النص المفهرس

صفحات 1-20

توضِيُ الأحكامِ
بُوُع الْمَرامَ
تَأليف
رَاجِيُ عَفورَبّه
عَبْدالشر بْن عَبْد الرحمن البَسَّام
غفر الله له ولوالديه ولمسلمين
طبعَة مصحّة وَمُحقّقّة وَفيِهَا زِيَارَات ◌َعَامَّة
الجُزْءُ السَّابِعُ
مكتَبَة الأَدي
مَكّة المكرّمة

جميع حقوق الطبعمحفوظة للمؤلف
الطبعَة الخامِسَة
مُصَحَّحَة وَمَحَقّقَة وَفِيهَا زِيَادَاتِ هَامَّة
١٤٢٣هـ - ٢٠٠٣م
مَكَتَبَة الأسدي
مَكّة المكرّمة - العَهِزْيَّةِ - مَدَخَل جَامِعَة أم القُرَى
هاتف: ٥٥٧٠٥٠٦ - فاكس: ٥٥٧٥٢٤١
صَ. بَ: ٢٠٨٣

٣
كتاب الأطعمة
كتاب الأطعمة
المقدمة
واحدها: طعام، وهو جمع قلّة؛ لكنَّه لما عُرِّف بالألف والَّلام أفاد
العموم، وهو ما يُؤْكل، وما يُشْرَب.
قال تعالى: ﴿إِنَ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِى وَمَن لَّمْ
يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنَِّ﴾ [البقرة: ٢٤٩]، قال القرطبي: ((دلَّ على أنَّ الماء طعام)).
قال في تيسير العلاّم: ((الأصل في الطعام والشَّراب والِّلباس: الحل؛ فلا
يَحرم منها إلاَّ ما حرَّمه الله ورسوله؛ لأنَّها داخلةٌ في عموم العادات المبنية على
الحل، والمحرَّم منها محدودٌ ومعدودٌ، ممَّا يدل على بقاء المتروك على أصله،
وهو العفو.
والأصل في هذا القول وصف النَّبِي بَّهِ ووصف شريعته: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ
الطَّبَتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَيِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧]، وهذا يتناول جميع الأشياء:
من مطعم، ومشرب، فكل ما ليس بخبيثٍ فهو طيبٌ حلال، فدخل فيه أنواع
الحبوب، والثمار، وهي أوسع الأصناف حِلاَّ، ودخل فيه الحيوانات البحرية
كلها، ودخل فيه الأنعام الثمانية، والخيل، ودخل فيه الطيور، والدجاج،
والطواويس، ونحوها من حيوانٍ، وطيرٍ، إلاَّ ما كان خبيئًا.
والخبث یعرف بأمور :

٤
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
١ - أنْ ينص الشَّارع على خبثه؛ كالحمر الأهلية.
٢- أو ينص على حدِّه؛ ككل ذي نابٍ من السِّباع، وكل ذي مِخْلَبٍ من الطير.
٣- أو يكون خبثه معروفًا؛ كالفأرة، والحية، والحشرات.
٤- أو يكون الشَّارع أمر بقتله، أو یکون نهى عن قتله.
٥- أو يكون معروفًا بأكل الجيف؛ كالنسر، والرخم، ونحوهما.
٦- أو يكون متولدًا من بين حلال وحرام، فيغلّب التحريم؛ كالبغل.
٧- أو يكون خبثه عارضًا؛ كالجَلَّلة التي تغذى بالنَّجاسة، والمائعات
المتنجسة .
٨- أو يكون محرَّمًا لضرره البدني؛ كأنواع السموم.
٩ - أو يكون محرَّمًا لضرره العقلي؛ كالخمر، والمخدرات.
١٠ - أو مذكَّى؛ تذكية غير شرعية؛ إمَّا لآلته، وإمَّا لمذكِّيه، وإمَّا للقصد من
تذکیته .
وما لم يوجد فيه سبب الخبث فهو حلال .

٥
كتاب الأطعمة
١١٤٩ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - عَنِ النَّبِّ ◌َ قَالَ: ((كلُّ
ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ فَأَكْلُهُ حَرَامٌ» رَوَاهُ مُسْلِمُ(١). وَأَخْرَجَهُ مِن حَدِيثِ
ابنِ عبَّاسٍ بِلَفْظِ: ((نهى))، وَزَادَ: ((وَكلُّ ذِي مِخْلَبٍ مِنَ الطَّيْرِ))(٢).
* مفردات الحدیث:
- النَّاب: من الأسنان، هو الَّذي يلي الرباعيات.
- السِّباع: بكسر السِّين، فالتخفيف، جمع سَبُع، وهو الحيوان المفترس،
كالأسد، والنَّمر، والذئب، ونحوها ممَّا فيه غريزة سبعية، يعدو بها على
النَّاس، والدواب، والأنثى سَبُعة.
- مِخْلَب: بكسر الميم، وسكون الخاء، هو ظفر كل سبع من الماشي والطَّائر،
جمعه مخالب ومخالیب .
* ما يؤخذ من الحديث:
١- الأصل في الأطعمة الحل؛ لقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِى خَلَقَ لَكُم مَّا فِى الْأَرْضِ
جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩]. وقوله تعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام:
١١٩]. وقوله تعالى: ﴿يََّأَيُّهَا النَّاسُ كُلُواْ مِمَا فِ اَلْأَرْضِ حَلًا طَيِّبًا﴾ [البقرة:
١٦٨]، وأوسع الأشياء في الطيب والحل هي الحبوب والثمار.
٢ - أمَّا اللحوم: فقال تعالى: ﴿قُل لََّ أَجِدُ فِى مَآ أُوحِىَ إِلَىَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاِمٍ يَطْعَمُهُ:
إِلَّّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيِّرِ
اللَّهِ بِهِّ﴾ [الأنعام: ١٤٥].
(١) مسلم (١٩٣٣).
(٢) مسلم (١٩٣٤).

٦
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
فهذه الآية الكريمة عامَّة في حل أكل لحم الحيوانات، إلاَّ ما ورد الشرع
بتحريمه، فما ورد من المحرمات في سورة المائدة، وفي الأحاديث الواردة
في التحريم، كحديث الباب فهو رافعٌ لمفهوم هذه الآية .
٣- قال الشيخ عبدالرحمن السعدي: ((وإذا كان الله لم يحرِّم من المطاعم إلاّ ما
ذكر، والتحريم لا يكون مصدره إلاَّ شرع الله، دلَّ ذلك على أنَّ المشركين
الَّذين حرَّموا ما رزقهم الله مفترون على الله، متقوّلون عليه ما لم يقله.
٤- حديث الباب يُثبت تحريم كل ذي نابٍ من السِّباع، وكل ذي مخلبٍ من
الطير، فكل ذي نابٍ من السِّباع فهو محرَّم، وكل ذي مخلبٍ من الطير فهو
محرَّم، كالأسد، والنمر، والذئب، وهو الحيوان المفترس الَّذي جمع
الوصفين النَّاب، والسبعيَّة لطبيعِيَّة فيه، والافتراس، فإذا تخلَّفت إحدى
الصفتين لم يحرم، فهذا الحديث مبيِّن ومفسِّر لما أجمل في الآية، وإليه
ذهب جمهور العلماء، ومنهم الأئمة الثلاثة أبو حنيفة، والشَّافعي، وأحمد.
٥- أمّا ذو المخلب من الطير فقال النووي: ((تحريمه هو مذهب الجمهور، أبي
حنيفة، والشَّافعي، وأحمد، وغيرهم، فقد استفاضت السنَّة بالنَّهي عنه،
والنَّهي يقتضي التحريم)).
قال ابن القيم: ((تواترت الآثار عن النَّبِي وََّ بالَّهي عن كلِّ ذي نابٍ من
السِّباع، وكل ذي مخلب من الطير، وصحَّت صحّة لا مطعن فيها)).
٦- قال شيخ الإسلام: ((إنَّ العادي شبيه بالمعتدي، فيصير في نفسه من الظلم
والعدوان بحسب ما اعتدی به)).
قال الأستاذ طبارة: ((حرَّم النَّبِي ◌َّ كل ذي مخلبٍ من الطير وكل ذي
نابٍ من السباع؛ لما فيها من صلابة العضلات وقبح الرائحة، فلحوم هذه
الحيوانات غير صالحةٍ لمعدة الإنسان؛ لأَنَّها تبتذل مجهودًا عضليًّا في
افتراسها غيرها، فتقوى بذلك عضلاتها، وتتصلَّب، وتكون عسرة الهضم.

٧
كتاب الأطعمة
* خلاف العلماء:
اختلف العلماء أي المكاسب أفضل؟ فبعضهم فضَّل الزراعة، وبعضهم
فضَّل التجارة، وبعضهم فضَّل العمل باليد.
وأحسن ما يُقال: إنَّ الأفضل لكلِّ أحدٍ ما يناسب حاله، ولا بُدَّ في
جميعها من النصح، وعدم الغش .
* فوائد:
الأولى: حيوانات البحر كلها حلالٌ على الصحيح، فلا يستثنى منها
شيء، ولا يحرم من الحيوانات البريّة إلاَّ ما کان خبيئًا، وخبثه يُعرف بأمور:
١ - إمَّا أنْ ينص الشَّارع على خبثه؛ كالحُمر الأهلية.
٢ - أو على حدِّه؛ كذي النَّب من السِّباع.
٣- أو يكون معروف الخبث؛ كالحية.
٤- أو يأمر الشَّارع بقتله؛ كالفأرة.
٥- أو ينهى عن قتله؛ كالهدهد، والصرد.
٦ - أو يكون معروفًا بأكل الجِيف؛ كالنسر.
٧- أو متولدًا من حلالٍ وحرام؛ كالبغل .
٨- أو يكون خبثه عارضًا بسبب تولَّد النَّجاسة في بدنه؛ كالجلالة.
٩- أو يكون محرَّمًا لضرره البدني؛ كأنواع السموم، أو لضرره العقلي؛
كالخمر، والمخدرات.
١٠ - أو مذكَّى ذكاةً شرعيّة، وقد تقدَّم في مقدّمة الباب.
فهذه الأسباب كلها تجعله خبيئًا .
الثانية: قال الخطابي: ((كل ما شككت فيه فالورع اجتنابه؛ لحديث: (دع
ما يَريبك إلى ما لا يَريبك)). وقال شيخ الإسلام: ((الفرق بين الورع والزهد: أنَّ
الزهد ترك ما لا ينفع في الآخرة، والورع ترك ما يخاف ضرره في الآخرة».

٨
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
١١٥٠ - وعَنْ جَابِرٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: (نَهَى رَسُولُ اللهِ لَّه
يَوْمَ خَيْبَرَ عَنْ لُحُومِ الحُمُرِ الأَهْلِيَّةِ، وَأَذِنَ فِي لُحُوْمِ الْخَيْلِ)» مُنَّفَقٌ عليهِ.
وَفِي لَفْظٍ لِلْبُخَارِيِّ: ((وَرَخَّصَ))(١).
* مفردات الحديث:
- الحُمُر الأهلية: قال في المعجم الوسيط: الحمار حيوانٌ داجن، من الفصيلة
الخيلية، يستخدم للحمل والركوب.
قال في حياة الحيوان: ويوصف الحمار بالهداية إلى سلوك الطرقات التي
مشى فيها، ولو مرَّة واحدة، كما يوصف بحدة السمع. وللناس في مدحه
وذمّه أقوالٌ متباينة، بحسب الأغراض.
- الخيل: جماعة الأفراس، لا واحد له من لفظه، جمعه أخيال وخيول، وسُمِّيت
خيلاً؛ لاختيالها في مشيتها، وقيل: أوَّل من ركبها - إسماعيل عليه السَّلام -،
وذلك في مكَّة، ومن ذلك سُمِّيت بالعراب؛ فقد روى النسائي أنَّ النَّبي
صَلَى اللّه
وَسَيَّلامُ
قال: ((اركبوا الخيل؛ فإنَّها ميراث أبيكم إسماعيل)).
وقد سابق النَّبِي بَّ عليها، وجعل أمدًا وغايةً لسباقها، وكان سليمان -
عليه السلام - يسابق عليها، ويحتفي بمنظر سباقها، فلها شأنٌ كبير في أوَّل
الدهر وآخره؛ ولذا قال تعالى: ﴿ وَمِنْ رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ، عَدُوَّ اللَّهِ
وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠]؛ قال الدميري: ((الخيل أشرف ما رُكِب من الدواب)).
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - الحديث يدل على تحريم لحوم الحمر الأهلية، ولو توحشت.
(١) البخاري (٤٢١٩)، مسلم (١٩٤١).

٩
كتاب الأطعمة
قال ابن عبدالبر: ((لا خلاف في تحريمها))، أمَّا شارح البلوغ فقال:
(تحريم أكل لحومها مذهب جماهير العلماء، من الصحابة، والتَّابعين، ومن
بعدهم، إلاَّ ابن عبّاس فقال: ((ليست بحرام)).
فالإجماع الَّذي نقله ابن عبدالبر بعد انتهاء الخلاف في عصر ابن عبّاس .
٢ - ثبت تحريم لحوم الحمر الأهلية بأحاديث كثيرة صحيحة، وجاء في تعليل
تحريمها في رواية: ((إنَّها نجس))، وفي لفظٍ: ((إنَّها رجس)).
٣- كما يحرم لحمها فإنَّ لبنها حرامٌ نجسٌ أيضًا، فلا يجوز شربه، ولو لدواء.
٤- مفهوم الحديث حل لحوم الحمر الوحشية، وهو صيد، فمن قتلها في الحرم
أو الإحرام فعليه الجزاء، قال في شرح الإقناع: ويجب في حمار الوحش
بقرة، قضى به عمر، وقاله عروة، ومجاهد.
وهذا هو المسمَّى حمار الزرد، وهو من الحيوانات الإفريقية.
٥ - يدل الحديث على حل لحوم الخيل؛ وبهذا قال الشافعي، وأحمد، وصاحبا
أبي حنيفة، وإسحاق، وجماهير العلماء من السلف والخلف؛ لهذا
الحديث، ولما في معناه من الأحاديث الصحيحة.
وأمَّا أبو حنيفة، ومالك: فذهبا إلى كراهة أكل لحومها، واستدلا بما رواه
خالد بن الوليد قال: ((نهى ◌َّل عن لحوم الخيل، والبغال، والحمير، وكل
ذي نابٍ من السباع)) [رواه أحمد (٦٣٧٦)] لكن ضعَّف الحديث أحمد،
والدَّارقطني، والخطابي، وابن عبدالبر، وعبدالحق، قال البيهقي: إسناده
مضطرب، مخالف لرواية الثقات .
ومن أدلَّة من كره لحوم الخيل قوله تعالى: ﴿وَالْخَيَّلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ
لِتَّكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ [البقرة: ٢٤٩]، فذكر الركوب والزينة، ولم يذكر الأكل.
وأجاب المبيحون أكلها: بأنَّ ذكر الركوب والزينة لا يدل على أنَّ منافعها مقصورةٌ
عليهما، وإنَّما خصًا بالذكر؛ لأنَّهما المقصود الأعظم من الخيل، والله أعلم.

١٠
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
١١٥١ - وَعَنِ ابْنِ أَبِي أَوْفَى - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: ((غَزَوْنَا مَعَ
رَسُولِ اللهَِّ سَبْعَ غَزَوَاتٍ نَأْكُلُ الْجَرَادَ)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١).
* مفردات الحديث:
- الجَرَاد: بفتح الجيم، والرَّاء، الواحدة جرادة، تطلق على الذكر والأنثى،
قيل: إنَّه مشتقٌّ من الجرد؛ لأَنَّهُ ما ينزل على شيءٍ إلاَّ جرده.
قال في بعض الموسوعات العلمية: ((الجراد يتبع فصيلة الحشرات،
حجمه كبير، ولونه أحمر قبل البلوغ، وأصفر بعده، يُغِير غالبًا من شرق
إفريقيا، ويهاجر ليجتاز المسافات الشَّاسعة؛ ليغزو مناطق جديدة، فإذا وصل
إلى أرض مزروعة أكلت الزرع)).
قال في حياة الحيوان: ((الجراد مفرده جرادة، تطلق على الذكر والأنثى،
والجراد أصناف مختلفة، فبعضه كبير الجثّة، وبعضه أحمر، وبعضه أصفر،
وبعضه أبيض)).
قال في الوسيط: ((الجراد فصيلة الحشرات المستقيمات الأجنحة)).
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - حديث الباب يدل على حل أكل الجراد، وقد أجمع المسلمون على إباحة
أكله، وروى ابن ماجة (٣٢٢٠) من حديث أنس قال: ((كان أزواج النَّي
وَ لّى يتهادين الجراد في الأطباق».
٢- قال الأئمة الأربعة بحل أكله، سواء مات حتف أنفه، أو باصطياد مجوسي،
أو مسلم، قُطِعَ منه شيء، أم لا .
(١) البخاري (٥٤٩٥)، مسلم (١٩٥٢).

١١
٢ -
كتاب الأطعمة
فقد روى الإمام أحمد (٥٦٩٠)، وابن ماجة (٣٢١٨) من حديث ابن
عمر أنَّ النَّبِي وَلِّ قال: ((أُحِلَّت لنا ميتتان ودمان، فالميتتان: الجراد
والحوت، والدمان: الكبد والطحال)).
٣- قال ابن كثير: ((وأمَّا الجراد فمعروف مشهورٌ، وهو مأكول، سُئِل رسول الله
وَله عن الجراد فقال: ((لا آكله ولا أحرمه)) [رواه أبوداود (٣٨١٣)] وإنَّما
تركه؛ لأَنّه كان يعافه؛ كما عافت نفسه الشريفة أكل الضب، وأَذِنَ فيه.
وكان عمر يشتهيه ويحبه، ويقول: ((ليت عندنا منه قفة أو قفتين نأكله)).

١٢
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
١١٥٢ - وَعَنْ أَنْسٍ - رضِيَ اللهُ عَنْهُ - في قصّة الأَرْنَبِ قَالَ:
((فَذَبَحَهَا، فَبَعَثَ بِوَرِكِهَا إِلَى رَسُولِ اللهِ لَه فَقَبِلَةُ)) مُتَفَقٌ عليْهِ (١).
* مفردات الحديث:
- قِصَّة الأرنب: قال أنس: أنفجنا أرنبا ونحن بمَرّ الظهران، فسعى القوم
وتعبوا، فأخذتها، فجئت بها إلى أبي طلحة، فبعث بوَرِكها .... الحديث.
- أرنب: بفتح الهمزة، وسکون الرَّاء، حيوان ثديي، منه البري والداجن، کثیر
التوالد، سريع الجري، يده أقصر من رجليه، يُقال: أرنب، للذكر والأنثى،
جمعه أرانب.
قال في حياة الحيوان: ((الأرنب: جمعه أرانب، وهو حيوان يشبه العناق،
قصير اليدين، طويل الرجلين، يطأ الأرض على مؤخرة قوائمه، وهو اسم
جنس، يطلق على الذكر والأنثى)).
قال في الوسيط: ((الأرنب حيوان ثديي، يؤكل لحمه، ومنه البري
والدَّاجن، كثير التوالد، سريع الجري، يداه أقصر من رجليه، يطلق على
الذكر والأنثى، والأفصح اختصاصه بالأنثى، وخُصَّ الخزز بالذكر.
- وَرِكها: بفتح الواو، وكسر الرَّاء، ويجوز كسر الواو، وسكون الرَّاء: هو ما
فوق الفخذ.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - أجمع العلماء على حِل أكل الأرنب، فقد جاء في صحيح البخاري
(٢٥٧٢): ((أَنَّ النَّبِي ◌َّ قَبِلَ وركها، وفخذها، وأكل منه)).
(١) البخاري (٢٥٧٢)، مسلم (١٩٥٣).

١٣
كتاب الأطعمة
٢- حديث الباب يدل على حل أكلها، والإجماع واقع على حل أكلها .
٣- كَره أكلها عبدالله بن عمر، وعكرمة، وابن أبي ليلى؛ لما روى أبوداود
(٣٧٩٢) والبيهقي (٣٢١/٩) من حديث عبدالله بن عمر: ((أنَّها جيء بها إلى
النَّبِي ◌َّ فلم يأكلها، ولم ينه عنها)) .
وتقدَّم أنَّه جاء في البخاري: ((أَنَّ أكلها))، وإذا صحَّ أنَّه لم يأكلها، فإنَّ
هذا لا يدل على تحريمها، وإنَّما يدل على كراهة نفسية، لا شرعية.

١٤
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
١١٥٣ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاس - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - قَالَ: ((نَهَى
رَسُولُ اللهِ ◌ّهِ عَنْ قَتْلِ أَرْبَعِ مِنَ الدَّوَابِّ: النَّمْلَةِ، والنَّحْلةِ، وَالهُدْهُدِ،
وَالصُّرَدِ)) رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُوْ داودَ، وَصَخَحَهُ ابْنُ حِبَّنَ(١).
* درجة الحديث:
الحدیث صحیح.
قال المصنّف: رواه أحمد، وأبوداود، وصحَّحه ابن حبان.
وقال البيهقي وابن دقيق العيد: ((رجاله رجال الصحيح، وهو أقوى ما
ورد في هذا الباب)) وصحَّحه الحافظ في التلخيص.
وله شاهد من حديث سهل بن سعد عند البيهقي .
* مفردات الحديث:
- الدواب: جمع دابّة، ويصغَّر على (دُوَيْبَّةِ)).
قال في المصباح: كل حيوانٍ في الأرض دابة، وخالف فيه بعضهم فأخرج
الطير من الدواب، ورُدَّ بالسماع، وهو قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَآبَةٍ مِّن مَّاءٍ﴾
[النور: ٤٥].
وأمَّا تخصيص الفرس والبغل بالدَّابة عند الإطلاق فعُرْفٌ طارىء.
- النَّمْلة: مفرد النمل، والجمع نمال، سميت نملة؛ لتنملها، وهو كثرة
حركتها، وهي حشرة ضئيلة الجسم من رتبة غشائيات الأجنحة، وقسم ذوات
الحمة، تتخذ مساكنها تحت الأرض، وتعيش في جماعة من أفراد نوعها،
دائبة العمل، متعاونة، عظيمة الحيلة في طلب الرزق، ومن طبعه أن يحتكر
(١) أحمد (٣٣٢/١)، أبو داود (٥٢٦٧)، ابن ماجة (٣٢٢٤)، ابن حبان (١٠٧٨).
---
-------
۔ ۔ ۔
------
------ ---

١٥
كتاب الأطعمة
قوته من زمن الصيف لزمن الشتاء، وله في الاحتكار أمور عجيبة .
- النَّحْلَة: هي حشرة من الفصيلة النحلية، وإليها تنسب فصيلة النحليات، تربَّى
للحصول على عسلها وشمعه .
- الهُدْهُد: جنس طير من الجواثم الرقيقات المناقير، له قنزعة على رأسه.
- الصُّرَد: بضم الصاد وفتح الراء، طائرٌ أكبر من العصفور، ضخم الرأس
والمنقار، يصيد صغار الحشرات، وربما افترس العصفور.
* ما يؤخذ من الحديث :
١- حديث الباب يدل على تحريم قتل النملة، وجاء في البخاري (٣٣١٩)
ومسلم (٢٢٤١) من حديث أبي هريرة عن النبي ◌َّ قال: ((نزل نبيٌّ من الأنبياء
- عليهم الصلاة والسلام - تحت شجرة، فلدغته نملة، فأَمَر بقرية النمل
فأُحرقت بالنار، فأوحى الله إليه فهلا نملة واحدة!)) قال أبو عبدالله الترمذي:
لم يعاتبه الله على تحريقها، وإنما عاتبه على كونه أخذ البريء بغير البريء.
٢- النحلة: حشرةٌ من رتبة غشائيات الأجنحة في الفصيلة النحلية، تُرَبَّى
للحصول على عسلها وشمعه، قال تعالى: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِى مِنَ
[النحل: ٦٨].
٦٨
اِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ
قال الزجاج: ((سُمِّيت نحلاً؛ لأَنَّ الله تعالى نحل النَّاس العسل الَّذي
يخرج منها؛ إذ النِّحْلة العطية)).
قال الدميري: ((النَّحل حيوانٌ فهيمٌ، ذو كَيَسٍ، وشجاعةٍ، ونظرٍ في
العواقب، ومعرفة بفصول السنة، وأوقات المطر، وتدبير المطعم، والطاعة
لكبيره، والاستكانة لأميره)).
وله أحوالٌ، وترتيبٌ، وتنظيمٌ يطول عدّه، فسبحان من أعطى كل شيءٍ
خلقه، ثمَّ هدی.
٣- الهدهد: بضم الهاءين، وإسكان الدال المهملة، جمعه هداهد وهداهید،

١٦
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
وهو طائر معروف، ذو خطوط وألوان كثيرة، رقيق المنقار، له قنزعة على
رأسه، وهو من فصيلة الجواثم.
وهو منتن الريح طبعًا؛ لأَنَّه يبني أفحوصه بالزبل، وهذا عامٌّ في جميع
جنسه .
٤- الأصح هو تحريم أكله؛ لأَنَّه منتن الريح، ويقتات الدود والخبث، وَلأَنَّ
النَّبي ◌َّ نهى عن قتله.
٥- الصُّرد: قال في شرح الإقناع: هو طائر أبقع أبيض البطن، أخضر الظهر،
ضخم الرَّأس والمنقار، وهو نوعٌ من أنواع الغربان، يصيد العصافير،
وصغار الطير، ويصرصر كالصقر.
قال الدميري: ((هو طائر شرس النفس، شديد النقرة، غذاؤه من اللحم،
ومأواه الأشجار، ورؤوس القلاع، وأعلى الحصون)).
٦ - الأصح تحريم أكله لهذا الحديث.
٧- الحديث دليل على تحريم قتل هذه الأصناف الأربعة، كما يدل على تحريم
أكلها؛ لأَنَّه لو حلَّ أكلها لما نهى عن قتلها .
٨- من ضوابط معرفة محرم الأكل من الحيوان والطير: أنْ يأمر الشَّارع بقتله؛
كالخمس الفواسق، أو ينهى عن قتله؛ كالأربعة المذكورة في هذا الحديث.
٩- كل ما نُهيَ عن قتله من الحيوان، والطير، والحشرات، هو ما لم يكن منه
أذى، فإن حصل منه الاعتداء، والأذى، حل قتله، ولو بما یبیده جمیعه،
کاستعمال الأشياء المبیدة له .

١٧
كتاب الأطعمة
١١٥٤ - وَعَنِ ابْنِ أَبِي عَمَّارٍ قَالَ: ((قُلْتُ لجابِرٍ - رَضِيَ اللهُ
عَنْهُ -: الضَّبُعُ صَيْدٌ هُوَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قُلْتُ: قَالَهُ رَسُولُ اللهِ وَّهِ؟ قَالَ:
نَعَمْ)) رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالأَرْبَعَةُ، وصَحَّحَهُ الْبُخَارِيُّ وابْنُ حِبَّانَ(١).
* درجة الحديث:
الحدیث صحیح.
أخرجه أبوداود، والدَّارمي، والطحاوي، وابن حبان، والدَّارقطني،
والحاكم، وغيرهم من طرق، عن جرير بن حازم، عن عبدالله بن عبيد، عن
عبدالرحمن بن أبي عمار، عن جابر، قال: ((سألت النَّبِي ◌َُّ عن الضبع؟ فقال:
هو صيد)) .
وصحَّحه البخاري، والترمذي، وابن خزيمة، وابن حبان، والبيهقي.
قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين.
* مفردات الحدیث:
- الضَّبع: بتشديد الضاد المعجمة، وسكون الباء الموحدة، وضمها، جنس من
الفصيلة الضبعية، ورتبة اللواحم، كبيرة الرَّأس، قويّة الفكين.
قال الدميري: ((الذكر ضَبْعَان، والجمع ضباعين، وأضبُعٌّ، ويتغذّى ببقايا
الفريسة)) .
الضبع: جنس من الحيوان من فصيلة ورتبة آكلة اللحوم، ولفظ الضبع
مؤنثة، وقد تطلق على الذكر، ولا يقال: ضبعة، جمعه: أضبع وضباع،
(١) أحمد (٣١٨/٣)، أبوداود (٣٨٠١)، الترمذي (٨٥١)، النسائي (١٩١/٥)، ابن ماجة
(٣٢٣٦)، ابن حبان (١٠٦٨).

١٨
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
والذكر يُقال له: ضبعان، والأنثى: ضبعانة، جمعه: ضباعين.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - حديث الباب يدل على حل أكل لحمها، وأنَّه صيد، والصيد مباح، وقد
اختلف العلماء في حلها :
فذهب الإمامان الشَّافعي وأحمد: إلى حلّها؛ مستدلين بهذا الحديث،
وبما رواه الحاكم (٦٢٣/١) وصحّح إسناده من حديث جابر قال: قال
رسول الله قال: ((الضبع صید، وجزاؤه کبش مسن)).
قال الترمذي: ((سألت البخاري عنه؟ فقال: إنَّه حديثٌ صحيح)).
أمَّا أبو حنيفة: فقال: يحرم.
وأمَّا مالك: فقال: يكره.
ودليل أبي حنيفة على تحريمها حديث: ((كل ذي نابٍ من السباع فأكله
حرام)، والضبع ذو ناب.
قال الأوزاعي: ((كان العلماء بالشام يعدونها من السباع، ويكرهون
أكلها)).
قال في المغني: ((وهو القياس، إلاّ أنَّ اتباع السنَّة أولى)).
والصحيح حل أكلها، فقد قال الشافعي: ((ما زال النَّاس يأكلونها ويبيعونها
بين الصفا والمروة من غیر نکیر)).
٢ - قال شيخ الإسلام: ((مباحة عند جماهير العلماء، ومنهم مالك، والشَّافعي،
وأحمد، وغيرهم؛ لقوله وَّ: ((إنَّها صيدٌ))، وأمر بأكلها، ولأنَّ العرب
تستطیبه و تمدحه)) .
٣- قال الدميري في حياة الحيوان: ((الضبع لا يغتذي بالعدو فهو يعيش بغير
أنيابه)).
قال ابن القيم: ((إنَّما حُرِّم ما له نابٌ من السباع العادية بطبعها، كالأسد،

١٩
كتاب الأطعمة
وأمَّا الضبع فإنَّما فيها أحد الوصفين، وهو كونها ذات نابٍ، وليست من
السباع العادية، والسبع إنَّما حرم؛ لِما فيه من القوَّة السبعية التي تورث
المتغذي بها شبهًا، ولا تعد الضبع من السباع لا لغةً ولا عرفًا)).
قلت: وبهذا فحديث ((كل ذي نابٍ من السباع)) لا يصلح دليلاً على
تحريمها .

٢٠
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
١١٥٥ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - أنَّهُ سُئِلَ عَن
القُنْفُذِ؟ فَقَالَ: ((﴿قُل لََّ أَجِدُ فِ مَآ أُوحِىَ إِلَىَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ﴾ الآيَةَ،
فقال شَيْخٌ عِنْدَهُ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: ذُكِرَ عِنْدَ النَّبِيِّ وَلِّ فَقَالَ:
إِنَّهَا خَبِيثَةٌ مِنَ الخبائثِ، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: إِنْ كَانَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ قَالَ
هَذَا فَهُو كَمَا قَالَ)) أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَأَبُودَاودَ، وإِسْنَادُهُ ضِعِيفٌ(١).
* درجة الحديث:
الحدیث ضعيف .
وقد أخرجه أحمد، وأبوداود، والبيهقي من طريق عيسى بن نميلة عن
أبيه .
قال البيهقي: هذا حديثٌ لم يرد إلاّ بهذا الإسناد، وهو ضعيف.
وقال الخطابي: ((ليس إسناده بذاك)). وقال ابن حجر: ((إسناده ضعيف)).
وقال الألباني: ((علته عيسى بن نميلة، وأبوه، فهما مجهولان)).
* مفردات الحديث:
- القُنْفُد: بضم القاف، وسكون النون، آخره ذال معجمة، هو حيوانٌ ثدييٌّ،
صغيرٌ، مغطَّى بالأشواك، وإذا واجهه خطرٌ كوَّر نفسه، فلا تظهر منه إلاَّ
أشواكه الحادَّة في كلِّ اتجاه، وبذلك يُدافع عن نفسه، يتغذّى بالفاكهة،
وجذور النبات، والحشرات.
قال في الوسيط: دويبة من الثدييات، ذات شوكٍ حادٌّ، يلتف فيصير
(١) أحمد (٢/ ٣٨١)، أبوداود (٣٧٩٩).