النص المفهرس

صفحات 421-440

٤٢١
كتاب الجهاد - باب الأمان
وهو يرجع إلى المصلحة العامة، التي تنفع المسلمين، وتخدم مصالحهم.
٣- وتقدم، في التنفيل وأحكامه، وأقسامه، وأصحابه، ولو قدَّم المؤلف هذا
الحديث مع نظائره، لكان أولى.

٤٢٢
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
١١٣٥ - وَعَنْ أبي رَافِعٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ
وَلَّه: ((إِنِّي لاَ أَخِيسُ بِالعَهْدِ، وَلاَ أَخْبِسُ الرُّسُلَ)). رَوَاهُ أَبُودَاوُدَ،
وَالنَّسَائِيُّ، وصَخَّحَهُ ابْنُ حِبَّنَ(١).
* درجة الحديث:
الحدیث صحیح.
صححه ابن حبان، وقال: رجاله ثقات، وصححه السيوطي في الجامع
الصغير.
قال المؤلف: رواه أبوداود، والنسائي، وصحَّحه ابن حبان .
قال محرره: وسكت عنه أبوداود، والمنذري، وقال أبوداود: هذا كان
في ذلك الزمان، فأما اليوم فلا يصلح.
وصححه إسناده الشيخ شعيب أرناؤوط في تعليقه على كتاب: ((الإحسان
في تقریب صحيح ابن حبان)).
** مفردات الحديث:
- أخيس بالعهد: بفتح الهمزة، ثم خاء معجمة، فمثناة تحتية، فسين مهملة،
يقال: خاس بالعهد يخيس خيسًا وخيسانًا: غدر ونكث، ومعناه: لا أنقض
العهد، ولا أخونه.
- ولا أحبس الرسل: الحبس هو: الإمساك والمنع، والرسل مفرده: ((رسول))،
وهو المرسَل الذي يبعث في حاجة، والرسل هنا: المراد بهم السفراء الذين
يتوسطون في أداء الرسالات بين زعماء الدول في شؤون الدولة.
(١) أبوداود (٢٧٥٨)، النسائي في الكبرى (٢٠٥/٥)، ابن حبان (١٦٣٠).

٤٢٣
كتاب الجهاد - باب الأمان
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - تقدم لنا أنَّ الأمان إذا عُقد، فإنه يلزم؛ سواء كان من الإمام، أو ممن هو
دونه، كل على حسب اختصاصه ، فلا يجوز نقضه ما لم يُخف منهم خيانة،
ولا يجوز قتل المؤمَّن، ولا أسره، ولا استرقاقه، فإنَّ عهد الأمان جعل له
حصانة .
٢- وتقدم أنَّه بالعهد يكون الأمان لكل من الطرفين، فكل يأتي إلى ديار الطرف
الآخر آمنا مطمئنًا بعهده؛ فقد جاء في البخاري من حديث ابن عمر أنَّ النَّبيَّ
مَ ◌ّه قال: «من قتل معاهدًا، لم يرح رائحة الجنة)).
٣- أما الرسل الذين يكونون وسطاء بين المسلمين، وأعدائهم، في حمل
الرسائل، ورد جوابها، وللتفاهم والتفاوض على ما يريدون، من أمور تتعلَّق
بالعلاقات بينهم، من صلح، وحرب، وغيرهما، فيحرم قتلهم.
٤- أنَّ قتل الرسل عين المفسدة؛ لأنَّ ذلك يسبب قطع الاتصالات الدولية،
وعرقلة مساعي التفاوض، والتفاهم بين الدول والحكومات.
٥ - السفارات في البلدان الأجنبية هي الوسيط بين الدولة صاحبة السفارة، وبين
الدولة التي اعتمدتها سفارة في بلادها .
٦- أصبح الآن بين الدول علاقات سياسية، وثقافية، واقتصادية، وشؤون
رعايا، والذي يتولى تنظيم، وترتيب اللقاءات لها، والقيام بها هي
السفارات، والقنصليات.
ولذا فإنَّ الدولة المعتمدة بها في بلادها تجعل لها، ولأفرادها حصانة
خاصة، فتحرص على أمنها واستقرارها؛ لأنَّ هذا مما يهم الدولتين، فإنَّ
الأعراف الدولية جعلت لها من الحماية، والحصانة ما يكفل لها أداء مهمتها .
٧- وهذه النظم، والأمن المتبادل هو مأخوذ من قوله ومَ له: ((أخيس بالعهد، ولا
أحبس الرسل)).

٤٢٤
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
١١٣٦ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَلَه
قَالَ: ((أَيُّمَا قَرْيَةٍ أَتَيْتُمُوهَا، فَأَقَمْتُمْ فِيهَا، فَسَهْمُكُمْ فِيهَا، وَأَيُّمَا قَرْيَّةٍ
عَصَتِ اللهَ وَرَسُولَهُ، فَإِنَّ خُمُسَهَا للهِ وَرَسُولِهِ، ثُمَّ هِيَ لَكُمْ)). رَوَاهُ
مُسْلِمُ(١).
* مفردات الحدیث:
- أيما: ((أي)) اسم موصول، ويكون بلفظ واحد للذكر، والأنثى، والمفرد،
والمثنى، والجمع، وتستعمل للعاقل وغيره، وهي معربة بالحركات الثلاث،
و((ما)) زائدة.
- فأقمتم: أي: حاصر تموها، فهربوا بدون قتال، فهذه لها حكم الفيء، أما
القرية التي عصت، وقام بينكم وبينها قتال، واستوليتم عليها، فلها حكم
الغنيمة .
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - هذا الحديث يبيِّن الفرق بين الأموال، التي تؤخذ من الكفار بحق، فنوع
يؤخذ بلا قتال فهذا فيء، ونوع يؤخذ بقتال فهذا غنيمة، ولكل منهما
حکمه .
٢- فما أخذه المسلمون من مال الكفار بحق، ولكن بغير قتال، وإنما تركوه
فزعًا منا، وكذا الجزية، والخراج، ومال المرتد إذا مات على ردته بقتل أو
غيره، فهذا فيء يصرف في مصالح المسلمين العامة، ومرافقهم النافعة،
ومِن أهمها الجهاد في سبيل الله بالسلاح، أو بالدعوة إلى الله.
(١) مسلم (١٧٥٦).

(٤٢٥
كتاب الجهاد - باب الأمان
٣- وما أخذه المسلمون من أموال الكفار بحق، وحصل منهم قهرًا بقتال، فههذا
غنيمة، يقسمها الأمير خمسة أقسام، قسم منها يكون تابعًا للفيء، فيكون
مصرفه على الصالح العالم للمسلمين، والأربعة الأخماس الباقية تقسم بين
الغانمين: للراجل سهم، وللفارس ثلاثة أسهم: سهم له، وسهمان لفرسه.
٤- الأصل في الفيء: قوله تعالى: ﴿مَّ أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ، مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلَّهِ وَلِلرَّسُولِ
وَلِذِى الْقُرْبِى وَاَلْيَتَى وَالْمَسَكِينِ وَأَبْنِ السَّبِيلِ﴾ [الحشر: ٧].
﴿﴿ وَأَعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَىْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ
٥ - الأصل في فرض الخمس : قوله تعالى :
◌َُهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِى﴾ [الأنفال: ٤١] يعني والباقي للغانمين.
والأصل في الغنيمة: قوله تعالى: ﴿فَكُلُواْ مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلًا طَيِّبًا﴾ [الأنفال:
٦٩]، وقد صحَّ واشتهر أنَّ النَّبيَّ ◌َّ قسم الغنائم بين الغانمين، فقد روى
أحمد، وأبوداود من حديث ابن عمر: «أنَّ النَّبِيَّ بَّ: أسهم للرجل ولفرسه
ثلاثة أسهم: سهم له، وسهمان لفرسه))، وأما رواية الصحيحين فإنَّه: ((أسهم
للفرس سهمین، وللراجل سهمًا)).
٦- فهذا الحديث يبين أنَّ القرية، أو القبيلة التي يقيم عليها المسلمون،
ويحاصرونها، وللكنه لم يحصل بينهم، وبين أهل قتال، وإنما الله تعالى
بقوته، وعزَّته قذف في قلوبهم الرعب، فهربوا عنها، فهذه أموالها فيء،
يعود إلى مصالح المسلمين العامة، وأما القرية، أو القبيلة التي عصت
الرسول، ثم قام بينهم وبين أهلها قتال، واستولوا على أموالهم فهي غنيمة،
تقسم بين الغانمين، وما ضرب عليها من خراج يلحق بالفيء، فيصرف
مصرفه .

٤٢٦
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
باب الجزية
مقدمة
الجِزية: مأخوذة من: الجزاء بمعنى: القضاء، أو من: المجازاة بمعنى:
المكافأة؛ لأنَّهم يجزوننا عن إحساننا إليهم بها .
وشرعًا: مال يؤخذ من أهل الكتاب كل عام؛ مجازاة عن إقامتهم بدار
المسلمین، وحقْن دمائهم، وحمایتهم ممن يعتدي عليهم.
ولا تؤخذ إلاّ من أهل الكتابين: التوارة والإنجيل، وهما اليهود
والنصارى، ومَن وافقهما في التدين بهذين الكتابين.
وألحق بهما العلماء المجوس؛ لأنَّ لهم شبهة كتاب، فقد روى البخاري
عن عبدالرحمن بن عوف: ((أنَّ النَّبِيَّ ◌َ﴿ أَخَذَ الجزیة من مجوس هجر)).
وروى الشافعي أنَّ النَّبِيَّ ◌َّهِ قَال: ((سُنُّوا بهم سنة أهل الكتاب)).
أما من عدا هؤلاء، فلا تؤخذ منهم الجزية، ولا يقبل منهم إلاَّ الإسلام،
أو القتل؛ لما في الصحيحين من حديث ابن عمر؛ أنَّ النَّبيَّ نَّه قال: («أمرتُ أَن
أُقاتل الناس، حتى يشهدوا أن لا إله إلاّ الله)).
قال في ((شرح الإقناع)): ولا جزية على من لا يجوز قتله إذا أسر،
كامرأةٍ، وصغيرٍ، ومجنونٍ، وزمِنٍ، وأعمّى، وشيخ فانٍ، وراهب بصومعة؛
لأنَّ قتلهم ممتنع، والجزية بدل عن قتلهم.
ولا تجب على فقير يعجز عنها، غير معتمل.

٤٢٧
كتاب الجهاد - باب الجزية
ومرجع تقدير الجزية إلى الإمام؛ لأنَّه يرجع فيها إلى اجتهاده.
ومتى بذلوا الواجب عليهم من الجزية، لزم قبوله، ودفع من قصدهم
بأذى في دارنا، ولو كانوا منفردين ببلد، وحرُم قتالهم، وأخذ مالهم؛ لأنَّ الله
تعالى جعل عطاء الجزية غاية لقتالهم فقال تعالى: ﴿قَئِلُواْ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ
بِاللَّهِ وَلَا بِاَلْيَوْمِ الْآَخِرِ وَلَا يُحِّمُونَ مَا حَزَّمَ اَللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ
أُوتُوا الْكِتَبَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَغِرُونَ
٢٩
[التوبة].

٤٢٨
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
١١٣٧ - عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ -: ((أَنَّ
(وَلِّ أَخَذَهَا - يَغْنِي: الجِزْيَةَ - مِنْ مَجُوسِ هَجَرَ)). رَوَاهُ
النَّبِيَّ
البُخَارِيُّ، وَلَهُ طَرِيقٌ فِي ((المُوطَّ)) فِيْهَا انْقِطَاعٌ(١).
* مفردات الحديث:
- مَجوس: واحدهم: ((مجوسي))، منسوب إلى: المجوسية: ملة تطلق على
أتباع الديانة الزرادشتية، وقد انقرضت، أو كادت تنقرض بعد استيلاء
المسلمین علی بلاد فارس .
- هَجر :- بفتحتين -: هي ما يسمى الآن: الإحساء، وكانت تلك المقاطعة
تسمى: البحرين، وعاصمتها هجر، والآن اقتصر اسم البحرين على تلك
الجزر المعروفة، وهي المنامة، والمحرق، وتوابعهما.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - الكفار نوعان :
أحدهما: أهل الكتاب: وهم اليهود والنصارى، فأصحاب هاتين الدیانتین،
يعرض عليهم الإسلام، فإن أبوا، عُرِض عليهم تسليم الجزية، فإن أبو،
قوتلوا .
الثاني: من عداهم من طوائف الكفار: من عبدة الأوثان، والدهريين،
والهندوس، والبوذيين، وغيرهم ممن ليس يهوديًا، ولا نصرانيًا، فهؤلاء لا
يقبل منهم إلاَّ الإسلام، أو القتال.
٢ - أما المجوس: فقد أُلحقوا بأهل الكتاب؛ لأنَّ لهم شبهة كتاب، قال الوزير،
(١) البخاري (٣١٥٧)، مالك (٢٧٨/١).

٤٢٩
كتاب الجهاد - باب الجزية
وابن رشد وغيرهما: اتَّفق العلماء على أنَّ الجزية تُضرب على أهل الكتاب،
والمجوس .
٣- ووجه إلحاق المجوس بأهل الكتاب حديث الباب، وما رواه الشافعي أنَّه
مَّ قال: ((سُنُّوا بهم سنة أهل الكتاب)).
خلاف العلماء:
اختلف العلماء فيمن عدا أهل الكتاب، والمجوس: هل تؤخذ الجزية
منهم، أم لا؟ .
فذهب الإمام أحمد إلى: أنَّها لا تؤخذ إلاَّ من أهل الكتاب، والمجوس.
وذهب جمهور العلماء إلى: أنَّه يجوز مهادنة الكفار كلهم، وأخذ الجزية
منهم، واختاره الشيخ تقي الدين، وابدن القيم.
قال الشيخ: إذا عرفت السنة تبين لك أنَّ النَّبِيَّ وَّ لم يفرق بين عربي
وغيره، وأنَّ أخذ الجزية كان أمرًا ظاهرًا مشهورًا، ولم يخص العرب بحكم في
الدین .
* فائدة:
قال الشيخ عبدالله أبابطين: الفرق بين المعاهد، والمستأمَن، والذمي:
فالمعاهد هو من أخذ عليه العهد من الكفار، والمستأمَن هو من دخل دارنا منهم
بأمان، والذمي هو من استوطن دار الإسلام بتسليم الجزية، فبالجملة الفارق
بين المعاهد والمستأمن، وبين الذمي أنَّهما لم يستوطنا دار الإسلام، والذمي
هو من استوطن دارنا بالجزية، والله أعلم.

٤٣٠
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
١١٣٨ - وَعَنْ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَنَسٍ، وَعَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي
سُلَيْمَانَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ -: ((أَنَّ النَِّيَّ نَّهِ بَعَثَ خَالِدَ بْنَ الوَلِيْدِ إِلَى
أُكَيْدِرِ دُومَةَ الجَنْدَل، فَأَخَذُوهُ، فَأَتَوْا بِهِ، فَحَقَنَ دَمَهُ، وَصَالَحَهُ عَلَى
الجِزْيَةَ)). روَاهُ أَبُودَاوُدَ(١).
* درجة الحديث:
الحدیث محتج به مقبول، سكت عنه أبوداود والمنذري.
قال في ((التلخيص)): رواه أبوداود من حديث أنس بن مالك، كما رواه
أبوداود والبيهقي من حديث محمَّد بن إسحاق قال: حدَّثني يزيد بن رومان
وعبدالله بن أبي بكر؛ أنَّ النَّبي ◌َّ ... فذكر الحديث مطولاً، وقد قواه
البيهقي.
* مفردات الحديث:
- بعث النَّبِي خالدًا: وذلك في غزوة تبوك.
- أُكَيْدِر: بضم الهمزة - تصغير: أكدر - ابن عبدالملك الكندي ملك دُومَة
الجندل في الجاهلية، له قصر يسمى (مارد) وهو حصن منيع لا تزال آثاره
باقية، بعث إليه النَّبيِ وَلّ خالد بن الوليد من تبوك، فأسره وفتح حصنه، وعاد
به إلى المدينة، فردَّه النَّبِي وَّ إلى بلاده، وضرب عليه الجزية، فنقض العهد
بعد وفاة النَّبِي وَلِّ، فبعث أبوبكر خالدًا إليه، فقتله واستولى على دومة الجندل.
ـ دُومَة : - بضم الدال المهملة ثم واو ساكنة وميم وهاء، وبعضهم: يرى أنَّها
بفتح الدالـ: وهي بلدة بالجوف أثرية زراعية تقع على حدود المملكة العربية
(١) أبوداود (٣٠٣٧).

٤٣١
كتاب الجهاد - باب الجزية
السعودية في منطقة الجوف، وهي عاصمتها، وفيها آثار هامة منها: حصن
(مارد)، وقد ألف الشيخ عبدالرحمن بن عطا الشائع مؤلفًا من جزأين، ذكر فيه
الآثار والسكان والعمران والنَّهضة الحديثة فيها، فهو مؤلّف مستوفى عن تلك
المنطقة الشمالية من المملكة العربية السعودية .
- حقَن دَمَه: أي: صانه ومنعه أن يقتل ويسفك دمه.

٤٣٢
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
١١٣٩ - وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ - رَضِيَ اللهُ عنْهُ - قَالَ: ((بَعَثَنِى
النَّبِيُّ ◌َّهَ إِلَى الْيَمَنِ، فَأَمَرَنِي أَنْ آخُذَ مِنْ كُلِّ حَالِمِ دِينَارًا، أَوْ عِدْلَهُ
مَعَافِيرِيًّا)). أَخْرَجَهُ الثَّلاثَةُ، وَصَخَّحَهُ ابْنِ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ(١).
* درجة الحديث:
الحدیث صحیح :
أخرجه الثلاثة، وصححه ابن حبان، والحاكم، وأقرَّه الذَّهبي.
قال الترمذي: حسن صحيح، وهذه رواية الأعمش عن أبي وائل عن
مسروق، وهي رواية محفوظة، قد رواها عن الأعمش جماعة، منهم: سفيان
الثوري، وشعبة، ومبشر، وحرب، وأبوعوانة، ويحيى بن شعبة، وحفص بن
غياث.
وأما الرواية التي أنكرها الإمام أحمد، وأبوداود، وابن حزم -: فهي
رواية أبي معاوية عن الأعمش عن إبراهيم عن مسروق عن معاذ، فهي غير
محفوظة، بخلاف الأولى، والله أعلم.
وللحديث طرق عديدة.
* مفردات الحديث:
- حالِم: يقال: حلَم الغلام، فهو حالم؛ أي: بلغ سن الحلم، فصار في عداد
المكلفين.
- دينارًا: تقدم تحديده عدة مرات.
(١) أبوداود (٣٠٣٨)، النسائي (٢٥/٥)، الترمذي (٦٢٣)، ابن حبان (٧٩٤)، الحاكم
(٣٩٨/١).

٤٣٣
كتاب الجهاد - باب الجزية
- عِدله: بكسر العين المهملة، وفتح، وسكون الدال؛ أي: ما يعادله، ويساويه
قیمةٌ .
- معافرِيًّا: بفتح الميم، والعين؛ أي: ثوبًا معافريًا، نسبة إلى بلد في اليمن،
تسمى : معافر.
* ما يؤخذمن الحديثين:
١ - الحديثان من أدلة أصل مشروعية أخذ الجزية من الكفار بشرطها .
٢ - أما الحديث رقم (١١٣٨): فيدل على جواز أخذ الجزية من العرب
كغيرهم، قال الخطابي: الأكيدر من العرب يقال: إنَّه من غسّان، ففيه دليل
على جواز أخذ الجزية من العرب، كجوازه من العجم، وهذا هو الصحيح
من قولي أهل العلم.
٣- أما الحديث رقم (١١٣٩): فيدل أيضًا، على جواز أخذ الجزية من العرب،
فإنَّ قبائل اليمن هم أصل العرب، فهم شعب قحطان المسمون: ((العرب
العاربة)).
٤- ويدل على أنَّ الجزية لا تؤخذ إلاَّ ممن قد بلغ الحلم؛ لأنَّ ضابط الذي لا
تؤخذ منه: هو الذي لا يجوز قتله إذا أسر: من صغيرٍ، وامرأة، وغيرهما.
٥- ويدل على قدر الجزية، فمعاذ أخذها من أهل اليمن دينارًا، وبما أنَّ النقود
قد لا تتيسر في اليمن، فإنَّه يؤخذ عوض الدينار ثوبًا معافريًا، مشهورًا
عندهم، نسبة إلى البلدة التي ينسج فيها، وهي بلدة معافر اليمنية.
٦ - قال في ((شرح الإقناع)): إنَّ عمر - رضي الله عنه - جعل على الموسر ثمانية
وأربعين درهمًا، وعلى المتوسط أربعة وعشرين درهمًا، وعلى الأدنى اثني
عشر درهمًا، وكان بمحضر من الصحابة، ولم ينكر، فكان كالإجماع.
٧- الصحيح أنَّ الجزية يرجع في تقديرها إلى اجتهاد الإمام، فإنَّها تختلف
حسب اختلاف المكان والزمان، والغنى والفقر، والدليل على ذلك أنَّ النَّبيَّ

٤٣٤
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
وَالر هو الذي قدرها على أهل اليمن، فقال لمعاذ: ((خذ من كل حالم
دينارًا))، بينما زادت الجزية في تقدير عمر حينما قدرها على أهل الشام، وقد
قيل لمجاهد: ما شأن أهل الشام عليهم أربعة دنانير، وأهل اليمن عليهم
دينار؟ فقال: جعل ذلك من أجل اليسار.
قال في ((شرح الإقناع)): ومرجع الجزية إلى اجتهاد الإمام.

٤٣٥
كتاب الجهاد - باب الهدنة
باب الهُدْئَة
مقدمة
الهُدنة: لغة: السكون: من هدنت الرجل وأهدنته: إذا أسكنته.
ومعناها شرعًا: أن يعقد الإمام، أو نائبه لأهل الحرب عقدًا على ترك
القتال مدة معلومة بقدر الحاجة، وتسمى: مهادنة، وموادعة، ومعاهدة.
والأصل فيها: قوله تعالى: ﴿﴿ وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا﴾ [الأنفال:
٦١ ].
وما روى الإمام أحمد، والبخاري من حديث مروان بن الحكم،
والمسور بن مخرمة: ((أنَّ النَّبِيَّ ◌َ ﴿ صالح قريشًا على وضع القتل عشر سنين)).
والقياس يقتضي ذلك؛ لأنَّه قد يكون بالمسلمين ضعف، وفي عدوهم
قوة، فيعقدوها حتى يقووا ويستعدوا.
قال في ((شرح الإقناع)): ولا يصح عقدها إلاَّ من إمام أو نائبه؛ لأنّه يتعلَّق
بها نظر واجتهاد، وليس غيرهما محلاً لذلك؛ لعدم ولايته.
ويكون العقد لا زمًا، ولا يبطل بموت إمام أو نائبه، بل يلزم الثاني
إمضاؤه؛ لئلا ينقض الاجتهاد باجتهاد، ويستمر ما لم ينقضه الكفار بقتال، أو
غيره.
ولا تصح المهادنة إلاَّ حيث جاز تأخير الجهاد للمصلحة.
ولا تجب حمايتهم؛ لأنَّ الهدنة معناها الكف عنهم فقط.
وإن خاف الإمام نقض العهد منهم بأمارة تدل عليه، جاز نبذ العهد
إليهم، فيقول لهم: نبذت عهدكم، وصرتم حربًا؛ لقوله تعالى: ﴿ وَإِمَّا تَخَافَنَّ

٤٣٦٠
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
مِن قَوْمٍ خِيَانَةٌ فَنَبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ [الأنفال: ٥٨] أي: أعلمهم بنقض العهد حتى
تصير أنت وهم على سواء في العلم.
ومتى نقض الإمامُ الهدنة، وفي دارنا منهم أحد، وجب ردهم إلى
مأمنهم؛ لأنَّهم دخلوا بأمان، فوجب أن يردوا آمنين .

٤٣٧
كتاب الجهاد - باب الهدنة
١١٤٠ - وَعَنْ عَائِذِ بْنِ عَمْرِو المُزَنِيِّ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - عَنِ
النَّبِيِّ بَّ قَالَ: ((الإِسْلاَمُ يَعْلُو، وَلاَ يُعْلَى)). أَخْرَجَهُ الدَّارَ قُطْنِيُ(١).
١١٤١ - وَعنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَل
قَالَ: ((لاَ تَبْدَءُوا اليَهُودَ وَالنَّصَارَىُّ بِالسَّلَامِ، وَإِذَا لَقِيْتُمْ أَحَدَهُمْ فِي
طَرِيقٍ، فَاصْطَرُوهُ إِلَىْ أَضْيَقِهِ)). رَوَاهُ مُسْلِمْ﴾(٢).
* درجة الحديثين:
أما حديث عائذ فحسن .
أورده الضياء في ((المختارة))، مما يدل على صحته، وقد حسَّنه الحافظ
في ((الفتح))، وقد روي عن عمر، ومعاذ نحوه، وصحَّ موقوفًا عن ابن عباس.
وأما حديث أبي هريرة فضعيف.
كما قال الحافظ ابن حجر، فيما نقله عنه المناوي في ((فيض القدير))،
للكن السيوطي اعتمد تحسينه في ((الجامع الصغير)).
* مفردات الحديث:
- فاضطروه: يقال: اضطره إليه اضطرارًا: أحوجه إليه، وألجأه، والمراد:
ألجئوه إلى أضيق الطريق .
* ما يؤخذ من الحديثين:
١ - الإسلام ليس دين عدوان ودماء، وإنما هو دين سلام، ورحمةٍ، ووئامٍ، ولذا
(١) الدارقطني (٢٥٢/٣).
(٢) مسلم (٢١٦٧).

٤٣٨
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
فإنَّه يعالج الوصول إلى آذان الناس وإلى قلوبهم بأسهل الطرق وأفضلها،
ولا يعتبر الحرب إلَّ ضرورة يلجأ إليها عند التعذر في إبلاغ دعوته إلى عامة
الناس، حينما يقف في سبيله خاصتهم، وذوو النفوذ فيهم.
٢- لذا فإنَّ الإسلام يعقد مع الكفار عقد الأمان والمعاهدة، اللَّذين يتمكن
الكافر بهما من سماع كلام الله تعالى، والاطلاع عن كثب على حقيقة الدعوة
الإسلامية .
ويعقد مع الكفار أيضًا عقد الذمة، الذي به يقر الكافر على كفره ، ولو
في ديار المسلمين، بشرط بذل الجزية، والتزام أحكام الملة الإسلامية .
٣- هذه العقود مع الكفار تكون حتى في قوة الإسلام وعزته، إذا كانت
المصلحة العامة للإسلام والمسلمين تقتضي عقدها، ولذا فإنَّها لا تبرم على
حساب تنقص الإسلام، واستضعافه أمام الأديان الأُخر، وأهلها، فإنَّ
الإسلام يعلو، ولا يُعلى عليه .
٤- لذا يجب على الذميين التزام أحكام الإسلام فيما يعتقدون تحريمه؛ کالزنا
والسرقة، دون ما يعتقدون حله كالخمر .
٥ - عليهم ضمان إتلاف الأنفس، والأموال، وانتهاك الأعراض، فتقام عليهم
الحدود .
٦ - يجب عليهم التميز عن المسلمين في قبورهم، فلا يدفنون مع المسلمين.
٧- یجب علیهم التمیز عن المسلمین بلباس خاص يُعرفون به .
٨- لا يجوز تصديرهم في المجالس، ولا القيام لهم عند قدومهم.
٩- لا يجوز بدؤهم بالسلام، ولا كيف أصبحت، وأمسيت، أو نحو ذلك من
ألفاظ اللطافة، والحفاوة.
١٠ - لا يجوز تهنئتهم في أعيادهم، ولا حضورها، ولا الإعانة عليها.
١١- إذا التقوا مع المسلمين في الطرق، فليضطرهم المسلمون إلى أضيقها.
------......

٤٣٩
كتاب الجهاد - باب الهدنة
١٢- يُمنعون من إحداث الكنائس، والبيع، والمعابد، وبناء ما انهدم منها، أو
تجديد ما خرب من أجزائها .
١٣- يُمنعون من إظهار خمرٍ، وخنزيرٍ، والجهر بنواقيسهم، والجهر بقراءة
کتبهم.
١٤ - يمنعون من تعلية مبانيهم السكنية على مساكن المسلمين؛ سواء ملاصقة،
أو مقاربة .
١٥ - هذا كله إذا كانوا في ديار المسلمين.
أما إذا كانوا فى ديارهم فلا يمنعون شيئًا من ذلك، بل يبقون على
لباسهم، وعاداتهم، ومعابدهم، ومساكنهم، وغير ذلك.
* فوائد:
الأولى: هذه الأمور يعامل بها الكفار؛ لقصدين :
الأول: أنَّ الإسلام يعلو، ولا يُعلى عليه، ويجب أن يكون هو الدين الذي أراد
الله تعالى أن يظهره على الدين كله، فنحن بعملنا ننفذ إرادة الله تعالى الشرعية .
الثاني: أنَّ هذه المضايقة تسبب للكفار القلق من البقاء على دينهم، واعتناق
دين الإسلام، لا سيَّما إذا رأوا عزَّة المسلم، وعلوَّ قدره، والإسلام يعالج
الأمور بالوسائل التي تكون كفيلة بتحقيق مقاصده، وإلاَّ فالإسلام أحسن
الأديان، وأفضلها في تحقيق العدالة والمساواة، والبعد عن الطبقية، والسيطرة
على الآخرين، وفي دخولهم في الإسلام فلاحهم، وصلاحهم في الدنيا
والآخرة.
الثانية: نحن نكتب الآن أحكام أهل الذمة التي ذكرنا بعضًا من معاملة الإسلام
لهم، وهي أمور وأحكام كانت سارية المفعول، قائمة التنفيذ يوم كانت الدولة
دولة إسلام، والصوت هو صوت الحق.
أما الآن، فإنَّ المسلمين ذلوا، وضعفوا أمام سيطرة أعداء الإسلام،

٤٤٠
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
وصاروا هم الأتباع الرعاع، وأصبحوا يقلدون أعداء الإسلام في لباسهم،
وزيهم، وعاداتهم، وتقاليدهم، وفجورهم، وانحلالهم، وصار الرجعي الغبي
في نظر أدعياء الإسلام، وأذناب الكفار، هو الذي يكف نفسه، وبيته، وأهله
عن مشابهتهم، ومحاكاتهم، فهذا هو المتخلف الذي يعيش بعقل قديم من
عهد القرون الأولى، ولم يقف الأمر عند هذا الحد، حتى صار مدعو الثقافة
منا والعلم يخدمونهم في بث سمومهم في تحريف عقائد المسلمين، والطعن
في الإسلام وأحكامه، وتوجيه النقد على مصادره، محاولين طمس معالم
الإسلام، وانتزاع بقيته من صدور البقية من أهله، ووجَّه هؤلاء الملاحدة حربًا
شعواء ضد الإسلام، واستعانوا على إشعالها بذوي النفوس المريضة من أهله.
والطامة الكبرى أن توجد إعانة الملاحدة على الإطاحة بالإسلام من كثير
من قادة المسلمين، وولاة أمرهم.
ولكن أملنا في الله تعالى وحده، فهو الذي بيده التدبير، وله الخلق
والأمر، وهو الذي وعد بحفظ دينه، وإظهاره على الدين كله، ولو كره
الكافرون، وتباشير صباح الإسلام أخذت تظهر بهذا الشباب المؤمن الواعي
المستيقظ، الذي نرجو الله تعالى بأن يحمل على عاتقه إعلاء كلمة الله، والسير
بها في مشارق الأرض ومغاربها، ليبلغها إلى المتعطشين إلى دعوته، ويومئذٍ
يتحقَّق النصر إن شاء الله تعالى، وتَعلُو كلمة الله، وترفع رايتها، فلله الأمر من
قبل ومن بعد، ويومئذٍ يفرح المؤمنون بنصر الله.