النص المفهرس

صفحات 121-140

-
١٢١
كتاب الأيمان
والكريم، فيمرِّن العبد نفسه، على أنَّه يصح له الاتصاف بالرحمة والكرم
الَّلائقة به، وما كان يختص بالله جلَّ وعلا كالجبّار والعظيم، فعلى العبد
الإقرار بها، والخضوع لها، وعدم التحلي بصفةٍ منها، وما كان فيه معنى
الوعد يقف فيه عند الطمع والرغبة، وما كان فيه الوعيد يقف منه عند الخشية
والرهبة.
ويؤكِّد هذا أنَّ حفظها لفظًا من دون عملٍ واتصاف، كحفظ القرآن من
دون عمل؛ كما جاء في الحديث: ((يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم)
[رواه البخاري (٣١٦٦) ومسلم (١٠٦٣)].
٦ - وهذه الأسماء لما لم يصح تعيينها، وعددها عن النَّبِي بَّ، فقد اختلف
العلماء فيها اختلافًا كبيرًا .
وبعضهم تتبعها من الكتاب والسنَّة، ومنهم الشيخ أبوالوفاء محمد
درويش في كتابه ((الأسماء الحسنى)).
٧ - قال الشيخ عبدالرحمن السعدي - رحمه الله تعالى : - في ((توحيد الأنبياء
والمرسلين)): وأتباعهم يعترفون، ويتبعون كل صفة للرحمن وردت في
الكتب الإلهية، وثبتت في النصوص النبوية، يعرفون معناها ويعقلونها
بقلوبهم، ويتعبدون الله تعالى بعلمها واعتقادها، ويعملون بما تقتضيه،
وذلك من الأحوال القلبية، والمعارف الربانية.
- فأوصاف العظمة، والكبرياء، والمجد، والجلال، تملأ قلوبهم هيبةً لله
وتعظيمًا له.
- وأوصاف العز، والقدرة، والجبروت، تخضع لها القلوب، وتذل بين
يدي ربها .
- وأوصاف الرحمة، والبر، والجود، والكرم، تملأ قلوبهم رغبةً وطمعًا
فيه، وفي فضله، وإحسانه، وجوده.

١٢٢
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
- وأوصاف العلم، والإحاطة، توجب لهم المراقبة في جميع الحركات
والسكنات .
ويعلم هذه المعاني الجليلة، وتحقيقها يُرجى للعبد أنْ يدخل في قوله
وَجَه: ((إنَّ الله تسعًا وتسعين اسما من أحصاها دخل الجنَّةً))، فإحصاؤها:
فهمها، وعقلها، والاعتراف بها، والتعبد لله تعالى بها.
** فوائد:
الأولى: أهل السنّة أثبتوا كلَّ ما جاء به الكتاب والسنَّة من صفات الله
:
تعالى، لا فرق عندهم بين صفات الذَّات، وصفات الأفعال المتعلقة بمشيئة الله
تعالى.
فكلها قائمةٌ بالله، والله تعالى موصوفٌ بها، من غير تحريف، ولا تعطيل،
ومن غير تكييف، ولا تمثيل، وإنَّما أثبتوا حقيقة الصفة على الوجه الَّذي يليق
بجلال الله تعالى، وأمَّا كيفية الصفة: ففوَّضوا علمها إلى الله تعالى، وبهذا
سَلِموا من تعطيل صفات الله تعالى، وسَلِمُوا من تشبيه الله بخلقه، حيث تورط
فيهما طائفتان ضالتان ممَّن أسرفوا في النَّفي، أو في الإثبات.
فإثبات صفات الله تعالى إثباتًا يليق بجلاله، وتفويض علم كيفية الصفة إلى
الله تعالى: قاعدةٌ مهمّة اعتمدها السلف الصَّالح في فهم صفات الله، فأغنتهم
عن تأويل آيات الصفات وأحاديثها، كما عصمتهم من أن يفهموا من الكتاب
والسنَّة مستحيلاً على الله تعالى من تشبيهه بخلقه؛ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ وَهُوَ
[الشورى: ١١].
السَّمِيعُ الْبَصِيرُ
الثانية: التحريف تغيير النص لفظًا، أو معنًى، فالتغيير اللفظي: يتغير معه
المعنى، وأمَّا التغيير المعنوي: فهو صرف اللفظ عن ظاهره بلا دليل.
وأمَّا التعطيل فمعناه إنكار جميع صفات الله تعالى، أو إنكار بعضها.
وأمَّا التمثيل: فهو إثبات مثيلٍ له ممَّا يقتضي المماثلة والمساواة.
-- ----
--------- ------
-- ----------

١٢٣
كتاب الأيمان
وأمَّا التكييف: فهو تكييف صفات الله تعالى بأنْ يحكي للصفة كيفية
مطلقة .
وأمَّا التشبيه: فهو أنْ يجعل لصفة الله شبهًا مقيدًا بصفة خلقه.
الثالثة: كما يجب تنزيه الله تعالى في ذاته وصفاته عن جميع النقائص
والعيوب، فإنَّه - أيضًا - يجب تنزيه الله في أسمائه تعالى عنها.
الرّابعة: أسماء الله تعالى وصفاته توقيفية، فلا يصح أنْ يسمَّى الله تعالى،
أو يوصف إلاَّ بما سمَّى به نفسه، أو وصف به نفسه، أو سمَّاه به أو وصفه نبيه
ورسوله ◌َّة، ممَّا جاء في كتابه، أو على لسان رسوله وَله .
الخامسة: أسماء الله الحسنى يدل الاسم منها على ثلاثة أمور:
أحدها: دلالته على ذات الله تعالى.
الثاني: دلالته على صفة الله تعالى .
الثالث: دلالته على صفاتٍ أخرى بطريق الالتزام.
فإنْ دلَّ الاسم على الذَّات وحدها، أو دلَّ على الصفة وحدها، فهي دلالة
تضمن؛ لأَنَّ المعنى المراد بعض اللفظ، وداخل ضمنه .
وأمَّا إنْ أُريد بدلالته الذَّات والصفة معًا، فهي دلالة مطابقة؛ لأَنَّ اللفظ
طابق معناه بالكامل .
مثال ذلك: ((الرحمن)) :
فإنَّه يدل على الذَّات وحدها، وعلى الرحمة وحدها؛ فدلالته على واحدٍ
منهما دلالة تضمن .
أمَّا دلالته على الذَّات والرحمة معًا، فهي دلالة مطابقة؛ لأَنَّ اللفظ طابق
معناه .
أمَّا دلالة الالتزام: فإنَّ الذَّات المتصفة بالرحمة يلزم لها الحياة والعلم؛
فدلالته على هاتين الصفتين دلالة التزام.

١٢٤
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
والمتأمِّل للمعاني، وما يلزم لها يستفيد علمًا كثيرًا تحصل له من الدليل
الواحد .
السَّادسة: أنَّ أسماء الله تعالى تدل على الذَّات، وعلى الصفة كما تقدَّم،
والوصف الَّذي يدل عليه الاسم نوعان: متعدٍّ وغير متعدٍّ: فإن كان متعديًا فهو
يتضمن أمرين :
أحدهما: ثبوت الصفة .
الثاني : ثبوت حكمها .
مثال ذلك (الحکیم)»:
فهو يدل على ثبوت الحكمة من لله تعالى.
ويدل على حكمها ومقتضاها؛ وذلك بأنَّ أفعال الله وتدابيره قائمةٌ كلها
على الحكمة الرشيدة، وذلك بوضع الأمور في مواضعها المناسبة لها واللَّثقة
بها .
أمَّا صفة الاسم التي لا تتعدَّى، فإنَّها تدل على مجرَّد ثبوت الصفة لله
تعالى، بدون تعدية إلى حكم ومقتضى؛ كصفة الحياة.
------- ----

١٢٥
كتاب الأيمان
فصل
حول أسماء الله تعالى وصفاته
من كتاب ((بدائع الفوائد)) لابن القيم
رحمه الله تعالى
وقد يكون في بعض فقراته تكرار مع ما تقدَّم :
أوَّلًا: ما يجري صفة أو خبرًا على الرب تبارك وتعالى أقسام:
أحدها: ما يرجع إلى نفس الذات؛ كقولك: ذات، وموجود، وشيء.
الثاني : ما يرجع إلى صفات معنوية؛ كالعليم، والقدير، والسميع.
الثالث: ما يرجع إلى أفعاله؛ كالخالق، والرازق.
الرَّابع: ما يرجع إلى التنزيه المحض؛ كالقدوس، والسَّلام، ولا بُدَّ في
هذا من تضمنه ثبوتًا؛ إذ لا كمال في العدم المحض .
الخامس: الاسم الدَّال على جملة أوصاف عديدة؛ نحو المجيد،
والعظيم، والصمد:
فإنَّ المجيد: هو من اتصف بصفاتٍ متعددة من صفات الكمال، ولفظه
يدل على هذا.
ومثله العظيم: فهو من اتصف بصفاتٍ كثيرةٍ من صفات الكمال.
وكذلك الصمد: فإنَّه الَّذي كمل في سؤدده، فهو الَّذي يصمد إليه النَّاس
في حوائجهم وأمورهم.

١٢٦
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
ثانيًا: ما يدخل في باب الإخبار عنه تعالى أوسع ممَّا يدخل في باب
أسمائه وصفاته؛ كالشيء، والموجود، والقائم بنفسه؛ فإنَّه يُخْبِرُ به عنه، ولكنَّه
لا يدخل في أسمائه الحسنى، وصفاته العلى.
ثالثاً: لا يلزم من الإخبار عنه بالفعل مقيدًا أنْ يشتق منه اسم مطلق؛ كما
غلط فيه بعض المتأخرين، فجعل من أسمائه الحسنى ((المضل))، و((الفاتن))،
((الماكر))، تعالى الله عن قوله؛ فإنَّ هذه الأسماء لم يطلق عليه سبحانه منها إلاَّ
أفعال مخصوصة معيَّنة؛ فلا يجوز أنْ يسمَّى بأسمائها المطلقة.
رابعًا: أنَّ الاسم من أسمائه له دلالاتٌ:
(أ) دلالة على الذَّات، والصفة؛ فهذه المطابقة.
(ب) ودلالةٌ على أحدهما؛ فهي بالتضمن .
(ج) ودلالة على الصفة الأخرى؛ فهي باللزوم.
خامسًا: أسماء الله تعالى الحسنى هي أعلامٌ، وأوصاف، والوصف بها لا
ينافي العلمية .
سادسًا: أسماؤه الحسنى لها اعتباران: اعتبارٌ من حيث الذَّات، واعتبارٌ
من حيث الصفات، فهي بالاعتبار الأَوَّل مترادفة، وبالاعتبار الثاني متباينة .
---
سابعًا: أنَّ ما يطلق عليه تعالى من باب الأسماء والصفات فهو توقيفي.
وما يطلق عليه من الأخبار لا يجب أنْ يكون توقيفيًّا، كالقديم، والشيء،
والموجود، والقائم بنفسه.
ثامناً: أنَّ الاسم إذا أُطلق عليه؛ فإنَّه يجوز أنْ يشتق منه المصدر، والفعل،
فيخبر عنه به فعلاً، أو مصدرًا؛ نحو السميع، والبصير، والقدير، يطلق عليه
السمع، والبصر، والقدرة، ويخبر عنه بالأفعال من نحو ﴿قد سمع الله﴾
[المجادلة: ١] و﴿فنعم القادرون﴾ [المرسلات: ٢٣].
تاسعًا: أسماؤه تعالى كلها حسنى ليس فيها اسم غير ذلك أصلاً؛ فإنَّ من
--- -------
---- --
---------- -------- ---
----------------- ----
----
-----
---

١٢٧
كتاب الأيمان
أسمائه ما يطلق عليه باعتبار الفعل؛ نحو الخالق، والرَّازق، وهذا يدل على أنَّ
أفعاله كلها خيرٌ محض، لاشرَّ فيها؛ لأَنَّه لو فعل الشر لاشتُقَّ منه اسم، ولم
تكن كلها حسنى، فالشر ليس إليه، فلا يضاف إليه، لا فعلاً، ولا وصفًا، وإنَّما
يدخل في مفعولاته، وفرقٌ بين الفعل والمفعول، فالشر قائمٌ بمفعوله المباين
له، لا بفعله الَّذي هو فعله.
فتأمَّل هذا فإنَّه قد خفي على كثيرٍ من المتكلمين، وزلَّت فيه أقدام،
وضلَّت فيه أفهام، وهدى الله أهل الحق لما اختلفوا فيه بإذنه، والله يهدي من
يشاء إلى صراطٍ مستقيم .
عاشرًا: أسماء الله الحسنى لا تدخل تحت حصر، ولا تحد بعدد؛ فإنَّ لله
تعالى أسماءً وصفات استأثر بها في علم الغيب عنده، لا يعلمها ملكٌ مقرَّبٌ،
ولا نبيٌّ مرسل؛ كما في الحديث الصحيح: «أو استأثرت به في علم الغيب
عندك)) [رواه أحمد (٣٧٠٤)]. أي: انفردت بعلمه.
ومن هذا قول النَّبيِ وَّ في حديث الشَّفاعة: ((فيفتح الله عليَّ من محامده
بما لا أحسنه الآن)) [رواه البخاري (٤٤٣٥) ومسلم (١٩٤)].
ومنه قوله : ((لا أحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيت على نفسك)) [رواه
مسلم (٤٨٦)].
حادي عشر: أنَّ أسماء الله تعالى منها: ما يطلق عليه مفردًا، ويكون
- أيضًا - مقترنًا بغيرها، وهذا هو غالب الأسماء، كالقدير، والسميع،
والبصير، والعزيز، والحكيم، فهذا يسوغ أنْ يدعى به مفردًا أومقترنًا بغيره.
ومنها: ما لا يطلق عليه بمفرده، بل مقرونًا بمقابله؛ كالمانع، والضار،
والمنتقم، فهذا لا يجوز أنْ يفرد عن مقابله، فتقول: المعطي المانع، الضار
التَّافع، المنتقم العفو، المعز المذل؛ لأنَّ الكمال في اقتران كل اسمٍ من هذه
بما يقابله؛ لأَنَّه يراد به أنَّه المنفرد بالربوبية، وتدبير الخلق، والتصرف فيهم،

١٢٨
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
عطاءً ومنعًا، ونفعًا وضرًا، وعفوًا وانتقامًا، وأمَّا أن تثني عليه بمجرَّد المنع
والانتقام فلا يسوغ، فهذه الأسماء المزدوجة تجري الأسماء منها مجرى الاسم
الواحد، وإنْ تعددت لم تطلق إلاَّ مقترنة.
ثاني عشر: أنَّ من أسمائه تعالى الحسنى ما يكون دالاً على عدَّة صفات،
ويكون الاسم متناولاً لجميعها؛ كالعظيم، والمجيد، والصمد.
فالعظيم: الَّذي قد كمل في عظمته، والصمد: الّذي كمل في سؤدده،
وهذا ممَّا يخفى على كثيرٍ ممَّن تعاطى الكلام في تفسير الأسماء الحسنى، ففسَّر
الاسم بدون معناه الكامل، ونقصه من حيث لا يعلم.
فمن لم يحط بهذا علمًا، بخس الاسم الأعظم حقه، وهضمه معناه،
فتدبره.
ثالث عشر : إحصاء الأسماء الحسنى والعلم بها أصلٌ للعلم بكلِّ معلومٍ،
فإنَّ المعلومات إمّا أنْ تكون خلقًا له، أو أمرًا، فهي إمَّا علم بما كونه، أو علم
بما شرعه، فالخلق والأمر مرتبطان بالأسماء الحسنى ارتباط المقتضى
بمقتضيه؛ لذا صار العلم بها أصلاً لسائر العلوم، فمن أحصى أسماءه كما ينبغي
فقد أحصى جميع العلوم؛ لأَنَّ المعلومات هي مقتضاها، ومرتبطةٌ بها، وتأمَّل
صدور الخلق والأمر عن علمه، وحكمته تعالى؛ فإنَّك لا تجد فيها خللاً ولا
تفاوتًا؛ لأَنَّ الخلل الواقع فيما يأمر به العبد، أو يفعله؛ إمّا أنْ يكون لجهله به،
أو لعدم حکمته.
وأمَّا الرب فهو العليم الحكيم، فلا يلحق فعله ولا أمره خللٌ ولا تفاوت.
رَّابع عشر: وهي الجامعة لما تقدم.
وذلك معرفة الإلحاد في أسماء الله تعالى حتَّى لا يقع المسلم فيه؛ قال
تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْمُسْنَى فَادْعُوهُ بِهِّا وَذَرُواْ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَتْبِهِ، سَيُجْزَوْنَ مَا
كَانُواْ يَعْمَلُونَ الـ
﴾ [الأعراف].
١٨٠
-- ----------
---

١٢٩
كتاب الأيمان
والإلحاد في أسمائه: هو العدول بها، وبحقائقها، ومعانيها، عن الحقِّ
الثَّابت لها، وهو مأخوذٌ من المیل؛ کما يدل عليه مادته.
والإلحاد في أسمائه تعالى أنواع:
أحدها: أنْ تسمى الأصنام بها؛ كتسميتهم اللات من الله، والعزَّى من
العزيز.
الثاني: نسبته تعالى إلى ما لا يليق بجلاله؛ كنسبة النصارى له ابنًا، ونسبة
الفلاسفة له موجبًا بذاته، أو علَّة فاعلة بالطبع .
الثالث: وصفه بما يتعالى عنه ويتقدَّس من النقائص؛ كقول أخبث
اليهود: إنَّه فقير، وقولهم: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ [المائدة: ٦٥].
الرَّابع: تعطيل الأسماء عن معانيها، وجحد حقائقها؛ كقول الجهمية
وأتباعهم: إنَّها ألفاظ مجرَّدة، لا تتضمن صفات، ولا معاني، فيقولون: هو
السميع، والبصير، ولا سمع، ولا بصر، وهذا من أعظم الإلحاد عقلاً وشرعًا.
فكل من جحد شيئًا ممَّا وصف الله به نفسه أو وصفه به رسوله، فقد ألحد في ذلك.
الخامس: تشبيه صفاته بصفات خلقه؛ فهذا الإلحاد في مقابلة إلحاد
المعطلة؛ فإنَّ أولئك نفوا صفات كماله، وهؤلاء شبهوها بصفات خلقه،
فجمعهم الإلحاد، وتفرقت بهم طرقه، وبرَّأ الله أتباع رسوله عن ذلك، فلم
يصفوه إلاَّ بما وصف به نفسه، ولم يجحدوا صفاته، ولم يشبهوها بصفات
خلقه، فكان إثباتهم بريئًا من التشبيه، وتنزيههم خاليًا من التعطيل.
وبعد: فهذه قواعد عليك بمعرفتها ومراعاتها، ثمَّ اشرح الأسماء الحسنى
إن وجدت قلبًا عاقلاً، وإلا فالسكوت أولى بك، فجناب الربوبية أجل ممَّا
يخطر بالبال، أو يعبر عنه المقال، والله أعلم.

١٣٠
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
١١٩٣ - وَعَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - قَالَ: قَالَ
رَسُوْلُ اللهِ وَهَ: (مَنْ صُنِعَ إِلَيْهِ مَعْرُوفٌ، فَقَالَ لِفَاعِلِهِ: جَزَاكَ الله
خَيْرًا، فَقَدْ أَبْلَغَ فِي الثَّنَاءِ)) أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَصَخَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ(١).
* درجة الحديث:
الحديث حسن .
قال الألباني: قال في الفردوس للديلمي: رواه الترمذي، والنسائي،
وابن حبان، عن أسامة بن زيد، ورمز له السيوطي بالصحة.
قال الترمذي في جامعه: حسنٌ صحيح غريب .
وقد صحّحه الترمذي وابن حبان، وقال المناوي: إسناده صحيح.
وله شاهد من حديث أبي هريرة، أخرجه الطبراني في الدعاء، وفيه
يوسف بن عبيدة، وهو ضعيف.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - فاعل المعروف ابتداءً له فضل ومنَّة على المسدى إليه ذلك المعروف، سواءٌ
أكان معروفًا ماديًّا، أو معنويًّا؛ لأنَّ الابتداء بالإحسان يدل على نفسٍ كريمةٍ
لصاحبه، ومحبَّةٍ للخير والإحسان.
٢ - فمِن حسن الأدب، وكمال المروءة، وطيب المقابلة: أنْ يكافئه المحسَنُ
إليه على إحسانه ومعروفه، وأنْ لا يهمله ويتركه؛ فإنَّه من الجفاء، وبلادة
الطبع .
٣- إذا لم يجد المحسَنُ إليه من الأشياء المادية ما يكافىء بها المحسِنَ، فليَدْعُ
(١) الترمذي (٢٠٣٥)، ابن حبان (٣٤٠٤).

١٣١
كتاب الأيمان
له، وليشكُرْهُ، ومن أفضل ألفاظ الدعاء والشكر قوله: ((جزاك الله خيرًا» فإنَّ
هذا أبلغ الثناء؛ ذلك أنَّ الجزاء إذا كان من الله تعالى كان عظيمًا؛ فإنَّ جزاء
الله وعطاءه لا نهاية له، ولفظ ((الخير)) كلمة طيبة تشمل خيري الدنيا
والآخرة .
٤- وإذا كان مكافأة المخلوق المحسن مستحبة وجميلة، وهو ليس له من
المعروف والإحسان إلاَّ أنَّه سبب، وإنَّما المعطي هو الله تعالى، فكيف
يكون وجوب شكر المنعم الأوَّل، وصاحبِ النعم العظمى والهبات
الكبرى، الَّذي لا ينقطع مدده، ولا يتوقف إحسانه.
فالواجب أنْ يكون دائم الشكر لله تعالى على إحسانه وامتنانه؛ قال
تعالى: ﴿لَيِنِ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَبِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ
[إبراهيم: ٧]، والمراد هنا كفر النعم وجحدها، بعدم أداء الشكر فيها ،
اعتقادًا، وقولاً، وعملاً، والله الموفق.

١٣٢
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
باب النذر
مقدمة
النذر لغةً: مصدر نذرتُ أَنذُر، بضم الذَّال وكسرها، فأنا ناذر، أي:
أوجبتُ على نفسي شيئًا لم يكن واجبًا عليَّ.
وشرعًا: هو إلزامُ مكلفٍ مختارِ نفسَه لله تعالى شيئًا غير لازم بأصل
الشرع، بكلِّ قولٍ يدل عليه، ولو كان من كافر لعبادة فيصح.
والنذر مكروه، ولو عبادةً، والوفاء به بشروطه: واجب.
والنذر المنعقد ستّة أقسام :
١- النذر المطلق: كقوله: لله عليَّ نذر، ولم يسم شيئًا، ولله عليَّ نذر إنْ فعلت
کذا، وفعله، فیلزمہ کفّارة یمین.
٢- نذر اللجاج والغضب: وهو تعليق نذر بشرط يقصد منه المنع، أو الحمل
عليه؛ فيخير بين فعل ما نذره، وبين كفَّارة يمين.
٣- نذر فعل مباح: كقوله: لله عليَّ أن ألبس ثوبي ونحوه؛ فيُخيَّر أيضًا بين فعله
وكفّارة یمین .
٤ - نذر المكروه: كنذر الطلاق ونحوه؛ فيسن أنْ يكفِّر ولا يفعله.
٥ - نذر المعصية: كنذر القتل؛ فيحرم الوفاء به، ويكفر كفَّارة يمين.
٦ - نذر التبرر: كالصلاة والصوم ونحوه بقصد التقرب إلى الله مطلقًا، أو أنْ
يعلق نذره بحصول نعمةٍ، أو دفع نقمة؛ فيلزمه الوفاء به إذا وجد شرطه .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: النذر للقبور، أو لأهل القبور، أو للشيخ
فلان: نذر معصية، لا يجوز الوفاء به .

١٣٣
كتاب الأيمان - باب النذر
١١٩٤ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - عَنِ النَّبِّ ◌ََّ: ((أَنَّه
نَهَى عَنِ النَّْرِ، وَقَالَ: إِنَّه لاَ يَأْتِي بخيرٍ، وَإِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنَ
البَخِيلِ)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١).
* مفردات الحديث:
- لا يأتي بخير: أي أنَّ عقباه لا تُحْمَد، وقد يتعذَّر الوفاء به .
- يُستخرج به من البخيل: يعني أنَّ البخيل لا يُخرج الصدقة، ولا يقدم على
الإحسان إلاَّ بأمرٍ يكون لازمًا عليه، والنَّذر يضطره إلى ذلك.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - النَّهي عن النَّذر، والنَّهي يقتضي التحريم، والّذي صرفه عن التحريم إلى
الكراهة هو مدح الموفین به .
قال في الاختيارات: توقف أبوالعباس في تحريم النذر، وحرَّمه طائفةٌ
من أهل الحديث.
وقد أجمع العلماء على الوفاء به .
٢ - العلَّة في النَّهي عنه هو: ((أنَّه لا يأتي بخيرٍ، وإنَّما يستخرج به من البخيل))،
الَّذي غايته القيام بالواجب بأصل الشرع، ويثقل عليه ما عداه من فضائل
الأعمال.
٣- وممَّا يجعل النَّذر مكروهًا هو أنَّ النَّاذر يشارط الله تعالى، ويعاوضه على أنَّه
إنْ حصل له مطلوبه، أو زال عنه ما يكرهُ، قام بالعبادة التي نذرها، وإلاَّ لم
يقم بها، والله تعالى غنيٌّ عن العباد، وعن طاعاتهم.
(١) البخاري (٦٦٠٨)، مسلم (١٦٣٩).

١٣٤
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
٤- النَّذر لا يرد من قضاء الله شيئًا، ولكن رُبَّما لو صادف أنَّ النذر وافق حصول
مطلوب، أو دفع مكروه، ظنَّ النَّاذر أنَّ هذا بسبب نذره الّذي علق القيام به
على حصول مطلوبه، أو دفع مكروهه.
٥- المسلم في سعة، فإذا نذر عبادة من العبادات، أوجب على نفسه ما لم
يوجبه الله تعالى عليه، وقد يقصِّر في أدائها، فيلحقه الإثم.
٦ - الله تعالى قدَّر الواجبات على العباد بقدر يسهل عليهم أداؤه، وجعل الزَّائد
نوافل حتى لا يثقل على الناس العبادات.
وهذا بابٌ واسعٌ، من تتبَّعه، عرف أنَّ العبد إذا أولج نفسه فيما لم يوجبه
الله عليه، كان معرَّضًا لعدم الوفاء، وأنَّه لا يفي بما ألزم به نفسه إلاَّ القليل؛
وذلك لتقصير النَّفس، وتثبيط الشيطان له، وقد أشار الله تعالى إلى القليل
الموفين بعهده؛ فقال: ﴿مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَهَدُواْ اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب]
٧ - باب النَّذر من غرائب مسائل العلم؛ لأَنَّ عقده مكروه، والوفاء به واجب،
والأصل أنَّ الوسائل لها أحكام المقاصد، ولكن الحكمة ظاهرة في ذلك.
٨- النَّذر المكروه هو ما كان لطاعة الله، فأمَّا النذر للموتى، وللقبور، والطواغيت،
والشياطين، وغيرهم، فهذا هو الشرك، نعوذ بالله تعالى من غضبه، وأسباب
غضبه .
٩- قال شيخ الإسلام: ما وجب بأصل الشرع إذا نذره العبد، أو عاهد، أو بايع
عليه الإمام، يكون وجوبه من وجهين، ويكون تركه موجبًا لترك الواجب
بالشرع، والواجب بالنذر، بحيث يستحق تاركه من العقوبة ما يستحقه
ناقض العهود والمواثيق، وما يستحقه عاصي الله ورسوله، وهذا هو
التحقيق، ونصَّ عليه أحمد، وقاله طائفة من العلماء.
---
------ ----
------ - -------- -- -----

١٣٥
كتاب الأيمان - باب النذر
١١٩٥ - وَعَنْ عُقْبَةَ بْن عَامِرٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالَ
رَسُوْلُ اللهِ ◌َِّ: ((كَفَّارَةُ النَّْرِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ)) رَوَاهُ مُسْلِمٌ .
وَزَادَ التِّرْمِذِيُّ فِيهِ: ((إِذَا لَمْ يُسَمِّهِ)) وَصَخَّحَهُ(١).
وَلأَّبِي دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا: ((مَنْ نَذَرَ نَذْرًا لَمْ
يُسَمَّ، فَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينِ، وَمَنْ نَذَرَ نَذْرًا فِي مَعْصِيةٍ، فَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةٌ
يَمِينٍ، وَمَنْ نَذَرَ نَذْرًا لاَ يُطِيقُهُ، فَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِين))، وَإِسْنَادُهُ
صَحِيحٌ، إِلاَّ أَنَّ الحُفَّاظَ رَجَّحُوا وَقْفَهُ(٢).
وَلِلْبُخَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ: ((وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَ اللهَ، فَلاَ
يَعْصِهِ))(٣) .
وَلِمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ عِمْرَانَ: ((لاَ وَفَاءَ لِنَذْرِ فِي مَعْصِيَةٍ)) (٤)
درجة الحديث:
الزيادات التي ليست في الصحيحين، بيَّن الحافظ ابن حجر درجتها .
* مفردات الحديث:
- نذر: نذر ينذر من باب ضرب، وقال في المصباح: الصواب أنَّه من باب قتل.
(١) مسلم (١٦٤٥)، الترمذي (١٥٢٨).
(٢)
أبوداود (٣٣٢٢).
(٣) البخاري (٦٧٠٠).
(٤) مسلم (١٦٤١).

١٣٦
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
النذر لغة: الإيجاب.
وشرعًا: إلزام مكلف مختارٍ نفسَهُ لله تعالى شيئًا.
- كَفَّارة: على وزن فعالة بالتشديد، من الكفر، وهو التغطية، سميت بذلك؛
لأَنَّها تكفِّر الذنب، أي: تستره، واصطلاحًا: ما يكفر به؛ من عتقٍ، أو صوم،
أو صدقةٍ .
* ما يؤخذ من الحديث:
في الحديث بيان أنواع النذور:
أحدها: أنَّ ينذر نذرًا مطلقًا، كأن يقول: لله عليَّ نذرٌ، ولم يسم شيئًا، أو
لله عليَّ نذر إنْ فعلت كذا، وفعله، فهذا يجب عليه في حنثه كفَّارة يمين.
الثاني: أنْ ينذر فعل معصية من المعاصي، أو ترك واجب من الواجبات
عليه، فهذا يجب عليه الحنث؛ لحديث: ((من نذر أنْ يعصي الله، فلا يعصه))،
وعلیه كفّارة یمین.
قال في المقنع: ويحتمل أنْ لا ينعقد النذر المباح، ولا المعصية، ولا يجب
به كفارة، وجزم به الموفّق في العمدة، وهو مذهب مالك والشافعي؛ لقوله
وَله: ((لا نذر في معصية الله، ولا فيما لا يملك العبد)) [رواه مسلم (١٦٤١)].
ولقوله وَلّ: ((لاَ نَذْرَ إلاَّ فِيمَا ابتغي به وجه الله)) [رواه أبوداود (٢١٩٠)].
قال الإمام مالك: لم أسمع أنَّ رسول الله وَله أمر ناذر المعصية، أو تارك
الطاعة بكفارة .
وذكر الوزير: أنَّه مذهب الأئمة الثلاثة، واختاره الشيخ تقي الدِّين.
الثالث: أن ينذر نذرًا لا يطيقه ويشق عليه مشقَّة كبيرة؛ من عبادة بدنية
مستمرة، أو نفقات من ماله باهظة، فعليه كفارة يمين؛ فقد أخرج البيهقي عن
عائشة - رضي الله عنها - في رجلٍ جعل ماله للمساكين صدقة، فقالت: ((كفارة
یمین)) .

١٣٧
كتاب الأيمان - باب النذر
وقال الأثرم بسنده إلى عكرمة، عن ابن عباس: سُئِل عن رجل جعل ماله
في المساكين؟ فقال: أمسِكْ عليك مالك، وكفِّر عن يمينك.
وقال شيخ الإسلام: لو نذر عبادةً مكروهةً؛ مثل قيام الليل كله، أو صيام
الدهر كله، لم يجب الوفاء بهذا النَّذر، وعليه كفَّارة يمين.
وقالت الهيئة الدَّائمة في دار الإفتاء: لأَنَّ نذر الطَّاعة عبادةٌ من العبادات
مدح الله الموفين به؛ فقال: ﴿يُوفُونَ بِالنَّدْرِ﴾ [الإنسان: ٧]، فإنْ نذر العبادات
المكروهة فيكره؛ لأنّه معصية، ولا وفاء بالنذر بها .
الرَّابع: نذر التبرر؛ كالصلاة، والصوم، والحج، والعمرة، بقصد
التقرب إلى الله تعالى، فيلزم الوفاء، سواءٌ نذره نذرًا مطلقًا، أو علَّقه على
حصول نعمة، أو اندفاع نقمة؛ كقوله: إنْ شَفَى الله مريضي، أو سَلِمَ مَالِي
الغائب، ونحوه، فعليه كذا، أو حلف بقصد التقرب، كقوله: إنْ سلم مالي
لأتصدقنَّ بكذا، فيلزمه الوفاء به إذا وُجِدَ شرطه .

١٣٨
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
١١٩٦ - وَعَنْ عُقْبَةَ بْن عَامِرٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: ((نَذَرَتْ
أُخْتِي أَنْ تَمْشِيَ إِلَى بَيِّتِ اللهِ حَافِيَّةً، فَأَمَرَتْنِي أَنْ أَسْتَفْتِيَ لَهَا رَسُولَ اللهِ
وَّةِ: لِتَمْشِ وَلْتَرْكَبْ)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ،
وَه، فَاسْتَفْتَيْتُهُ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ
وَالَلَفْظُ لِمُسْلِمٍ.
وَلأَحْمَدَ وَالأَرْبَعَةِ: ((فَقَالَ: إِنَّ اللهَ تَعَالَىْ لاَ يَصْنَعُ بِشَقَاءِ أُخْتِكَ
شَيْئًا، مُرْهَا فَلْتَخْتَمِرْ، وَلْتَرْكَبْ، وَلْتَصُمْ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ»(١).
* درجة الحديث:
رواية أحمد، والأربعة: قال عنها الترمذي: إنَّه حديثٌ حسنٌ صحيح،
لکن قال المنذري: في إسناده عبيدالله بن زحر، وقد تكلّم فيه غیر واحد.
وقال عنه ابن حجر في التقريب: صدوقٌ يخطىء؛ لكن ذكر هذه الرواية
ابن حجر في الفتح في زيادات الباب ممَّا يدل على حسنها، والله أعلم.
* مفردات الحديث:
- حافية: قال في المحيط: حَفِيَ الرَّجل يحفى حفّى: رقَّت قدمه من كثرة
المشي، أو هو المشي بلا خف ولا نعل، فهو حافٍ، وهي حافية.
- شقاء: يُقال: شقي يشقى شقاءً، والشقاء: الشدَّة والعسرة.
- تختمر: يُقال: اختمرت المرأة، أي: لبست الخمار، والخمار ما تغطي به
المرأة رأسها ووجهها، وجمع الخمار: خُمُر.
(١) البخاري (١٨٦٦)، مسلم (١٦٤٤)، أحمد (١٤٣/٤)، أبوداود (٣٢٩٣)، الترمذي
(١٥٤٤)، النسائي (٢٠/٧)، ابن ماجة (٢١٣٤).

١٣٩
كتاب الأيمان - باب النذر
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - يدل الحديث على أنَّ من نذر الحج أو العمرة ماشيًا أنَّه لا يلزمه الوفاء
بنذره، وإنَّما له أنْ يمشي طاقته، ويركب ما شاء، وأنَّ عليه كفَّارة يمين.
٢ - أنَّ النَّذر فيما يشق على العبد من الأعمال والطاعات مكروه، وإذا وقع من
العبد فلا يلزم به، ومذهب الإمام أحمد: أنَّ على النَّاذر كفَّارة يمين؛ لعدم
الوفاء بنذره، ومذهب الأئمة الثلاثة: أنَّه لا يجب عليه كفَّارة.
٣- جاء في رواية أحمد (٢٨٢٤) وأبي داود (٣٢٩٥) من هذا الحديث:
((ولتكفِّر عن يمينها))، ورواية الباب: (ولتصم ثلاثة أيَّام))، ولأَحمد أيضًا:
((ولتهد بدنة))، لكن قال البخاري: لا يصح الهدي، ولم يجىء في الأحاديث
الصحيحة كفَّارة لما ليس بطاعة .
٤ - أمَّا كفَّارة اليمين، فقال تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِلَّلْغْوِ فِيَّ أَيْمَنِكُمْ وَلَكِن
يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدُمُ الْأَيْمَنَّ فَكَفََّرَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةٍ مَسَكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ
أَهْلِيكُمْ أَو كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَضِيَامُ ثَلَاثَةٍ أَيَّاءٍ ذَلِكَ كَفََّرَةُ
أَيَّمَنِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ [المائدة: ٨٩]:
قال في شرح الإقناع وغيره مستدلين بهذه الآية: يخير من لزمته الكفارة
بين ثلاثة أشياء :
- إطعام عشرة مساكين .
- كسوة عشرة مساكين .
- تحرير رقبة مؤمنة .
فإنْ لم يجد بأنْ عجز عن العتق، والإطعام، والكسوة، فصيام ثلاثة أيَّام،
ولا ينتقل المكفِّر إلى الصوم إلاّ إذا عجز؛ للّآية.
٥- قال في شرح الإقناع: ويجوز أن يطعم بعضًا من العشرة، ويكسو بعضًا منهم.
وتجب كفَّارة يمين ونذر على الفور إذا حنث؛ لأَنَّهُ الأصل في الأمر المطلق.

١٤٠)
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
١١٠٧ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - قَالَ: ((اسْتَفْتَى
سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ رَسُولَ اللهِ بَّهِ فِي نَذْرٍ كَانَ عَلىَ أُمِّهِ، تُوفِّيَتْ قَبْلَ أَنْ
تَقْضِيَةُ؟ فَقَالَ: اقْضِهِ عَنْهَا)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١) .
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - أنَّ الوفاء بالنَّذر عبادة يجب أداؤها، وقد أثنى الله تعالى على الموفين بالنَّذر
في عدَّة آياتٍ كريمات.
٢ - أنَّ من مات وعليه نذر طاعة، شُرِعَ لوارثه أنْ يقضيه عنه .
٣- النَّذر الَّذي على أمِّ سعد بن عبادة قيل: كان صومًا، وقيل: عتقًا، وقيل:
صدقة، وقيل: نذرًا مطلقًا .
وكلٌّ من هذه الأقوال استدل أصحابها عليها بحديث؛ ولكن قال القاضي
عياض: الَّذي يظهر أنَّه كان نذرها في مال ابنها .
وقال ابن حجر: بل الظَّاهر أنَّه كان معينًا من سعد.
٤- في الحديث مشروعية بر الوالدين، وأنَّ من أعظم البر وفاء ما عليهما من
الديون، والحقوق، والواجبات، سواءٌ أكانت لله تعالى، أو للآدميين.
٥- الحديث من الأدلة على أنَّ الميت يلحقه ما يفعل له من الأعمال الصَّالحة من
عتقٍ، أو صدقةٍ، أو صيام، أو غير ذلك؛ وَهَذا بين في قوله تعالى: ﴿ وَأَنْ
لَيْسَ لِلْإِنسَنِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم]. فقد قال ابن القيم: إنَّ القرآن لم ينف انتفاع
الرجل بسعي غيره، وإنَّما نفى ملكه لغير سعيه، وأمَّا سعي غيره فهو ملك
الساعيه، فإنْ شاء أنْ يبذله لغيره، وإنْ شاء أنْ يبقيه لنفسه، وهو تعالى لم
(١) البخاري (٢٧٦١)، مسلم (١٦٣٨).
.--