النص المفهرس
صفحات 321-340
٣٢١) كتاب الجامع - باب البر والصلة - فليَصِلْ: جواب ((مَن)) الشرطية؛ فلذا دخلته الفاء، وصلة الرحم تكون بصلة ذوي القربى، وقد يكون بالمال، وبالخدمة، وبالزيارة، ونحوها. - رَحِمَهُ: الرحم في الأصل منبت الولد، ووعاؤه في البطن، ثمَّ سميت القرابة من جهة الولادة رحمًا . واختلف العلماء في الرحم، فقيل: كل ذي رحمٍ مَحْرَم، وقيل: كل وارثٍ، وقيل: هو القريب، سواء كان مُحْرَمًا أو غيره. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَآ أَمَرَ اللَّهُ بِهِ، أَن يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوْءَ [الرعد: ٢١]. ٢١ آلِحِسَاب قال القرطبي: ظاهر في صلة الأرحام، وهو قول قتادة، وأكثر المفسرين، وهو مع ذلك يتناول جميع الطاعات. ٢ - وجاء في البخاري (٥٩٨٩) ومسلم (٢٥٥٥) من حديث عائشة - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - عَن النَّبِيِّ بَّرِ قال: ((الرحم معلِّقةٌ بالعرش تقول: مَنْ وَصلني، وصله الله)) . ٣- صلة الرحم سببٌ قويٌّ جعله الله في سعة رزق الواصل، وبركة في آثاره، وطول عمره؛ لاكتساب الأعمال الصَّالحة، والتزود من دار المَمَرِّ إلى دار المَقَرِّ . قال ابن علان في شرح رياض الصالحين: قال ابن التين: ظاهر الحديث يعارض قوله تعالى: ﴿فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ ٣٤ [الأعراف: ٣٤]، والجمع بينهما على أحد الوجهين: الأوَّل: أن تحمل الزيادة على أنَّها كنايةٌ عن البركة في العمر بسبب التوفيق إلى طاعة الله، وعمارة وقته بما ينفعه، ويقرِّبه من مولاه تعالى؛ ويقوي هذا: ما جاء من أنَّ بَّه اشتكى تقاصر أعمار أمته بالنسبة لأعمار من ٣٢٢ توضيح الأحكام من بلوغ المرام مضى من الأُمم؛ فَأَعطيَ ليلة القدر. و الثاني: أنْ تحمل الزيادة على حقيقتها، وذلك بالنسبة للأجل المعلَّق المكتوب في اللوح المدفوع للمَلَك، مثلاً: كتب أنَّه إنْ أطاع فلان، فعمره كذا، وإلاَّ فعمره كذا، والله سبحانه وتعالى عالمٌ بالواقع منهما، والأجل المحتوم في الآية على ما في علم الله سبحانه وتعالى الَّذي لا تغير فيه، وإلی ذلك الإشارة بقوله تعالى: ﴿يَمْحُواْ اللَّهُ مَا يَشَآءُ وَيُقْبِثٌ وَعِندَهُ: أُمُ ﴾ [الرعد]. ٣٩ الْكِنَبِ فالحديث فيه ما أشارت إليه أوَّل الآية من الأجل المعلَّق، وقوله تعالى: [الرعد: ٣٩] أشار به إلى العلم الإللهي الَّذي لا وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَبِ تغير فيه ألبثّة، ويعبر عنه بالقضاء المحتوم، وعن الأوَّل بالقضاء المعلَّق. والوجه الأوّل أليق بلفظ حديث الباب؛ فإنَّ الأثر ما يتبع الشيء، فإذا أخّر، حسن أنْ يحمل على الذِّكر الحسن بعد فَقْد المذكور. وقال الطيبي: الأوَّل أظهر؛ وإليه يشير كلام صاحب الفائق. ٤- وأرى أحسن من هذين القولين بأنَّ الله تعالى قدَّر الأسباب والمسببات، وأنَّ الله تعالى إذا قدَّر إطالة عمر الإنسان هيأ له من الأسباب الحسيَّة والمعنوية ما تكون سببًا لطول عمره، والنَّْءِ في أجله. ٥- وهذا ما ذهب إليه بعض المحقّقين، ومنهم الشيخ عبدالرحمن السعدي؛ حيث قال عند شرح هذا الحديث: فيه حثٌّ على صلة الرحم، وبيان أنَّها كما هي موجبةٌ لرضا الله تعالى، فإنَّها موجبةٌ أيضًا للثواب العاجل بحصول أحب الأمور إلى العبد، وأنَّها سببٌ لبسط رزقه وتوسيعه، وسببٌ لطول العمر، وذلك على حقيقته؛ فإنَّه تعالى هو الخالق للأسباب والمسببات، وقد جعل الله لكلِّ مطلوبٍ سببًا، وطريقًا يُنال به، وهذا جارٍ على الأصل الكبير، وأنَّه من حكمته وحمده: جعل الجزاء من جنس العمل، فكما وَصَل ٠٠ . . -------- ٣٢٣ كتاب الجامع - باب البر والصلة رَحِمَه بالبرِّ والإحسان المتنوع، وأدخل على قلوبهم السرور، وَصَلَ الله عمره، ووصل رزقه، وفتح له من أبواب الرِّزق وبركاته ما لا يحصل له بدون ذلك السبب الجلیل . وكما أنَّ طيب الهواء، وجلب الغذاء، واستعمال الأشياء المقوية للأبدان والقلوب من أسباب طول العمر، فكذلك صلة الرحم جعله الله سببًا ربَّانيًّا؛ فإنَّ الأسباب التي تحصل بها المحبوبات الدنيوية قسمان: أمور محسوسة، وأمور ربَّانية، قدرها من هو على كلِّ شيءٍ قدير، والّذي جميع الأسباب منقادة لمشيئته . ٦ - وفي الحديث دليل على أنَّ قصد العامل يترتَّب على عمله من ثواب الدنيا، ولا يضره إذا كان القصد وجه الله تعالى والدَّار الآخرة؛ فإنَّ الله بحكمته رتَّب الثوابَ العاجل والآجل، ووعد بذلك العاملين؛ فالمؤمن الصَّادق يكون في فعله وتركه مخلصًا لله، مستعينًا بما في الأعمال من المرغبات المتنوعة على هذا المقصد الأعلى، والله الموفِّق . ٣٢٤ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ١٢٦٦ - وَعَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((لاَ يَدْخُلُ الجَنَّةَ قَاطِعٌ)) يَعْنِي: فَاطِعَ رَحِمٍ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١) . * ما يؤخذ من الحديث: ١ - قال تعالى: ﴿ وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِ الْأَرْضِّ أُوْلَئِكَ ﴾ [البقرة]. ٢٧ هُمُ الْخَسِرُونَ وقال تعالى: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُواْ فِى الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُواْ ﴾ [محمد]. ٢٣ أَرْحَامَكُمْ ﴿ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَىَ أَبْضَرَهُمْ وجاء في البخاري (٥٩٨٧) ومسلم (٢٥٥٤) من حديث أبي هريرة؛ أنَّ النَّبِيَّ وَّه قال: ((قامت الرحم، فقالت: هذا مقام العائذ بك من القطيعة، قال: نعم، أما ترضين أنْ أصلَ من وصلك، وأقطع من قطعك؟! قالت: بلی، قال: فذلك لكِ)). ٢ - واختُلِفَ في الرحم التي يجب وصلها، ويحرم قطعها إلى ثلاثة أقوال: أحدها: أنَّها الرحم التي يحرم النكاح بينهما؛ بحيث لو كان أحدهما ذكرًا، والآخر أنثى، لم يصح النكاح بينهما، فعلى هذا لا يدخل أولاد الأعمام والعمَّات، ولا أولاد الأخوال والخالات. واحتج أصحاب هذا القول: بتحريم الجمع بين المرأة وعمتها، وبين المرأة وخالتها في النكاح؛ فإنَّه لم يحرم إلاَّ خشية القطيعة، وما دام أنَّه لم يحرم، فليس هناك رحم يخشى من قطيعتها . (١) البخاري (٥٩٨٤)، مسلم (٢٥٥٦). ٣٢٥ كتاب الجامع - باب البر والصلة الثاني: أنَّه من كان بينهما توارث؛ واحتج هؤلاء بقوله وَلّى: ((ثمَّ أدناك أدناك))؛ فالحث هنا على الأدنى فالأدنى، والقرابة الموالية هي الوارثة. الثالث: أنَّها عموم القرابة بقطع النظر عن حرمة النكاح أو الإرث. وهذا قولٌ وجيه؛ ولكنَّها تختلف الصلة والبر بحسب القرب والبعد بينهم، وباختلاف القدرة والحاجة. ٣- الصلة الحقيقيّة والبر ليست لمن بينك وبينه من أقاربك تبادل بالصلة والبر والعطاء والزيارة، ونحو ذلك، فهذا يسمَّى مكافئًا. فقد جاء في البخاري (٥٩٩١) أنَّ النَّبِيَّ وَّ قال: ((ليس الواصل بالمكافىء، ولكن الواصل الّذي إذا قطعت رحمه وصلها)). فهذا يدل على أنَّ الوصل الممدوح حقًّا هي الصلة في القريب الَّذي قطعك، فهذه هي الصلة الكاملة، والأولى حميدة أيضًا. ٤- فالدرجات مع الأقارب ثلاث : - واصل . - مكافىء . - قاطع . ٥- جاء في صحيح مسلم (٢٥٥٨) من حديث أبي هريرة: ((أنَّ رجلاً قال: يارسول الله! إنَّ لي قرابةً أصلهم، ويقطعونني، وأُحسن إليهم، ويسيئون إليَّ، وأحلم عنهم، ويجهلون عليَّ؟ فقال النَّبِيِ نَّ: إنْ كُنت كما قلت، فكأنَّمَا نُسِفهم المَلَّ، ولا يزال معك من الله ظهيرٌ عليهم ما دمت على ذلك)). ٦- قال الإمام النووي في معنى الحديث: ((إنَّك بإحسانك إليهم تحزنُهم، وتحقرهم في أنفسهم؛ لكثرة إحسانك، وقبيح فعلهم، فهم من الخزي والحقارة عند أنفسهم كمن يسف الملَّ، والمل: هو الرَّماد الّذي يحمى لیدفن فيه الخبز لينضج. ٣٢٦ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ١٢٦٧ - وَعَنِ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَّهِ قَالَ: ((إنَّ اللهَ حرَّمَ عَلَيْكُمْ: عُقُوقَ الأُمَهَاتِ، وَوَأْدَ البَنَاتِ، وَمَنْعًا وَهَاتٍ، وَكَرِهَ لَكُمْ: قِيلَ وَقَالَ، وَكَثْرَةَ أُلسُؤالٍ، وَإِضَاعَةً المَالِ)» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). * مفردات الحديث: - عقوق الأُمَّهات: بضم العين، من عَقَّه يعقُّهُ عقوقًا: إذا آذاه وعصاه، والأُمَّهات: جمع ((أمَّهة)) لغة في الأُم، لا تطلق إلاَّ على من يعقل، بخلاف الأم، فإنَّها تعم . والعقوق المحرَّم إيذاءٌ لها، وهو ليس بالهيِّن عرفًا، وإنَّما خصَّ الأُمَّهات ؛ لضعف النساء، وعظم حق الأم. - ووأد البنات: بفتح الواو، ثمَّ همزة ساكنة، آخره دال، الوأد: مصدر وأد بنته يئدها وأدّا: دفنها حية، وكانت عادةً جاهليةً في بعض قبائل العرب، إمَّا لخوف العار، أو خشية الفقر. - منْعًا: الإمساك، أي: منع ما يجب أداؤه: من المال، والقول، والفعل، والخلق . - وهَاتٍ: بكسر التاء، فعل أمرٍ مبني على الكسر، أي: نهي عن طلب واستدعاء ما ليس لكم أخذه من الحقوق، فهات، بمعنى: أعطني. - قيل وقال: كلاهما فعلان ماضيان، الأوَّل منهما مبني للمجهول، أصله ((قُوِلَ))، فنقلت حركة الواو إلى القاف بعد سلب حركتها، ثمَّ قُلبت ياءً؛ (١) البخاري (٥٩٧٥)، مسلم (١٣٤١/٣). ٣٢٧ كتاب الجامع - باب البر والصلة لسكونها وانكسار ما قبلها. وأمَّا ((قال)) فإنَّ اصلها ((قَوَلَ))، قُلِبتِ الواو ألفًا؛ لتحرُّكها وانفتاح ما قبلها. واستعمل هذان الفعلان استعمال الأسماء، وأبقي فتحهما؛ ليدل على أصلهما . ويرويان بالتنوين؛ فحينئذٍ يكونان مصدرين، والمراد: كراهة كثرة نقل حكاية أقاويل النَّاس . - كثرة السؤال: يراد به سؤال المال ممَّن لا يحل له السؤال؛ كما أنَّه يشمل السؤال عن المسائل التي لم تقع، ولم يحتج إلى بحثها، وأغلوطات المسائل، أو یسأل النَّاس من أموالهم استکثارًا منه. - وإضاعة المال: يُقال: ضاع الشيء يضيع ضيعًا وضياعًا: فُقِد، وهَلَكَ، وتلف، وصار مهملاً، والمراد: إنفاقه في غير الأوجه المشروعة، أو تركه من غير حفظ فيضيع، أو يتركه حتَّى يفسد، أو يرميه إذا كان يسيرًا؛ كبرًا عن تناوله، فهذه أمثلة من إضاعة المال المنهي عنه . * ما يؤخذ من الحديث: ١ - الحديث فيه جملةٌ من الأحكام ممَّا حرَّمه الله تعالى : الأوَّل: ((عقوق الأمهات))؛ قال تعالى: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِ وَلَوَلِدَيْكَ إِلَّ [لقمان]، وقال تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا اُلْإِنسَنَ بِوَلِدَيْهِ إِحْسَنًا﴾ اُلْمَصِيرُ (١٤ [الأحقاف: ١٥]. وجاء في البخاري (٥٩٧١) ومسلم (٢٥٤٨) من حديث أبي هريرة: ((أنَّ رجلاً قال: يارسول الله! من أحق النّاس بحسن صحابتي؟ قال: أُمك، قال: ثُمَّ من؟ قال: أمك، قال: ثمَّ من؟ قال: أمك، قال: ثمَّ من؟ قال: أبوك)). وجاء في البخاري (٢٦٥٤) ومسلم (٨٧) من حديث أبي بكرة - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - أَنَّ النَّبِيَّ وَِّ قال: ((أَلاَ أنبئكَ بأكبر الكبائر: الإشراك بالله، وعقوق ٣٢٨) توضيح الأحكام من بلوغ المرام الوالدين)) . والأحاديث في الباب كثيرة. ◌َ بِأَمِّ ذَنْبٍ قُئِلَتْ الثاني: ((وأد البنات)): قال تعالى: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُمِلَتْ لِ ٩ [التكوير]. وقال تعالى: ﴿ وَلَ نَقْتُلُواْ أَوْلَدَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَقٍّ ◌َّخْنُ نَرْزُقُهُمْ وَ إِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْعًا كَبِيرًا ﴾﴾ [الإسراء]، وخصَّ البنات؛ لأنَّها عادة الجاهلية. الثالث: ((منعًا وهات)): أي: يمنع الحقوق الواجبة عليه: من الزكاة، والنفقات الواجبة، ويستكثر من جمع الأموال التي لا تحل له من حقوق النَّاس، يحتال عليها بالطرق المحرمة. قال الحافظ : الحاصل من النَّهي منع ما أُمِرَ بإعطائه، وطلب ما لا يستحق. الرَّابع: ((كره لكم قيل وقال)): المراد بهذا: أنْ يكون مشيعًا للأخبار التي لم يتحققها، ولا علاقة له فيها؛ مثل هذا يكثر زلله وخطؤه، وهو مناف لخلق الإسلام الموصوف بقوله وقَ﴾: ((من حُسْنِ إسلام المرء تركه ما لا يعنيه)) [رواه الترمذي (٢٣١٧)]. الخامس: ((كره لكم كثرة السؤال))؛ قال تعالى: ﴿يَكَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَسْشَلُواْ عَنْ أَشْيَآءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١]. وقد جاء في البخاري (٦٨٥٩) ومسلم (٢٣٥٨) من حديث سعد بن أبي وقَّاص؛ أنَّ النَّبِيَّ ◌َّه قال: ((أعظم المسلمين جرمًا من سأل عن شيءٍ لم یحرم، فحرم من أجل مسألته)). قال ابن علان في شرح رياض الصالحين: الأولى حمل السؤال على ما يعم المسائل المشكلات والمعضلات من غير ضرورة، وعن أخبار النَّاس، وحوادث الزمان، وسؤال الإنسان بخصوصه عن تفصيل أحواله، فقد يكره ذلك. وقد ثبت عن جمع من السلف: كراهة تكلّف المسائل التي يستحيل ٣٢٩) كتاب الجامع - باب البر والصلة = وقوعها عادة، أو يندر وقوعها جدًّا، لما في ذلك من التنطع والقول بالظن الَّذي لا يخلو صاحبه من الخطأ. السّادس: ((كره لكم إضاعة المال)): المراد بذلك: إنفاقه في غير وجهه المأذون فيه شرعًا، سواءً أكانت دينية أو دنيوية . والمنع من إضاعته؛ لأَنَّ الله تعالى جعله قيامًا لمصالح العباد، وفي تبذيره تفويت لتلك المصالح. ٢ - ويستثنى كثرة الإنفاق في وجوه البر؛ لتحصيل ثواب الآخرة مالم يفوت حقًّا آخر أهم منه . ٣- قسم العلماء الإنفاق إلى ثلاثة أنواع: الأوَّل: محرَّم، وهو أنْ ينفق المال في الوجوه المذمومة شرعًا. الثاني: مستحب، وهو الإنفاق في وجوه الخير والطاعة، الإعانة على نشر دين الله تعالى وإعلاء كلمته، والنفقات المستحبات. الثالث: النفقات المباحة، وهي منقسمة إلى قسمين : أحدهما: على وجهٍ يليق بحال المنفِق، وبقدر ماله وحاله، فهذا ليس بإضاعة ولا إسراف، فهو جائز. الثاني: أنْ ينفق فيما لا يليق به عرفًا؛ فالجمهور على أنَّه إسراف. قال ابن دقيق العيد: ظاهر القرآن أنَّه إسراف. ٣٣٠ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ١٢٦٨ - وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - عَنِ النَّبِّ ◌َّ قَالَ: ((رِضَا اللهِ فِي رِضَا الْوَالِدَيْنِ، وَسُخْطُ اللهِ فِي سُخْطِ الْوَالِدَيْنِ)) أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَصَخَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ(١). * درجة الحديث: الحدیث صحیح. رواه الترمذي عن شعبة بطريقين: أحدهما: مرفوع، والثاني: موقوف علی عبدالله بن عمرو، وقال ابن عدي: وقفه أصح، فلا أعلم رفعه غیر خالد بن الحارث عن شعبة، وخالد بن الحارث ثقة مأمون، وهناك ثقتان آخران محتج بهما في الصحيح أيضًا روياه مرفوعًا؛ كما بيَّن فضيلة محقِّق صحيح ابن حبان (١٧٣/٢). قال الترمذي: وفي الباب عن عبدالله بن مسعود. أمَّا الحاكم فقال: صحيحٌ على شرط مسلم، ووافقه الذهبي. وصحَّحه السيوطي في الجامع الصغير . * مفردات الحديث: - رضا: رضي بالشيء رضًا، فهو راضٍ به، أي: مختار له، فالرضى بالشيء، ضد السخط، وأمَّا رضا الله: فهي صفة من صفاته التي تليق بجلاله تبارك وتعالى، نثبت حقيقتها اللائقة بجلاله، ولا نکیفها . - سَخِطَ: سَخِطَ سَخطًا، من باب تعب، فالسخط بالضم، اسم فيه، وهو الغضب، وأمَّا سخط الله: فهو صفة من صفاته التي وصفه بها رسوله ◌َّهِ؛ (١) الترمذي (١٩٠٠)، ابن حبان (٢٠٢٦)، الحاكم (١٥١/٤). ٠٠ ٣٣١ كتاب الجامع - باب البر والصلة فنثبت حقيقتها لله تعالى إثباتًا حقيقيًّا، ونفوّض كيفية صفتها إلى الله تعالى . * ما يؤخذ من الحديث: ١ - حق الوالدين كبير؛ فقد قرن تبارك وتعالى حقَّه بحقِّهما؛ فقال تعالى: ﴿أَنِ أَشْكُرْ لِ وَلِوَالِدَيْكَ﴾ [لقمان: ١٤]، وقال تعالى: ﴿﴿ وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّ تَعْبُدُوَأْ إِلَّ إِيَّاهُ وَ بِالْوَلِدَيْنِ إِحْسَنًا﴾ [لقمان: ١٤]. ٢- وفي هذا الحديث جعل الله رضاه من رضائهما، وسخطه من سخطهما، فمن أرضاهما فقد أرضى الله، ومن أسخطهما فقد أسخط الله . ٣- فيه وجوب إرضائهما، وتحريم إسخاطهما؛ ذلك أنَّ إرضاءهما من الواجبات، وإسخاطهما من المحرمات. ٤- النصوص في وجوب بر الوالدين، وتحريم عقوقهما كثيرة جدًّا، ومنها: ما رواه مسلم (٢٥٥١) من حديث أبي هريرة، عن النَّبِي ◌ِّ قال: ((رَغِمَ أنف، ثُمَّ رغفَ أنف، ثمَّ رغم أنف، من أدرك أبويه عند الكبر، أحدهما أو كلاهما، فلم يدخل الجنّةً)). وجاء في البخاري (٥٢٧) ومسلم (٨٥) من حديث ابن مسعود قال: ((سألت رسول الله وَ ليل أي العمل أحب إلى الله تعالى؟ قال: الصَّلاة لوقتها، قلت: ثمَّ أي؟ قال: بر الوالدين، قلت: ثمَّ أي؟ قال: الجهاد في سبيل الله)). وجاء في الصحيحين، من حديث أبي بكرة؛ أنَّ النَّبِيَّ وَّه قال: ((أَلاَ أُنَبِّئُكُم بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ: الإِشْرَاكُ بِاللهِ، وَعُقُوق الوالدين)). ٥- وطاعة الوالدين إنَّما تكون بالمعروف؛ فلا طاعة لهما في معصية الله تعالى؛ فقد قال تعالى: ﴿ وَإِن جَهَدَالَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَّاً﴾ [لقمان: ٥١]. وقال وَّ: ((لاَ طاعة لمخلوقٍ في معصية الخالق)). قال صديق حسن في تفسيره: وجملة هذا الباب أنَّ طاعة الوالدين لا ٣٣٢ توضيح الأحكام من بلوغ المرام تراعى في ركوب معصية، ولا ترك فريضة على الأعيان، وتلزم طاعتهما في المباحات . وقال في شرح الإقناع: ولا طاعة للوالدين في ترك فريضة؛ كتعلم واجبٍ عليه، وما يقوم به دينه، من طهارةٍ، وصلاةٍ، وصيام، ونحو ذلك، وإنْ لم يحصل ذلك ببلده، فله السفر لطلبه بلا إذنهما؛ لأَنَّه لا طاعة لمخلوقٍ في معصية الخالق . ٦ - أمَّا بخصوص طاعة الوالدين في المباحات: فقال شيخ الإسلام ابن تيمية: الَّذي ینتفع به الأبوان، ولا يتضرَّر هو بطاعتهما فيه قسمان: قسم: يضرهما تركه؛ فهذا لا يستراب في وجوب طاعتهما فيه. وقسم: ينتفعان به، ولا يضره؛ فتجب طاعتهما فيه. ٧- وقال فيمن تأمره أمه بطلاق امرأته، قال: لا يحل له أنْ يطلِّقها، بل عليه أنْ يبرها، وليس تطليق امرأته من برها . قال في الآداب الكبرى: فإن أمره أبوه بطلاق امرأته، لم يجب، ذكره أكثر الأصحاب، وسأل رجلٌ الإمام أحمد، فقال: إنَّ أبي يأمرني أنْ أُطلِّق امرأتي، فقال: لا تطلِّقها. قال الرّجل: أليس عمر أمر ابنه عبدالله أن يطلِّق امرأته، قال: حتَّى يكون أبوك مثل عمر ، رضي الله عنه . ٣٣٣ كتاب الجامع - باب البر والصلة ١٢٦٩ - وَعَنْ أَنَسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - عَنِ النَِّيِّ نَّهِ أَنَّهُ قَالَ: ((وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ! لاَ يُؤْمِنُ عَبْدٌ حَتَّى يُحِبَّ لِجَارِهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١) . * ما يؤخذ من الحديث: ١ - حق الجار على جاره كبير جدًّا؛ قال تعالى: ﴿وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾ [النساء: ٣٦] . وجاء في البخاري (٦٠١٥) ومسلم (٢٦٢٥) من حديث عائشة أنَّ النَّبِيَّ وَّه قال: ((مَازَالَ جبريل يوصيني بالجار، حتَّى ظننت أنَّه سيورِّثه)). وجاء في مسلم (٤٨) من حديث أبي شريح الخزاعي؛ أنَّ النَّبِيَّ وَّ قال: ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليحسن إلى جاره)). والنصوص في الباب كثيرة. ٢ - حديث الباب صريحٌ في نفي الإيمان عن العبد الَّذي لا يحب لجاره من حصول الخير وبعد الشر، ما يحب لنفسه. ٣- أوَّل العلماء نفي الإيمان هنا بأنَّ المراد به نفي كماله الواجب؛ إذ قد علم من قواعد الشريعة : أنَّ من لم يتصف بذلك لا يخرج من الإيمان. ٤- المحبوب المذكور لم يعين، وقد عيَّنه في رواية النسائي (٥٠١٧) بلفظ: «حتَّی یحب لأخيه من الخیر ما يحب لنفسه)). قال العلماء: المراد: من الطاعات وأعمال الخير والأمور المباحة، وهذا فيه صعوبةٌ على النفوس الشحيحة، ولكنَّه سهل على ذوي القلوب السليمة . (١) البخاري (١٣)، مسلم (٤٥). ٣٣٤) توضيح الأحكام من بلوغ المرام ٥- قال الشيخ العساف في مختصر الإحياء: وأمَّا حقوق الجار: فالجوار يقتضي حقًّا وراء كف الأذى فقط، بل احتمال الأذى، والرِّفق، وابتداء الخير، فيبدؤه بالسلام، ويعوده في المرض، ويعزيه في المصيبة، ويهنئه في الفرح، ويصفح عن زلاته، ولا يطلع إلى داره، ولا يضايقه في صب الماء في ميزابه، ولا في طرح التراب في فنائه، ولا يتبعه النظر فيما يحمله إلى داره، ويستر ما ينكشف من عوراته، ولا يتسمع على كلامه، ويغض طَرْفه عن حرمه، ويلاحظ حوائج أهله إذا غاب. ٦ - وقال في شرح البلوغ: الجار عامٌّ للمسلم، والكافر، والفاسق، والصديق، والعدو، والقريب، والأجنبي، فمن اجتمعت فيه الصفات الموجبة لمحبّة الخير له، فهو في أعلى المراتب، ومن كان فيه أكثرها، فهو لاحق به، وهلمَّ جَرًّا إلى الخصلة الواحدة، فيعطي كلَّ ذي حقِّ بحسب حاله. وجاء في الطبراني من حديث جابر: ((الجار الكافر له حق الجوار، والجار المسلم له مع الجوار حق الإسلام، والجار المسلم القريب له ثلاثة حقوق)). ٣٣٥ كتاب الجامع - باب البر والصلة ١٢٧٠ - وَعَن ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: ((سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ وَّهِ أَيُّ اللَّنْبِ أَعْظَمُ؟ قَالَ: أَنْ تَجْعَلَ للهِ نِدًّا، وَهُوَ خَلَقَكَ، قُلْتُ: ثُمَّ أَبِيُّ؟ قَالَ: أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ؛ خَشْيَةَ أَنْ يَأْكُلَ مَعَكَ، قَلْتُ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: أَنْ تُزَانِي حَلِيلَةَ جَارِكَ)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). * مفردات الحديث: - نِدًّا: بكسر النون، وتشديد الدَّال، هو الشبيه والمثيل والشريك. - تزاني حليلة: الحليلة هي الزوجة، ولفظ ((تزاني)) يدل على رضاها، وهو خيانة كبرى للجار الَّذي يجب إحسان جواره. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - هذا الحديث اشتمل على ثلاث من الموبقات: إحداها: ((أنْ تجعل ندًا))؛ فهذا هو الشرك الأكبر الَّذي هو أعظم الذنوب، وأكبر المعاصي، ولا يغفر لصاحبه إلاَّ بالتوبة، وذلك بالدخول بالإسلام، وأمَّا من مات على الشرك، فهو مخلَّدٌ في النَّار. قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ٤٨]. وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِنَبِ وَالْمُشْرِكِينَ فِ نَارِ جَهَنَّمَ خَلِدِينَ فِيهَاْ أُوْلَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ * [البينة]. ٠٠٠ والنصوص من الآيات الكريمة، والأحاديث الشريفة في هذه المسألة كثيرة . الثانية: ((أنْ تقتل ولدك؛ خشية أن يأكل معك))؛ فقتل النفس التي حرَّم (١) البخاري (٤٤٧٧)، مسلم (٨٦). ٣٣٦ توضيح الأحكام من بلوغ المرام الله هي المرتبة الثانية الذنوب العظيمة، والموبقات المهلكة، ويزيد الإثم ويتضاعف والعقاب إذا كان المقتول ذا رحم من القاتل، ويتضاعف مرَّة أخرى حينما يكون الهدف هو قطع المقتول من رزق الله الّذي أجري على يد القاتل؛ ففيه نهاية الشح، وغاية سوء الظن بالله تعالى؛ ولذا قال تعالى: ﴿ وَلَا نَقْتُلُواْ أَوْلَدَّكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَقٍّ ◌َخْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا ٣١ [الإسراء]. الثالثة: ((أنْ تزاني حليلة جارك))؛ الزنى هو الرتبة الثالثة بعظم الموبقات وشناعتها، قال تعالى: ﴿وَلَا نَقْرَبُواْ الزِّبِىّ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةٌ وَسَآءَ سَبِيلًا ٣٢ [الإسراء]. ويعظم إثم هذه الموبقة إذا كانت المزني بها حليلة الجار، الَّذي وصى الله تعالى رسوله على البر به، والإحسان إليه، وحسن صحبته وجواره؛ فكيف يكون الأمر إذا أفسد فراشه، وانتهك حرمته، وداس عرضه، وخان جواره؟! ٢- الحديث يدل على أنَّ أعظم الذنوب هي الشرك بالله تعالى، ثمَّ قتل النفس التي حرَّم الله بغير حقٍّ، ثمَّ الزنى. ٣- قوله ◌َّه: ((وهو خلقك)) هذا سياق تبشيع؛ فإنَّه من أبشع الأشياء، أن تقابل النعم عليك بالإساءة، فكيف إذا كان المنعم هو صاحب النعم العظيمة، والمنن الكبيرة، التي أولها الإيجاد من العدم؟! ----- ------ ---- ٣٣٧) كتاب الجامع - باب البر والصلة ١٢٧١ - وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العَاصِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - أَنَّ رَسُولَ اللهِ نَ ◌ّهِ قالَ: ((مِنْ الْكَبَائِ شَتْمُ الرَّجُلِ وَالِدَيْهِ، قِيلَ: وَهَلْ يَسُبُّ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، يَسُبُّ أَبَا الرَّجُلِ، فَيَسُبُّ الرَّجُلُ أَبَاهُ، وَيَسُبُّ أُمَّهُ، فَيَسُبُّ أُمَّهُ)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ(١). ** مفردات الحديث: - من الكبائر: جمع كبيرة، وهي: الفعلة القبيحة، أو الخصلة الكبيرة من الذنوب المنهي عنها شرعًا، العظيم أمرها؛ كالقتل والزنى. - يسب: يُقال: سبَّه يسبه سبًا: شتمه، فالسب الشتم. قال في التعريفات: الشتم: وصف الغير بما فيه نقص وازدراء. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - تقدَّم بيان حقوق الوالدين، ووجوب برهما، والإحسان إليهما؛ كما تقدَّم أنَّ من أكبر الكبائر عقوقهما؛ فقد قال تعالى: ﴿فَلاَ تَّقُل لَهُمَا أُنِّي وَلَا نَنْهُرْهُمَا﴾ [الإسراء: ٢٣]. إذا علمنا أنَّ شتمهما من أعظم المنكرات. ٢- لما قال النَّبي ◌َّ: ((من الكبائر شتم الرَّجل والديه))، استغرب الصحابة - رضي الله عنه - ذلك؛ فقالوا للنَّبِيِّ وَّ: وهل يسب الرَّجل والديه؟ فأخبر النَّبِي ◌َِّ أنَّه إذا تسبب في شتمهما؛ فكأنه شتمهما؛ وذلك بأن يسب أبا الرجل، فيقابله ذلك الرجل بأن يسب أباه، فهو وإن لم يسب أباه مباشرة، إلاّ أنه تسبَّب في ذلك، والقاعدة الشرعية: ((إنَّ الوسائل لها أحكام المقاصد)). (١) البخاري (٥٩٧٣)، مسلم (٩٠). ٣٣٨ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ٣- الواجب على الإنسان الكف عن شتم النَّاس، وشتم آبائهم؛ لأَنَّ هذا هُجْرٌ من القول محرَّم، ولأَنَّه سببٌ لأَن يشتمه النَّاس، ويشتموا أباه معه بسببه. ٤- الحديث فيه بيان حكم المتسبب من أنَّه يشارك المباشر في عمله، إنْ خيرًا فَخَيْرٌ، وإِنْ شَرًّا فشر. ٥- قال ابن بطال: هذا الحديث أصلٌ في سدِّ الذرائع، ويؤخذ منه أنَّه إِذَا آل أمره إلى محرَّم، حرم عليه الفعل، وإنْ لم يقصد المحرَّم؛ وعليه دلَّ قوله تعالى: وَلَا تَسُبُّواْ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّواْ اللَّهَ عَدُواْ بِغَيْرِ عِلَّمٍ﴾ [الأنعام: ١٠٨]. قال الشيخ عبدالرحمن السعدي عند تفسير هذه الآية: نهى الله المؤمنين عن أمرٍ كان جائزًا بل مشروعًا في الأصل، وهو سبّ آلهة المشركين، لكن لما كان طريقًا إلى سب المشركين لربِّ العالمين، نهى الله عنه؛ فالآية دليلٌ للقاعدة الشرعية ((إنَّ الوسائل لها أحكام المقاصد)) فوسائل المحرَّم، تكون محرَّمة ولو كانت جائزة. ٦ - أمَّا الوسائل المذكورة في الحديث، فهي وسائل محرَّمة، ومقاصدها محرّمةٌ أيضًا. --- - -- ٣٣٩ كتاب الجامع - باب البر والصلة ١٢٧٢ - وَعَنْ أَبِي أَيُّوبَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَه قَالَ: ((لاَيَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلاَثِ لَيَالٍ، يَلْتَقِيَانٍ، فَيُعْرِضُ هَذَا، وَيُعْرِضُ هَذَا، وَخَيْرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلام)) مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ(١). * مفردات الحديث: - أنْ يهجر أخاه: الهجر هو الترك، والمراد: أنْ يترك المؤمن كلام أخيه المؤمن إذا تلاقيا، ويعرض كل واحدٍ منهما عن صاحبه . * ما يؤخذ من الحديث: ١- للمسلم على المسلم حقوق كبيرة، كثيرة، جاءت في كتاب الله تعالى وسنّة رسوله وَسِلُ . وقد تتَبعها الإِمَام الغزالي، فجاء منها في ((الإحياء)) بطائفة طيبة، منها: أنْ تسلِّم عليه إذا لقيته، وتجيبه إذا دعاك، وتعوده إذا مرض، وتشهد جنازته إذا مات، وتبر قَسَمه، وتنصح له إذا استنصحك، وتحفظه بظهر الغيب إذا غاب، وتحب له ما تحب لنفسك، وتكره له ما تكره لنفسك، وهذه الخصال الطيبة مستقاة من أحاديث صحيحة. ٢- إذا كانت هذه بعض الحقوق التي حثَّ عليها دينك الحنيف، فكيف يجمل بك أنْ تهجره، وتقاطعه، وتُعْرِض عنه؟! لا شكَّ أنَّ هذا خلق مناف لآداب الإسلام كل المنافاة !! ٣- يحرم هجر المسلم أكثر من ثلاثة أيَّام، فلا يحل أنْ يزاد عليها. ٤ - قال في شرح الإقناع: والهجر المنهي عنه يزول بالسلام؛ لأَنَّه سبب التحابِّ (١) البخاري (٦٠٧٧)، مسلم (٢٥٦٠). ٣٤٠ توضيح الأحكام من بلوغ المرام للخير، فيقطع الهجر؛ روي مرفوعًا: ((السَّلام يقطع الهجران)). ويدل على هذا ما جاء بالحديث: ((يلتقيان، فيعرض هذا، ويعرض هذا، وخيرهما الَّذي يبدأ بالسَّلام)» . وزوال الهجر بالسَّلام هو مذهب جمهور العلماء. ٥- النَّفس البشرية تحب التشفي والانتقام؛ فأعطاها الشَّارع الحكيم مدَّة ثلاثة أيَّام تقضي وطرها ممَّن أغضبها، ولم يزد على ذلك. ٦- في الحديث فضيلة الَّذي يبدأ صاحبه بالسَّلام، ويزيل ما بينهما من التهاجر والتقاطع؛ ذلك أنَّه استطاع أنْ يتغلّب على نفسه الأمّارة بالسوء، فيسامح صاحبه ويصافيه؛ قال تعالى: ﴿ وَلَا تَسْتَوِى الْحَسَنَةُ وَلَ السَّيِّئَةُ أَدْفَعْ بِالَّتِى هِىَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِى بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَوَةٌ كَأَنَُّ وَلِيُّ حَمِيٌ ﴿ وَمَا يُلَقَّنِهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُواْ وَمَا يُلَقَّنِهَا إِلَّا ذُوحَظٍ عَظِيمٍ! * [فصلت]. ٣٥ ٧- وقال في شرح منظومة الآداب: من أعلن المعاصي - سواءٌ أكانت فعلية، أو قولية، أو اعتقادية - فهجره سنَّة يثاب الإنسان على فعلها؛ حيث كان الهجر لله تعالى غضبًا لارتكاب معاصيه، أو لإهمال أوامره. قال الإمام أحمد: إذا علم أنَّه مقيمٌ على معصيةٍ لم يأثم إنْ جفاه حتَّى يرجع، وقد جفى النَّبي ◌َّ كعبًا وصاحبيه، وأمر الصحابة بهجرهم خمسين يومًا . .---.