر باجتنابه، والبعد عنه؛ فإنَّه خطر العاقبة، ذلك أنَّه ظلماتٌ يوم القيامة، فالمؤمنون مستضيئون بنور إيمانهم، ويقولون: ربنا أتمم لنا نورنا، وأمَّا الظَّالمون لربِّهم بالشِّرك، أو لأنفسهم بالمعاصي، أو لغيرهم في الدماء، أو الأموال، أو الأعراض، فهؤلاء يمشون في دياجير الظلم؛ فلا يهتدون سبيلاً. ٢ - ويدل الحديث على التحذير من الشح والبخل؛ فإنَّه صارَ سبب هلاك الأمم السَّابقة، حملهم الحرص على المال على الاعتداء على أموال غيرهم، فصارت الحروب والفتن التي صارت سبب هلاكهم، واستحلال محارمهم، وهذا هلاٌ في الدنيا. ٣- كما أنَّه سببٌ للهلاك الأخروي؛ فإنَّ الاعتداء على مال الغير، والاعتداء على محارمه، وسفك دمه: من أكبر الظلم، وأشد الإثم، وهذه المعاصي هي سببُ الهلاك في الآخرة، وعذاب النَّار. (١) مسلم (٢٥٧٨). ٣٩٨ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ٤ - جاءت النصوص الكثيرة في ذمِّ البخل والشح؛ قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُعَّ نَفْسِهِ، فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾﴾﴾ [الحشر]. وقال: ﴿ وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَآ ءَاتَدُهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ، هُوَ خَيْاً لَّهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمَّ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ، يَوْمَ الْقِيَامَةٌ﴾ الآية. [آل عمران: ١٨٠]. وقال تعالى: ﴿وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِِّ﴾ [محمد: ٣٨]. وجاء في مسند أحمد (١٤) والترمذي (١٩٦٣) من حديث أبي بكرٍ؛ أنَّ النَّبِيَّ ◌َّ قال: ((لا يَدخل الجنَّةً بخيل)». وأخرج الترمذي (٢٥٦٧) والنسائي في الكبرى (٤٤/٢) من حديث أبي ذَرٍّ؛ أَنَّ النَّبِيَّ وَِّ قَالَ: ((إنَّ اللهَ يبغض ثلاثة: الشيخ الزَّاني، والبخيل المنَّن، والمسبل المختال». - قال في مختصر الإحياء: البخيل: هو الَّذي يمنع ما ينبغي منه، إمَّا بحكم الشرع، أو لازم المروءة، ومن قام بواجب الشرع، ولازم المروءة ، تبرأ من البخل . ٥ - البخل داء، وسبب البخل أمران : أحدهما: حب الشهوات التي لا يتوصل إلاَّ إليها بالمال. الثاني: حب المال الَّذي تنال به الشهوات، ثمَّ تنسى الشهوات والحاجات، ويكون نفس المال هو المحبوب. وعلاج الشهوات: القناعة باليسير، والصبر، والمعرفة يقينًا بأنَّ اللهَ تعالى هو الرَّزاق، ثمَّ ينظر في عواقب البخل في الدني؛، فإنَّه لاَ بُدَّ لجامع المال من آفات تلم به رغم أنفه . ٦ - هنا ثلاثة أصناف: إسراف، وتقتیر، واقتصاد : فالصنفان الأولان مذمومان، والصنف الثالث محمود : فالإسراف: هُو مجاوزة الحد في النفقات المباحة، أو النفقات ٣٩٩ كتاب الجامع - باب الترهيب من مساوىء الأخلاق المحرمة؛ فهذا كله إسراف ممقوت. الثاني: التقتير: وهذا هو البخل؛ وهو التقصير بالنَّفقات الواجبة، أو النفقات المستحبة التي تقتضيها المروءة . أمَّا الصنف الثالث المحمود: فهو الاقتصاد والتدبير؛ وذلك هو القيام بالنَّفقات الواجبات من حقوق الله، وحقوق خلقه؛ من النفقات، والديون الواجبات، كما هو القيام بالنفقات المستحبة المرغوبة ممَّا تقتضيه المروءة؛ قال تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ ٦٧ قَوَامًا ﴾ [الفرقان]؛ فهذه من صفات عباد الرحمن، والله الموفِّق. ٤٠٠ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ١٢٩٤ - وَعَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَ لَّهِ: ((إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمُ الشِّرْكُ الأَصْغَرُ: الرِّيَاءُ)) أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ (١). * درجة الحديث: الحدیث إسناده جید . قال زين الدِّين العراقي في تخريج أحاديث ((الإحياء)): أخرجه أحمد، والبيهقي في الشعب، من حديث محمود بن لبيد، ورجاله ثقات . ورواه الطبراني في رواية محمود بن لبيد، عن رافع بن خديج. قال الشوكاني في تفسيره: أخرج أحمد، والحكيم الترمذي، وابن جرير في تهذيبه، والحاكم، وصحَّحه، والبيهقي، عن أبي سعيد، قال: قال رسول اللهِ وَله: ((ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم عندي من المسيح الدّجال: الشرك الخفي، أنْ يقوم الرَّجل يصلي لمكان الرَّجل))، ونحوه من حديث شدَّاد بن أوس أخرجه أحمد، وابن أبي حاتم، والطبراني، والحاكم وصحَّحه. قال المنذري: إسناده جيد، وقال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح. وفي الباب أحاديث كثيرة في التحذير من الرِّياء، وأنَّه الشرك الأصغر، وقد استوفاها صاحب الدر المنثور، في آخر تفسير سورة الكهف. * مفردات الحديث: - الشرك الأصغر: الشرك نوعان: أكبر يخرج من الملَّة الإسلامية، وأصغر، وضابطه: أنَّه أحد الوسائل المفضية إلى الشرك الأكبر، والأصغر لا يخرج من (١) أحمد (٤٢٨/٥). - - --