النص المفهرس
صفحات 101-120
١٠١ كتاب الأطعمة - باب العقيقة ١١٨٣ - وعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - ((أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَل أَمَرَهُمْ أَنْ يُعَقَّ عَنِ الغُلَامِ شَاتَانِ مُكَافِتَتَانٍ، وَعَنِ الجَارِيَةِ شَاءٌ)) رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ(١) . وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ وَالأَرْبَعَةُ عَنْ أُمّكُرْزِ الْكَعْبِيَّةِ نَحْوَهُ(٢). * درجة الحديث: الحدیث صحیح. أخرجه أحمد، والترمذي، وابن ماجة، وابن حبَّان، والبيهقي من طريق عبدالله بن عثمان بن خثيم، عن يوسف بن ماهك، عن حفصة، عن عائشة؛ أنَّ رسول الله وَ لّ أمرهم أن يعق عن الغلام ... الحديث. قال الترمذي: حسن صحيح. وإسناده صحيح على شرط مسلم، وله طرق وشواهد : منها: حديث عائشة أخرجه الطحاوي والبيهقي، وإسناده حسن، ورجاله ثقات، رجال الشیخین . ومنها: حديث أم كرز الكعبية، وحديث أسماء بنت يزيد، وحديث عمرو ابن شعیب، وغيرها . والحديث صحّحه ابن حبان، والحاكم ووافقه الذهبي. (١) الترمذي (١٥١٣). (٢) أحمد (٣٨١/٦)، أبوداود (٢٨٣٥)، الترمذي (١٥١٦)، النسائي (١٦٤)، ابن ماجة (٣١٦٢). ١٠٢ توضيح الأحكام من بلوغ المرام * مفردات الحديث: - مُكَافِئَتَانِ: بكسر الفاء، وبعدها همزة، أي: متساويتان في السنِّ والإجزاء، فلا تكون إحداهما مسنّة، والأخرى غير مسنّة، ويكونان ممَّا يجزىء في الأضحية. وقال الإمام أحمد وأبوداود: متساويتان أو متقاربتان. * ما يؤخذ من الحديث: ١- في الحديث دليلٌ على مشروعية العقيقة، وهو من أدلَّة وجوبها؛ لأَنَّ الأمر يدل على الوجوب، ومذهب جمهور العلماء - ومنهم الأئمة الأربعة - أنَّها سنَّةٌ مؤكدة، وليست واجبة، ولم يرَ وجوبها إلاَّ الظاهرية . ٢ - والحديث صريحٌ في أنَّ عقيقة الغلام شاتان، وعقيقة الجارية شاةٌ واحدة. ٣- الحكمة في تمييز الذكر عن الأنثى أنَّ العقيقة هي نسيكة شكر لله تعالى على نعمة تجدد المولود، ولما كان الذكر أعظم نعمة، وامتنانًا من الله تعالى، كان الشكر عليه أكثر، فصار له شاتان، وللجارية شاة. قال ابن القيم: التفضيل تابعٌ لشرف الذكر، وما ميزه الله به على الأنثى، ولما كانت النعمة به أتم، والسرور به أكمل، فكان الشكر عليه أكثر. ٤ - ويسن أن تكون الشاتان اللتان يعق بهما عن الغلام متكافئتين متشابهتين في السن والسمنة، فلا تكون إحداهما أكبر من الأُخرى كثيرًا، وأن تكونا بلونٍ واحدٍ، وحجمٍ واحد . قال في الشمائل: بأن تكون هذه نظير هذه، ولعلَّه للتفاؤل بتناسب أخلافه. ١٠٣ كتاب الأطعمة - باب العقيقة ١١٨٤ - وَعَنْ سَمُرَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَلَّهِ قَالَ: ((كُلُّ غُلاَم مُرْتَهَنٌ بِعَقِيقَتِهِ، تُذْبَحُ عَنْهُ يَوْمَ سَابِعِهِ، وَيُحْلَقُ، وَيُسَمَّى)) رَوَاهُ أَحْمَدُّ، وَالأَرْبَعَةُ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ (١). * درجة الحديث: الحدیث صحیح. أخرجه أحمد، وأبوداود، والنسائي، والترمذي، وابن ماجة، وغيرهم كلهم من طرق عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة به . قال الترمذي: حديثٌ حسنٌ صحيح، وقال الحاكم: صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي، وصحَّحه عبدالحق، وقد روى البخاري في صحيحه من طريق الحسن ؛ أنَّه سمع حديث العقيقة من سمرة، ولا يعرف سماع للحسن عن سمرة إلاّ هذا الحديث. * مفردات الحديث: - مرتهن بعقيقته: شبّه المولود في لزوم العقيقة عنه، وعدم انفكاكه منها، بالرهن في يد المرتهن، قال الخطابي: اختلف النَّاس في معنى هذا، وأجود ما قيل فيه : ما ذهب إليه الإمام أحمد قال: هذا في الشفاعة إذا مات طفلاً، ولم يُعَقَّ عنه، لم يشفع في أبويه. * ما يؤخد من الحديث: ١- الحديث يدل على تأكد العقيقة، وأنَّه لا ينبغي تركها مهما كانت الأحوال، (١) أحمد (٧/٥)، أبوداود (٢٨٣٨)، النسائي (١٦٦/٧)، الترمذي (١٥٢٢)، ابن ماجة (٣١٦٥). ١٠٤ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ولذا قال الإمام أحمد: إذا لم يكن عنده ما يعق به فاستقرض، أرجو أن يخلف الله عليه؛ فقد أحيا سنَّة . قال ابن المنذر: صدق أحمد؛ إحياء السنن واتباعها أفضل. وقال الشيخ تقي الدِّين: يعق عن اليتيم من ماله. ٢ - اختلف العلماء في معنى كون المولود مرتهنا بعقيقته: فقيل معناه: أنَّ العقيقة لازمةٌ للمولود؛ كلزوم الرهن للمرهون في يد الرَّاهن . وقال الإمام أحمد: معناه إذا مات وهو طفل لم یعق عنه فلا يشفع لأبويه؛ ويقوي هذا القول ما أخرجه البيهقي من حديث بريدة بن الحصيب قال: ((إنَّ النَّاس يعرضون يوم القيامة على العقيقة، كما يعرضون على الصلوات الخمس)»، وقيل غير ذلك. والمهم أنَّ مثل هذه التشبيهات تدل على تأكيد هذه الشعيرة، وأنَّه لا ينبغي إهمالها، فمن أحياها، فقد أحيا سنَّة أمر بها النَّبِيِ نَِّ، وعمل بها. ٣- قال في شرح الإقناع: ولا يعق غير الأب، وأمَّا عق النَّبِي وَّر عن الحسن والحسين، فلأَنَّه أولى بالمؤمنين من أنفسهم. واختار جمع أنْ يعق المولود عن نفسه استحبابًا إذا لم يعق عنه أبوه، وهو قول عطاء والحسن؛ لأنّها مشروعةٌ عنه، ولأَنَّه مرتهنٌ بها، فينبغي أنْ يشرع في فکاك نفسه . ٤- أخرج الترمذي (٢٨٣٢) من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدِّه: ((أنَّ النَّبِي ◌ِّ أمر بتسمية المولوديوم سابعه، ووضع الأذى عنه، والعق))، والله أعلم. انتهى كتاب الأطعمة ١٠٥ كتاب الأيمان كتاب الإيمان مقدمة الأيمان: بفتح الهمزة، جمع يمين، وأصل اليمين في اللغة: اليد، وأطلقت على الحَلِف؛ لأَنَّهم كانوا إذا تحالفوا، أخذ كل واحدٍ يمين صاحبه. واليمين شرعًا: هي توكيد الأمر المحلوف عليه، بذكر معظّم على وجه مخصوص . واليمين أنواع كالآتي : ١ - ما يجري على لسان المتكلّم بدون قصد؛ كـ((والله)) و((بلى والله)) و((تالله))، فهذا لغو . ٢ - إذا حلف على أمرٍ ماض يظن صدق نفسه، فبان بخلافه، فهو لغو. ٣- إذا حلف على أمرٍ ماض كاذبًا عالمًا، فهذه هي اليمين الغموس، وهذه الثلاث لا كفارة فيها . ٤- إذا حلف على أمرٍ مستقبل قاصدًا لليمين، فهذه هي اليمين التي فيها الكفَّارة بشروطها الآتية : (أ) أنْ يكون الحالف مكلّفًا. (ب) كونه مختارًا للحلف . (ج) كونه قاصدًا لليمين؛ فلا تنعقد بما يجري على لسانه. ١٠٦) توضيح الأحكام من بلوغ المرام (د) أنْ يكون على أمرٍ مستقبل، فلا كفَّارة على ماضٍ كاذبًا عالمًا به، وهي ہے الغموس . (هـ) أن يحنث في يمينه بفعل ما حلف على تركه، أو ترك ما حلف على فعله . : ---------- - - --. ١٠٧) كتاب الأيمان ١١٨٥ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - عَنْ رَسُولِ اللهِ وَلـ أَنَّه أَدْرَكَ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ فِي رَكْبٍ، وَعُمَرُ يَحْلِفُ بِأَبِيهِ، فَنَادَاهُمْ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((أَلاَ إِنَّ اللهَ يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ، فَمَنْ كَانَ خَالِفًا، فَلْيَحْلِفْ بِاللهِ، أَوْ لِيَصْمُتْ)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ(١) . وَفِي رِوَايَةٍ لأَبِي دَاوُدَ والنَّسَائِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - مَرْفُوعًا: ((لاَ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ، وَلاَ بِأُمَّهَاتِكُمْ، وَلاَ بِالأَنْدَادِ، وَلاَ تَحْلِفُوا إلاَّ بالله، وَلاَ تَحْلِفُوا بِاللهِ إِلاَّ وَأَنْتُمْ صَادِقُونَ))(٢). * درجة الحديث: رواية أبي داود والنسائي عن أبي هريرة - رضي الله عنه - ذكرها ابن حجر في الفتح في زيادات الباب؛ فهي صحيحة، أو حسنة على قاعدته التي نصَّ عليها في مقدمة الفتح. * مفردات الحديث: - الأنداد: جمع ند، بكسر النون، وهو مثل الشيء الَّذي يضاده في أموره، وينادّه، أي: يخالفه، ويراد به هنا الأصنام التي يتخذونها آلهةً من دون الله . # ما يؤخذ من الحديث: ١ - اليمين هي القسم بألفاظ مخصوصة لتأكيد الحكم المحلوف عليه بذكر مُعَظّمٍ على وجه مخصوص، والحالف إذا أراد تأكيد أمرٍ من الأمور نفيًا أو (١) البخاري (٦٦٤٦)، مسلم (١٦٤٦). (٢) أبو داود (٣٢٤٨)، النسائى (٥/٧). ١٠٨) توضيح الأحكام من بلوغ المرام إثباتًا، أكَّده بالحلف بأعظم ما عنده من معظّم، فمازال النَّاس منذ أقدم الأزمان يعتقدون أنَّ المحلوف به له تسلط على الحالف يقدر على نفعه وضرِّه بالأسباب الطبيعية، وبما فوق الأسباب الطبيعية، فإذا أوفى الحالف بما حلف، يرضى المحلوف به، وينفعه، وإنْ لم يرض، يضره، ومن هذا صار الحلف بغير الله تعالی أو بغیر صفاته شركًا بالله تعالى . ٢- وفي الحديث وجوب الحلف بالله تعالى لمن أراد اليمين. فقد قال ابن مسعود - رضي الله عنه -: ((لأن أحلف بالله كاذبًا أحب إليَّ من أنْ أحلف بغيره صادقًا». قال شيخ الإسلام: لأَنَّ حسنة التوحيد أعظم من حسنة الصدق، وسيئة الكذب أسهل من سيئة الشرك؛ قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَالِكَ﴾ [النساء: ٤٨]. وقال الماوردي: لا يجوز لأَحدٍ أنْ يحلف بغير الله تعالى، لا بطلاقٍ، ولا عتاق، ولا نذر. والأحاديث واضحةٌ في الدلالة على التحريم. ومنها ما أخرجه أبوداود (٣٢٥١) والحاكم (١ / ٦٥) من حديث ابن عمر أَنَّ النَّبِي وَِّ قال: ((من حلف بغير الله فقد كفر)). ٣- ويحرم الحلف بالبراءة من الإسلام، أو من الدِّين، أو هو يهودي، أو نصراني، ونحوه؛ لما أخرجه أبوداود (٣٢٥٨) والنسائي (٣٧٧٢) بإسنادٍ على شرط مسلم، من حديث بريدة؛ أنَّ النَّبي ◌ِّه قال: ((من حلف فقال: إنِّي بريء من الإسلام، فإنْ كان كاذبًا فهو كما قال، وإنْ كان صادقًا فلن يرجع إلى الإسلام سالمًا)). ٤- وإذا كان الحلف بالآباء منهيًّا عنه ومحرمًا، فالحلف بالأنداد، وهي الأصنام، أشد تحريما، وأعظم عقوبة . -------- ١٠٩ كتاب الأيمان ٥ - وفي الحديث النَّهي عن الحلف بالله تعالى كاذبًا، فإنَّه اليمين الغموس التي تغمس صاحبها في نار جهنّم؛ فقد جاء في صحيح البخاري (٦٦٧٥) أنَّ أعرابيًّا قال: يارسول الله! ما الكبائر؟ فذكر أشياء، وقال: ((واليمين الغموس)». ١١٠ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ١١٨٦ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَّهُ : ((يَمِينُكَ علَى مَا يُصَدِّقُكَ بِهِ صَاحِبُكَ)). وَفِي رِوَايَةٍ: ((الْيَمِينُ عَلَىَ نِيَّةِ المُسْتَحْلِفِ)) أَخْرَ جَهُمَا مُسْلِمُ(١). * ما يؤخذ من الحديث: ١ - اليمين في الدعاوى تكون على صفة دعوى المدعي، أو جواب المدعى عليه، فإذا حلَّف القاضي المدعى عليه بطلب المدعي، خلَّى سبيله بعد تحليفه إيّاه، وانقطعت الخصومة؛ لأَنَّ اليمين تقطع الخصومة، وإنْ كانت بجانب المدعي، استحق بها ما ادعاه. ٢- الحديث يدل على أنَّ اليمين المطلوبة من الحالف في الدعاوى يجب أنْ تكون على نية المستحلف، ولا ينفع فيها نية الحالف إذا نوى بها غير ما أظهر، وهذا بإجماع العلماء. قال في شرح الإقناع: وتكون يمين الحالف على صفة جوابه لخصمه، فلا يصلها بما لا يفهم. كما تحرم التورية، والتأويل فيها . ٣- الحاصل أنَّ القاضي إذا حلَّف من توجهت عليه اليمين في الدعاوى، فإنَّ اليمين تكون على نية المستحلف، ولا تكون على نية الحالف، فيما لو حلف ونوى بها غير ما أظهر، وأنَّه لا ينفعه تأويله، وتوريته. ٤ - قال النووي: وأمَّا إِذَا حلف بغير استحلاف القاضي، وورَّى، فتنفعه التورية ولا يحنث، سواءً حلف ابتداءً من غير تحليف، أو حلَّفه غير القاضي، وغير نائبة في ذلك، ولا اعتبار بنية المستحلف - بكسر الَّلام - غير القاضي. (١) مسلم (١٦٥٣). ----- ---------------- ----- ⑈ Tom ١١١ كتاب الأيمان ١١٨٧ - وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: قالَ رَسُوْلُ اللهِ وَّهِ: ((وَإِذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ، فَرَأَيْتَ غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا، فَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ، وَانْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي لَفْظِ لِلْبُخَارِيِّ: ((فَائْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ، وَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ)). وَفِي رِوَايَةٍ لأَّبِي دَاوُدَ: ((فَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ، ثمَّ انْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ)) وَإِسْنَادُهَا صَحِيحٌ (١). درجة الحديث: رواية أبي داود إسنادها صحيح، كما قال المؤلِّف. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - الحلف على أمرٍ مستقبل يريد الحالف تحقيق فعله أو تركه، لا يخلو من أمور: فإنْ حلف على فعل واجب، أو حلف على ترك محرَّم، حرم حنثه، ووجب بره بقسمه . وأمَّا إن حلف على فعل محرم، أو ترك واجب، وجب حنثه، وحرم بره. ٢- وأمَّا إنْ حلف على فعل مندوبٍ، أو ترك مكروه، فهنا یکره حنثه؛ لما يترتب على بره من الثواب الحاصل بفعل المندوب، وترك المكروه. وأمَّا إنْ حلف على فعل مكروه، أو ترك مندوب، فهذا هو ما أشار إليه حديث الباب من أنَّ المستحب أنْ يحنث، فيترك المكروه أو يفعل (١) البخاري (٦٧٢٢،٦٦٢٢)، مسلم (١٦٥٢)، أبوداود (٣٢٧٨). ١١٢ توضيح الأحكام من بلوغ المرام المندوب، ويكفِّر عن يمينه، وهذا هو معنى قوله: ((وإذا حلفت على يمينٍ، فرأيت غيرها خيرًا منها، فكفِّر عن يمينك، وائت الَّذي هو خير)). ٣- قال في الروض المربع وحاشيته: ويشترط لوجوب الكفَّارة إذا حلف بالله ثلاثة شروط : الأوَّل: أنْ يَقصد الحالف عقدها على أمرٍ مستقبل ممكن، فإنْ حلف على أمرٍ ماضٍ كاذبًا فهي اليمين الغموس. وإنْ كانت ممَّا يجري على لسانه بغير قصدٍ ولو في الزمن المستقبل فلغو اليمين، ولا كفَّارة فيه؛ للآية. الثاني: أنْ يحلف مختارًا لليمين، فإنْ حلف مكرهًا، لم تنعقد يمينه. الثالث: أنْ يحنث في يمينه بأن يفعل ما حلف على تركه، أو يترك ما حلف على فعله، مختارًا، ذاكرًا ليمينه، حَنِثَ، وعليه الكفَّارة . ٤ - قال الوزير: أجمعوا على أنَّ اليمين المعتمدة المنعقدة هو أنْ يحلف بالله تعالى على أمرٍ في المستقبل أنْ يفعله، أو لا يفعله، وإذا حنث، وجبت عليه الكفَّارة؛ لأَنَّ العقد إنَّما يكون في المستقبل دون الماضي. قال تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِالَّغْوِ فِيِّ أَيْمَنِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدْ تُمُ اُلْأَيْمَنَّ﴾ [المائدة: ٨٩]. ------ --- ١١٣ كتاب الأيمان ١١٨٨ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - أَنَّ رَسُولَ اللهِع ◌َلَه قَالَ: (مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ، فَقَالَ: إِنْ شَاءَ اللهُ، فَلاَ حِنْثَ عَلَيْهِ)) رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالأَرْبَعَةُ، وصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ(١). * درجة الحديث: الحدیث صحیح. قال المصنّ: رواه الإمام أحمد، والأربعة، وصحَّحه ابن حبان، ونقل المناوي عن ابن حجر، أنَّ رجاله ثقات، وحسَّنه السيوطي في الجامع الصغير. قال الترمذي: لا نعلم أحدًا رفعه غير أيوب السختياني. قال ابن علية : كان أيوب يرفعه تارة، ولا يرفعه تارة. قال البيهقي: لا يصح رفعه إلاّ عن أيوب، مع أنَّه شكَّ فيه . قال الحاكم: صحيح إسناده، ووافقه الذهبي، وصحَّحه ابن دقيق العيد، ورجّح الزيلعي والصنعاني صحّة رفعه. * مفردات الحديث: - حِنْث: بكسر الحاء، وسكون النون، بعدها ثاء مثلَّثة، هو عدم الوفاء بالیمین. هذا معناه هنا . * ما يؤخذ من الحديث: ١ - يدل الحديث على أنَّ الحالف على يمين تدخلها الكفَّارة إذا استثنى بيمينه فقال: إنْ شاء الله لأفعلنَّ كذا، أو إنْ شاء الله لأتركنَّ كذا، أنَّه لا يحنث في (١) أحمد (١٠/٢)، أبوداود (٣٢٦١)، الترمذي (١٥٣١)، النسائي (٢٥/٧)، ابن ماجة (٢١٠٥)، ابن حبان (١١٨٤). ١١٤ توضيح الأحكام من بلوغ المرام یمینه إن فعل المحلوف علیه، أو تركه. ٢ - يشترط لذلك ثلاثة شروط : الأوَّل: أنْ يقصد تعليق المحلوف عليه على مشيئة الله تعالى وإرادته، ولم يقصد مجرّد التبرك، أو سبق لسانه بلا قصد. الثاني: أنْ يتصل الاستثناء بيمينه لفظًا أو حكمًا، بأنْ لا يقطعه إلاَّ نحو سعال، أو عطاس، أو تثاؤب، أو قيء، ونحو ذلك. الثالث: أنْ يستثني لفظًا ونطقًا؛ فلا ينفعه، ولا يكفيه أن يستثني بقلبه. ٣- مثل الاستثناء في اليمين يصح - أيضًا - الاستثناء في الطلاق، والظهار، والنَّذر، والإقرار؛ فإنَّ الاستثناء فيه ينفع بشروطه: من القصد، والنطق، والاتصال. ٤- قال في شرح الإقناع: ولا يستحب تكرار الحلف، فإنْ أفرط كره؛ لقوله تعالى: ﴿ وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ تَّهِينٍ ﴾﴾ [القلم: ١٠]، وهذا ذٌّ، ولأَنَّه لا يكاد يخلو من الكذب، وعُلِمَ أنَّه لا كراهة في الحلف مع عدم الإفراط؛ لأَنَّه وَليه- حلف في غیر حدیث. ٥ - وقال أيضًا: وإنْ دُعِيَ إلى الحلف عند الحاكم، وهو محقٌّ، استُحِبَّ له افتداء يمينه، فإنْ حلف فلا بأس؛ لأَنَّه حلف صادقًا على حقِّ. سعد ــ ١١٥ كتاب الأيمان = = ١١٨٩ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - قَالَ: ((كَانَتْ يَمِينُ النَّبِيِّ ◌ََّ: لاَ، وَمُقَلِّبِ القُلُوبِ)) رَوَاهُ البُخَارِيُّ(١). ١١٩٠ - وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ عَمْرو - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - قَالَ: ((جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِّ نَّهِ، فَقَالَ: يَارَسُولَ اللهِ! مَا الْكَبَائِرُ؟ ... )) فَذَكَرَ الحَدِيثَ، وَفِيهِ: ((الْيَمِينُ الغَمُوسُ)) وفيه: قُلْتُ: ((وَمَا اليَمِينُ الغَمُوسُ؟)) قَالَ: ((الَّتِي يُقْتَطَعُ بِهَا مَالُ امْرِىءٍ مُسْلِمٍ، هُوَ فِيهَا كَاذِبٌ)) أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ (٢) . * مفردات الحديث: - الكبائر: جمع كبيرة، والمراد بها كبائر الذنوب، وفواحشها. - الغَموس: بفتح الغين المعجمة، سميت غموسًا؛ لأنَّها تغمس صاحبها في النَّار. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - اليمين الغموس: هي اليمين على شيءٍ ماضٍ عالمًا كاذبًا في يمينه، سُمِّيت غموسًا؛ لأنَّها تغمس الحالف بها في الإثم، ثمَّ في النَّار. ٢- حديث الباب من أدلَّة تحريم اليمين الغموس، وأنَّها من كبائر الذنوب، ويزيد إثمها، ويعظم خطرها، حينما يقتطع بها الحالف مال امرىءٍ مسلمٍ، وهو كاذب. (١) البخاري (٦٦٢٨). (٢) البخاري (٦٩٢٠). ١١٦ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ٣- اليمين الغموس لا كفَّارة فيها؛ لأَنَّها أعظم من أنْ تمحو ذنبها الكفَّارة، وهو مذهب جمهور العلماء؛ لما روى البيهقي عن ابن مسعود قال: ((كُنَّا نعد اليمين التي لا كفَّارة فيها اليمين الغموس)). وهي من الكبائر؛ للخبر، ويجب المبادرة بالتوبة النصوح بأن لا يعود إليها . ٤- أمَّا الحديث رقم (١١٨٩) فيدل على القسم الَّذي كان ◌َِّ يقسم به، ويواظب عليه، وهو ((لا، ومقلّب القلوب)) والمراد بتقليب القلوب هو تقليب أغراضها وأحوالها، لا تقليب ذات القلب. قال الرَّاغب الأصفهاني: تقليب الله القلوب والبصائر هو صرفها عن رأي إلى رأي آخر، قال تعالى: ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِ تَقَلُبِهِمْ﴾ [النحل: ٤٦]. قال ابن العربي: القلب جزءٌ من البدن خلقه الله، وجعله للإنسان محل العلم والكلام. ٥- أقسم النَّبِي وَّ بعدة صيغ؛ منها: ((لا، ومصرِّف القلوب))، ((ورب الكعبة))، ((والَّذي نفس محمدٍ بيده))، وإذا اجتهد قال: ((والّذي نفس أبي القاسم بيده)) وغيرها من الصيغ، وكلها جاءت بأحاديث صالحة، والله أعلم. ١١٧ = كتاب الأيمان ١١٩١ - وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا -: ((فِي قولِهِ تَعَالَى: ﴿ لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِلَّلِغْوِ فِ أَيْمَلِكُمْ﴾ قَالَتْ: هُوَ قَوْلُ الرَّجُلِ: لاَ وَاللهِ، وَبَلَى وَاللهِ) أَخْرَجَهُ البُخَارِيُّ، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ مَرْفُوعًا(١). * درجة الحديث: الحديث صحيح موقوفًا؛ كما أخرجه البخاري . قال ابن حجر في الفتح عن رواية أبي داود المرفوعة: إنَّ أبا داود أشار إلى أنَّه اختلف على عطاء، وعلى إبراهيم في رفعه ووقفه. اهـ. ورجّح ابن القيم وقفه على عائشة رضي الله عنها . * ما يؤخذ من الحديث: ١ - قال تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللّهُ بِالَّلَغْوِ فِي أَيْمَنِكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩] فسَّرت عائشة - رضي الله عنها - لغو اليمين هنا: بأنَّه ما يتردّد على ألسنة النَّاس أثناء المحادثة عن قولهم: لا والله، وبلى والله، ممَّا يجري على اللسان، ولا يقصده الجنان؛ وهذا التفسير هو ما ذهب إليه الأئمة الثلاثة . أمَّا أبو حنيفة: فجعل لغو اليمين المذكور في الآية هو حلف الإنسان على أمرٍ ماضٍ، يظنه كما قال، وهو خلاف ما ظن؛ قال ابن المنذر: وهو قول أكثر العلماء. ٢ - وذهب الإمام أحمد في المشهور من مذهبه: إلى أنَّ لغو اليمين يراد به النوعان السابقان كلاهما . قال في الروض وحاشيته: وكذا يمين عقدها يظن صدق نفسه، فبان (١) البخاري (٦٦٦٣)، أبوداود (٣٢٥٤). ١١٨ توضيح الأحكام من بلوغ المرام خلافه، فلغو غير منعقدة، ولا كفَّارة فيها؛ لقوله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاَلَّغْوِ فِي أَيْمَنِكُمْ﴾ أي: لا يعاقبكم، ولا يلزمكم كفَّارة بما صدر منكم من الأيمان التي لا يقصدها الحالف. وقال الشيخ تقي الدِّين: وكذا لو عقدها ظانًّا صِدْقه، فلم يكن، كمن حلف على غيره يظن أنَّه يطيعه، فلم يفعل . .. .. ١١٩ كتاب الأيمان ١١٩٢ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلّ: ((إِنَّللهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الجَنَّةَ)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَسَاقَ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ حِبَّنَ الأَسْمَاءَ، وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ سَرْدَهَا إِذْرَاجٌ مِنْ بَعْضِ الرُّوَاةِ (١). * درجة الحديث: الحديث في الصحيحين، وزيادة الترمذي مدرجة. قال ابن حبان: إنَّ زيادة الترمذي مدرجة، وبهذا قال كلٌّ من ابن حزمِ، وأبي بكر بن العربي، وابن عطية، وابن تيمية، وابن القيم، وابن حجر، وغيرهم. قال الصنعاني: اتفق الحفّاظ من أئمة الحديث أنَّ سردها إدراجٌ من بعض الرواة . * ما يؤخذ من الحديث: ١ - ساق المؤلِّف - رحمه الله تعالى - هذا الحديث لبيان أنَّ أسماء الله الحسنى التي يجوز الحلف بها، ويجوز القسم بأي واحدٍ منها، وانعقاده بها . قال فقهاؤنا: فاليمين التي تجب بها الكفارة إذا حنث فيها هي اليمين بالله تعالى، والرحمن الرحيم، أو بصفة من صفاته تعالى؛ كوجه الله تعالى، وعظمته، وجلاله، وعزته. قال الوزير وغيره: اتفقوا على أنَّ اليمين بالله تعالى منعقدة بأسماء الله الحسنى؛ كالرحمن، والرحيم، والحي، وغيرها . (١) البخاري (٢٧٣٦)، مسلم (٢٦٧٧)، الترمذي (٣٥٠٧)، ابن حبان (٨٠٨). ١٢٠ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ٢ - الحلف بغير الله تعالى، وصفاته محرَّمٌ؛ لقوله وَّيه: ((من كان حالفًا، فليحلف بالله، أو ليصمت)) [رواه البخاري (٦١٠٨) ومسلم (١٦٤٦)]. قال ابن مسعود - رضي الله عنه -: ((لأن أحلف بالله كاذبًا أحبُّ إليَّ من أنْ أحلف بغيره صادقًا)). قال شيخ الإسلام: لأَنَّ حسنة التوحيد أعظم من حسنة الصدق، وسيئة الكذب أسهل من سيئة الشرك. ٣- جاءت أسماء الله تعالى التسعة والتسعون في سنن الترمذي، وفي صحيح ابن حبان، ولكن اتفق الأئمة والحفاظ على أنَّ سردها ليس مرفوعًا إلى النَّبي وَِّ، وإنَّما هو مدرجٌ من بعض الرواة. قال شيخ الإسلام: اتفق أهل المعرفة بالحديث أن تعيينها ليس من كلام النَّبيِ وَِّ . قال أبوالوفاء محمد درويش: وأسماء الله تعالى كثيرةٌ، منها ما نزَّله في كتبه وعلَّمه رسله وأنبياءه، ومنها ما استأثر بعلمه؛ لأَنَّ عقول البشر أعجز من أن تدرك معناه، أو تحيط بمكنون أسراره، ويدل على هذا ما رواه الإمام أحمد (٣٧٠٤) عن ابن مسعود عن النَّبِي وَِّ قال: ((أَسْأَلك بِكُلِّ اسْم هُوَ لَكَ، سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ، أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ، أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ، أو اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الغَيْبِ عِنْدَكَ)). قال النووي: اتَّفق العُلَمَاءُ عَلَى أنَّ الحديث ليس فيه حصرٌ لأسمائه تعالى، وليس معناه أنَّه ليس له تعالى أسماء غير هذه التسعة والتسعين، وإنَّما المقصود منه أنَّ هذه التسعة والتسعين اسمًا، مَنْ أَحْصاها دخل الجنَّة . ٤- قوله: ((منْ أحصاها دخل الجنة)) المراد بإحصائها هو حفظها، والإيمان بها، وبمقتضاها، والعمل بمدلولاتها . ٥ قال ابن بطال: طرق العمل بها: أنَّ ما كان يسوغ الاقتداء به كالرحيم ------- -------- --- --