النص المفهرس

صفحات 41-60

=
٤١
كتاب الأطعمة - باب الصيد
وَ لة: ((إذا أرسلت كلبك المعلم، وذكرت اسم الله، فكل ما أمسك عليك،
قلت: وإنْ قتلن؟ قال: وإنْ قتلن، ما لم يشركها كلب ليس معها)).
قال المجد: وهو دليل على الإباحة، سواءً قتله الكلب جرحًا، أو خنقًا.
وما قاله المجد رحمه الله رواية عن الإمام أحمد، اختارها ابن حامد،
وابن الجوزي، وهي ظاهر كلام الخرقي، وهو قول للإمام الشافعي.
أمّا المشهور من المذهب فعبارة شرح الإقناع وغيره وهي: ((ولابد أنْ
يجرح ذو المخلب الصيد، فإنْ قتله بصدمه أو خنقه لم يبح، لأَنَّه قتله بغیر
جرح)).
٨- قوله: ((فإنْ أمسك عليك)) وجاء هذا المعنى صريحًا بما في البخاري
(٥٤٨٤) ومسلم (١٩٢٩) من حديث عدي: ((فإنِّي أخاف أنْ يكون إنَّما
أمسك علی نفسه)) .
وقال تعالى: ﴿فَكُلُواْ مِمَّآ أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾
فهذه تدل على أنَّ الجارح إذا أمسك لنفسه لا يحل ما صاد، ما لم يُدرك
وبه حياة مستقرَّة، فيذكى ذكاة شرعية، ويدخل تحت قوله تعالى: ﴿ وَمَا
أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَّكَيْتُمْ﴾ .
قال في شرح الإقناع: وإن استرسل الكلب أو غيره بنفسه، فقتل صيدًا لم
يحل؛ لأَنَّ إرسال الجارح جعل بمنزلة الذبح، فالقصد في إرسال الجارح
شرط حل الصيد.
٩ - قوله: ((ولم يأكل منه فَكُلْه)) وجاء في إحدى روايات البخاري (٥٤٨٤)،
مسلم (١٩٢٩): ((إذا أرسلت كلابك المعلَّمة، وذكرت اسم الله فكل، إلاّ أنْ
يأكل الكلب فلا تأكل، فإنِّي أخاف أنْ يكون إنَّما أمسك على نفسه)).
إنَّ إرادة الجارح الصيد لمقتنيه أمرٌ مقصود لحل صيده، ولا يعلم عن هذا
إلاَّ بدلالة تصرفه، فإنْ أكل منه علمنا أنَّه لم يقصد الصيد لمرسله، وإنَّما

٤٢
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
صاد لنفسه، وإنْ لم يأكل دلَّنا ذلك على أنَّه قصد بصيده مقتنيه، فهذا ما تشير
إليه هذه النصوص وغيرها. وإلى عدم حل ما أكل منه ذهب العلماء.
قال الوزير: واشترط جمهور العلماء ومنهم الأئمة الثلاثة أبو حنيفة
والشَّافعي وأحمد ترك الأكل، ولم يشترطه مالك.
١٠ - قوله: ((وإنْ وجدت مع كلبك كلباً غيره، وقد قُتل فلا تأكل، فإنَّك لا تدري
أيهما قتله)). الأصل في هذا أنّه إذا اجتمع مبيحٌ وحاظر غُلِّب جانب
الحظر؛ لأَنَّ الأصل التحريم.
قال في شرح الإقناع: وإن وجد مع كلبه كلبًا آخر، ولا يعلم أي الكلبين
قتله، أو علم أنَّهما قتلاه معًا، أو علم أنَّ الكلب المجهول هو القاتل
للصيد وحده، لم يبح الصيد؛ تغليبًا للحظر؛ لأَنَّه الأصل.
١١ - قوله تعالى: ﴿ وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الْجَوَارِجِ﴾ دليل على أنَّ جميع الجوارح من
السباع والطيور كلها يباح صيدها، فالكواسب: كالكلب، والفهد، والأسد،
والنمر، والطير: كالصقر، والشاهين، والبازي، والعقاب، وإنَّما جاء ذكر
الكلب في الأحاديث؛ لأنَّه الغالب؛ ولأنّه أسرع وأقبل من غيره للتعليم
والتأديب.
على أنَّ لفظ الكلب لغةً يشمل جميع السباع، قال ◌ََّ: ((اللهم سلِّط عليه
كلبًا من كلابك، فأكله الأسد)) [رواه البيهقي في دلائل النبوة (٣٣٨/٢)].
قال في شرح الإقناع: ((الجوارح نوعان: أحدها ما يصيد بنابه: كالكلب،
والفهد، والثاني من الجوارح، ذو المخلب: كالبازي، والصقر.
١٢ - قوله في الحديث رقم (١١٦٣) ((سألت رسول الله وَّ عن صيد
المِعْراض ... إلخ)) فهذا يدل على أنَّ المعراض هو سهمٌ لا ريش له ولا
نصلَ، إن قتل الصيد بحده فهذا قد مضى في جسمه وجرحه فهو مباح،
وأمَّا إنْ قتل بعرضه فهذا قتل بصدمه وثقله، فإنَّه لا يحل، وهو الوقيذة،

٤٣
كتاب الأطعمة - باب الصيد
التي قال الله تعالى: ﴿ وَاُلْمَوْقُوذَةُ﴾ وهي المضروبة، فلا تحل إلاَّ إذا تركت
حيَّة، وذكيت ذكاة شرعية .
فقد روى الإمام أحمد عن عدي - رضي الله عنه - قال: قلت: يارسول
الله! إنَّا قومٌ نرمي فما يحل لنا؟ قال: ((يحل لكم ما ذكرتم اسم الله عليه،
وخزقتم ؛ فكلوا منه)) .
قال المجد في المنتقى: وهو دليلٌ على أنَّ ما قتله السهم بثقله لا يحل.
قال في شرح الإقناع: وإنْ صاد بالمعراض، أكل ما قتل بحده، دون
عرضه، وكذا سهم، ورمح، وسيف، وسكين، يضرب به صفحًا فيقتل،
فأكله حرام؛ لأَنَّ القتل إنَّما يكون بثقله لا بحده.
١٣ - تحريم صيد السهم ونحوه بعرضه، هو مذهب جمهور العلماء، ومنهم
الأئمة الأربعة .
وذهب بعض أهل الشَّام، ومنهم مكحول، والأوزاعي: إلى حله،
ووجه الاختلاف اختلافهم في أصل المسألة، فالمقتولة بعرض السهم
ونحوه وقيذة؛ لأَنَّها قُتِلت بثقل السلاح، لا بحدِّه، والكتاب والسنَّة
يحرمان الموقوذة، وهما أصلا التشريع .
أمَّا الأصل الذي بنى عليه المخالفون، فهو أنَّ قتل الصيد بالسهم عقر،
على أي صفة قتل عليها، والعَقْر حلال، على أي نوع حصل به القتل .
والقول الأوَّل أولى وأحوط.
١٤ - قوله: ((وإنْ رميت بسهمك ... إلخ)) فإذا رمى الصيد بسهمه ثمَّ غاب عنه،
ولكنَّه لم يجد فيه أثرًا قاتلاً إلاَّ سهمه، فإنَّه يحل أكله.
ومفهومه أنَّه إنْ وجد أثرًا آخر يصلح أنْ يكون مات منه، فإنَّه لا يحل؛
لأَنَّه اجتمع مبيح وحاظر، فيغلَّب جانب الحظر .
ومن ذلك: لو رماه فوجده في الماء غريقًا؛ فإنه لا يعلم هل مات من

٤٤
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
السهم، أو من الغرق؟ فيغلب جانب الغرق، ولا يحل. لكن لو رماه
وسقط من رميته في الماء، فأخذه، فإنَّه حلال؛ لأَنَّه سقط في الماء من
رمیته، ولا يوجد وقت یحتمل أنَّه غرق فيه.
١٥ - قوله: ((فكله ما لم ينتن)) المنتن: هو ما تغير طعمه، ولا يكون إلاّ بعد
فساده، وإذا فسد، ذهب نفعه، وصار مضرًّا؛ ففيه دليل على كراهة أكل
النتن.
قال في شرح الإقناع: ويكره أكل لحم منتن؛ ذكره جماعة .
وقد جاء في صحيح مسلم (١٩٣١) من حديث أبي ثعلبة الخشني قال:
قال رسول الله وَلي: ((إذا رميت بسهمك، فغاب عنك، فأدركته، فكل ما لم
ینتن)) .

٤٥
كتاب الأطعمة - باب الذبائح
باب الذبائح
مقدمة
الذبح: مصدر ذبح الحيوان، فهو ذبيح ومذبوح، والذبيحة ما يُذبح،
وجمعها ذبائح، فهي ما ذُبح من الحيوان، وذلك بقطع أوردة الرقبة .
وشرعًا: ذبح حيوان مقدور عليه مباح أكله، يعيش في البر غير جراد،
بقطع حلقوم ومريء، أو عَقْر ما لم يقدر عليه منه.
وحكمه ثابت، بالكتاب، والسنَّة، والإجماع.
قال تعالى: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْثُمْ﴾ وما رواه الدار قطني أنَّ النَّبي ◌َّل بعث ببديل
ابن ورقاء يصيح في فِجَاج منى: ((ألا إنَّ الذكاة في الحلق واللبة)).
وما جاء في البخاري (٥٥٠٩)، ومسلم (١٩٦٨) من حديث رافع بن
خديج قال: كنا مع رسول الله وَّر في سفر، فندَّ بعير من إبل القوم، ولم يكن
معنا خيل، فرماه رجل بسهم، فحبسه، فقال ◌َّر: ((إنَّ لهذه البهائم أوابد كأوابد
الوحش، فما فعل منها هذا، فافعلوا به هكذا)).
قال ابن المنذر: ((أجمعوا على أنَّ المرء إذا ذبح ما يجوز ذبحه، وسمَّی
الله، وقطع الحلقوم والودجين، وأسَالَ الدَّمَ، فإنَّ الشاة مباح أكلها)).
وقال الوزير، في الحيوان البري: أجمعوا على أنَّ ما أبيح أكله لا يباح إلاَّ
بالذكاة، كما أجمعوا على أنَّ الميتة حرام.
قال الشيخ عبدالله بن حميد: أجمع العلماء على أنَّ محل الذكاة هو
الحلق واللبة، ولا يجوز في غیر هذين.
وصفة الذبح، والنحر، والعقر: واحدة في جميع الشرائع السماوية من

٤٦
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
حيث وجوب إسالة الدم، ومن حيث وجوب إجراء عملية الذبح أو النحر في
الموضع الَّذي حدَّده الشرع في جسم المذبوح أو المنحور.
ولولا توحد الشرائع السماوية في أصول الذكاة، لما أحل الله للمسلمين
ذبائح أهل الكتاب، كما أحل ذبائح المسلمين .
ويشترط للزكاة ذبحًا أو نحرًا أربعة شروط :
أحدها: أهلية الذابح، أو النَّاحر، أو العاقر، وهو أنْ يكون عاقلاً،
قاصدًا التذكية، فلا تحل ذكاة مجنون، وسكران، وطفلٍ دون التمييز؛ لأَنَّه لا
قصد لهم.
الثاني: الآلة: وهو أنْ يذبح بآلة محدَّدة تقطع، أو تخرق بحدها، لا
بثقلها سواءٌ من حديد، أو حجر، أو خشب، أو غيرها، غير عظم وظفر؛ فلا
تحل الذبيحة بهما .
الثالث: أنْ يقطع الحلقوم: وهو مجرى النفس، والمريء: وهو مجرى
الطعام والشراب، ولا يشترط قطع الودجين، بل يستحب، والودجان: عرقان
بجانب الرقبة .
الرَّابع: التسمية عند حركة يده بالذبح بقوله ((باسم الله))، ولا يجزىء
غيرها، ووجوبها إذا ذكرها، ويسقط مع السهو، وهو مذهب الجمهور.
---- ------------------
------- -- -
---.
------

٤٧
كتاب الأطعمة - باب الذبائح
١١٦٥ _ وعَنْ عائشَةَ - رَضِيَ الله عنها -: ((أنَّ قومًا قالوا لِلنَّبِىّ
مَّ : إنَّ قومًا يَأْتُونَنَا بِالَّلَحْمِ، لاَ نَذْرِي أَذَكَرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْهِ، أَمْ لا؟
فَقَالَ: سَمُّوا اللهَ عَلَيْهِ أَنْتُم، وَكُلُوهُ)) رَوَاهُ البُخَارِيُّ(١) .
* ما يؤخذ من الحديث:
4
١ - الحديث له روايات يظهر معناه جليًّا بإيراد بعضها:
فقد جاء في البخاري: ((وكانوا حديثي عهد بالكفر)) وفي رواية: ((وذلك في
أوَّل الإسلام)) .
٢ - شروط التذكية :
( أ) أنْ يقول ((باسم الله)) عند إرادة التذكية، فإن تركها عمدًا، لم تحل
التذكية عند جمهور العلماء، وإنْ تركها جهلاً أو نسيانًا، حلَّت على الرَّاجح
من قولي العلماء.
(ب) أهلية المذكي بأن يكون مسلمًا أو كتابيًّا، ويكون عاقلاً مميزًا.
(ج) أن تكون التذكية على الطريقة الشرعية، وذلك من رقبة المذكى
المقدور عليه، وأن يقطع الحلقوم والمريء.
(د) أن تكون التذكية بألة حادة، تنهرالدم، كسكين ونحوه.
٣- قال الشيخ عبدالله بن حميد: أجمع العلماء على أنَّ مكان الذكاة هو الحلق
واللبة، ولا يجوز في غير هذين الموضعين للمقدور عليه.
وعند مالك: لا تصح إلاّ بقطع أربعة: الحلقوم، والمريء، والودجين.
وعند الشَّافعي وأحمد: تصح بقطع الحلقوم، والمريء، ولو لم يقطع
(١) البخاري (٥٥٠٧).

٤٨
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
الودجان .
٤ - قال الشيخ عبدالعزيز بن باز: أجمع علماء الإسلام على تحريم ذبائح
المشركين من عباد الأوثان، ومنكري الأديان، ونحوهم من جميع أصناف
الكفَّار، غير اليهود والنصارى.
٥- إذا كانت هذه أحكام حل التذكية، وأنَّ ما خالفها محرم، لا يحل أكله،
فالَّذين سألوا النَّبِي وَّ عن هذه اللحوم المستوردة من قوم مسلمين، إلاَّ أنَّ
عهدهم بالكفر قريب، فيغلب عليهم الجهل، فلا يعلم هل ذكروا اسم الله
عليه أو لا؟ فأمر النَّبِي ◌ِّ السَّائلين أن يأكلوا تلك اللحوم، وأنْ يذكروا اسم
الله عند أكلها .
قال المجد في المنتقى: الحديث دليل على أنَّ التصرفات تحمل على
الصحة والسَّلامة إلى أنْ يقوم دليل الفساد.
٦ - هذا الحديث يذكرنا بمسألة اللحوم التي يستوردها المسلمون من بلدان غير
إسلامية، وقد أكثر علماء العصر من الكلام عليها .
ونحن نورد - هنا - فقرتين من تلك الفتاوى:
( أ ) قال الشيخ عبدالعزيز بن باز: اللحوم التي تُباع في أسواق دول غير
إسلامية، إنْ عُلم أنَّها من ذبائح أهل الكتاب فهي حل للمسلمين، إذا لم
يُعلم أنَّها ذُبِحَت على غير الوجه الشرعي، إذ الأصل حلها بالنص القرآني،
فلا يعدل عن ذلك إلاَّ بأمرٍ محقَّق يقتضي تحريمها .
أمَّا إنْ كانت اللحوم من ذبائح بقيّة الكفار، فهي حرام على المسلمين،
ولا يجوز لهم أكلها بالنص والإجماع، ولا تكفي التسمية عليها عند أكلها .
(ب) وقال الشيخ عبدالله بن حميد: ((وأمَّا اللحوم المستوردة فما وردت من
بلاد جرت عادتهم أو أكثرهم يذبحون بالخنق، أو بالصعق الكهربائي،
ونحو ذلك، فلا شكّ في حرمته.
------
------ -----

٤٩
كتاب الأطعمة - باب الذبائح
وأمَّا إِذا جُهل الأمر: هل يذبحون بالطريقة الشرعية أم بغيرها؟ فلا شكَّ
في حرمتها؛ تغليبًا لجانب الحظر، كما قرَّره أهل العلم، منهم: النووي،
وشيخ الإسلام، وابن القيم، وابن رجب، وابن حجر، وغيرهم.
٧- القاعدة الشرعية: أنَّه متى وُجِدَ مبيح وحاظر، غُلَّبَ جانب الحظر؛
الحديث: ((دع ما يريبك إلى ما لا يريبك)) [رواه الترمذي (٢٥١٨)].
ولحديث ((إذا أرسلت كلبك المعلّم ، ووجدت معه كلباً آخر، فلا تأكل؛
فإِنَّما سميت على كلبك، ولم تسم على غيره)) [رواه البخاري (٥٤٨٤)،
ومسلم (١٩٢٩)].
قال ابن رجب: ((ما أصله الحظر كالأبضاع، ولحم الحيوان، فلا تَحِل
إلاّ بيقين حله من التذكية والعقر، فإنْ تردَّد في شيءٍ من ذلك لسببٍ آخر،
رجع إلى الأصل، فبني عليه، فما أصله التحريم بقي على حرمته)).
ولو فرضنا أنّه يوجد في تلك البلدان من یذبح ذبحًا شرعيًّا، ویوجد من
يذبح ذبحًا آخر كالخنق والوقذ، فلا تحل للاشتباه، كما هي القاعدة الشرعية .

٥
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
١١٦٦ - وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُغَفَّلٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ -: ((أَنَّ رَسُولَ
اللهَ وَّ نَهَى عَنِ الخَذْفِ وقَالَ: إِنَّهَا لَا تَصِيدُ صَيْدًا، وَلاَ تَنْكَأُ عَدُوًّا؛
وَلَكِنَّهَا تَكْسِرُ السِّنَّ، وَتَفْقَأُ العَيْنَ)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَالَّلَفْظُ لِمُسْلِمٍ (١).
* مفردات الحديث:
- الخَذْفُ: قال في فتح الباري: بفتح الخاء المعجمة، فذال معجمة، ففاء، هو
رمي الإنسان بحصاة أو نواة بين إصبعيه: السبابتين، أو السبابة والإبهام.
- فإنَّهَا: الضمير راجعٌ إلى الخذف، وأنَّث الضمير نظرًا إلى المحذوف به، وهو
الحصاة .
- لاَ تنكأ: بفتح حرف المضارعة، وفتح الكاف، وهمزة في آخره، أي: لا
تجرح عدوًّا، ولا تقتله، وروي بكسر الكاف بغير همزة، والحديث مروي
بالوجهين، وكلاهما صحيح؛ لكن قال العيني: المناسب هنا كسر الكاف بغير
همزة؛ لأَنَّ معناه نكيت في العدو نكاية: إذا أكثرت فيهم الجراح والقتل، وأمَّا
الَّذي في الهمز فهو من نكأت القرحة، إذا قشرتها، ولا يناسب هنا إلاَّ الأوَّل.
- تفقأ: فقأ بفتحات، فقأ العين: شقَّها، وأخرج ما فيها .
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - الخذف: هو رمي الإنسان بحصاة، أو نواة، أو نحوهما، يجعلهما بين
إصبعيه: السبابتين، أو السبابة والإبهام.
وقد نهى النَّبِي ◌ََّ عن ذلك، والنَّهي يقتضي التحريم؛ فدلَّ على أنَّ هذا
الفعل محرَّم.
(١) البخاري (٥٤٧٩)، مسلم (١٩٥٤).
----

٥١
كتاب الأطعمة - باب الذبائح
٢- ذلك أنَّه مفسدة محضة، لا مصلحة فيه؛ فإنَّه يكسر السن، ويفقأ العين،
ويشج الوجه، ولا يحصل به فائدة؛ فإنَّ القتل به إذا قتل لا يحل؛ لأَنَّه يقتل
بثقله، لا بحدِّه وموره وجمهور العلماء لا يحلون قتل الصيد بالثقل؛ لأَنَّه من
الوقيذة؛ قال تعالى: ﴿وَالْمَوْقُوذَةُ﴾، وقتل الحيوان بغير حقٌّ؛ ولا انتفاع
حرامٌ؛ فقد جاء في مسند الإمام أحمد (٦٥١٥) وسنن النسائي (٤٤٤٥) من
حديث عبدالله بن عمرو أنَّ النَّبِي ◌َِّ قال: ((من قتل عصفورًا بغير حقِّه، سأله
الله عنه يوم القيامة، قيل: يارسول الله، وما حقه؟ قال: أنْ تذبحه، ولا تأخذ
بعنقه فتقطعه)).
٣- يلحق بهذا (النبيلاء)) التي يرمي الصبيان بها صغار الطير كالعصافير، فكم
حصل فيها من أذيةٍ للنَّاس في منازلهم، حينما يرمي بها الصبيان الطير التي
على أسوار البيوت، وما ينتج عن ذلك من تساقط الأحجار، وترويع
الصغار.
وإِذَا قتلت الطير الصغير، فإنَّه لا يحل أكله؛ لأَنَّها ماتت بثقل الحجر
الذي رمیت به، لا بحدِّه.
فعلى ولاة أمورهم كفهم عن هذا، وعلى رجال الأمن تأديبهم عن ذلك،
فهي محرَّمةٌ؛ لإلحاقها بما نهى النَّبِي ◌َّ عنه في هذا الحديث.

٥٢
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
١١٦٧ - وعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - أنَّ النَّبيَّ
قَالَ: ((لاَ تَتَّخِذُوا شَيْئًا فِيهِ الرُّوحُ غَرَضًا)) رَوَاهُ مُسْلِمُ(١).
صَلَ اللَّهِ
وسلم
** مفردات الحديث:
- غَرَضًا: بفتحتين، وغينه معجمة، أي هدفًا، والمراد: لا تتخذوا الحيوان
الحي غرضًا ترمون إليه، والنهي يقتضي التحريم؛ فإنه تعذيبٌ للحيوان.
* ما يؤخذ من الحديث:
١- الحديث فيه النهي عن اتخاذ شيء من ذي روح هدفًا يرمى إليه، والنّهي
يقتضي التحريم؛ فهذا تعذيبٌ للحيوان.
وقد جاء في البخاري (٥٥١٣) ومسلم (١٩٥٦) من حديث أنس قال:
((نهى رسول الله وَّهِ أنْ تُصْبرَ البهائم))، والصبر قتلها محبوسة مقهورة.
٢ - وقد جاء في بعض الأحاديث أنَّ النَّبِي وَّ قال: ((لعن الله من فعل هذا))
يعني: جعلها هدفًا يرمى إليه.
فهو تعذيبٌ للحيوان، وإتلافٌ لنفسه، وتضييع لماليته، وتفويت لذكاته.
وقد قال ◌َّ: ((إِذَا قتلتم فأحسِنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسِنوا الذبحة))
[رواه مسلم (١٩٥٥)]، وهذا أساء لقتله من وجوه.
٣- قال الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ، حول قتل الحمر الأهلية: إنَّ قتل
هذه الحيوانات السائبة لا يحل شرعًا؛ لما صرح بها الفقهاء.
قال في الإقناع وشرحه: ولا يجوز قتل البهيمة، ولا ذبحها؛ للإراحة،
كالآدمي المتألِّم بالأمراض الصعبة.
(١) مسلم (١٩٥٧).

٥٣
كتاب الأطعمة - باب الذبائح
وقال في المنتهى: ويحرم ذبح حيوان غير مأكول لإراحته من مرضٍ
ونحوه، والواجب علينا القيام عليها بما يلزم لها مؤن وعلفٍ، وغيره.
٤- الحديث يدل على تحريم أكل المصبورة؛ لأَنَّها لو كانت ذكاةً شرعية يحل
بها أكل المصبورة، لما نهى عنها .
قال في الإقناع وشرحه: ولا تؤكل المصبورة، ولا المنخنقة؛ لما روى
سعيد قال: ((نهى رسول الله وَ لل عن المنخنقة، وعن أكل المصبورة))،
والمنخنقة لا تكون إلاَّ في الطائر، والأرنب، وأشباهها، والمصبورة كل
حيوانٍ يحبس للقتل .

٥٤
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
١١٦٨ - وَعَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - ((أَنَّ امْرَأَةً
ذَبَحَتْ شَاةً بِحَجَرٍ، فَسُئِلَ النَّبِيَِِّ عَنْ ذلِكَ؟ فَأَمَرَ بِأَكْلِهَا)) رَوَاهُ
البُخَارِيُّ(١).
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - تمام الحديث من رواية البخاري عن كعب بن مالك أنَّه قال: ((كانت لنا غنمٌ
ترعى بِسَلْع، فأبصرتْ جارية لنا بشاة من غنمنا موتًا، فكسرت حجرًا،
فذبحتها به، فسُئِل النَّبِي وَلّر عن ذلك؟ فأمر بأكلها)).
٢- في الحديث جواز تذكية المرأة، وحلّ أكل ما ذكته.
وهو قول جماهير العلماء، وليس فيه إلاَّ خلافٌ شاذِّ مخالفٌ للنصوص .
٣- جواز التذكية بالحجر الحادّ إذا قَطَع الحلقوم والمريء، وسيأتي قريبًا: ((ما
أنهر الدم، فكلوا)) [رواه البخاري (٥٥٠٣) ومسلم (١٩٦٨)].
٤- أنَّ الآلة التي يُذَكَّى بها لا بُد أن تكون حادة، تقتل بحدِّها ونفوذها، لا
بثقلها، وتقدَّم حديث عدي بن حاتم في البخاري (٥٤٧٦) ومسلم
(١٩٢٩): ((إِذَا أصبتَ بحده فَكُل، وإذا أصبت بعَرْضه فلا تأكل)).
٥- أنَّ الَّذي أصابه سبب الموت من الحيوان المأكول إذا ذكي، حل أكله.
-------- -- ----- -- ----- ---- -----
واختلف العلماء في ذلك: فمذهب الشَّافعي وأحمد: لا تحل ما فيها
سبب الموت، إلاّ إذا كانت فيها حياةٌ مستقرّة، وذلك بأنْ تزيد حياتها على
مدَّة حركة المذبوح.
وقال شيخ الإسلام: وما أصابه سبب الموت فيه نزاع بين العلماء؛
(١) البخاري (٥٥٠٤).
-------
--
- -
------- ----------

٥٥
كتاب الأطعمة - باب الذبائح
والأظهر: أنَّه متى ذبح فخرج الدم الأحمر الَّذي يخرج من المذكَّى المذبوح
في العادة، ليس هو دم ميتة، فإنَّه يحل، وإنْ لم يتحرَّك في أظهر قولي
العلماء .
قال ابن القيم: ومتى كان العمل في مال الغير إنقاذًا له من التلف، كان
جائزًا؛ كذبح الحيوان المأكول إذا خيف موته، ولا یضمن ما نقص بذبحه.
٦- جواز تذكية المرأة الحائض؛ فإنَّ النَّبِي وَّه لم يستفصل، وترْكُ الاستفصال،
في موضع الاحتمال ، ينزل منزلة العموم في المقال.
٧- إباحة ما ذبحه غير مالكه بغير إذنه؛ فإنَّ الجارية لما خافت أنْ تفوت المنفعة
بموت الشاة، ذبحتها، ولم تستأذن صاحبها .

٥٦
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
١١٦٩ - وَعَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - عَنِ النَّبِيِّ وَل
قَالَ: ((مَا أَنْهَرَ الدَّمَ، وَذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ، فَكُلُوا، لَيْسَ السِّنَّ والظَّفُرَ؛
أَمَّا السِّنُّ: فَعَظْمٌ، وَأَمَّا الظُّفُرُ: فَمُدَى الحَبَشَةِ)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١).
* مفردات الحديث:
:
- ما أنهَر الدم: ((ما)) شرطية، أو موصولة، و((أنهر)) فعلٌ ماضٍ مبنيٌّ للمعلوم،
وأنهره: أي أساله، وصبَّه بكثرة.
- فكُلُوه: جواب الشرط، أو متضمن معناه.
- ليس: فعل ماض من أخوات كان، وهي فعل شبيه بالحرف، وهنا أتت
للاستثناء بمعنى إلاَّ، والمستثنى بعدها واجب النَّصب؛ لأَنَّه خبرٌ لها، نحو:
جاء القوم ليس خالدًا.
قال في المحيط: وقد تخرج ((ليس)) عن ذلك في مواضع، أحدها: أنْ
تكون حرفًا ناصبًا للمستثنى بمنزلة ((إلاَ)) نحو: أتوني ليس زيّدًا، والصحيح
أنَّها النَّاسخة، وأنَّ اسمها ضميرٌ راجعٌ للبعض المفهوم ممَّا تقدَّم، واستتاره
واجب، فلا يليها في اللفظ إلاَّ المنصوب.
قلت: وهي التي وردت في هذا الحديث.
- السّن: منصوب على أنَّه خبر ليس، وهو بكسر السين، قطعة عظم تنبت في
الفك، مؤنثة .
- الظفر: منصوبٌ؛ لأَنَّه معطوف على خبر ليس، والظفر: مادة قرنية في
أطراف الأصابع، جمعه أظافر وأظافير.
(١) البخاري (٥٥٠٣)، مسلم (١٩٦٨).

٥٧
كتاب الأطعمة - باب الذبائح
- مُدّى: جمع مُدْيَة، بضم الميم، وسكون الدَّال، هي الشفرة الكبيرة.
- الحَبَشة: هي بلاد تقع في الشمال الشرقي من إفريقيا، وتُسمَّى الآن إثيوبيا،
عاصمتها أديس أبابا، يحدها شمالاً إرتيريا، وشرقًا وجنوبًا الصومال، وغربًا
السودان، وهي منبع النيل الأزرق.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - أنَّه يشترط لحل الذبيحة ذبحها أو نحرها، وإسالة الدم من مكان الذبح أو
النحر، وذلك بقطع الحلقوم والمريء.
٢- يشترط في آلة الذبح أنْ تكون محدَّدة، تقتل الذبيحة بحدها، سواء أكانت
حديدًا، أو خشبًا، أو حجرًا، أو غيرها، فلا تحل آلة لقتل الذبيحة بثقلها
وصدمها .
٣- أنَّه يستثنى من الآلة المحددة، السن وجميع العظام، كما يستثنى الظفر؛
فإنَّها وإنْ كانت محددة، فإنه لا يجوز الذبح بها، ولا تحل الذبيحة بها .
٤- أمَّا الظفر: فإنَّها مدى الحبشة الذين يذبحون بها، ولا تحل مشابهتهم، كما
أنَّ فيه مشابهة للسباع التي تفرس الصيد بأظفارها، وجوارح الطير التي
تفرس بمخالبها .
٥- مثل السن سائر العظام، فلا يجوز الذبح بها، ولا تحل الذبيحة بهذا السن،
فهي - والله أعلم - للبعد عن مشابهة السباع التي تفرس بأنيابها .
وأمَّا بقية العظام، فإنْ كانت من ميتة، أو حيوان نجس: فهي لنجاستها،
وإنْ كانت طاهرة: فلحرمتها عن ملامسة النجاسة، وهو الدم المسفوح، فقد
نهى عن الاستنجاء بها خشية تنجسها؛ لأنَّها طعام إخواننا من الجن، كما في
الحديث الصحيح، ولأنَّه ◌َِّ علَّل حرمة الذبح بالسن بأنَّه عظم .
٦ - الرقبة فيها أربعة مَجَارٍ: الحلقوم، وهو مجرى النَّفس، ومن خلفه المريء،
وهو مجرى الطعام والشراب، وعن جانبي الرقبة الودجان: وهما عرقان يجري

٥٨
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
(
معهما الدم، فالواجب، قطع الحلقوم والمريء، والأفضل: أن يقطع معهما
الودجين؛ لأَنَّه يحصل بقطعهما كمال النزيف، وطهارة المذبوح ، وسرعة إراحته.
وللأئمّة فيها خلاف؛ فعند الشَّافعي وأحمد: الواجب قطع الحلقوم والمريء،
وعند أبي حنيفة: زيادة قطع أحد الودجين، وعند مالك: لا بدَّ من قطع الأربعة.
وقول الإمام مالك جيد جدًّا، فقد علمنا من أصحاب الخبرة أنَّ إخراج
الدم ونزيفه لا يكون إلاَّ بقطع الودجين اللذين هما مجرى الدم.
٧- ويدخل فيما أنهر الدم ما له نفوذٌ في البدن، كالرصاص من البندقية، فإنَّها
تنهر الدم وتسيله، وتقتل الصيد بنفوذها ومرورها في البدن، لا بصدمها
وثقلها، فالقتل بها حلالٌ، وقد انعقد الإجماع عليه .
٨- ومثل الصيد: الحيوان الأهلي من الإبل، أو البقر، أو الغنم، أو الدجاج،
إذا ندَّت وتأبدت وعُجِزَ عن إدراكها ، ولم يُقدَر عليها، فإنَّها تكون كالصيد،
يحل قتلها بالسهام، والرصاص من البندقية، والمسدس، والرشاش، ونحو
ذلك من السلاح، بجرحها في أي موضع من بدنها .
فقد جاء في البخاري (٥٥٠٩) ومسلم (١٩٦٨) من حديث رافع بن
خديج قال: كُنَّا مع النَّبِي وَّ في سفر، فندَّ بعير من إبل القوم، ولم يكن
معهم خيل، فرماه رجل بسهم فحبسه، فقال رسول الله وَله: ((إنَّ لهذه
البهائم أوابد كأوابد الوحش، فما فعل منها هذا، فافعلوا به هكذا)).
٩- قال الشيخ عبدالعزيز بن باز: الذبح الشرعي هو الّذي يتضمن قطع الحلقوم
والمريء وإسالة الدم، فقد صحَّ عنه بَّ أنَّه قال: ((ما أنهر الدم، وذُكِرَ اسم
الله عليه، فكُل، ليس السن والظفر)) [رواه البخاري (٥٥٠٣) ومسلم (١٩٦٨)].
وأمَّا ماخُنق من الحيوان والطير حتَّى مات، أو سلط عليه تيار كهربائي
حتَّى مات، فلا يؤكل بالاتفاق، وإنْ ذُكِر اسم الله عليه حين خنقه أو تسليط
الکھرباء علیه أو عند أکله، فهذا لا يحله.

٥٩
كتاب الأطعمة - باب الذبائح
١٠ - وقال الشيخ عبدالله بن حميد: أجمع العلماء على أنَّ محل الذكاة هو
الحلق واللبة، ولا يجوز في غير هذين الموضعين للمقدور عليه؛ فلا
تصح الذكاة إلاّ بقطع الحلقوم والمريء عند الشَّافعي وأحمد، وعند مالك
يشترط معهما قطع الودجين .
١١ - وقال الشيخ عبدالرحمن السعدي: الصحيح أنَّ جميع العظام لا تحل
الذكاة بها، كما علّل ذلك النَّبِي ◌ِّ حيث قال: ((أمَّا السن فعظم))، وممَّن
اختاره ابن القيم رحمه الله تعالی .
١٢ - وقال الأستاذ صالح العود: لفظة الذكاة تنبىء عن الطهارة، فقد ذهب
علماء وظائف الأعضاء إلى أنَّ الذبح يحدث صدمة نزيفية، فيجتذب كلَّ
الدم السَّائل إلى دورة الدم، وينساب من خلال العروق المقطوعة.
أمَّا الطرق الإفرنجية الحديثة لإزهاق روح الحیوان کالصعق بالکھرباء،
وضرب المخ بالمسدس، وتغطيس الطيور بالماء، وفتل أعناقها، وما إلى
ذلك من الطرق، فهي - إلى حرمتها الشرعية - طرق عقيمة مضرة بالصحة؛
فإنَّ الحيوان بالتدويخ والصعق يُصاب قبل إزهاق روحه بالشلل، ويسبب
احتقان الدم باللحم والعروق، حيث لا يجد منفذًا، واحتقان الدم في
اللحم یضر بصحة الإنسان، کما یسبب تعفن اللحم، وتغير لونه.
وقد أدرك هذا منتجو اللحوم الدنماركية، فرفعوا شكوى إلى حكومتهم
مطالبين بوقف التدويخ بالكهرباء، وحظر استعمالها .
وهنا نتبيَّن عظمة الإسلام، وأنَّه دين العقل والنظافة والصحة والرحمة.
* قرار المجمّع الفقهي الإسلامي :
بشان موضوع: الذبح بالصعق الكهربائي :
الحمدلله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، سيدنا محمد
صلی الله علیه، وعلى آله وصحبه وسلّم.

٦٠
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
أمّا بعد :
فإنَّ مجلس المجمَّع الفقهي الإسلامي برابطة العالم الإسلامي في دورته
العاشرة المنعقدة بمكة المكرمة في الفترة من يوم السبت ٢٤ صفر ١٤٠٨هـ،
الموافق ١٧ أكتوبر ١٩٨٧م، إلى يوم الأربعاء ٢٨ صفر ١٤٠٨ هـ، الموافق ٢١
أكتوبر ١٩٨٧ م، قد نظر في موضوع (ذبح الحيوان المأكول بواسطة الصعق
الكهربائي) وبعد مناقشة الموضوع، وتداول الرَّأي فيه، قرَّر المجمَّع ما يلي:
أوّلاً: إذا صعق الحيوان المأكول بالتيار الكهربائي، ثمَّ بعد ذلك تمَّ ذبحه
أو نحره، وفيه حياة، فقد ذكي ذكاةً شرعية، وحلَّ أكله؛ لعموم قوله تعالى:
حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْنَةُ وَاَلَدَّمُ وَمُ الْخِنِزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ الَّهِ بِهِ، وَالْمُنْخَيِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ
وَالْمُتَّرَدِيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَآ أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَيْنُمْ﴾ [المائدة: ٣].
ثانيًا: إذا زهقت روح الحيوان المصاب بالصعق الكهربائي قبل ذبحه أو
نحره، فإنَّه ميتة يحرم أكله؛ لعموم قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَهُ﴾
.
ثالثًا: صعق الحيوان بالتيار الكهربائي - عالي الضغط - هو تعذيب
للحيوان قبل ذبحه أو نحره، والإسلام ينهى عن هذا، ويأمر بالرحمة والرَّأفة
به، فقد صحَّ عن النَّبي ◌َّ أنَّه قال: ((إنَّ الله كتب الإحسان على كلِّ شيءٍ، فإذا
قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحد أحدكم شفرته،
ولیرح ذبیحته» [رواه مسلم].
رابعًا: إذا كان التيار الكهربائي منخفض الضغط، وخفيف المس بحيث
لا يعذَّب الحيوان، وكان في ذلك مصلحة، كتخفيف ألم الذبح عنه، وتهدئة
عنفه ومقاومته، فلا بأس بذلك شرعًا، مراعاةً للمصلحة، والله أعلم.
وصلَّى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلّم تسليمًا كثيرًا،
والحمد لله ربِّ العالمين.
----- --