النص المفهرس
صفحات 341-360
٣٤١ كتاب الجهاد الحقيقية، فكيف يتم لها النصر على أعدائها؟ ! . وأشاعوا أنَّ الإسلام لم ينتشر بالدعوة، وإنما انتشر بالقتال، وإكراه الناس عليه، فاضطر الغيورون من المسلمين إلى أن يعلنوا أنَّ الحروب في الإسلام لم تكن إلاَّ حروبًا دفاعية فقط، وأنَّه ((لا إكراه في الدين))، وبهذا صار الفهم المبتدَع لحروب الإسلام، التي ترمي إلى نشر الدين، وإبلاغه للعالمين، وكسر الأسوار التي تحجب الحق عن أن يصل إلى أسماع الغافلين، المتعطشين إلى معرفة الحق من الشعوب المغلوبة على أمرها . إنَّ الضرورة في المجتمع البشري قد تدعو إلى القتال؛ انتصارًا لحق المظلومين، ورفع حيف الطغاة عنهم؛ ليروا الحق والهداية، فيدينوا بالدين الذي یرتاحون إليه، وتؤمن به قلوبهم. بعد هذا البيان لا يجد العقلاء المنصفون حاجة للاعتذار عن ركن الجهاد في سبيل الله بقتال الطغاة البغاة، الظلمة المستبدين، الذين يكرهون الناس على ما يريدون. إنَّ قضية الجهاد في سبيل الله بالقتال لتأمين رسالة الدعوة، وحمايتها، وإقامة العدل - قضية حق رباني، وإنَّ غايته من أشرف الغايات، وأنبلها . ومن عجيب المفارقات: أنَّ كثيرًا من الذين يشنعون على الإسلام في شأن هذا الواجب العظيم، يمارسون أقبح صور الإكراه في الدين، وأقبح صور التعصب ضد المسلمين، أو يستخدمون ضدهم كل وسائل العنف؛ لإلزامهم بأن يتركوا دينهم، وعقائدهم، ومفاهيمهم، ويوجهون ضدهم حروب إبادة جماعية، ما وجدوا إلى ذلك سبيلاً . وللإسلام أعداء كثيرون، وأشد أعدائه المثلّث، التي تلتقي أضلاعه بالشيوعية، والصهيونية، الممثلة بالمأسونية، والمنصِّرين، أبطل الله كيدهم، وأعلی کلمته، آمین)) اهـ. ٣٤٢ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ١٠٩٧ - وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - قَالَ: ((جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِّ وَلِ يَسْتَأْذِنُ فِي الْجِهَادِ، فَقَالٍ: أَحَيٌّ وَالِدَكَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَفِيهِمَا فَجَاهِدْ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). وَلَأَحمَدَ، وَأَبِي دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ نَحْوُهُ، وَزَادَ: (ارْجِعْ فَاسْتَأْذِنْهُمَا، فَإِنْ أَذِنَا لَكَ، وَإِلاَّ فَبِرَّهُمَا))(٢) . * مفردات الحديث: - ففيهما فجاهد: ((فيهما)) متعلق بالأمر، وقد يكون للاختصاص، ((والفاء)) الأولى جزاء شرط محذوف، و((الثانية)) جزائية؛ لتضمن الكلام معنى الشرط، والمعنى: إذا كان الأمر كما قلتَ، فاختص المجاهدة في خدمة الوالدين، [العنكبوت]. ٥٠ نحو قوله تعالى: ﴿فَإِّنَىَ فَاعْبُدُونِ * ما يؤخذ من الحديث: ١ - بر الوالدين من فروض الأعيان، لا سيَّما في حالة كبرهما، وحاجاتهما إِلى ولدهما، قال تعالى: ﴿﴿ وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوَأْ إِلَّ إِنَّهُ وَبِالْوَلِدَيْنِ إِحْسَنَا﴾ [الإسراء: ٢٣]، وقال تعالى: ﴿أَنِ آَشْكُرْ لِ وَلِوَلِدَيْكَ﴾ [لقمان: ١٤]، وقال تعالى: ﴿ وَصَاحِبْهُمَا فِىِ الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان: ١٥]. وجاء في الصحيحين من حديث ابن مسعود قال: ((سألت رسول الله وَ له أي العمل أحب إلى الله تعالى؟ قال: الصلاة على وقتها، قلتُ: ثم أي؟ قال: بر الوالدين، قلتُ: ثم أي؟ قال: الجهاد في سبيل الله)). (١) البخاري (٣٠٠٤)، مسلم (٢٥٤٩). (٢) أحمد (٧٥/٣)، أبوداود (٢٥٣٠). --. . ۔ كتاب الجهاد = ٣٤٣ وجاء في الصحيح من حديث أبي هريرة عن النبي وَ لّ قَال: ((رغم أنف من أدرك والديه عند الكبر، أحدهما أو كلاهما، فلم يدخل الجنة)). ٢- أما الجهاد: فهو فضيلة كبيرة جدًّا، ولكنه أقل فضلاً من بر الوالدين؛ كما أنَّ الجهاد فرض كفاية إلاَّ في حالات تقدم بيانها . أما بر الوالدين: ففرض عين في كل حال؛ لذا فإنَّ النبي ◌َّ قال للرجل المستأذِن في الجهاد: ((فيهما فجاهد)) فيكون برهما مقدمًا على الجهاد في سبیل الله تعالی. ٣- سمي إتعاب النفس في القيام بمصالح الأبوين، وإزعاجهما الولد في طلب ما يحتاجانه، وبذل المال في قضاء حوائجهما: جهادًا، من باب المشاكلة؛ مثل قوله تعالى: ﴿وَجَزَاؤُاْ سَبِئَةٍ سَيِّئَةُ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠] سميت الثانية: سيئة؛ لمشابهتها للأولى في الصورة . ٤- سواء كان الجهاد فرض عين، أو فرض كفاية، وسواء عذَره الأبوان بخروجه، أو لا - فإنَّ برهما مقدم؛ لما روى أحمد، والنسائي، أنَّ جاهمة السلمي جاء إلى النبي وَلّ فقال: يا رسول الله،! أريد الغزو، وجئتك لأستشيرك، فقال: هل لك من أم؟ قال: نعم. قال: ((الزمها؛ فإنَّ الجنة تحت رجليها)). ٥- ذهب جمهور العلماء إلى أنَّه يحرم الجهاد على الولد إذا منعه الأبوان، أو أحدهما، بشرط أن يكونا مسلمين؛ لأنَّ برهما فرض عين، والجهاد فرض كفاية، فإذا تعيَّن الجهاد، فيقدم على برهما؛ لأنَّ الجهاد مصلحة عامة، إذ هو لحفظ الدين، والدفاع عن المسلمين . ٦ - يدل الحديث على وجوب النصيحة لمن استشارك في أمر من الأمور. ٧- الحديث يدل على عظم بر الوالدين، وتقدم بعض النصوص في ذلك. ٨- ويدل الحديث على أنَّ المفتي إذا سُئِل عن مسألة يتعيَّن عليه أن يستوضح من ٣٤٤) توضيح الأحكام من بلوغ المرام السائل عن الأمور التي تعد من مجرى الجواب. ٩- وفي الحديث بيان حرص الصحابة - رضي الله عنهم - على أن يأتوا بالعبادات على الوجه الصحيح، فإنَّهم لا يُقدمون عليها إذا كانوا يجهلونها أو يجهلون بعض أحكامها، حتى يسألوا عن ذلك؛ لتقع موقعها الشرعي، وهذا واجب المسلمین . ٣٤٥) كتاب الجهاد ١٠٩٨ - وَعَنْ جَرِيرِ البَجَلِيِّ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((أَنَا بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ يُقِيمُ بَيِّنَ المُشْرِكِينَ)). رَواهُ الثَّلَاثَةُ، وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ، وَرَجَّحَ البُخَارِيُّ إِرْسَالَهُ(١). ١٠٩٩ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَّه: ((لَ هِجْرَةَ بَعْدَ الفَتْحِ، وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ)). مُتَفَقٌ عَلَيْهِ (٢). * درجة الحديث (١٠٩٨): الحدیث صحیح. قال الحافظ: إسناده صحيح، وقال المباركفوري: رجال إسناده ثقات، مع أنَّ كثيرًا من الأئمة قالوا: إنه مرسل، ورجح البخاري، وأبوحاتم، وأبوداود، والترمذي، والدارقطني إرساله إلى قيس بن أبي حازم، ورواه الطبراني موصولاً . * مفردات الحديثين: - بريء: يقال: برىء فلان من كذا، يبرأ براءً وبراءةً: فارقه، وسلم منه، وتخلص، واسم الفاعل بريء، والجمع : برآء. - لا هجرة بعد الفتح: بكسر الهاء، اسم من: هاجر يهاجر مهاجرة، وهي مفارقة الأهل، والعشيرة، والوطن فرارًا بالدين. والفتح: هو فتح مكة، سنة ثمان من الهجرة . (١) أبو داود (٢٦٤٥)، الترمذي (١٦٠٤)، النسائي (٣٦/٨). (٢) البخاري (٢٨٢٥)، مسلم (١٣٥٣). ٣٤٦ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ١١٠٠ - وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ السَّعْدِيِّ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: (لاَ تَنْقَطِعُ الهِجْرَةُ مَا قُوِلَ العَدُوُ)). رَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَصَخَّحَهُ ابْنِ حِبَّانَ(١). * درجة الحديث: الحدیث صحیح. قال في ((التلخيص)): رواه النسائي، وابن حبان، ولأبي داود عن معاوية مرفوعًا: ((لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة، ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها)). قال الهيثمي : رجال أحمد رجال ثقات. قال الألباني: أخرجه أبوداود، والدارمي، والنسائي في ((الكبرى))، والبيهقي، وأحمد، ومن طرقه المجتمعة حكم بصحته . * ما يؤخذ من الحديث: ١- الحديث الأول يدل على وجوب الهجرة من ديار المشركين إلى ديار المسلمين، وهو مذهب جمهور العلماء؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَقَّهُمُ الْمَلَئِكَةُ ظَالِمِيّ أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِ الْأَرْضِّ قَالُواْ أَلَمّ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَسِعَةٌ فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا فَأُوْلَكَ مَأْوَهُمْ جَهَنَّمُ وَسَآءَتْ مَصِيرًا لإ ٩٧ ﴾ [النساء]. قال الشيخ عبدالرحمن السعدي: وفي الآية دليل على أنَّ الهجرة من أكبر الواجبات، وأنَّ تركها من المحرَّمات، بل من أكبر الكبائر. ٢- قال في ((شرح الإقناع)): وتجب الهجرة على كل من يعجز عن إظهار دينه (١) النسائي (١٤٦/٦)، ابن حبان (١٥٧٩). ٣٤٧ كتاب الجهاد بدار حرب، وهي ما يغلب فيها حكم الكفر؛ لأنَّ القيام بأمر الدين واجب، والهجرة من ضرورة الواجب، وما لا يتم الواجب إلاّ به فهو واجب. قال في ((المنتهى)): أو بلد بغاة، أو بدع مضلة، كرفض واعتزال، فيخرج منها إلى دار أهل السنة وجوبًا، إن عجز عن إظهار مذهب أهل السنة فيها، إن قدر على الهجرة من أرض الكفر، وما ألحق بها؛ لقوله تعالى: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْرِجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا ٩٨ [النساء]. قال الشيخ عبدالرحمن السعدي: ثم استثنى المستضعفين الذين لا قدرة لهم على الهجرة بوجه من الوجوه: ﴿فَأُوْلَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ﴾ [النساء: ج ٩٩]. و((عسى)) واجب وقوعها من الله تعالى، بمقتضى كرمه وإحسانه. قال السيد رشيد رضا: ولا معنى عندي للخلاف في وجوب الهجرة من الأرض التي يمنع فيها المؤمن من العمل بدينه، أو يؤذى إيذاء لا يقدر على احتماله . أما المقيم في دار الكافرين، وللكنه لا يمنع، ولا يؤذى إذا هو عمل بدينه، بل يمكنه أن يقيم جميع أحكامه، بلا نكير، فلا يجب عليه أن يهاجر . ٣- قال شيخ الإسلام: الإقامة في كل موضع تكون الأسباب فيه أطوع لله تعالى ورسوله، وأفعل للحسنات والخير؛ بحيث يكون المسلم أعلم بذلك، وأقدر عليه، وأنشط له، أفضل من الإقامة في وضع حاله فيه دون ذلك، فالحكم على الإقامة أمر نسبي يتعلّق بالشخص، ومن هنا كانت المرابطة في الثغور أفضل من المجاورة بالمساجد الثلاثة، قال تعالى: ﴿﴿ أَجَعَلْتُمُ سِقَايَةً الْحَاجِ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَامِ كَمَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَاَلْيَوْمِ الْآَخِ وَجَهَدَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ ٣٤٨ توضيح الأحكام من بلوغ المرام عِندَ اللَّهِ﴾ [الأنفال: ١٩]. ٤- الشخص مسموع الكلمة، الذي يستطيع أن يؤدي رسالة الله تعالى على وجه حسن، لا شكَّ أنَّ إقامته حيث يقوى على الدعوة خير له من الحياة في الوسط الطيب الصالح، أما الشخص العادي: فهلذا يجب عليه أن يختار البيئة الصالحة الفاضلة، ويقيم فيها . ٥- قوله: ((للكن)) يقتضي أنَّ ما بعدها ليس كما قبلها، والمعنى: أنَّ مفارقة الأوطان لله ورسوله وَله، التي هي الهجرة المعتبرة الفاضلة قد انقطعت، للكن مفارقة الأوطان بسبب نية خالصة لله تعالى، كطلب العلم، والفرار بدينه من دار الكفر، أو للجهاد في سبيل الله، فهي باقية مدى الدهر. ٦ - أما الحديث رقم (١٠٩٩): فيدل على أنَّ الهجرة من مكة المكرمة انقطعت بعد فتحها؛ لكونها أصبحت بلاد مسلمين . وبهذا فإنَّ فضل الهجرة فات على الذين لم يسلموا إلاَّ بعد الفتح، فقد غنمها السابقون الأولون إلى الإسلام من المهاجرين ، قال تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِى مِنكُ مَنْ أَنَفَقَ مِن قَبْلِ اٌلْفَتْحِ وَقَتَلَ أُوْلِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنْفَقُواْ مِنْ بَعْدُ وَقَتَلُواْ وَكُلَّا وَعَدَ اَللَّهُ الْمُسْنَى﴾ [الحديد: ١٠]. ٧- وعلى الذين فاتتهم الهجرة أن يتداركوا فضل الجهاد في سبيل الله، والنية الصالحة بحسن الإسلام، والنصح لله، ورسوله، ودينه. ولقد كان هذا من كثيرٍ من مسلمة الفتح، أمثال سهيل بن عمرو، والحارث بن هشام، وعكرمة بن أبي جهل، وأبي سفيان بن الحارث، وغيرهم، فإنَّهم - رضي الله عنهم - أظهروا من حسن إسلامهم، والنصح له أمورًا كبيرة، وصار لديهم رغبة شديدة فيما عند الله تعالى، وأقبلوا على الجهاد في سبيل الله، فأبلوا البلاء الحسن حتى استشهدوا، رضي الله عنهم. ٨- أما الحديث رقم (١١٠٠): فيدل على أنَّ الهجرة من بلاد الكفر إلى بلاد ------ 1 --- ----- --------------------------- ٣٤٩) كتاب الجهاد الإسلام لم تنقطع، وإنما حكمها باقٍ . قال في ((شرح الإقناع)): وحكم الهجرة باق لا ينقطع إلى يوم القيامة؛ لما روى أبوداود عن معاوية؛ أنَّ النَّبِيَّ وَّ قال: ((لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة، ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها)) . فتجب على من يعجز عن إظهار دينه؛ بدار حرب، وتسن لقادر على إظهار دينه ليتخلص من تكثير الكفار، ومخالطتهم، ورؤية المنكر بينهم. ٩ - الهجرة قسمان : أحدهما: الهجرة من مكة إلى المدينة، وهي التي فاز بها أهلها من الصحابة من دون سائر الناس، فهذه انقطعت بفتح مكة شرَّفها الله . الثاني: الهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام، أو من دار البدعة إلى دار السنة، فإنَّ المسلم السني يؤمر بالهجرة إلى حيث يظهر شعائر دينه؛ لئلا یفتن عنه، ويؤذئ. ٣٥٠ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ١١٠١ - وَعَنْ أَبِي مُوسَى الأَشعريِّ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَّهِ: ((مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللهِ هِي العُلْيَا، فَهُوَ فِي سَبِيلٍ الله)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). * ما يؤخذ من الحديث: ١ - تمام الحديث: أنَّ أعرابيًّا سأل النبي وَله، فقال: يا رسول الله الرجل يقاتل للمَغْنم، والرجل يقاتل للذكر، والرجل يقاتل ليُرى مكانه، فمن في سبيل الله؟ فقال الرسول وَلقر: ((من قاتل لتكون كلمة هي العليا: فهو في سبيل الله)) فهذا منطوق الحديث. ٢- معنى: يقاتل للذكر: أي: ليذكر بين الناس، ويوصف بالشجاعة، فالذكر: الشرف والفخر. وقوله: يقاتل ليُرى مكانه: (يُرى)) مبني للمجهول، و ((مكانه)): منزلته من الشجاعة، فالفرق بين هذا، والذي قبله: أنَّ الأوَّل يقاتل للسمعة، والثاني للرياء. ٣- أما مفهوم الشرط في الحديث: أنَّ من قاتل لغير هذه الغاية، فليس في سبيل الله، وإنما قتاله في سبيل الغاية التي قصدها. ٤- أما إذا انضمّ إلى غاية الجهاد في سبيل الله مقصد آخر، فقال الطبري: إذا كان المقصد إعلاء كلمة الله، لم يضر ما حصل من غيره ضمنًا، وبهذا قال جمهور العلماء . ويتأيد هذا: بما جاء في صحيح البخاري عن ابن عباس قال: كانت (١) البخاري (٢٨١٠)، مسلم (١٩٠٤). - ------------ ------- ٣٥١ كتاب الجهاد عكاظ، ومجنة، وذو المجاز أسواقًا في الجاهلية، فتأثموا أن يتَّجروا في المواسم، فنزلت: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاعُ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلًا مِّن زَبِّكُمْ؟ [البقرة: ١٩٨] في مواسم الحج. والقصد أنَّه إذا كان المقصد هو الجهاد، وإعلاء كلمة الله تعالى، فلا يضره دخول غيره ضمنًا . ٥- أنَّ من الجهاد في سبيل الله دفع الكفار عن بلدان المسلمين، وأراضيهم، لاسيَّما الأمكنة المقدسة؛ كالقدس، والمسجد الأقصى، ودفع الحكومات الشيوعية عن بلدان المسلمين، كما كان في أفغانستان، وغيرها من بلدان المسلمين، التي هي تحت سيطرة أعدائهم، فقد جاء في أبي داود، والترمذي في ((جامعه)) من حديث سعيد بن زيد، أنَّ النَّبِيَّ وَِّ قال: ((مَن قُتل دون دينه فهو شهيد، ومن قتل دون أهله فهو شهيد، ومن قتل دون دمه فهو شهيد، ومن قتل دون ماله فهو شهيد» . ووجه الدلالة: أنَّه لما جعله شهيدًا، دلَّ على أنَّ له القتل والقتال، فصار القتال مشروعًا، والله أعلم. ٦ - جاء في ((سنن أبي داود)): ((أنَّ عبدالله بن عمرو بن العاص، قال: يا رسول الله أخبرني عن الجهاد؟ فقال: يا عبدالله، إن قاتلت صابرًا محتسباً، بعثك الله صابرًا محتسباً، وإن قاتلت مرائيًا مكاثرًا، بعثك الله مرائيًا مكاثرًا، ويا عبدالله، على أي حال قاتلت أو قُتلت، بعثك الله على تلك الحال)). قلتُ: إنَّ اختلاف النية والقصد مؤثر في كل الأعمال لحديث: ((إنَّما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امریء ما نوى)». ٧- وبهذا الحديث وأمثاله، عُلِم مبدأ سام، وهو إعلاء كلمة الله تعالى، ومن أحق بإعلاء كلمته غير الله جلَّ وعلا. وبهذا، فالإسلام لا يبيح القتال لغايات عدوانية، أو مقاصد مادية، ٣٥٢ توضيح الأحكام من بلوغ المرام بسيادة عنصر على عنصر، أو شعب على شعب، أو طبقة على طبقة أخرى، أو توسيع رقعة مملكة، أو أغراض حربية، أو مكاسب اقتصادية، أو أسواق تجارية، أو غير ذلك مما تتَّخذه الدول وسيلة لإشعال الحروب، وهدم السلم الدائم، فليس ذلك كله في شيء مما أباح الإسلام القتال لأجله؛ ذلك لأنَّ غاية الإسلام مبادىء كريمة يعمّ نفعها الناس جميعًا . ------- --- -- ٣٥٣) كتاب الجهاد ١١٠٢ - وَعَنْ نَافِعِ قَالَ: ((أَغَارَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ عَلَىُ بَنِّي المُصْطَلِقِ، وَهُمْ غَارُونَ، فَقَتَلَ مُقَاتِلَنَّهُمْ، وَسَبَى ذَرَارِيَهُمْ)) حَدَّثَنِي بِذَلِكَ عَبْدُاللهِ بْنُ عُمَر. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِيهِ: ((وَأَصَابَ يَوْمَئِذٍ جُوبْرِيَّةً))(١). ٠ * مفردات الحديث: - أغار: بالغين المعجمة، مصدره: الإغارة، والغارة اسم مصدر، ومعناه: هجم على غرة وبغتة . - المُصْطَلق : - بضم الميم، وسكون الصاد المهملة، وفتح الطاء، وكسر اللام، آخرها قاف -: بطن من خزاعة، وخزاعة قبيلة قحطانية أزدية. - غارون : - بالغين المعجمة، وتشديد الراء -، جمع غار؛ أي: غافلون، فأخذوهم على غرَّة وبغتة، وهي جملة اسمية حالية. - سبى: سبىُ عدوه سبيًا وسباء: استولى عليهم. - ذراريهم: بتشديد الياء، وتخفيفها، جمع: ((ذرية))، هم نسل الإنسان، وعقبه. * ما يؤخذ من الحديث: ١- هذا الحديث محمول على أنَّ النبيَّ ◌َّهَ بلَّغ بني المصطلق دعوة التوحيد، ودعاهم إلى الإسلام، فلما لم يستجيبوا، اغتنم فرصة غفلتهم، فأخذهم وهم غافلون، قبل أن يعلموا بقربه منهم. قال ابن المنذر: وهو قول أكثر أهل العلم، وعلى معناه تظاهرت الأحاديث الصحيحة . (١) البخاري (٢٥٤١)، مسلم (١٧٣٠). ٣٥٤) توضيح الأحكام من بلوغ المرام إذا غار المغير على غفلة العدو، فهذا مبدأ صحيح، كحال النبي بَل، فالغارة على غفلة أصلح للطرفين في حقيقة الأمر؛ لأنَّ المغير سيحكم عليهم في حربهم، وسلمهم أحكامًا عادلة، لا جور فيها عليهم. والمغار عليهم مع العدل بهم، سيسلمون من خسارة الأنفس، التي تذهب أثناء المعركة، وسيجدون عند من يستولون عليهم الرحمة والعدل، وقد كان في هذه القضية ذاتها . فبنو المصطلق قبيلة من الأزد، لما استولى عليهم النبي ◌ُّ تزوَّج جُوَيْرِيَّة بنت زعيمهم الحارث بن أبي ضرار المصطلقي الخزاعي، كعادته بُّ في إكرام ذوات العفاف، ورفع شأن الشريفات الأسيرات، فلما علم الصحابة، رضي الله عنهم - بذلك قالوا: أصهار رسول الله وَّجير فأرسلوا كل من في أيديهم من سبي بني المصطلق. لذا قالت عائشة: ما أعلم امرأة أعظم بركة على قومها من جويرية . ٢ - أما إذا كانوا غير مدعوين، ولا معذر إليهم، ولا منذَرين ، فنصوص الشرع تمنع من مباغتهم، ولذا كانت من وصايا النبي ◌َلّ الأمراء السرايا قوله: ((لا تغدِروا، فإذا لقيت عدوك، فادعهم إلى الإسلام، فإن أجابوك فاقبل منهم، فإن أبوا فاسألهم الجزية، فإن هم أجابوك فاقبل منهم، فإن هم أبوا فاستعن عليهم بالله تعالى، وقاتلهم)) هذه سنة الإسلام في الذين لم تبلغهم الدعوة. ٣- يدل الحديث على جواز استرقاق العرب كغيرهم، وهو مذهب جمهور العلماء، ومنهم الأئمة الثلاثة: أبو حنيفة، ومالك، وأحمد، وهو معروف من كتب السيرة، والمغازي. وذهب بعضهم إلى: عدم استرقاقهم، والأدلة خلاف قولهم. -------- -- ----- ٣٥٥ كتاب الجهاد ١١٠٣ - وَعَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - قَالَ: ((كَانَ رَسُولُ اللَّهَِّهِ إِذَا أَمَّرَ أَمِيرًا عَلَى جَيْشٍ، أَوْ سَرِيَّةٍ، أَوْصَاهُ فِي خَاصَّتِهِ بِتَقْوَىُ اللهِ، وَبِمَنْ مَعَهُ مِنَ المُسْلِمِينَ خَيْرًا، ثُمَّ قَالَ: اعْزُوا، عَلَى اسْمِ اللهِ، فِي سَبِيلِ اللهِ، قَاتِلُوا مَنْ كَفَرَ بِاللهِ، اغْزُوا وَلاَ تَغُلُّوا، وَلاَ تَغْدِرُوا،َ وَلاَ تُمَثِّلُوا، وَلاَ تَقْتُلُوا وَلِيدًا، وَإِذَا لَقِيتَ عَدُوَّكَ مِنَ المُشْرِكِينَ، فَادْعُهُمْ إِلَى ثَلاَثِ خِصَالٍ، فَأَيَّتُهُنَّ أَجَابُوكَ إِلَيْهَا، فَاقْبَلْ مِنْهُمْ، وَكُفَتَّ عَنْهُم: ادْعُهُمْ إِلَى الإِسْلاَمِ، فَإِنْ أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُم، ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى التَّحَوَّلِ مِنْ دَارِهِمْ إِلَى دَارِ الْمُهَاجِرِينَ، فَإِنْ أَبَوْا، فَأَخْبِرُهُمْ بِأَنَّهُمْ يَكُونُونَ كَأَغْرَابِ المُسْلِمِينَ، وَلاَ يَكُونُ لَهُمْ فِي الغَنِيمَةِ وَالفَيْءِ شَيْءٌ، إِلاَّ أَنْ يُجَاهِدُوا مَعَ المُسْلِمِينَ، فَإِنْ هُمْ أَبَوْا فَاسْأَلْهُمُ الجِزْيَةَ، فَإِنْ أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ، فَإِنْ هُمْ أَبَوْا فَاسْتَعِنْ عَلَيْهِمْ بِاللهِ تَعَالَى، وَقَاتِلْهُمْ، وَإِذَا حَاصَرْتَ أَهْلَ حِصْنٍ فَأَرَادُوكَ أَنْ تَجْعَلَ لَهُمْ ذِقَّةَ اللهِ، وَذِمَّةَ نَبِيّةِ، فَلاَ تَفْعَلْ، وَلكِنْ اجْعَلَّ لَهُمْ ذِمَّتَكَ؛ فَإِنَّكُمْ إِنْ تُخْفِرُوا ذِمَمَكُمْ، أَهْوَنُ مِنْ أَنْ تُخْفِرُ وا ذِمَّةَ اللهِ، وَإِذَا أَرَادُوكَ أَنْ تُنْزِلَهِمْ عَلَى حُكْمِ اللهِ فَلاَ تَفْعَلْ، بَلْ عَلَىْ حُكْمِكَ؛ فَإِنَّكَ لاَ تَدْرِي أَنْصِيبُ فِيهِمْ حُكْمَ اللهِ تَعَالَىْ، أَمْ لاَ؟)) أَخْرَجَهُ مُسْلِمُ(١). * مفردات الحديث: - في خاصَّته: متعلق بـ((تقوى الله))، وخاصته: ما يخص نفسه من شؤونه. (١) مسلم (١٧٣١). ٣٥٦) توضيح الأحكام من بلوغ المرام - بمن معه: كأنه قال: أوصاه بتقوى الله في خاصته، وأوصاه بمن معه من المسلمین خیرًا . - خيرًا: منصوب على نزع الخافض. - على اسم الله - في سبيل الله: متعلق بـ((اغزوا))، ويجوز أن يكون الثاني ظرفًا له، ویکون الأول حالاً . - قاتلوا: جملة معترضة موضحة لـ(اغزوا))، فأعاد ((اغزوا))؛ لتعقبه بالمذكورات بعده . - ولا تغُلُّوا: غل - من باب نصر - غلولاً، فهو غالٌّ، والغلول: الخيانة من المغنم، وكل من خان خفية، فقد غلَّ. - لا تَغْدِروا: بكسر الدال، فهو من باب ضرب، والغدر: ترك الوفاء بالعهد. - إذا لقيت: هذا من باب تلوين الخطاب، فبعد أن خاطب الجيش عامة، خصَّ الأمير وحده بالخطاب، فدخلوا بالتبعية. - فادعهم إلى ثلاث خصال: يعني: إلى إحدى الثلاث، وهي: الإسلام، أوعطاء الجزية، أو المقاتلة. - التحول من دارهم: المراد بالتحول: الانتقال، والهجرة من بلاد الكفار إلى بلاد المسلمين . ۔ ثم ادعهم: کرر لمزید التأکید. - أعراب المسلمين: واحده ((أعرابي))، لا واحد له من لفظه؛ لأنَّ البقاء بالبادية سبب لعدم معرفة الشريعة؛ لقلَّة من فيها من أهل العلم. - الغنيمة: جمعها غنائم: يقال غنم فلان غنيمة، فاشتقاقها من (( الغُنم، وأصلها: الربح والفضل، وهي ما أخذ من مال حربي قهرًا بقتال. - الفيء: أصله ((الرجوع))، يقال: فاء الظل: إذا رجع نحو المشرق، وسمي المال الحاصل من المشركين: فيئًا؛ لأنَّه رجع من المشركين إلى المسلمين . ٣٥٧ كتاب الجهاد وهو اصطلاحًا: ما أُخِذ من مال كافر بحق الكفر بلا قتال. - الجزية: مأخوذة من: الجزاء، وهي ما يؤخذ من أهل الذمة على وجه الصَّغار كل عام، بدلاً من قتلهم، وإقامتهم بدارنا . - حصن: حصن المكان حصانة، فهو حصين، والحصن: الموضع المنيع، جمعه: حصون، والحصين: المحكم المنيع . - ذِمة اللهِ وذمة نبيه: الذمة هنا معناها: عقد الصلح والمهادنة، وإنما نهى عن ذلك؛ لئلا ينقض الذمة من لا يعرف حقها، وينتهك حرمتها من لا تمييز له من الجیش. - تُخْفِرُوا: بضم التاء، وسكون الخاء، ثم فاء مكسورة، وراء، يقال: أخفرت الرجل: إذا نقضت عهده، وخَفَرته: بمعنى أمنته وحمیته . * ما يؤخذ من الحديث: ١ - هذا الحديث الشريف الصحيح يصف أحسن وصف للجهاد في سبيل الله، من مصدره الأصلي المشرع صلوات الله وسلامه عليه، وما تتصف به تلك الحروب الإسلامية من العدل والإنصاف، وما تتحلى به من الرحمة ، وما تهدف إليه من البر، والإحسان، وما تتمسك به من العهود والمواثيق ، وأنّها بخلاف ما يصفها به أعداء الإسلام، من القسوة، والعنف، وغير ذلك من الأوصاف التي يلحقونها بها، إما جهلاً، وتقليدًا، وإما عداوة وحقدًا. ٢ - أنَّه ◌َ لّهِ لا يبعث أميرًا على سرية إلاّ أوصاه، وأوصى سريته بما يجب عليهم، أو ينبغي لهم أتباعه في غزوتهم من الأحكام، والآداب، والفضائل. ٣- الصحابة - رضي الله عنهم - لثقتهم الكبيرة بنبيِّهم ◌َّ، وإيمانهم العميق بحسن وصاياه، وكبير فائدتها - فإنَّهم ينفذونها وفق ما رسمها لهم، بغبطة وفرحةٍ، متمثلين قوله تعالى: ﴿وَمَآ ءَانَكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَنَكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُواْ﴾ [الحشر: ٧]، وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةُ أَوْ -- ٣٥٨ توضيح الأحكام من بلوغ المرام يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِمُ ٦٣ [النور] . ٤- كان أول زاد من وصاياه الحكيمة الرشيدة هي الوصية ((بتقوى الله))، وتقوى الله كلمة صغيرة تجمع كل خير، وتبعد كل شر، فهي امتثال أوامر الله، واجتناب نواهيه، وإذا حلت التقوى قلب العبد، صارت هي الرقيب الذي لا يغيب، ولا يغفل عن تصرفاته، فإنَّها تراقبه وتصرِّفه؛ لتكون دائمًا المهيمن عليه، فتقيه شر نفسه، وشر غيره، من شياطين الإنس والجن. ٥ - أوصاه بأن يتَّقي الله تعالى بمن معه من المسلمين خيرًا، فلا يستغل سلطته، وإمارته عليهم، ويغتنم فرصة اتباعهم أمره، وتنفيذهم رغبته بمصالحه الخاصة، وطلباته المحدودة، وإنما يكون أمره عليهم، ونهيه فيهم، وفق المصلحة العامة لهم، وللمسلمين عامة . ٦- تصحيح النية، وسلامة الطوية؛ وذلك بأن تكون غزوتهم مقصودًا بها وجه الله تعالى، والدار الآخرة، بإرادة نصرة الإسلام، ونشر دعوة التوحيد، ((فإنَّما الأعمال بالنيات،)) فلا يكون القصد من الغزو الغنيمة، أو مجرّد الاستيلاء على الأعداء، أو إرادة الشجاعة والظهور، فكل هذا ليس على اسم الله تعالى، وإنما الذي على اسمه: من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا . ٧- ((قاتِلوا من كفر بالله)) هذا هو الهدف من الجهاد، وهو قتال الكفار؛ ليدخلوا في دين الإسلام، فإذا دخلوا في الإسلام، ودخل الإيمان قلوبهم، عرفوا أنَّ قتالكم لهم ما هو إلاَّ علاج لأنفسهم، ودواء لقلوبهم المريضة بالكفر، والشرك بالله تعالى، ((وإن ربك ليعجب من رجال يقادون إلى الجنة بالسلاسل))، فلولا قاعدة الجهاد في سبيل الله، لفسدت الأرض ببقاء الكفر، والضلال، وامتداد الجهل، والظلام، قال تعالى: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَىَ اُلْعَلَمِينَ﴾ [البقرة: ٥١ ٣٥٩ كتاب الجهاد ٨- ((لا تغلوا)) الغلول: الخيانة في الغنيمة، وإذا وجدت الخيانة في الغنائم، فسدت نية الجهاد في سبيل الله، وصار الغرض هو الطمع، وأنتم لم تغزوا، ولن يتوقع النصر إلاّ بحسن نيتكم وقصدكم، فإذا فسدت النية، يُدَال عليكم، وينتصر عدوكم، قال تعالى: ﴿مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الْآَخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِبْتَلِيَكُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٢]. ٩- ((لا تغدروا)) الغدر: نقض العهد، فهو ضد الوفاء، بل أتموا لهم ما عاهدتموهم علیه . ١٠ - ((ولا تمثلوا)) بأن تقطعوا أطراف القتيل؛ كيديه، ورجليه، وأذنيه، وأن يبقر بطنه، ونحو ذلك من تشويهه، فإنَّ هذا قتال من يريد الانتقام، لا قتال من يريد الإحسان . ١١ - ((ولا تقتلوا وليدًا)) النَّهي عن قتل الصبيان، الذين هم دون البلوغ. ١٢ - وجوب دعوة العدو، والمشرك إلى إحدى ثلاث خصال، فإن هم أجابوك إلى واحدة منها، فاقبل منهم، هي: الإسلام، أو الجزية، أو القتال. وإذا أجابوا إلى الإسلام، فلا بد أن يتحوَّلوا من دار الكفر إلى دار الإسلام؛ ليتمكنوا من إظهار دينهم، وليكثروا سوادهم ، وليكون لهم ما للمسلمين، وعليهم ما عليهم. ١٣- قائد الجيش إذا عقد عهدًا مع المشركين، فلا يجعل بينه وبينهم عهد الله تعالى وعهد رسوله، وإنما يجعل لهم عهده الخاص؛ لئلا ينقض العهد ويغدر، وعهدالله وعهد الرسول منزهان عن الغدر، ولكن إذا جعل لهم عهده، فنقض، كان أَهْوَنَ إثمًا . ١٤ - إذا أراد قائد الجيش، أو السرية إنزال عدوه من المشركين على حكم، فليكن على حكمه هو، واجتهاده، لا على حكم الله تعالى، فإنَّ المجتهد لا يدري أيصيب حكم الله، أم يخطئه؟ فإذا أخطأه فهو أهون عليه من أن ٣٦٠ توضيح الأحكام من بلوغ المرام یکون على حكم الله تعالى. ١٥ - هذه هي آداب الحروب الإسلامية، والجهاد في سبيل الله: التقوى، والاعتماد على الله تعالى، والدعوة إلى الخير، والدخول في دين الله تعالى، فإذا دخل الإنسان في الإسلام، فليس هو مستعمرًا، ولا مسترقًّا، ولا مضطهدًا، وإنما هو مسلمٌ له ما للمسلمين، وعليه ما عليهم. فإن لم يجيبوا إلى الإسلام، فلهم الحرية في البقاء على دينهم، على أن يؤدوا جزيةً، هي لحقن دمائهم، والحفاظ عليهم من عدوهم، ورعاية مصالحهم . فإن أبوا عن هذا، وأصروا على الوقوف في وجه الدعوة، فلم يدعوها تبلغ المستعدين لقبولها، فالمسلمون مضطرون لقتالهم؛ لتصل دعوة الله، ودينه حيث أراد الله تعالى، فإذا قام قتال المسلمين مع عدوهم، فإنَّه قتال رحمة، فكل من لا علاقة له بالقتال لا يقتل، فلا يقتل شيخ كبير، ولا راهب في معبده، ولا صبي، ولا امرأة، وإنما يوجه القتال إلى المقاتلين المعاندين، الصادين دين الله تعالى، ثم إنَّ هذا القتال ليس قتال ثأر وانتقام، يحصل به تمثيل، وتشويه للقتلى، فلا تمثِّلوا. وإذا أبرم عهد مع العدو، فليحافظ على الوفاء به، والتزام شروطه وبنوده، وليُعقد على ذمة القائد، ولاَ يُعقد على ذمة الله تعالى وذمة رسوله؛ خشية أن يحصل غدر، فتنسب الخيانة، والغدر إلى عهد الله جلَّ وعلا، وإلى رسوله، وهما مبرآن من ذلك. وكذلك إذا أريد نزول العدو على الحكم، فلا ينزلون إلاّ على حكم منسوب إلى اجتهاد القائد، لا إلى حكم الله تعالى؛ لئلا تخطئوا في الحكم، فيكون الخطأ منسوبًا إلى أحكام الله، فإنَّ القائد باجتهاده لا يدري هل يقع على الحق نفس الأمر، وهو حكم الله ومراده، أم لا؟.