النص المفهرس
صفحات 221-240
٢٢١ كتاب القضاء - باب الدعاوى والبينات ٦ - أنَّ أموال النَّاس حرامٌ قليلها وكثيرها؛ فقد قال رَّ: ((وإنْ كان قضيباً من أراك)) يريد بذلك الشيء الحقير؛ فكيف يكون ذلك بدمائهم، وأعراضهم، وسائر حقوقهم؛ ولذا قال رَّ في حجَّة الوداع: ((إنَّ دماءكم، وأعراضكم، وأموالكم، عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، ألا هل بلَّغت)) [رواه البخاري (١٧٤١) ومسلم (١٦٧٩)]. ٧- قوله: ((حرم عليه الجنّةَ)) أجمع السلف على أنَّ فاعل الكبيرة ليس كافرًا ولا خارجًا من الملَّة، وأنَّه - وإنْ عُذِّبَ على ذنوبه - فلن يخلد بالنَّار؛ ولذا فسَّروا مثل هذا الحديث بعدَّة تفاسير : فبعضهم قال: من فعل ذلك مستحلاً له. وبعضهم قال: إنَّ مثل هذه الأحاديث لا يقصد منها معناها الظَّاهر، وإنَّما قصد بها التخويف والزجر، فتبقى على المراد منها . وبعضهم قال: هذا من النصوص التي تُمَرُّ كما جاءت بلا تفسير. أمَّا شيخ الإسلام: فيرى أنَّ الإنسان فيه موجبات العذاب، وموجبات الغفران، فهذا يدفع الآخر، فعمله هذا سبب لدخوله النَّار، ولكن ما معه من الإيمان يمنعه من الخلود فيها . ٨- وفي الحديث: أنَّ صفة البشرية للتَّبي ◌َّةٍ لم تغيرها النبوة والرِّسالة؛ كما قال تعالى: ﴿ إِنَّمَا أَنَاْ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ [الكهف: ١١٠]. وقال هو عليه الصَّلاة والسَّلام: ((إنَّما أنا بشر)) [رواه البخاري (٤٠١)، ومسلم (٥٧٢)]. وبهذا فإنَّه ــ كماجاء في هذا الحديث - لا يدرك من الأمور إلاّ ظواهرها، إلاّ أن تقتضي الحكمة اطِّلاعه على أمور من الغيب، وإلاَّ فالأصل فيه عدمه؛ قال تعالى: ﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَأَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِىَ السُّوءُ﴾ [الأعراف: ١١٨]. ٢٢٢ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ١٢٢٧ - وَعَنْ أَبِي مُوسَى - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - ((أَنَّ رَجُلَيْنِ اخْتَصَمَا فِي دَابَةٍ، وَلَيْسَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيَّةٌ، فَقَضَى بِهَا رَسُولُ اللهِ إِليه بَيِّنْهُمَا نِصْفَيْنِ)) رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُودَاوُدَ، والنَّسَائِيُّ وَهَذَا لَفْظُهُ، وَقَالَ: إِسْنَادُهُ جَيِّدٌ(١). * ما يؤخذ من الحديث: الحدیث إسناده جید. أخرجه أبوداود، والنسائي، وابن ماجه، والبيهقي، من طريق سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن سعيد بن أبي بردة، عن أبيه، عن جدِّه أبي موسى. قال النسائي : إسناده جيد . قال المصنف: إسناده جيد، ووثَّق المنذري إسناده. * ما يؤخذ من الحديث: ١- العين المتنازع عليها لا تخلو من أحوال: أحدها: أنْ لا تكون العين بيد واحدٍ من المتداعِيَيْنِ، وليس لديهما بينة، ولا ظاهر؛ فحينئذٍ يحلف كل واحدٍ منهما أنَّها له ولا حقَّ للآخر فيها، فإذا تحالفا، قسمت بينهما نصفین، كما في حديث الباب. الثاني: أنْ تكون العين بيد أحدهما، وليس لدى المدَّعي بينة، فهي لصاحب اليد بيمينه، فإنْ كان لدى كلِّ واحدٍ منهما بينة أنَّها له، ففي المسألة قولان لأهل العلم : (١) أحمد (٤/ ٤٠٢)، أبوداود (٣٦١٣)، النسائي في الكبرى (٤٨٧/٣). ٢٢٣ كتاب القضاء - باب الدعاوى والبينات ذهب الإمام أحمد: إلى تقديم بينة المدَّعَي، ويسمونه ((الخارج))، وإلغاء بينة المدَّعى عليه صاحب اليد، ويسمونه ((الدَّاخل)) . قال في الروض المربع وغيره: وإنْ أقام كلٌّ منهما بينةً أنَّ العين المدَّعى بها له، قُضِيَ بها للخارج ببينته، ولغت بينة الدَّاخل؛ لحديث ابن عبّاس: (لو يُعطى النَّاس ... ولكن اليمين على المدعى عليه)) [رواه البخاري (٤٥٥٢) ومسلم (١٧١١)]؛ فجعل جنس البينة في جانب المدعي، فلا يبقى في جانب المدعى عليه إلاَّ اليمين. وهذه الرواية هي المشهورة في مذهب الإمام أحمد، وهي من المفردات . ٢ - وذهب جمهور العلماء - ومنهم الأئمة الثلاثة -: إلى تقديم بينة الدَّاخل، وهو الَّذي العين بيده. قال شيخ الإسلام: وأمَّا حديث ((البينة على من ادَّعى، واليمين على من أنكر))، فما قال بعمومه أحد من علماء الملَّة إلاَّ أهل الكوفة، الَّذين يرون أنَّ اليمين دائمًا في جانب المنكر حتَّى القسامة، وأمَّا سائر علماء الملَّة، وفقهاء الحديث، وغيرهم: فتارةً يحلِّفون المدَّعي، وتارةً يحلِّفون المدَّعی علیه، والأصل عندهم: أنَّ اليمين مشروعة في أقوى الجانبين، والبينة عندهم اسمٌ لما یبیِّن الحق . قال في شرح المفردات: وقال أكثر أهل العلم: تقدَّم بينة المدعى عليه بكلِّ حال؛ لأَنَّ جانبه أقوى؛ لأَنَّ معه الأصل، ويمينه تقدَّم على يمين المدَّعي. قال الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ: الَّذي يظهر لي، ويترجَّح عندي، هو تقديم بينة الدَّاخل؛ لما روى الدَّارقطني (٢٠٩/٤) عن جابر - رضي الله عنه - ((أَنَّ النَِّي ◌ََّ اختصم إليه رجلان في دابةً أو بعيرٍ، فأقام كل واحدٍ منهما ٢٢٤ توضيح الأحكام من بلوغ المرام البينة أنَّه أنتجها، فقضى رسول الله وَّر للذي هي في يده))، ولأَنَّ الأصل معه، وجانبه أقوى، ويمينه تقدم على يمين المدَّعي. فإذا تعارضت البینات، وجب إبقاء يده على ما فيها، وتقدیمہ؛ كما لو لم تكن بينة لواحدٍ منهما، وهذا هو المفتى به عند إمام الدَّعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب، وهو قول الأئمة الثلاثة، وأهل المدينة. ----------- ٢٢٥ كتاب القضاء - باب الدعاوى والبينات ١٢٢٨ - وَعَنْ جَابِرِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَّهِ قَالَ: ((مَنْ حَلَفَ عَلَى مِنْبَرِي هَذَا بِيَمِينٍ آئِمَةٍ، تَبَوَّأَ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ)) رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُودَاوُدَ، والنَّسَائِيُّ، وَصَخَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ(١). * درجة الحديث: الحدیث صحیح. قال الحافظ في الفتح: حديث جابر أخرجه - أيضًا - مالك، وأبوداود، والنسائي، وصحَّحه ابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم ووافقه الذهبي. قال الشوكاني: ورجال إسناده عند ابن ماجة كلهم ثقات . وفي الباب عن أبي أمامة مرفوعًا عند النسائي في الكبرى (٤٩٢/٣) بإسناد رجاله ثقات، بلفظ: ((من حلف عند منبري هذا، يميناً كاذبةً يستحل بها مال امرىءٍ مسلم، فعليه لعنة الله، والملائكة، والنَّاس أجمعين، لا يقبل الله منه صَرْفًا، وَلاَ عَدْلاً)). وللحديث شاهدٌ عن أبي هريرة: أخرجه أحمد، وابن ماجه، والحاكم وصحَّحه ووافقه الذهبي . * مفردات الحديث: - منبري: يُقال: نَبَرَ الشيءَ يَنْبُرُه نبرًا، أيٍّ: رفعه، والمنبر: مكان مرتفع في الجامع يقف فيه الخطيب أو الواعظ، يكلّم منه الجمع . سُمِّيَ بِذلك؛ لارتفاعه عمَّا حوله، وكسرت ميمه على التشبيه بالآلة، جمعه منابر . - تبوأ: باء يبوء بوءًا، وباء في المكان: تبوأه، أي: اتخذه محلّة، وأقام به. (١) أحمد (٣/ ٣٤٤)، أبو داود (٣٢٤٦)، النسائي في الكبرى (٤٨٧/٧)، ابن حبان (١١٩٢). ٢٢٦ توضيح الأحكام من بلوغ المرام * ما يؤخذ من الحديث: ١- الحديث يفيد تحريم اليمين الكاذبة، وتغليظ أمرها، وعظيم خطرها، لا سيما إذا أديت في مكانٍ فاضل، كمنبر النَّبي ◌َل ـ ـ أو زمان فاضل. ٢- من حلف هذه اليمين العظيمة وهو كاذب، لا سيما إذا قطع بها مال امرىء معصوم، فقد ارتكب ذنبًا من أشد الذنوب، وتجرَّأ على أمرٍ كبير من أفحش الأمور، فكان جزاؤه أنْ يتبوَّأ ويتخذ له منزلاً ومسكنًا من النَّار، بدل أنْ تبوَّأ منبر النَّبِي ◌َّ﴿ فحلف عليه كاذبًا، ولم يَرْعَ حرمته وقداسته . ٣- صفة تغليظ اليمين في اللفظ أن يقول: ((والله الَّذي لا إله إلاَّ هو، عالم الغيب والشَّهادة، الرحمن الرحيم، الغالب الطالب، الضارِّ النَّافع، الَّذي يعلم خائنة الأعين، وما تخفي الصدور)). وتغليظها في الزمان: بعد العصر. وتغلظها في المكان في مكّة: بين الركن والمقام. وفي المدينة: عند منبر النَّبِيِوَل . وفي سائر البلاد: عند المنبر. خلاف العلماء : اختلف العلماء في مشروعية تغليظ اليمين : فذهب جمهور العلماء: إلى وجوب تغليظ اليمين في الدَّعاوى التي لها خطر، إذا طلبها مَنْ توجَّهَتْ له اليمين. وذهب الإمامان: أبو حنيفة، وأحمد، وأصحابهما: إلى عدم وجوب التلغيظ، وأنَّ أمر هذا راجعٌ للحاكم. قال في الروض المربع وحاشيته: ولا تغلظ اليمين إلاَّ فيما له خطرٌ؛ كجناية لا توجب قودًا، وعتق، ونصاب زكاة؛ فللحاكم تغليظها، وإنْ أبى الحالف التعلیظ، لم يكن ناكلاً في ذلك إجماعًا. ----- me ٢٢٧ كتاب القضاء - باب الدعاوى والبينات ١٢٣٩ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّه: (ثَلَنَةٌ لاَ يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَلاَ يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ، وَلاَ يُزَكِّيهِمْ، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ: رَجُلٌ عَلَى فَضْلِ مَاءِ بِالْفَلاَةِ، يَمْنَعُهُ مِنِ ابْنِ السَّبِيلِ، وَرَجُلٌ بَيَعَ رَجُلاً بِسِلْعَةٍ بَعْدِ الْعَصْرِ، فَحَلَفَ لَهُ بِاللهِ لِأَخَذَهَا بِكَذَا وَكَذَا، فَصَدَّقَهُ، وَهُوَ عَلَى غَيْرِ ذُلِكَ، وَرَجُلٌ بَيَعَ إِمَامًا لاَ يُبَايِعُهُ إِلاَّ لِلُّنْيَا، فإِنْ أَعْطَاهُ مِنْهَا وَفَى، وَإِنْ لَمْ يُعْطِهِ مِنْهَا لَمْ يَقٍ)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ(١). * مفردات الحديث: - ثلاثة: أي: ثلاثة أشخاص، رفعت ((ثلاثة)) بالضم على أنَّها مُبتدأ، وقوله: ((لا یکلِّمهم الله يوم القيامة)) خبره. - لا يزكِّيهم: أي: لا يطهِّرهم من الذنوب، ولا يُثْنِي عليهم. - رجل: مرفوع؛ لأنّه عطف بيان. - على فضل ماء: متعلَّق بمحذوف، في محلِّ رفع صفةٍ لرجل . - الفلاة: الأرض الواسعة المقفرة، جمعها فَلاّ، وَفلوات . - ابن السبيل: السبيل: الطريق، ويراد به المسافر، وسمي ابن السبيل؛ لملازمته له . - سِلْعة: بكسر السِّين، وسكون الَّلام: كل ما يُتَّجَرُ به من البضاعة، جمعه سلع . (١) البخاري (٧٢١٢)، مسلم (١٠٨). ٢٢٨ توضيح الأحكام من بلوغ المرام - بايع إمامًا: المراد به الإمامُ الأعظم. - فإنْ أعطاه: الفاء تفسيرية، تفسِّر مبايعته للإمام من أجل الدنيا . * ما يؤخذ من الحديث: ١ - الحديث فيه وعيدٌ شديدٌ، وتهديدٌ أكيد، وذلك بأنَّ الله لا يكلمُ هِّؤلاءِ الأصنافَ الثَّلاثةَ بما يحبُّونه ويتمنَّوْنَهُ، ولا ينظر إليهم نظر رحمة، ولا يطهِّرهم من ذنوبهم، ولا يزكِّيهم بالمغفرة. هؤلاء الأصناف الثلاثة هم : الأوَّل: رجلٌ نازلٌ بفلاةٍ على ماءٍ لا يوجد غير مائه في تلك الفلاة، فيمنع النَّاسَ من ذلك الماء، ليس لضرورته الخاصَّة به، وإنَّما ليحمي به كلا تلك الأرض؛ ليختص به من دون بقية النَّاس، وقد جاء في البخاري (٢٢٢٧)، ومسلم (١٥٦٦) من حديث أبي هريرة عن النَّبِي وَّ قال: ((لا تمنعوا فضل الماء؛ لتمنعوا به الكلأ)). الثاني: المُنْفِقُ سلعته باليمين المغلَّظة الكاذبة ممَّن يحلف بالله بعد العصر - وهو زمن التغليظ ـ أنَّه قد اشتراها بكذا، وهو كاذب؛ ليغر ويغش المشتري، فيشتري منه بزيادة عن قيمتها الحقيقية، فيصدِّقه المشتري، ويشتري منه بقدر ما حلف عليه، أو أكثر. فهذا جمع بين الكذب، وبين الحلف بالله تعالى وهو كاذب، وبين الحلف في زمنٍ فاضل، وبين خدعه المشتري، وبين أكله المال بالباطل . الثالث: من بَايَعَ إمامًا على الولاية العامَّة، لم يبايعه لأجل مقاصد الإمامة: من إقامة شعائر الله تعالى، وإقامة حدوده، ونصرة الإسلام، والنصح للرعية، لم يبايعه لذلك، وإنَّما بايعه لطمع الدنيا؛ ليعطيه منها؛ ولذا فإنَّ هذا المبايع في مبايعته إنَّ حصل له مطلوبه بالعطاء والمِنَحِ، رَضِيَ ووفَى ببيعتِهِ، وإنْ لم يعطه منها، لم يَفِ، ولم يراقب مقام الولاية، ووجوب السمع والطّاعة عليه فيها، ٢٢٩ كتاب القضاء - باب الدعاوى والبينات وقد قال تعالى عن هؤلاء: ﴿وَمِنْهُم مَن يَلْمِزُكَ فِىِ الصَّدَقَتِ فَإِنْ أُعْطُواْ مِنْهَا رَضُواْ [التوبة]. ٥٨ وَإِ لَّمْ يُعْطَوْاْ مِنْهَآَ إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ ٢ - الشَّاهد من هذا الحديث هو اليمين الكاذبة، لا سيَّما وقد جمعت الخداع، والتغرير لأكل أموال النَّاس بالباطل، فكان جزاء صاحبها شديدًا، فهو ممَّن لا ينظر الله إليه يوم القيامة نظرةَ رحمة، ولا يكلِّمه كلامَ بر، ولا يزكِّيه ولا يطهِّره من ذنوبه بالمغفرة؛ فإنَّ له عذابًا أليمًا، جزاءً وفاقًا، نسأل الله تعالى العافية والمعافاة . ٣- وفي الحديث: إثباتُ عذاب الآخرة، وشدَّته، وألمه. ٤- وفيه تحريم الأوصاف الثلاثة المذكورة: من منع النَّاس من الماء؛ لمنع الكلأ، والحلف الكاذب؛ لترويج السلع، وغش النَّاس، ويدخل في ذلك - وإنْ لم يكن يمينًا - الدَّعايات الكاذبة في وسائل الإعلام؛ لترويج السلع، وغش النَّاس بها . ٥- كما أنَّ في الحديث تحريمَ مبايعة الولاة وموالاتِهِمْ لأجل الدنيا، وتحريم معاداتهم والكلام السيِّىء فيهم؛ لأجل حرمانه من الدنيا وعطاياها. فإنَّ مناصحتهم، والدعاء لهم بالتوفيق والتسديد، والسكوت عن قالة السوء فيهم: هو واجب المسلمين نحوهم. ٢٣٠ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ١٢٣٠ - وَعَنْ جَابرٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - ((أَنَّ رَجُلَيْنِ اخْتَصَمَا فِي نَاقَةٍ، فَقَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا: نُتِجَتْ هَذِهِ النَّاقَةُ عِنْدِي، وَأَقَامَا بَيَّةً، فَقَضَى بِهَا رَسُولُ اللهِنَّهَ لِمَنْ هِيَ فِي يَدِهِ)). رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِي، وَفِي إِسْنَادِهِ ضَعْفٌ(١). * درجة الحديث: الحدیث ضعيف. قال في التلخيص: رواه الدَّارقطني، والبيهقي، من حديث جابر، وإسناده ضعيف؛ لأَنَّ فيه يزيد بن نعيم، قال ابن القطان: لا تعرف حاله. * مفردات الحديث: - نُتِجَت: نتج الرَّاعي النَّاقة ينتجها نتجًا: وَلِيَ أمرها حتَّى وضعت، فالنَّاقة منتوجة؛ والولد نتيجة، والأصل في الفعل: أنْ يتعدَّى إلى مفعولين، وربما بني الفعل للمجهول؛ فيقال: نُتِجَت النَّاقةُ ولدًا، ويجوز حذف المفعول الثَّاني، كما في هذا الحديث. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - الحديث يدل على ما سبق تحقيقه في الحديث رقم (١٢٢٧) من أنَّ العين المتنازع عليها إذا كانت في يد أحدهما دون الآخر، فالَّذي هي في يده يسمَّى داخلاً، والآخر يسمَّى خارجًا. فإنْ كان لدى الخارج بينةٌ على صحّة دعواه، استحقها وأخذها، وإنْ لم (١) الدَّارقطني (٢٠٩/٤). -------- ----- ---------- ٢٣١ كتاب القضاء - باب الدعاوى والبينات يكن له بينة، فإنَّه يحلف له الدَّاخل على صفة دعواه، وتكون العين للدَّاخل؛ لقوّة يده عليها . ٢ - أمَّا إنْ أقام كلُّ واحدٍ منهما بينةً أنَّها له - كما في هذا الحديث - فقد اختلف العلماء فیمن تقدَّم بینته، وتکون العین له: فمذهب جمهور العلماء - ومنهم الأئمة الثلاثة - : أنَّها للدَّاخل، وهو صاحب اليد؛ وذلك عملاً بما يلي: -حديث الباب. - أنَّ الدَّاخل عنده زيادة على بينته؛ لأَنَّ يده على العين. - جنبه أقوى من الآخر . ٣- أمَّا تقديم بينة الخارج، فهو المشهور من مذهب الإمام أحمد، وهو من مفرداته . ٤- ولكن القول الأوَّل ـ قول الجمهور - أرجح؛ ولذا اختاره جمعٌ من علمائنا ، منهم: الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ ، والشيخ عبدالعزيز ابن باز مفتيا الدِّيار السعودية سابقًا، والشيخ عبدالرحمن بن ناصر بن سعدي أحد علماء الدِّيار السعودية وصاحب المؤلّفات النَّافعة، والله أعلم. ٢٣٢ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ١٢٣١ - وعَنْ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - ((أنَّ النَّبِيَّ وَ لَهُ رَدَّ اليَمِينَ عَلَى طَالِبِ الْحَقِّ)) رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَفِي إِسْنَادِهِ ضَعْفٌ(١). * درجة الحديث: الحدیث ضعيف. قال في التلخيص: رواه الدَّار قطني، والحاكم، والبيهقي، وفيه محمد بن مسروق لا يعرف، وفيه إسحاق بن الفرات مختَلَفٌ فيه. قال البيهقي: والاعتماد في هذا - يعني رد اليمين - على حديث القسامة، وهو حديثٌ صحيح، ثمَّ ساق الروايات في القسامة، وفيها رد اليمين قال: فهذه الأحاديث هي المعتمدة في ردِّ اليمين على المدَّعِي إذا لم يحلف المدَّعَى عليه. * ما يؤخذ من الحديث: ١- إذا ادَّعى المدَّعي شيئًا، وأنكر المدَّعَى عليه تلك الدعوى، وليس عند المدَّعِي بينةً تثبت دعواه، فإنَّ له اليمينَ على المدَّعَى عليه على نفي الدَّعوَى، فإنْ نَكَلَ عن اليمين، فهل يحكم عليه بالنكولِ وحده، أو يحكم به مع ردِّ اليمين على المدَّعِي فيحلف على صحّة دعواه ويحكم له بما ادَّعاه؟ فيها قولان لأهل العلم: أحدهما: أنَّه يحكم على النَّاكل بدون رد اليمين على المدَّعي؛ وهذا مذهب الإمامين: أبي حنيفة، وأحمد، وأصحابهما. قال في شرح الإقناع: وإنْ لم يحلف المدَّعَى عليه، قال له الحاكم: إنْ (١) الدَّارقطني (٢١٣/٤). ٢٣٣ كتاب القضاء - باب الدعاوى والبينات - حلفت، وإلاَّ قضيت عليك بالنكول، ويستحب أن يقول ذلك ثلاثًا؛ المعذرته، ولا تردُّ اليمين على المدَّعي. الثاني: وذهب الإمامان: مالك، والشَّافعي هُوَ رَدُّ اليمينِ على المدَّعِي، فإنْ حلف، قُضِيَ له؛ وهو قول علي بن أبي طالب، وشُرَيّح، وابن سيرين، والأوزاعي، والنخعي، واختاره أبو الخطّاب، وشيخ الإسلام، وتلميذه ابن القیم . قال ابن القيم: واحتج بهذا القول بأنَّ الشَّارع شرع اليمين مع الشَّاهد الواحد، ونكول المدعى عليه أضعفُ من شاهد المدَّعي، فهو أولى أنْ يقدَّم بيمين الطَّالب؛ فإنَّ النكول ليس بينة من المذَّعى عليه، ولا إقرارًا، وهو حجَّةٌ ضعيفة، فلم يَقْوَ على الاستقلال بالحكم، فإذا حلف معها المدَّعِي، قوي جانبه، فاجتمع النكول من المدَّعَى عليه، واليمينُ من المدَّعِي، فقاما مقام الشَّاهدين، أو الشَّاهد واليمين . ٢- وقال أيضًا: والصحيح أنَّ النكول يقوم مقام الشَّاهد والبينة، لا مقام الإقرار، ولا البذل؛ لأَنَّ النَّاكل صرَّح بالإنكار، وأنَّه لا يستحق المدَّعى به، وهو مصرٍّ على ذلك، متورِّعٌ عن اليمين، فكيف يقال: إنَّه مقرٌّ مع إصراره على الإنكار، ويجعل مكذِّبًا لنفسه. ٢٣٤ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ١٢٣٢ - وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: ((دَخَلَ النَّبيُّ بَلِّ ذَاتَ يَوْمِ مَسْرُورًا تَبْرُقُ أَسَارِيرُ وَجْهِهِ، فَقَالَ: ((أَلَمْ تَرَيْ إِلَى مُجَزٍِّ المُدْلِجِيِّ، نَّظَرَ آنِفًا إِلَىْ زَبْدِ بْنِ حَارِثَةَ، وَأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، فَقَالَ: هَذِهِ الأَقْدَامُ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ !! )) مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ (١). * مفردات الحديث: - مسرورًا: فرحًا، باديةً أسارير وجهه؛ من الغبطة، والفرح، والسرور. - تَبْرُق: بضم الرَّاءِ: تلمع، وتضيء، وتنير من الفرح. - أسارير وجهه: جمع أسرار، والأسرار جمع سِرَّ أو سَرَرٍ، وهو الخط في باطن الكف، وأريد بها هنا الخطوطُ التي في الجبهة . - مُجَزِّز المدلجي: بضم الميم، وفتح الجيم، وكسر الزَّاي الأولى مشدّدة، على صيغة اسم الفاعل، وبنو مدلج قبيلةٌ من قبائل كنانة من العدنانية مضرية، عُرِفَتْ بِعِلْمِ القيافة، والقائف: هو من يتبَّعُ الآثار، ويعرف بها شَبَهَ الرجل بأخيه وأبيه، والجمع قافة. - أسامة بن زيد: بن حارثة، من كلب بن وبرة، من شعب قضاعة، كان زيد أبيض اللون، وابنه أسامة أسمر، وكان النَّاس يرتابون فيهما، وكان هذا يؤذي النَّبِيَّ وََِّّ، فسُرَّ النَّبِيُّ ◌َِّ؛ لشهادة هذا القائف. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - كان زيد بن حارثة أبيض اللون، وكان ابنه أسامة أسمر، وكان النَّاس - من (١) البخاري (٦٧٧٠)، مسلم (١٤٥٩). ٢٣٥) كتاب القضاء - باب الدعاوى والبينات أجل اختلاف لونيهما - يرتابون فيهما، ويتكلَّمون في صحَّة نسبة أسامة إلى أبيه، ممَّا كان يُؤْذِي رسولَ الله ◌َله . ٢ - مرَّ عليهما مُجَزِّز المدلجي ((القائف))، وهما قد غطيا رأسيهما في قطيفة، وقد بدت أرجلهما، فقال: إنَّ هذه الأقدام بعضها من بعض؛ لما رأى بينهم من الشبه، وكان هذا على مسمع من النَّبِي وَّ؛ فسُرَّ بذلك سرورًا كثيرًا. ٣- دخل ◌َّ على عائشة، وأسارير وجهه تبرق فرحًا واستبشارًا؛ للاطمئنان إلى تأييدِ نَسَبِ أسامة إلى أبيه، ودحض كلام الَّذين يُطْلِقُون ألسنتهم في أعراض النَّاسِ بلا علم. ٤- فالحديث يدل على صحَّة العمل بقول القافة، واعتبارِهِمْ في صحَّة النسب، مع عدم ما هو أقوى منها؛ كالفراش؛ وهذا قول الأئمة الثلاثة؛ استدلالاً بهذا الحديث . وهذا هو الشَّاهد من الحديث في هذا الباب. ٥- يكفي قائفٌ واحد، ولكن اشترط العلماء فيه أنْ يكون عدلاً مجرَّبًا في الإصابة، وهذا حقٌّ؛ فإنَّه لا يقبل الخبر، ولا ينفذ الحكم، إلاَّ ممَّن اتصف بهذین الوصفَیْن . ٦ - تشُّوف الشَّارع الحكيم إلى صحَّة الأنساب، وإلحاقها بأصولها، وعدم إضاعتها . ٧- الفرح والاستبشار بالأخبار السَّارَّة وإشاعتها، خصوصًا ما فيه إزالة شبهة أو قولٍ سوء. ٨- اعتبار تأثير الوراثة بين الأصول والفروع شرعًا، وعرفًا، وعلمًا. ٩ - ظن الفقهاء أنَّ القائف يلحق الولد بأكثر من أب، لكن أثبت الطب الحديث أنَّ بيضة الأنثى لا يلحقها إلاَّ حيوان منويٍّ واحد، وأنَّه لا يمكن من حیوانین اثنين. ٢٣٦ توضيح الأحكام من بلوغ المرام قال الدكتور محمد علي البار: ممَّا لدينا من عِلْم الأجنّة نرى استحالة ذلك؛ لأَنَّ البيضة إنَّما تلقَّح بحيوان منوي واحد، وإذا تلقَّحت، لا يمكن تلقيحها مرّة أخرى بوطٍ ثان؛ وهذا ما ذهب إليه من علماء الشريعة: الشَّافعي، وابن القيم ، رحمهما الله تعالى. انتهى كتاب القضاء --------- ٢٣٧ كتاب العتق كتاب العثق - مقدمة العتق: بكسر العين، وسكون التَّاء، يُقال: عَتَقَ العبدُ - من باب ضرب - عَتْقًا وعِتَاقًا وَعَتَاقَة، فهو عتيق . والعتق لغة: الخلوصُ والحريّة، والخروجُ من الملكية. قال الأزهري: هو مشتق من قولهم: عَتَقَ الفرسُ: إذا سبق ونجا، وعتق الفرخ: طار واستقل؛ لأنَّ العبد يتخلَّص بالعتق ويذهب حيث شاء، فصارت المادّة تعبِّر عن الكرم، وما يتصل به، فيقال: فرس عتيق رائع، وعِتَاقُ الطير: کرائمها . وشرعًا: تحرير الرقبة، وتخليصها من الرق، وتثبيتُ الحرية لها . والأصل فيه الكتاب، والسنَّة، والإجماع: فأمَّا الكتاب: فمثل قوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢]. وأمَّا السنَّةَ: فكثيرةٌ جدًّا؛ ومنها ما جاء في البخاري (٦٧١٥) ومسلم (١٥٠٩) عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النَّبِي بَلَهُ: ((من أعتق رقبة مسلمة، أعتق الله بكلِّ عضوٍ منه عضوًا منه من النّار، حتَّى فرجه بفرجه)). وأحاديث الباب الآتية. وأجمعت الأمَّة على صحّة العتق، وحصولِ القربة به . وهنا مبحثان : ٢٣٨ توضيح الأحكام من بلوغ المرام أحدهما: في فضله . والثاني: في موقف الإسلام من الرِّق والعتق. أمَّا فضله: فيكفيك فيه هذا الحديث الصحيح، وهو ما رواه الترمذي (١٥٤٧) عن أبي أمامة وغيره من الصحابة، عن النَّبِيِّ وَّ قال: ((أيما امرىءٍ مسلم أعتق امْرَأَ مسلمًا، كان فكاكه من النّار)). والأحاديث والآثار الحاثَّة على فضل العتق والترغيب فيه كثيرة. وقد جعله الله تعالى أوَّل المكفِّرات؛ لما فيه من محو الذنوب، وتكفير الخطايا والآثام، والأجر العظيم، بقدر ما يترتَّب عليه من الإحسان. وليس إحسانٌ أَعظَمَ من فكاك المسلم من غلِّ الرِّق، وقيد الملك، فبعتقه تكمل إنسانيته، بعد أن كان كالبهيمة في تصريفها وتدبيرها. فمن أعتق رقبةً، فقد فاز بثواب الله، والله عنده حسن الثواب. المبحث الثاني: عاب بعض أعداء الدِّين الإسلامي إقرار الشريعة الإسلامية الرق الَّذي هو - في نظرهم - من الأعمال الهمجية جملة. لذا نحب أنْ نُبيِّنَ حال الرِّقِّ في الإسلام وغيره، ونبين موقف الإسلام منه بشيءٍ من الاختصار؛ لأَنَّ المقام لم يخصَّص لمثل هذه البحوث. فالإسلام لم يختص بالرقِّ، بل كان منتشرًا في جميع أقطار الأرض. فهو عند الفرس، والروم، والبابليين، واليونان وأقرَّه أساطينهم من أمثال أفلاطون، وأرسطو. وللرِّقِّ - عندهم - أسبابٌ متعدِّدة في الحرب، والسبي، والخطف، واللصوصية، بل يبيع أحدهم من تحت يده من الأولاد، وبعضهم يعدُّون الفلاحين أرقاء، وكانوا ينظرون إلى الأرقاء بعين الاحتقار والازدراء؛ فكانوا يمتهنونهم في الأعمال القذرة، والأعمال الشَّاقة. فـ(أرسطو)) من الأقدمين يرى أنَّهم غير مخلّدين، لا في عذابٍ، ولا في ---------- ٠٠٠ ٢٣٩ كتاب العتق نعیم، بل هم کالحيوانات. والفراعنة استعبدوا بني إسرائيل أشنع استعباد حتَّى قتلوا أبناءَهُمْ، واستخْیَوْا نساءهم. والأوربيون - بعد أن اكتشفوا أمريكا - عاملوا الأمريكيين أسوأ معاملة. هذا هو الرِّق بأسبابه وآثاره وكثرته في غير الإسلام. ولم نأتِ إلاّ بالقليل من شنائعه عندهم. فلننظر في الرق في الإسلام: أولاً: إنَّ الإسلام ضيَّق مورد الرِّق؛ إذ جعل النَّاس كلهم أحرارًا، لا يطرأ عليهم الرِّق إلاَّ بسببٍ واحدٍ، وهو أنْ يؤسروا وهم كفَّار مقاتلون، مع أنَّ الواجب على القائد أن يختار في المقاتلة من رجالهم الأصلح من الرق، أو الفداء، أو الإطلاق بلا فداء، حسب المصلحة العامَّة . فهذا هو السبب وحده في الرق، وهو سبب كما جاء في النقل الصحيح، ؛ فإنَّه يوافق العقل الصحيح أيضًا: فإنَّ من وقف في سبيل عقيدتي ودعوتي، وأراد الحدَّ من حريتي، وأَّب عليَّ، وحاربني، فجزاؤه أنْ أمسكه عندي ليفسح المجال أمامي وأمام دعوتي. هذا هو سبب الرِّق في الإسلام، لا النهب، والسلب، وبيع الأحرار، واستعبادهم؛ كما هو عند الأمم الأخرى. ثانيًا: إنَّ الإسلام رفَقَ بالرقيق، وَعَطَفَ عليهم، وتوغَّد على تكليفهم وإرهاقهم؛ فقال ◌َّ: ((الصَّلاة، وما ملكت أيمانكم)) [رواه أحمد (١١٧٥٩)]. وقال ◌َّ أيضًا: ((للمملوك طَعَامُهُ وقُوتُهُ، ولا يكلّف من العمل مالا یطیق)) [رواه مسلم]. بل إنَّ الإسلام رفع من قَدْرِ الرقيق حتَّى جعلهم إخوان أسيادهم: فقد قال وَّ: ((هم إخوانكم وخَوَلُكُمْ، جعلهم الله تحت أيديكم، فمن ٢٤٠ توضيح الأحكام من بلوغ المرام كان أخوه تحت يده، فليطعمه مما يأكل، وليلبسه مما يلبس، ولا تكلّفوهم ما يغلبهم، فإنْ كلفتموهم، فأعينوهم)) [رواه البخاري (٣٠) ومسلم (١٦٦١)]. ورفع من مقامهم عند مخاطبتهم حتَّى لا يشعروا بالضَّعَة؛ ولذا قال ◌َّر: ((لا يقل أحدكم: عبدي وأمتي، وليقل: فتايَ وفتاتي)) [رواه البخاري (٣٥٥٢) ومسلم (٢٢٤٩)]. كما أنَّ المقياس في الإسلام لكرامة الإنسان في الدنيا والآخرة لا يرجع إلى الأنساب والأعراقٍ، وإنَّما يرجع إلى الكفاءات، والقيم المعنوية؛ ﴿إِنَّ أَكْرَ مَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَنْقَنَكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣]. وقد بلغ شخصيات من الموالي - لفضلهم وقدرتهم - ما لم تبلغه ساداتهم؛ إذ قادوا الجيوش، وساسوا الأُمم، وتولَّوا الأعمال الجليلة بکفاءاتهم، التي هي أصل مجدهم. ومع ما رفع الشَّارع من مقام المملوك، فإنَّ له تشوُّفًا، وتطلُّعًا إلى تحرير الرقاب وفكِّ أغلالهم: فقد حثَّ على ذلك، ووَعَدَ عليه النَّجاةَ من النَّار، والفوزَ بالجنَّة، وقد تقدَّم بعضٌ من ذلك. ثُمَّ إِنَّه جَعَلَ لتحريرهم عدَّة أسباب بعضها قهرية، وبعضها اختيارية: فمن القهرية: أنَّ مَن جَرَحَ مملوكه، عَتَقَ عليه، فقد جاء في الحديث أنَّ رجلاً جدع أنف غلامه، فقال ◌َّ: ((اذهب فأنت حر، فقال: يارسول الله! فمولى من أنا؟ قال: مولى الله ورسوله)) [رواه أحمد (٦٦٧١)]. ومن أعتق نصيبه من مملوك مشترك، عَتَقَ نصيب شريكه قهرًا؛ كما في الحديث: «مَنْ أعتق شِرْكًا في مملوكٍ، وجب عليه أنْ يُعْتِقَّهُ كله)) [رواه البخاري (٢٥٠٣)، ومسلم (١٥٠١)] على تفصيلٍ فيما يأتي.