النص المفهرس
صفحات 361-380
كتاب الجامع - باب الزهد والورع = ٣٦١ وإمّا أنْ يكون كأنَّه مسافر غير مقيم ألبثّة، بل هو ليله ونهاره، على إحدى هاتين الحالتين . وقال الحسن البصري: المؤمن كالغريب لا يجزع من ذلها، ولا ينافس في عزِّها، له شأنٌ، وللنَّاس شأن. ٤ - جاء في بعض الروايات أنَّ النَّبِيَّ وَّ قال لابن عمر: ((اعدد نفسك في الموتى، وإذا أصبحت نفسك ، فلا تحدَّثها بالمساء، وإذا أمسيت، فلا تُحَدِّثها بالصباح، وخذ من صحتك لسقمك، ومن شبابك لهرمك، ومن فراغك لشغلك، ومن غناك لفقرك، ومن حياتك لوفاتك)). ٥- قوله: وكان ابن عمر يقول: ((إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء)) هذا من كلام ابن عمر - رضي الله عنه - مدرجٌ في الحديث، ومعناه: أنَّ الشَّخص يجعل الموت بين عينيه، فيُسارع إلى الطاعات، ويغتنم الأوقات، بالأعمال الصالحات، ويقصر الأمل فلا يركن إلى غرور الدنيا؛ فإنَّه كالغريب أو عابر السبيل، لا يدري متى يصل إلى وطنه مساءً أو صباحًا، والمسافة هي أيام العمر القصار. قال ابن دقيق العيد: وأمَّا قول ابن عمر، فهو حضٌ منه للمؤمن بأنْ يستعد أبدًا للموت، والاستعداد للموت يكون بالعمل الصَّالح. وفيه حضٌّ على تقصير الأمل، بالأعمال، بل بادر بالعمل، وكذلك إذا أصبحت، فلا تحدِّث نفسك بالمساء؛ فتؤخِّر أعمال الصباح إلى الليل. وقال ابن رجب: وأمَّا وصية ابن عمر، فهي متضمنةٌ لنهاية قصر الأمل، وأن الإنسان إذا أمسى لا ينتظر الصباح، وإذا أصبح لا ينتظر المساء، بل يَظُنّ أنَّ أجله يُدْرِكُهُ قبل ذلك، وبهذا فسِّر الزهد في الدنيا . وقيل للإمام أحمد: أي شيء يُزَهِّدُ في الدنيا؟ فقال: قصر الأمل. وهكذا قال سفيان . ٣٦٢ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ٦ - وقول ابن عمر: ((وخذ من صحتك لسقمك، ومن حياتك لموتك))، قال ابن رجب: يعني اغتنم الأعمال الصالحة في الصحة قبل أنْ يحول بينك وبينها السقم، وفي الحياة قبل أنْ يحول بينك وبينها الموت. وقد جاء في الترمذي (٢٣٠٦) من حديث أبي هريرة؛ أنَّ النبي ◌َّ قال: (بادروا بالأعمال سبعًا: هل تنتظرون إلاّ فقرًا منسيًا، أو غنى مطغيًا، أو مرضًا مفسدًا، أو هرمًا مفندًا، أو موتًا مجهزًا، أو الدجال فشر غائبٍ يُنْتَظر، أو السّاعة فالسّاعة أدهى وأمرّ؟!)). أبياتٍ في الزهد والحكمة: قال بعضهم: فَإِنَّ المَوْتَ مِيقَاتُ الْعِبَادِ تَأَهَّبَ لِلَّذِي لاَ بُدَّ مِنْهُ لَهُمْ زادٌ وَأَنْتَ بِغَيْرِ زَادِ أَتَرْضَى أَنْ تَكُونَ رَفِيقَ قَوْمٍ وقال بعضهم : أَتَيْنِي بِنِاَءِ الْخَالِدِينَ وَإِنَّمَا لَقَدْ كَانَ فِي ظِلِّ الأَرَاكِ كِفَايَةٌ وقال بعضهم : نَسِيرُ إِلَى الآجَالِ فِي كُلِّ لَحْظَةٍ وَلَمْ أَرَ مِثْلَ المَوْتِ حَقًّا كَأَنَّهُ وَمَا أَقْبَحَ الثَّفْرِيطَ فِي زَمَنِ الصِّبَا تَرَخَّلْ مِنَ الدُّنْيَا بِزَادٍ مِنَ الثُّقَى وقال ابن القيم: فَحَيَّ عَلَى جَنَّاتِ عَدْنٍ فَإِنَّها وَلَكِنَّنَا سَبْيُ العَدُوِّ فَهَلْ تُرِى وَقَدْ زَعَمُوا أَنَّ الغَرِيبَ إذَا نَأَىُ وَأَيُّ اغْتِرَابٍ فَوْقَ غُرْبَتِنَا الْتِي مَقَامُكَ فِيهَا لَوْ عَقَلْتَ قَلِيلٌ لِمَنْ كَانَ فِيهَا يَعْتَرِيهِ رَحِيلُ وَأَيَّامُنَا تُطْوَى وَهُنَّ مَرَاحِلُ إِذَا مَا تَخَطَّتْهُ الأُمَانِيُّ بَاطِلُ فَكَيْفَ بِهِ وَالشَّيْبُ لِلرَّأسِ شَاعِلٌ فَعُمْرُكَ أَيَّامٌ وَهُنَّ قَّلاَئِلُ مَنَازِلُكَ الأُوْلَى وَفِيهَا المُخَيَّمُ نَعُودُ إِلَى أَوْطَانِنَا ونُسَلِّمُ وَشَطَّتْ بِهِ أَوْطَانُهُ فَهْوَ مُغْرَمُ لَهَا أَضْحَتِ الأَعْدَاءُ فِينَا تَحَكِّمُ .---- - -- --------- --------- -- ----- ------ ' ٣٦٣ كتاب الجامع - باب الزهد والورع ١٢٨٢ - وعَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وََّ: ((مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ)) أَخْرَجَهُ أَبُودَاوُدَ، وَصَخَحَهُ ابْنُ حِبَّانَ(١). * درجة الحديث: الحدیث سنده حسن . قال المؤلِّف: أخرجه أبوداود، وصحَّحهُ ابن حبان. والحديث فيه ضعف، ولكن له شواهد عند جماعة من أئمة الحديث، عن جماعةٍ من الصحابة، تُخْرِجه عن دائرة الضعف، ومن شواهده: ما أخرجه أبو يعلى مرفوعًا من حديث ابن مسعود: ((من رضيَ عمل قومٍ، كان منهم)). قال شيخ الإسلام ابن تيمية: سنده جيد، وقال الحافظ في الفتح: سنده حسن، وحسَّنَهُ السيوطي في الجامع الصغير. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - في الحديث أنَّ من تشبّه بقوم، فهو منهم؛ فمن تشبّه بالكفَّار من المسلمين في أمورهم المختصَّة بهم، فَتُشَبُّهُ الظَّاهر يدعوه إلى التشبه الباطن، فيرتضي زيهم، وسمتهم، فيكون معهم. ٢- في الحديث: أنَّ الوسائل لها أحكام المقاصد، ووجوب سد الذرائع المفضية إلى المحرمات والشرور؛ لئلا تفضي إلى مقاصدها. ٣- الحديث يدل على أنَّ من تشبّه بالفسَّاق كان منهم، أو بالكفَّار، أو المبتدعة، في أي شيء ممَّا اختصوا به من ملبوس أو هيئة، كان على طريقتهم ، وعلى (١) أبوداود (٤٠٣١). ٣٦٤ توضيح الأحكام من بلوغ المرام مسلکھم . ٤- صنَّف شيخ الإسلام كتابه ((اقتضاء الصراط المستقيم)) كله لتحقيق هذه المسألة؛ فكان ممَّا جاء فيه: ((فصلٌ في ذكر الأدلة من الكتاب والسنَّة والإجماع على الأمر بمخالفة الكفار، والنَّهي عن التشبه بهم، قال: وقد روى النسائي (٥٠٧٤) عن الزبير؛ أنَّ النَّبِيَّ وَّ قال: ((غيّروا هذا الشيب، ولا تشبهوا بالیهود)). وهذا اللفظ أدل على الأمر بمخالفتهم، والنَّهي عن مشابهتهم؛ فإنَّه إذا نهى عن التشبه بهم في بقاء بياض الشعر والشيب الَّذي ليس من فعلنا، فلَنْ ينهى عن إحداث التشبه بهم أولى؛ ولذا كان التشبه بهم محرَّمًا بخلاف الأوَّل. وروى مسلم (٢٦٠) عن أبي هريرة؛ أنَّ النَّبِي وَّ قال: ((جزوا الشوارب، وأرخوا اللحى؛ خالفوا المجوس)). ولهذا لمَّا فهم السلف كراهة التشبه بالمجوس في هذا وغيره، كرهوا أشياء غير منصوص عليها بعينها عن النَّبي ◌َّ هي من المجوس. فلفظ المخالفة دليلٌ على أنَّ جنس المخالفة أمرٌ مقصودٌ للشَّارع. ---------- .... ٣٦٥ كتاب الجامع - باب الزهد والورع ١٢٨٣ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - قَالَ: كُنْتُ خَلْفَ النَّبِّوَ يَوْمًا، فَقَالَ: ((يَاغُلَامُ! احْفَظِ اللهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ، وَإِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللهِ) رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ(١). * درجة الحديث: الحدیث حسن . قال ابن رجب في شرح الأربعين: أخرجه الترمذي، من حديث ابن عباس، وأخرجه أحمد، من حديث حنش الصنعاني، عن ابن عباسٍ، وقد رويَ هذا الحديث عن ابن عباس من طرقٍ كثيرةٍ، من رواية ابنه علي، وعكرمة، وعطاء ابن أبي رباح، وعمرو بن دينار، وغيرهم، وأصح هذه الطرق طريق حنش الصنعاني التي أخرجها الترمذي؛ فهي حسنةٌ جيدةٌ. * مفردات الحديث: - اِحْفَظِ اللهَ: بصيغة الأمر، أي: اذكُرِ الله، واحفظ أوامره بالامتثال، ونواهيه بالاجتناب، وحدوده بعدم التجاوز والتعدي. - تجاهك: بتثليث التاء، أي: أمامك، فيحفظك من شرور الدَّارين. * ما يؤخذ من الحديث: في هذا الحديث العظيم جمل جامعات: الأولى: ((احفظ الله؛ يحفظك)): (١) الترمذي (٢٥١٦). ٣٦٦ توضيح الأحكام من بلوغ المرام قال النووي: احفظ أوامره وامتثلها، وانته عن نواهيه، يحفظك في تقلباتك، وفي دنياك، وآخرتك. فكل ما يحصل للعبد من البلاء والمصائب، فهو بسبب تضييع أوامر الله تعالى؛ قال تعالى: ﴿ وَمَآ أَصَبَكُمْ مِّن قُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيَكُمْ ﴾ [الشورى: ٣٠] . وقال ابن رجب: قوله: ((احفظ الله)) يعني: احفظ حدوده، وحقوقه، وأوامره، ونواهيه، وحفظ ذلك هو الوقوف عند أوامره بالامتثال، وعند نواهيه بالاجتناب، وعند حدوده بأن لا يتجاوز ما أمر به وأذن فیه، إلى ما نهى عنه؛ فمن فعل ذلك ، فهو من الحافظين لحدود الله . وقوله: ((يحفظك)) يعني: أنَّ من حفظ حدود الله، وراعى حقوقه، حفظه الله فإنَّ الجزاء من جنس العمل؛ كما قال تعالى: ﴿وَأَوْفُواْ بِعَهْدِىّ أُوْفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ [البقرة: ٤٠]، ﴿فَاذَكُرُونِيِّ أَذْ كُرْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٢] .. وحفظ الله لعبده نوعان : أحدهما: حفظه له في مصالح دنياه؛ كحفظه في بدنه، وولده، وأهله، وماله؛ قال تعالى: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ، يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اَللَّهِ﴾ [الرعد: ١١]. قال ابن عباس: هم الملائكة يحفظونه بأمر الله، فإذا جاء القدر، تخلوا عنه . ------ ------- ---- الثاني، وهو أشرف النوعين: حفظ العبد في دينه وإيمانه، فيحفظه في حياته من الشبهات المضللة، ومن الشهوات المحرَّم؛ ة فيتوفّاه على الإيمان، وفي الجملة: فإنَّ الله عزَّوجل يحفظ على المؤمن حدود دينه، ويحول بينه وبين ما يفسد عليه دينه، بأنواع من الحفظ، وقد لا يشعر العبد ببعضها . الثانية: ((احفظ الله؛ تجده تجاهك)): معناه: أنَّ من حفظ حدود الله، وجد الله معه في كلِّ أحواله؛ حيث -- wmmm ammmmm mmemom e m m m mm mmmm m mm ٣٦٧ كتاب الجامع - باب الزهد والورع توجه: يحوطه، ويحفظه، ويوفِّقه، ويسدِّده، ومن يكن الله معه، فمعه الفئة التي لا تُغلب، والحارس الَّذي لا ينام، والهادي الَّذي لا يضل. (®﴾ [طه]، قال تعالى لموسى وهارون: ﴿لَا تَخَافَآَ إِنَّنِى مَعَكُمَآ أَسْمَعُ وَأَرَى وقال وَالّ: ((وما ظنك باثنين الله ثالثهما)) [البخاري (٢٦٦٣) ومسلم (٢٣٨١)]، وقال وَخلّ: ((لا تحزن إنَّ الله معنا)) [رواه البخاري (٣٦١٥) ومسلم (٢٠٠٩)]. فهذه المعيَّة الخاصَّة تقتضي النصر، والتأييد، والحفظ، والإعانة. أمَّا المعيَّة العامَّة المذكورة في قوله تعالى: ﴿ مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَ مِن ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُواْ﴾ [المجادلة: ٧]: فإنَّ هذه معيّة تقتضي علمه، واطلاعه، ومراقبته لأعمالهم؛ فهي تقتضي تخويف عباده منه . وأمَّا المعيَّة الأولى: فتقتضي حفظه، وحياطته، ونصره؛ فمن حفظ الله، وراعى حقوقه، وَجَدَهُ أمامه وتجاهه، فاستأنس واستغنى به عن خلقه . الثالثة: قوله: ((إذا سألت؛ فاسأل الله)) : قال النووي: فيه إشارة إلى أنَّ العبدَ لا ينبغي له أنْ يعلُّق سرّه بغير الله، بل یتوگَّل عليه في جميع أموره: ثمَّ إنْ كانت الحاجة التي يسألها لم تجر العادة بجريانها على أيدي خلقه؛ كمطلب الهداية، والعلم، والفهم في القرآن والسنَّة، وشفاء المرض، وحصول العافية من بلاء الدنيا، وعذاب الآخرة -: سأل ربه ذلك. وإنْ كانت الحاجة التي يسألها جرت العادة أنَّ الله سبحانه وتعالى يجريها على أيدي خلقه، كالحاجات المتعلّقة بأصحاب الحرف والصنائع وولاة الأمور -: سأل الله تعالى أنْ يعطِّف عليه قلوبهم. وقال ابن رجب: قوله: ((إِذَا سألت؛ فاسأل الله، وإذا استعنت؛ فاستعن بالله)): هذا منتزعٌ من قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِيرٌ ٣٦٨ توضيح الأحكام من بلوغ المرام [الفاتحة]. فالدعاء هو العبادة، فتضمَّن هذا الكلام أن يسأل الله تعالى، ولا يسأل غيره، وأن یستعین بالله دون غيره. واعلم أنَّ سؤال الله عزَّوجل دون خلقه هو المتعيِّن؛ لأَنَّ السؤال فيه إظهار الذل من السَّائل، والمسكنة، والحاجة، والافتقار، وفيه الاعتراف بقدرة المسؤول على رفع هذا الضرر، ونيل المطلوب، وجلب المنافع، ودرء المضار، ولا يصلح الذل والافتقار إلاّ لله وحده؛ لأَنَّه حقيقة العبادة. ------- ---------- ------ - - ---- - ٣٦٩ كتاب الجامع - باب الزهد والورع ١٢٨٤ - وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: ((جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيَّ نَّهِ فَقَالَ: يَارَسُولَ اللهِ: دُلَّنِي عَلَى عَمَلٍ إِذَا عَمِلْتُهُ، أَحَبََّّي اللهُ، وَأَحَبَّنِي النَّاسُ، فَقَالَ: ازْهَدْ فِي الدُّنْيَا يُحِبَكَ اللهُ، وَازْهَدْ فِيمَا عِنْدَ النَّاسِ يُحِبَّكَ النَّاسُ)) روَاهُ ابْنُ مَاجَةَ وَغَيْرُهُ، وَسَنَدُهُ حَسَنٌ(١). * درجة الحديث: الحدیث حسنٌ بشواهده. قال ابن رجب في شرح الأربعين: هذا الحديث أخرجه ابن ماجه، وذکر النووي: أنَّ إسناده حسن، وفي ذلك نظر؛ فإنَّ فيه خالد بن عمرو القرشي، قال الإمام أحمد: منكر الحديث، ليس بثقة، يروي أحاديث باطلة، وقال ابن معين: ليس حديثه بشيءٍ؛ فهو كذَّاب، حدَّث عن شعبة أحاديث موضوعة، وقال البخاري وأبوزرعة: منكر الحديث، وقال أبوحاتم: متروك الحديث، ضعيف، ونسبه ابن عدي إلى وضع الحديث. قال الحافظ: سنده حسن، أخرجه أبونعيم من حديث مجاهد عن أنس برجال ثقات، إلاَّ أنَّه لم يثبت سماع مجاهد من أنس، وقد روي مرسلاً، وقد حسَّن النووي الحديث، وكأنَّه لشواهده. * مفردات الحديث: - ازهد في الدنيا: يُقال: زهد في الشيء - بالكسر - يزهد زهدًا وزهادة: إذا لم يرغب فيه، فالزهد خلاف الرغبة، ومنه سمي ((الزاهد))؛ لأَنَّه لم يرغب في (١) ابن ماجة (٤١٠٢). : ٣٧٠ توضيح الأحكام من بلوغ المرام الدنيا، وقد عرَّف الزهدَ في الدنيا شيخُ الإسلام ابن تيمية بقوله: الزهد ترك ما لا ينفع في الآخرة. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - قال في الإحياء: الزهد في الدنيا مقامٌ شريف من مقامات السَّالكين، وينتظم هذا المقام: من علم، وحال، وعمل؛ كسائر المقامات، والزهد عبارةٌ عن انصراف الرغبة عن الشيء إلى ما هو خيرٌ منه، وقد جرت العادة بتخصيص اسم الزَّاهد بمن ترك الدنيا، ومن زهد في الدنيا، مع رغبته في الجنَّة ونعيمها؛ فهو - أيضًا - زاهد؛ ولكنَّه دون الأوَّل. ٢ - وليس من الزهد ترك المال وبذله على سبيل السخاء واستمالة القلوب، وإنَّما الزهد أنْ يترك الدنيا؛ للعلم بحقارتها بالنسبة إلى نفاسة الآخرة. ٣- قوله: «ازهد في الدنیا یحبك الله)): قال الشيخ: الزهد: ترك ما لا ينفع في الآخرة. وقال ابن رجب: الزهد في الدنيا ثلاثة أشياء، كلها من أعمال القلب، لا من أعمال الجوارح: أحدها: أنْ يكون العبد بما في يد الله أوثق منه بما في يد نفسه، وهذا ينشأ عن صحَّة اليقين وقوته؛ فإنَّ الله تعالى ضمن أرزاق عباده، وتكفَّل بها؛ قال تعالى: ﴿﴿ وَمَا مِن دَآبَةٍ فِيِ الْأَرْضِ إِلَّ عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦]. الثاني: أنْ يكون العبد إذا أصيب بمصيبةٍ في دنياه من ذهاب ولد، وغير ذلك، كان أرغب في ثواب الله ممَّا ذهب من الدنيا أنْ يبقى له، وهذا ينشأ من كمال اليقين. الثالث: أنْ يستوي عند العبد حامده وذامه في الحق، وهذه من علامات الزهد في الدنيا واحتقارها، وقلة الرغبة فيها، فإنْ عظمت الدنيا عنده، اختار المدح، وكره الذم، فمن استوى عنده حامده وذامه في الحق، دلَّ ٣٧١ كتاب الجامع - باب الزهد والورع على سقوط منزلة المخلوقين في قلبه، وامتلائه من محبة الحق وما فيه رضا مولاه . ٤- الزهد في الرياسة أشد من الزهد في الذهب والفضة، فمن أخرج من قلبه حب الرياسة في الدنيا، والترفع فيها عن النَّاس، فهو الزَّاهد حَقًّا، وهذا هو الَّذي يستوي عنده حامده وذامه في الحق . ٥- الوصية الثانية: ((وازهد فيما في أيدي النَّاس؛ يحبك النَّاس)): قال ابن رجب: تكاثرت الأحاديث عن النَّبِيِّ وَّ بالأمر بالاستعفاف عن مسألة النَّاس، والاستغناء عنهم؛ فمن سأل النَّاسَ ما بأيديهم، كرهوه وأبغضوه؛ لأَنَّ المال محبوب لنفوس بني آدم، فمن طلب منهم ما يحبون، مُرِه لذلك. وأمَّا من زهد فيما في أيدي النَّاس، وعفّ عنهم، فإنَّهم يحبونه ويكرمونه لذلك. ٦ - قال أعرابي: مَنْ سيِّد أهل البصرة؟ قالوا: الحسن البصري، قال: بِمَ سادهم؟ قالوا: احتاج النَّاس إلى علمه، واستغنى عن دنياهم. ٣٧٢) توضيح الأحكام من بلوغ المرام ١٢٨٥ - وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَّهِ يَقُولُ: ((إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْعَبْدَ التَّقِيَّ، الْغَنِيَّ، الْخَفِيَّ) أَخْرَجَهُ مُسْلِمُ(١). ** مفردات الحديث: - التقي: يُقال: اتقى اللهَ اتقاءً: حَذِره وخافه، وأصل اتقى : اوْتَقَى، قلبت الواو تاءً وأدغمت، والاسم: التقوى؛ فهو تقي، وهو: الممتثل لأوامر اللهِ، والمجتنب لنواهيه . - الغَنِي: يُقال: غَنِيَ فلان غِنّى وغناء: كثر ماله؛ فهو غني، ومنه غنى النفس، وهو المراد هنا. - الخَّفِي: خفي الأمر يخفى خفاء: لم يظهر؛ فهو خافٍ وخفي، والخفي - هنا - هو: المنقطع إلى عبادة الله تعالى بالسر؛ فهو بعيد عن مظان الرِّياء والسمعة. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - التقي: هو من أتى بما أوجب الله، واجتنب ما نهى الله عنه؛ ابتغاء رضوانه، وخوفًا من عقابه وعذابه. ٢- الغني: هو غني النَّفس، والعافّ عمَّا في أيدي النَّاس؛ اعتمادًا على ما قسم الله له من الرزق الّذي یناله من عمل يده. ٣- الخفي: هو الذي آثر الخمول، وعدم الشهرة والذكر، وانقطع إلى عبادة الله، والاشتغال بذكره، وما يعنيه من أمور نفسه. ٤ - من جَمَعَ هَذه الصفات الثَّلاث، فإنَّ الله تعالى يحبه؛ لأَنَّه اتَّقى الله، والله (١) مسلم (٢٩٦٥). ١ كتاب الجامع - باب الزهد والورع ٣٧٣) يحب المتقين، ولأنّه استغنى بالله تعالى، ومن استغنى بالله أحبَّه وأغناه. * فائدة: ذكروا للعزلة فوائد منها : ١ - التفرغ للعبادة، والاستئناس بمناجاة الله سبحانه. ٢ - التخلص من المعاصي التي يتعرَّض لها الإنسان بالمخالطة؛ من الفتن، والرياء، ونحوهما. ٣- الخلاص من الفتن والخصومات. ٤ - الخلاص من شرِّ النَّاس. ٣٧٤ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ١٢٨٦ - وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُوْلُ اللهِ وَّةِ: ((مِنْ حُسْنِ إِسْلاَمِ المَرْءِ تَرْكُهُ مَالاَ يَعْنِهِ)) رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وقَالَ: حَسَنٌ(١). * درجة الحديث: الحدیث مرسل . وحسّنه مرفوعًا الإمام النووي، رحمه الله . قال ابن رجب في شرح الأربعين: أخرجه الترمذي، وابن ماجه، من رواية الأوزاعي، عن قرَّة بن عبدالرحمن، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة . قال الترمذي: غريب، وقد حسَّنه النووي؛ لأَنَّ رجال إسناده ثقات، وقرَّة بن عبدالرحمن بن حيوة، وثَّقه قومٌ، وضعَّفه آخرون. قال ابن عبدالبر: هذا الحديث محفوظ عن الزهري بهذا الإسناد من رواية الثقات، وهذا موافق لتحسين الشيخ النووي - رحمه الله تعالى. وأمَّا أكثر الأئمة فقالوا: ليس هو محفوظًا بهذا الإسناد؛ إنَّما هو محفوظٌ عن الزهري، عن علي بن حسين، عن النَّبي ◌َّ مرسلاً، رواه عن الزهري مالك في الموطأ، ويونس، ومعمر، وممَّن قال: لا يصح إلاَّ مرسلاً؛ الإمام أحمد، ويحيى بن معين، والبخاري، والدَّار قطني، والصحيح أنَّه مرسل. وقال الزرقاني في شرح الموطَّأ: والحديث حسنٌّ، بل صحيح. (١) الترمذي (٢٣١٨). ٣٧٥ كتاب الجامع - باب الزهد والورع * مفردات الحديث: - من حسن: ((من)) تبعيضية، ويجوز أنْ تكون بيانية. - ما لا يعنيه: يُقال: عُنِيتُ بالحاجة، فأنا بها مَعْنِيّ، أي: اهتممت بها، واشتغلت بقضائها . * ما يؤخذ من الحديث: ١ - قال ابن رجب - رحمه الله تعالى -: الَّذي يعني الإنسان هو الَّذي تتعلَّق به عنايته، ويكون مقصده ومطلوبه، والعناية شدَّة الاهتمام بالشيءٍ . وليس المراد: أنَّه ترك مالا عناية به، ولا إرادة، بحكم الهوس، وطلب النفس، بل بحكم الشرع والإسلام؛ ولذا جعله من حسن الإسلام؛ فإنَّ من حسن إسلام المرء ترك ما لا يعنيه من الأقوال والأفعال، وسَلِمَ من المحرَّمات، والمشتبهات، والمكروهات، وفضول المباحات التي لا يحتاج إليها؛ فإنَّ هذا كله لا يعني المسلم إذا كمل إسلامه، وبلغ درجة الإحسان، وهو أن يعبد الله كأنَّه يراه، فإنْ لم يكن يراه، فإنَّ الله يراه، فمن عَبَدَالله على استحضار قربه، ومشاهدته بقلبه، أو على استحضار قرب الله منه واطلاعه، فقد حسن إسلامه، ولزم من ذلك أن يترك كل ما لا يعنيه في الإسلام، ويشتغل بما يعنيه فيه؛ فإنَّه يتولَّد من هذين المقامين الاستحياء من الله، وترك کل ما يُستحيا منه . ٢ - وقال الشيخ أحمد الفشني: الَّذي يعني الإنسان من الأمور ما يتعلَّق بضرورة حياته في معاشه، وسلامته في معاده، وذلك يسير بالنسبة إلى ما لا يعنيه، فإنِ اقتصر الإنسان على ما يعنيه من الأمور، سلم من شرٍّ عظيم، والسَّلامة من الشرِّ خیر. ٣- قال ابن عبدالبر: كلامه وَّل هذا من الكلام الجامع للمعاني الكثيرة الجليلة في الألفاظ القليلة . ٣٧٦ توضيح الأحكام من بلوغ المرام وقال ابن الصلاح: قال أبوزيد إمام المالكية في زمنه: جماع آداب الخير في أربعة أحاديث: ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليقل خيرًا أو ليصمت)) [رواه البخاري (٦١٣٨) ومسلم (٤٧)] وَ ((من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه)) [رواه الترمذي (٢٣١٧)] وَ ((لا تغضب)) [البخاري (٦١١٦)] وَ((لا يؤمن أحدكم حتَّى يحب لأخيه ما يحب لنفسه)) [البخاري (١٣) ومسلم (٢٤٥)]. فهذا الحديث من الأحاديث التي عليها مدار الإسلام. ٤- قال الإمام الغزالي: وحدٌّ ما لا يعنيك في الكلام: أنْ تتكلّم بكلِّ ما لو سكتّ عنه لم تأثم، ولم تتضرَّر في حالٍ ولا مالٍ، فإنَّك به مضيع زمانك؛ لأنَّك به أنفقت وقتك الَّذي خيرٌ لك لو صرفته في الفكر والذِّكر، فمن قدر على أنْ يأخذ کنزًا من الكنوز، فأخذ بدله مدراة لا ينتفع بها، کان خاسرًا. ٣٧٧ كتاب الجامع - باب الزهد والورع ١٢٨٧ - وَعَنِ المِقْدَامِ بْنِ مَعْدِ يَكَرِبَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((مَا مَلأَّ ابْنُ آدَمَ وِعَاءَ شَرًّا مِنْ بَطْنِهِ)) أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ(١). * درجة الحديث: الحدیث حسن . قال ابن كثير في تفسيره، بعد أنْ أورد نصَّ هذا الحديث: رواه النسائي، والترمذي، من طرق، عن يحيى بن جابر به، وقال الترمذي: حسن، وفي نسخة : حسنٌ صحيح . ورواه الحافظ أبويعلى الموصلي في مسنده، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ◌َّله ... فذكر الحديث، ورواه الدَّارقطني في الأفراد، وقال: هذا حديثٌ غريب تفرَّد به بقية . قال محرره: ولهذا الحديث شاهدٌ من حديث ابن شعيب. قال الشوكاني في تفسيره: أخرجه عبد بن حميد، والنسائي، وابن ماجة، والبيهقي في شُعَب الإيمان، من طريق عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدِّه، عن النَّبِي وََّ، قال: ((كلوا، واشربوا، والبسوا، من غير مخيلة، ولا سرف)) . وقد صحَّح هذا الحديث كل من الترمذي، وابن حبان، والذهبي، وحسَّنه الحافظ في الفتح، والسيوطي في الجامع الصغير. (١) الترمذي (٢٣٨٠). ٣٧٨ توضيح الأحكام من بلوغ المرام * مفردات الحديث: - ما: حرف نفي، وقد دخلت على جملةٍ فعلية . - وعاء: بكسر الواو، مفعولٌ به منصوب. والوعاء: ظرف يوضع فيه الشيء، جمعه أوعية. - شرًّا: منصوبٌ على أنَّه صفةٌ لوعاء. - بطْنه: بَطَنَ الشيءُ يَبْطُنُ بُطُونًا: خَفِيَ، والبطن: جوف كل شيءٍ. فالبطن - هنا - خلاف الظهر، وهو مذكَّر، والجمع: بطون وأبطن، سمِّيَ بذلك؛ لخفاء ما فيه. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - قال ابن رجب: رويّ أنَّ ابن أبي ماسويه الطبيب لما قرأ هذا الحديث قال: ((لو استعمل النَّاس هذه الكلمات، لسلموا من الأمراض والأسقام، ولتعطلت دكاكين الصيادلة)). وإنَّما قال هذا؛ لأَنَّ أصل كل داء التخم، قال الحارث بن كلدة: الحمية رأس الدواء، والبطنة رأس الدَّاء. فهذا بعض منافع تقليل الغذاء، وترك التملؤ من الطعام بالنسبة إلى صلاح البدن وصحته . ٢ - وأمَّا منافعه بالنسبة للقلب، وصلاحه، فإنَّ قلَّة الغذاء توجب رقَّة القلب، وقوَّ الفهم، وانكسار النفس، وضعف الهوى، والغضب، وكثرة الغذاء توجب ضد ذلك. ٣- ومن حيث الأخلاق: فإنَّ معصية الله تعالى بعيدةٌ من الجائع، قريبةٌ من الشبعان، والشبع يخبث القلب، ومنه يكون الفرح، والمرح، والضحك. فالنَّفس إذا جاعت وعطشت، صفا القلب ورَقَّ، وإذا شبعت ورويت، عميَ القلب. كتاب الجامع - باب الزهد والورع = ٣٧٩ قال الحسن الخشني: من أراد أن تغزر دموعه، ويرق قلبه، فليأكل ولیشرب في نصف بطنه . وقد ندب النَّبِي وَجّه إلى التقلل من الأكل، فقال: ((حسب ابن آدم لقيمات يُقِمْنَ صُلْبَهَ)) [رواه الترمذي (٢٣٨٠)]. ٤- الحديث يدل على ذمِّ التوسع في المأكولات، والأخبار في ذلك كثيرةٌ؛ لما فيه من المفاسد الدينية والبدنية؛ فإنَّ فضول الطعام مجلبةٌ للأسقام، ومثبِّطةٌ عن القيام بالأحكام. قال لقمان لابنه: يابنيَّ! إذا امتلأت المعدة، نامت الفكرة، وخرست الحكمة، وقعدت الأعضاء عن العبادة . وفي الخلو عن الطعام فوائد، وفي الامتلاء مفاسد: ففي الجوع: صفاء القلب، وإيقاد القريحة، ونفاذ البصيرة، وإنَّ الشبع: يورث البلادة، ويعمي القلب، ويكثر أبخرة المعدة والدماغ، فيثقل القلب. ومن فوائد التخفيف من الطعام: كسر شهوة المعاصي كلها، والاستيلاء على النَّفْس الأمّارة بالسوء؛ فإنَّ منشأ المعاصي كلها الشهوات، والسعادة كلها في أنْ يملك الإنسان نفسه، والشقاوة كلها في أن نفسه تملكه، والله المستعان . ٣٨٠) توضيح الأحكام من بلوغ المرام ١٣٨٨ - وَعَنْ أَنَسِ - رضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّه : ((كلُّ بَنِي آدَمَ خَطَّاءٌ، وَخَيْرُ الخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ)) أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَسَنَدُهُ قَوِيٌّ(١) · درجة الحديث: الحديث سنده قوي . قال الشيخ العراقي في تخريج أحاديث الإحياء: أخرجه الترمذي، واستغربه، والحاكم صحَّح إسناده من حديث أنس، قلت: فيه علي بن مسعدة، ضعفه البخاري . لكن قوَّى سنده ابن حجر، وكذلك ابن القطان انتصر لتصحيح الحاكم له، وقال: ابن مسعدة صالح الحديث، وإنَّما غرابته فيما انفرد به عن قتادة. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - الحديث دليلٌ على أنَّه لا يخلو من الخطيئة إنسان؛ لما جبل عليه من الضعف، وعدم الانقياد لمولاه في فعل ما دعاه إليه، وترك ما عنه نهاه، ولكنَّه تعالى بلطفه فتح باب التوبة لعباده، وأخبر أنَّ خيرَ الخطّائين هم التَّوابون المكثرون للتوبة، والمسارعون إليها كلما وقعوا في الخطيئة. ٢- الذنوب قسمان : كبائر وصغائر: فأمَّا الصغائر: فإنَّ الأَعْمَال الصَّالحة تكفرها بإذن الله تعالى؛ من الصلوات الخمس، ومتابعة الحج والعمرة، وصيام رمضان وقيامه، وصوم يوم عرفة، ويوم عاشوراء، وغير ذلك، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَتِ (١) الترمذي (٢٤٩٩)، ابن ماجة (٤٢٥١). ------