النص المفهرس
صفحات 361-380
٣٦١ كتاب الجهاد ١٦- قال الأستاذ سيد قطب: إنَّ الإسلام يستبعد الحروب التي تثيرها المطامع والمنافع، وحروب الاستعمار والاستغلال، والبحث عن الأسواق والخامات، واسترقاق المرافق والرجال، كما يستبعد أيضًا الحروب التي تثيرها حب الأمجاد الزائفة، والمغانم الشخصية، فلا مكان لهذه الحروب، وهو يأمر بالتعاون على البر والتقوى، لا على الإثم والعدوان. ٣٦٢) توضيح الأحكام من بلوغ المرام صلى الله وسلم ١١٠٤ - وَعَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ -: ((أَنَّ النَّبيَّ كَانَ إِذَا أَرَادَ غَزْوَةٍ، وَرَّى بِغَيْرِهَا)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). * مفردات الحديث: - وَرَّى بغيرها : - بفتح الواو، وتشديد الراء، آخره ألف مقصورة أي: أخفاها، وسترها، وكنَّى عنها، وأظهر غيرها، ويفسره معنى الزيادة التي وردت في أبي داود ((ويقول: الحرب خدعة)). * ما يؤخذ من الحديث: ١- هذا الحديث الشريف يبين جانباً من جوانب قيادة النبي وَّ العسكرية، وتدابيره الحربية . ٢- فهو إذا أراد غزو بلدة، أو قبيلة في الشمال، أظهر أنَّه يريد وجهة الجنوب مثلاً، فصار يسأل جهرة عن تلك الطريق، ومواردها، وطرقها، والقبائل التي في طريقه إليها؛ ليوهم أنَّه يقصد تلك الطريق . ٣- الغرض من هذا: أن يفاجأ عدوه على غرة وغفلة، قبل أن يُنذَر، ويعلم عن قصده إليه فیستعد ، وإنما یرید أن يصل إليه، بدون استعداد منه . ٤ - ففي هذه المفاجأة فائدتان : الأولى: أنَّ خسائر الأرواح تقل بين الطرفين في هذه المفاجأة، فإنَّه إذا لم يحصل صدام بين جيشين متكافئين، خفَّت الخسارة، وحربه ێ حرب رحمة وإحسان، فإنَّه يكفيه من عدوه الإذعان والاستسلام؛ لتحل الرحمة محل القسوة، ويكون الإحسان إلى الأسرى مكان الانتقام. (١) البخاري (٢٩٤٧)، مسلم (٢٧٦٩). ٣٦٣) كتاب الجهاد الثانية: أنَّ في هذا توفيرًا لطاقة جيش المسلمين من رجال وعتاد، وهذا التوفير سيكون ذخيرة لمعركة لا تجدي فيها الخدعة، والمسير أمام الجيش المسلم طويل . ٥- ففي الحديث دليل على جواز مثل هذا، وقد قال ◌َله: ((الحرب خدعة))، وللكنه خداع لیس معه غدر، ونقض عهود. ٦ - تقدم أنَّه تَّة لم يهجم على عدوه، إلاَّ بعد دعوته إلى الإسلام، والإعذار إليه . ٣٦٤ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ١١٠٥ - وَعَنْ مَعْقِلٍ؛ أَنَّ الثَّعْمَانَ بْنَ مُقَرِّنٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: ((شَهِدْتُ رَسُولَ اللهِ وَّهِ إِذَا لَمْ يُقَاتِلْ أَوَّلَ النَّهَارِ، أَخَّرَ القِتَالَ حَتَى تَزُولَ الشَّمْسُ، وَتَهُبَّ الرِّيَاحُ، وَيَنْزِلَ النَّصْرُ)). رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالثَّلاثَةُ، وَصَخَّحَهُ الحَاكِمُ، وَأَصْلُهُ فِي الْبُخَارِيِّ(١). * درجة الحديث: الحديث حسن. فقد صحَّحه الترمذي، والحاكم، وقال: إنَّه على شرطهما، وأصله في البخاري. * ما يؤخذ من الحديث: ١- معقل بن يسار المزني: ألحقناه تصحيحًا من ((الأطراف)) للمزي، وإلاّ فقد اختلفت نسخ ((بلوغ المرام)) في هذا، فقد جعل بعضهم ((ابن)) مكان ((أنَّ))، فقال: وعن معقل بن النعمان، ولكن ما أثبتناه هو الصحيح إن شاء الله تعالى . ٢ - النعمان بن مقرن المزني من القواد الكبار ، ومن الشجعان المشاهير ، له مواقف عظيمة في حروب الإسلام ضد الفرس، وقد استشهد عند فتح مدينة ((نهاوند))، بعد أن قرَّ الله عينه بفتحها . ٣- كان - رضي اللهُ عَنْه - يقتدي بالنبي ◌َّ في جهاده وغزواته، فكان قتاله أوَّل النَّهار، حينما تكون الأنفس، والأبدان نشيطة بعد راحة الليل، وحينما يكون الوقت باردًا، وحينما تكون البركة التي قال عنها المصطفى وَ يقول: (بورك (١) أحمد (٤٤٤/٥)، وأبوداود (٢٦٥٥)، النسائي في الكبرى (١٩١/٥)، الحاكم (١١٦/٢)، البخاري (٣١٦٠). ٣٦٥ كتاب الجهاد لأمتي في بكورها». ٤- إذا فات وقت الصباح، ولم يحصل إنشاب القتال فيه، فإنَّه لا يقاتل في وسط النهار حين خمود الأذهان، وخمول الأبدان، وارتفاع الشمس، وإنما يؤخره حتى تزول الشمس، ويبرد الجو، وتهب الرياح التي يرسلها الله تعالى عادة ينصر عباده المؤمنين، كما قال تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَحُنُودًّا لَّمْ تَرَوَهَا﴾ [الأحزاب: ٩]. وكما قال ◌َّى: ((نُصِرتُ بالصبا، وأُهلِكت عاد بالدبور)). فكان يتوخى هذا الوقت حين برودة الجو، وهبوب الرياح المسائية . ٥- وكل هذا ما لم يباغتهم العدو، أو يفاجئهم بغارة غير منتظرة، فحينئذٍ يجب ردها، وصدُّها، ولا يؤخذ ذلك لأي وقت من الأوقات . ٦- وهذه خطة حميدة جيدة من خطط القتال، وحكمة رشيدة في استغلال الأوقات الصالحة، والحالات المناسبة التي تزيد الجيش المحارِب قوّة مادية، ومعنوية في وجه عدوه. ٧- فيه حسن قيادة النبي ◌َّ- وحكمته في تدبير أمر القتال، فهؤلاء كبار القواد يجعلونه أسوة لهم في خططه الحربية، وتصرفاته القيادية، فصلوات الله وسلامه عليه . ٨- في الحديث اتخاذ الأسباب النافعة، والتدابير المفيدة، مع الاستعانة بالله تعالى، والاتكال عليه، ورجاء نصره وعونه؛ لتجتمع القوَّة المادية والمعنوية . ٣٦٦ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ١١٠٦ - وَعَنِ الصَّعْبِ بْنِ حَثَّامَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: ((سُئِلَ رَسُولُ اللهِ وَّهَ عَنْ أَهْلِ الدَّارِ مِنَ المُشْرِكِينَ يُبْيَكُونَ، فَيُصِيبُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ وَذَرَارِبِهِمْ، فَقَالَ: هُمْ مِنْهُمْ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ(١). * مفردات الحديث: - الصَّعب: بفتح الصاد المهملة، وسكون العين المهملة. - جَثَّامَة: بفتح الجيم، والميم، وتشديد الثاء المثلثة ، يقال: رجل جثامة، للنؤوم الذي يلازم، ولا يسافر. - الذراري: جمع: ((ذرية))؛ وهم نسل الإنسان. - يبيَّون: مبني للمجهول بصيغة المضارع، من بيَّته والتبييت: الإغارة عليهم في اللَّيل على غفلة، مع اختلاطهم بذراريهم ونسائهم، فيصاب النساء والذرية، بغير قصد لقتلهم ابتداء . * ما يؤخذ من الحديث: ١ - النَّبِي ◌َّ في غالب حروبه لا يهجم على عدوِّه إلاَّ نهارًا، حينما ينحاز الرجال المقاتلين عن النساء، والصبيان، والمسنين؛ لأنَّ حروبه وَالَّ لا تقصد الإفساد، وإنما تهدف إلى الإصلاح ، ولذا نهى عن قتل غير المقاتلين، فقال: ((ولا تقتلوا وليدًا)) [رواه مسلم]، و((نهى عن قتل النساء والصبيان)) [متَّفقٌ عليه]. ورأى امرأة مقتولة فقال: ((ما كانت هذه لتقاتل)) [رواه أحمد، وأبوداود]. وقال: ((لا تغدروا، ولا تغُلُّوا، ولا تقتلوا الولدان، ولا أصحاب (١) البخاري (٣٠١٢)، مسلم (١٧٤٥). ٣٦٧ كتاب الجهاد الصوامع)) [رواه أحمد] وغير ذلك من النصوص. ٢- إلاّ أنَّ الخطة الحربية قد تلجئه إلى تبييت عدوه، والقتل الجماعي، الذي قد يصيب النساء، والذرية من غير قصد . وإنما هذا من باب إعمال القاعدة الشرعية: ((إذا تزاحمت المفاسد، ولابد منها، ارتكب أخفها)). فقتل بعض الأطفال، والنساء، الذين لا يمكن أن ينحازوا عن المقاتلين، يسوغ في سبيل إضعاف العدو، وكسر شوكته والنكاية به، وصد كَلبه، وشراسته عن المسلمين، لا سيَّما وقد حكم عليهم بالكفر . ٣- قال في ((الإقناع وشرحه)): ((ويجوز تبييت الكفار، وقتلهم وهم غارون، ولو قتل في التبييت من لا يجوز قتله، من امرأة: وصبي، ومجنون، وشيخ فانٍ، إذا لم يُقصدوا)). ٤- قال ◌َ له مبررًا قتل النساء، والصبيان في مثل هذه الحال: (هم منهم)) في إباحة القتل، تبعًا لا قصدًا، إذا لم يمكن انفصالهم عمن يستحق القتل. ٥ - جواز قتل النساء من الكفار، وصبيانهم، ونحوهم، إذا تترس بهم المقاتلون منهم، وهو مذهب جمهور العلماء، ومنهم الأئمة الثلاثة: أبو حنيفة، والشافعي، وأحمد، عملاً بهذا الحديث. وذهب الإمام مالك، والأوزاعي إلى: أنَّه لا يجوز قتل النساء، والصبيان، ونحوهم بحال، حتى لو تترس أهل الحرب، أو تحصنوا بهم، لم يجز قتالهم، ولا تحريقهم. ٣٦٨ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ١١٠٧ - وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا -: ((أَنَّ النَّبِيَّ نَلِ قَالَ لِرَجُلٍ تَبِعَهُ فِي يَوْمٍ بَدْرٍ: ارْجِعْ، فَلَنْ أَسْتَعِينَ بِمُشْرِكٍ)). رَوَاهُ مُسْلِمُ(١). * ما يؤخذ من الحديث: ١ - الحديث يدل على أنَّه لا يجوز الاستعانة بالمشركين في القتال. والحكمة في هذا ظاهرة؛ ذلك أنَّ الكافر لا يقاتل عن إيمان، ولا عن عقيدة، فلا يؤمن مَكْره، ولا يطمئن إلى حسن نيته، وطويته. ٢- ويجوز - عند الحاجة، وترجّح كفة الأمان منه - الاستعانة به؛ فإنَّه وَله استعان بصفوان بن أمية يوم حنين . ٣- وكذلك استعان وَل بقبيلة خزاعة؛ لأنَّهم كانوا في زمن الجاهلية نصحةً للنبي وَاخيه، ولجده عبدالمطلب، فإذا وجدت الحاجة، وأمنت الخيانة، جازت الاستعانة بهم، جمعًا بين الأدلة، وهذا مذهب أبي حنيفة. ٤- أما الأئمة الثلاثة: فذهبوا إلى أنَّه لا يجوز، واختاره الشيخ تقي الدين؛ لهذا الحدیث، ولأنَّ الكافر لا يؤمن مکْره، وغدره. ٥- أما شراء الأسلحة منهم، وتبادل الخبرات العسكرية، ونحو ذلك من الفنون الحربية، فلا ينبغي أن تكون موضع خلاف بين العلماء؛ لأنَّ النَّبيَّ نَلِلّ استعار من صفوان بن أمية أدراعًا، وهو كافر، وجعل فداء الأسرى يوم بدر تعليم أبناء المسلمين الكتابة، والقراءة. (١) مسلم (١٨١٧). ٣٦٩) كتاب الجهاد ** قرارات وتوصيات المؤتمر الإسلامي العالمي لمناقشة الأوضاع الحاضرة في الخليج: المنعقد بمكة المكرمة في الفترة من ٢١ - ٢٣ /١٤١١/٢ هـ: الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمَّد، أفضل المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد : فنظرًا للأحداث الجديدة التي نزلت بمنطقة الخليج، من اجتياح القوات العراقية للكويت، وتهديدها المملكة العربية السعوية، ودول الخليج الأخرى، وما تبعه من الاستعانة بالقوات العربية، والإسلامية، والأجنبية، لمساندة قواتها . فقد دعت رابطة العالم الإسلامي إلى مؤتمر إسلامي عالمي، ضم علماء المسلمين، ومفكريهم من أنحاء العالم؛ حيث انعقد في الفترة من ٢١ - ٢٣ صفر ١٤١١ هـ ، الموافق ١٠ - ١٢ - سبتمبر ١٩٩٠ م. وقد تداول أعضاء المؤتمر الأحداث الخطيرة؛ انطلاقًا من واجبهم الديني، ومسؤوليتهم الإنسانية، والتاريخية. وبعد مداولات استغرقت ثلاثة أيام، أصدر المؤتمر القرارات،. والتوصيات التالية : [ومما جاء فيه هذا القرار، وهو مناسب لشرح هذا الحديث]: خامسًا: فيما يتعلَّق بالاستعانة بالقوات الأجنبية، فإنَّ المؤتمر بعد الاطلاع على بحوث العلماء يقرر أنَّ ما حدث من استعانة المملكة بقوات أجنبية؛ لمساندة قواتها في الدفاع عن النفس، إنما اقتضته الضرورة الشرعية، والشريعة الإسلامية تجيز ذلك بشروط الضرورة المقررة شرعًا. ومتى زالت أسباب وجود هذه القوات، من انسحاب العراق من الكويت، وعدم تهديد المملكة، ودول الخليج - فإنَّه على هذه القوات مغادرة المنطقة . ٣٧٠ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ١١٠٨ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عِنْهُمَا -: ((أَنَّ النَّبِيَّ رَأَىْ امْرَأَةً مَقْتُولَةً فِي بَعْضٍ مَغَازِيهِ، فَأَنْكَرَ قَتْلَ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). صَلى الله وسلم ١١٠٩ - وَعَنْ سَمُرَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَه: ((اقْتُلُوا شُيُوخَ المُشْرِكِينَ، وَاسْتَبَقُوا شَرْخَهُمْ)). رَوَاهُ أَبُودَاوُدَ، وَصَخَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ(٢) . * درجة الحديث: الحديث حسن . فقد صحَّحه الترمذي، وابن حبان، وهو من رواية الحسن عن سمرة، التي اختلف العلماء في صحتها، وللكنها رواية مقبولة عند العلماء. قال في (التلخيص)): رواه أحمد، والترمذي من حديث الحسن عن سمرة. قال الترمذي : هذا حديث حسن صحيح غريب . * مفردات الحديث: - شُيوخ المشركين: الشيخ: من استبانت فيه السن، والمراد هنا: الرجال المسنون، أهل الجلد، والقوة على القتال، ولم يرد: الهَرْمى. - شَرْخَهُمْ : - بفتح الشين المعجمة، وسكون الراء، ثم خاء معجمة - والمراد بهم: الصغار، الذين لم يدركوا، قاله في ((النهاية)). .- ... (١) البخاري (٣٠١٤)، مسلم (١٧٧٤). (٢) أبوداود (٢٦٧٠)، الترمذي (١٥٨٣). --------- --- - --- - ٣٧١ كتاب الجهاد * ما يؤخذ من الحديثين: ١ - تقدم أنَّ النبيَّ ◌َّ نهى عن قتل النساء، والشيوخ الكبار، والذرية، وأصحاب الصوامع، ونحوهم ممن لا شأن له في القتال، قال الإمام أحمد: الشيخ لا يكاد يسلم، والنساء أقرب إلى الإسلام. ٢ - هذان الحديثان يؤكدان هذا المعنى في النَّهي عن قتل النساء، والشيوخ المسنين، ما لم يكن لهم في الحرب عون، بفعلٍ، أو رأي، فيقتلون كما يأتي بيانه . ٣- ذلك أنَّ حروب الإسلام ليست حروبًا عدوانية، وليست حروب إفساد، وإنما هي حروب رحمةٍ، وشفقةٍ، ودعوة إلى الخير. قال الماوردي في (الأحكام السلطانية)): ((ولا يجوز قتل النساء والولدان في حرب، ولا غيرها؛ لأنَّ النَّبِيَّ بََّ نهى عن قتلهم، كما نهى عن قتل الضعفاء، وعلى القائد أن يأخذ جيشه بما أوجبه الله بالتزام أحكامه)). ٤ - فمِن نهْج الإسلام، ما قاله أبوبكر الصديق، يوصي قوَّاده: أوصيكم بعشر، . فاحفظوها عني. ((لا تخونوا، ولا تغُلُّوا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا طفلاً صغيرًا، ولا شيخًا كبيرًا، ولا امرأةً، ولا تقطعوا نخلاً، ولا تحرقوه، ولا تقطعوا شجرًا مثمرًا، ولا تذبحوا شاةً، ولا بقرةً، ولا بعيرًا، إلاَّ لمن أراد أكله، وستمرون بأقوام أهل صوامع، فدعُوهم وما فرَّغوا أنفسهم له)). ٥- فالحكم هو تحريم قتل النساء، والصبيان، والمسنين، وأصحاب الصوامع، والمعابد، ونحوهم ممن ليس لهم شأن في القتال، فإن كان لهم يد في الحرب، فيقتلون. ومن تلجىء الضرورة إلى قتلهم، كأن يتترسوا بهم، أو تقتضي الحرب بیاتھم، أو ترمی حصونهم بما یعمّ قتلهم، کالمدافع، وغير ذلك، فحينئذٍ ٣٧٢ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ضرورة القتال تبيح ذلك؛ فإن الكفّ عنهم حينئذٍ يفضي إلى تعطيل الجهاد. قال في ((شرح الإقناع)): وحرِّم قتل صبيٍّ، وامرأةٍ، وراهبٍ، وشيخ فانٍ، وزَمِنٍ، وأعمَّى، وعبدٍ، وفلاحٍ، لا رأي لهم، فمن كان من هؤلاء ذا رأي، جاز قتله؛ لأنَّ دريد بن الصمة قتل يوم حنين، وهو شيخ لا قتال فيه؛ لأجل استعانتهم برأيه، فلم ينكر ◌َّلّل قتله، إلاّ أن يقاتلوا، فيجوز قتلهم بغير خلاف؛ لأنَّ النَّبيَّ ◌َّ قتل يوم قريظة امرأة، ألقت رحى على محمود بن سلمة، فقتلته، أو يحرضوا على القتال. ٣٧٣) كتاب الجهاد ١١١٠ - وَعنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ -: ((أَنْهُمْ تَبَارَزُوا يوْمَ بَدْرٍ)). رَوَاهُ البُخَارِيُّ، وَأَخْرَجَهُ أَبُودَاوُدَ مُطَوَّلاً(١). * مفردات الحديث: - تبارزوا: يقال: بارزه مبارزةً وبرازًا: برز إليه، ونازله بين الصفين. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - لما اصطف المسلمون يوم بدر، واصطف أمامهم المشركون، تهيًُّا للقتال، برز من صفوف المشركين عتبة بن ربيعة، وأخوه شيبة، والوليد بن عتبة، فخرج إليهم من جيش المسلمين: عُبَيدة بن الحارث بن المطلب بن عبد مناف، وحمزة بن عبدالمطلب، وعلي بن أبي طالب، فبارز عبيدة عتبة، وبارز حمزة شيبة، وبارز عليُّ الوليد، فأما حمزة وعلي: فقتلا قرينيهما، وأما عبيدة وقرينه: فاختلفا ضربتين، كل منهما أثبت صاحبه، ثم كر حمزة وعلي على عتبة، فأجهزا عليه، وحملا صاحبهما الجريح، فمات من جرحه شهيدًا، رضي الله عنه وعن صاحبيه . ٢- فالحديث يدل على جواز المبارزة لمن علم في نفسه الكفاءة، وأما من ليس كفّا فلا يبارز؛ لئلا يعرض نفسه للقتل بحالة لم يتّخذ لها الحيطة والحذر، ولئلا يَفُتَّ في عضد جيش المسلمين، ويكسر قلوبهم. ٣- قال في ((شرح الإقناع)): وإن دعا كافر إلى البراز، استُحب لمن يعلم من نفسه القوَّة، والشجاعة مبارزته بإذن الأمير؛ لأنَّ في الإجابة إظهارًا لقوَّة المسلمين، وجلَدِهم على الحرب. (١) البخاري (٣٩٦٥)، أبو داود (٢٦٦٥). ٣٧٤) توضيح الأحكام من بلوغ المرام ----- ٤- وقال أيضًا: ويباح للرجل المسلم الشجاع طلب المبارزة ابتداءً، ولا يستحب له ذلك؛ لأنَّه لا يأمن أن يُقْتل، فتنكسر قلوب المسلمين. .- -- ------ ٣٧٥ كتاب الجهاد ١١١١ - وَعَنْ أَبِي أَيُّوبَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: ((إِنَّمَا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِينَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ، يَعْنِي: قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿ وَلَا تُلْقُواْ بِأَيْدِيَكُمْ إِلَى الَّلْكَةِ﴾ ؛ قَالَهُ رَدَّا عَلَى مَنْ أَنْكَرَ عَلَى مَنْ حَمَلَ عَلَى صَفِّ الرُّومِ حَتَّى (١) دَخَلَ فِيهِمْ)). رَوَاهُ الثَّلاثَةُ، وَصَخَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ حِبَّانَ، وَالحَاكِمِ! ** درجة الحديث الحدیث صحیح. قال ابن كثير في ((تفسيره)): رواه أبوداود، والترمذي، والنسائي، وعبد ابن حميد، وابن أبي حاتم، وابن جرير، وابن مردويه، وأبويعلى، وابن حبان في (صحيحه))، والحاكم في ((مستدركه)) . قال الترمذي : حسن صحيح غريب، وقال الحاكم: على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي على تصحيحه. * مفردات الحديث: - معْشَر الأنصار: منصوب على الاختصاص، والمعشر: الجماعة، والجمع: معاشر . - لا تُلْقُوا بأيديكم: كناية عن الأنفس. - التَّهلُكَة: مصدر: هلك يهلك هلكًا وهلاكًا وتهلكة، وهو الموت، وكل شيء یکون سببًا إليه. - الروم: جيل من الناس صار لهم دولة، وحضارة، وقوَّة قبل الإسلام. (١) أبوداود (٢٥١٢)، الترمذي (٢٩٧٢)، النسائي في الكبرى (٢٩٩/٦)، ابن حبان (١٦٦٧)، الحاكم (٢٧٥/٢). ٣٧٦ توضيح الأحكام من بلوغ المرام * ما يؤخذ من الحديث: ١- روى أبوداود، والترمذي، والنسائي، وغيرهم من حديث أبي أيوب الأنصاري أنَّه كان على القسطنطينية، فحمل رجل على عسكر العدو، فقال قوم: ألقى بيده إلى الثَّهلكة، فقال أبوأيوب: لا، إنَّ هذه الآية نزلت في الأنصار، حين أرادوا أن يتركوا الجهاد، ويعمروا أموالهم. وأما هذا، فهو الذي قال الله فيه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِى نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتٍ اَلَّهِ﴾ [البقرة: ٢٠٧]. ٢ - الحديث دليل على جواز المبارزة لمن عرف في نفسه البلاء في الحروب، والشدة، والشجاعة؛ فإنَّ انتصاره على خصمه يقوي عزائم المسلمين، ويشحذ هممهم، بينما يفت في عضد عدوهم. ٣- تقدم أنَّ المبارزة لا تكون إلاَّ بإذن الأمير، ولا يأذن إلاَّ حينما تنتفي المفاسد والأخطار، وهو صاحب تدبير الحرب، فطاعته بالمعروف واجبة، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ ءَامَنُوْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَإِذَا كَانُواْ مَعَهُ عَلَى أَمْيٍ جَامِعٍ لَّمْ ج يَذْهَبُواْ حَقِّ يَسْتَعْذِئُوهُ﴾ [النور: ٦٢]. وقد جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة: أنَّ النَّبِيَّ وَّر قال: ((من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن يطع الأمير فقد أطاعني، ومن يعص الأمير فقد عصاني)). ٤- قال الحافظ: ذهب جمهور العلماء إلى أنَّه يجوز للرجل الشجاع أن يحمل على الكثير من العدو، إذا كان له قصد حسن، كأن يرهب العدو، أو يجرىء المسلمين على الإقدام، أو نحو ذلك من المقاصد الصحيحة، أما إذا كانت حملته مجرد تهور فلا يجوز، لا سيَّما إذا ترتَّب على ذلك وهن المسلمين، و کسر قلوبهم. ---- --- ٣٧٧ كتاب الجهاد - ١١١٢ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - قَالَ: ((حَرَّقَ رَسُولُ اللهِوَّ نَخْلَ بَنِي النَّصِيرِ، وَقَطَعَ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). * مفردات الحديث: - حرَّق: حرقت النار الشيء: أهلكته. - بني النضير: قبيلة من اليهود كانت تسكن المدينة، وكان بينهم وبين المسلمين عهود، فغدروا، ونقضوا عهدهم، فحاصرهم النبي بَّ ست ليال، ثم صالحهم على أن يرحلوا من بلادهم، فرحلوا. - قطع: يقال: قطع لشيء، فصل بعضه عن بعض، وأبانه. * ما يؤخذ من الحديث: ١- بنو النضير إحدى قبائل اليهود المقيمين قرب المدينة، وقد أبرم النبي رَّيت- والمسلمون معهم عهدًا، يأمن به كل من الآخر، ولكنهم لم يَفُوا بهذا العهد؛ حسدًا وبغيًا، وأرادوا قتل النبي وَّر بقصة مشهورة في السيرة، فانتقض عهدهم، فكان من الحزم ألا يبقوا مصدر خطر على الإسلام وأهله، فحاصرهم النبي ◌َّل ستة أيَّام، فقطع الصحابة أثناء الحصار بعض نخيلهم، وحرَّقوها؛ نكاية بهم، وجزاء لغدرهم، فشكَّ الصحابة في جواز هذا العمل، فأنزل الله تعالى قوله: ﴿مَا قَطَّعْتُم مِّن لِيِنَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اَللَّهِ وَلِيُخْزِىَ الْفَسِقِينَ ﴾ [الحشر]. ٢ - اصطلحوا مع المسلمين: بأنَّهم يجلون من بلادهم، على أنَّ لهم ما حملته ظهور إبلهم إلاَّ السلاح، فحملوها، وجلوا عن ديارهم ، وصارت بلادهم، (١) البخاري (٤٠٣١)، مسلم (١٧٤٦). ٣٧٨ توضيح الأحكام من بلوغ المرام وماخلفوا من أموالهم فيئًا، لم يقسم بين المجاهدين؛ لأنَّه لم يحصل بالقتال . قال تعالى: ﴿ وَمَآ أَفَءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَآ أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ﴾ [الحشر: ٦]، ثم ذكر تعالى مصرف الفيء بقوله: ﴿َّ أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ، مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِى الْقُرْبَى وَاَلْيَتَى وَالْمَسَكِينِ وَأَبْنِ السَّبِيلِ﴾ [الحشر: ٧]. ٣- الحديث يدل على جواز قطع النخل، وحرقها، وهدم الحصون، ونحو ذلك، إذا كان هذا يحقق مصلحة للمسلمين، ويحصل به نكاية للعدو، كما حصل في حصار بني النضير. ٤ - الفيء: هو ما أخذ من مال الكفار - ممن ليس لهم عهد - بحق من غير قتال، سمي: فيئًا؛ لأنَّه فاء؛ أي: رجع من الكفار، الذين هم غير مستحقين له إلى المسلمين، الذين لهم الحق الأوفر فيه. ٥ - ويدل الحديث على أنَّ التدمير إذا كان وسيلة إلى مصلحة أعظم من مفسدته فهو جائز، أما قاعدة: ((درء المفاسد مقدم على جلب المصالح))، فإنَّه إذا كانت إفسادًا محضًا، أو كانت المفسدة أرجح من المصلحة . ٣٧٩ كتاب الجهاد ١١١٣ - وَعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((لاَ تَغُلُّوا؛ فَإِنَّ الْغُلُولَ نَارٌ، وَعَارٌ عَلَى أَصْحَابِهِ فِي الدُّنْيَا، وَالآخِرَةِ)). رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالنَّسَائِيُّ، وَصَخَّحه ابْنُ حِبَّانَ(١). ** درجة الحديث: الحدیث حسن، صحّحه ابن حبان . رواه الإمام أحمد، والنسائي، وابن حبان، وله ما يؤيده مما جاء في صحيح البخاري من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: (( قام فينا رسول الله ◌َّه، وذكر الغلول، وعظم أمره ... )) إلخ الحديث. قال الهيثمي: في هذا الحديث أم حبيبة بنت العرباض، لم أجد من وثَّقها، ولا من جرحها، وبقية رجاله ثقات . * مفردات الحديث: - الغُلول: بضم الغين، مصدر: غلَّ غلولاً، من باب قعد، وهو الخيانة في الغنيمة، وغيرها. - عار: يعني: عيب، وفضيحة على صاحبها . * ما يؤخذ من الحديث: ١- الغلول: هو الخيانة في الغنيمة، وهو من كبائر الذنوب؛ لقوله تعالى: ج ﴿وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ١٦١]. وذلك بإجماع العلماء؛ لما يجمعه من المفاسد، فهو سفه وخيانة، وهو ظلم لعموم المجاهدين، وأصحاب الخمس . (١) أحمد (٢٢٢٠٧)، النسائي (٤١٣٨). ٣٨٠ توضيح الأحكام من بلوغ المرام وهو يدل على أنَّ صاحبه لم يقصد بغزوه الجهاد في سبيل الله، فتكون كلمة الله هي العليا، وإنما أراد المَغْنَم، وإنَّما الأعمال بالنيات. ٢- الغلول عار؛ لأنَّه عيب، وفضيحة أمام المسلمين، وقادتهم، وهو نار؛ لأنَّه عذاب في الآخرة. روى أصحاب السنن، وأحمد من حديث زيد بن خالد الجهني: ((أنَّ رجلاً توفي من المسلمين بخيبر، فقال ◌َله: صلوا على صاحبكم، فتغيَّرت وجوه القوم لذلك، فلما رأى الذي بهم، قال: إنَّ صاحبكم غلَّ في سبيل الله، ففتّشوا متاعه، فوجدوا خرزًا لليهود ما يساوي درهمین)). ٣- الأخذ من أموال الدولة، وبيت مال المسلمين بغير حق حكمه حكم الغلول، فمن ولي على عمل من أموال الدولة، فأخذ منه شيئًا بطرق غير مشروعة - فهو غال. ٤- قال شارح ((البلوغ)): العار: الفضيحة في الدنيا، إذا ظهر افتضح به صاحبه، وأما في الآخرة: فلعلَّ العار يبيِّه ما في الصحيحين من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قام رسول الله وَيّ، وذكر الغلول، وعظم أمره، فقال: ((لا ألفين أحدكم يوم القيامة على رقبته شاة لها ثغاء، أو على رقبته فرس له حمحمة، يقول: يا رسول الله، أغثني، فأقول: لا أملك من الله شيئًا، قد أبلغتك)) فلعلَّ هذا هو العار في الآخرة. ٥- يؤخذ من هذا الحديث: أنَّ هذا ذنب لا يغتفر بالشفاعة؛ لقوله صل و: ((لا أملك لك من الله شيئًا))، ويحتمل أنَّه أورده مورد التغليظ والتشديد)). والغلول عام لكل ما فيه حق العباد. قال ابن المنذر: أجمعوا على أنَّ الغال يعيد ما غلَّ قبل القسمة.