النص المفهرس
صفحات 321-340
٣٢١ كتاب الحدود - باب حد التعزير ١٠٩٠ - وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - أَنَّ النَّبِيَّ وَ قَال: ((أَقِيلُوا ذَوِي الهَيْئَاتِ عَثَرَاتِهِمْ، إِلَّ الحُدُودَ)). رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُودَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَالبَيْهَقِيُّ. (١) * درجة الحديث: الحدیث ضعيف . الحديث له طرق كثيرة، ولكنها لا تخلو من مقال. قال في ((التلخيص)): رواه أحمد وأبوداود والنسائي والعقيلي من حديث عائشة . قال العقيلي: له طرق، وليس منها شيء يثبت، وذكره ابن طاهر بسنده إلى أنس، وقال: وهو بهذا الإسناد باطل، ورواه الشافعي، وابن حبان. قال الشافعي: سمعتُ من أهل العلم من يعرف هذا الحديث، ويقول: (يتجافى للرجل ذي الهيئة عن عثرته، ما لم يكن حدًّا)). وقال عبدالحق: ذكره ابن عدي في باب واصل الرقاشي، ولم يذكر له علة . قُلتُ: واصل ضعيف . * مفردات الحديث: - أقيلوا: يقال: أقاله عثرته: صفح عنه وتجاوز، والمراد بالإقالة هنا: التجاوز، وعدم المؤاخذة. ـ ذَوِي الهيئات: جمع ((هيئة))، والهيئة: صورة الشيء، وشكله، وحالته، (١) أحمد (٢٤٩٤٦)، أبو داود (٤٣٧٥)، النسائي في الكبرى (٣١٠/٤)، البيهقي (٢٦٧/٨). ٣٢٢ توضيح الأحكام من بلوغ المرام والمراد: ذوو الهيئات الحسنة ممن ليسوا من أهل الشر، وإنما هي زلة، وقعت منهم. - عثَراتِهم: جمع: ((عثرة))، والمراد بها: الزلة، كما وقع في بعض الروايات. قال الإمام الشافعي: ذوو الهيئات الذين تقال عثراتهم: هم الذين لا يُعرفون بالشر، فيزل أحدهم الزلة، قال الماوردي: العثرة: هي أول معصية زلَّ فيها . * ما يؤخذ من الحديث: ١- الخطاب موجَّه إلى الأئمة، وولاة أمور المسلمين، الذي يتولون أمور الرعية، ويقيمون فيهم الحدود، ويؤدبونهم على تصرفاتهم المنحرفة. ٢- فالشارع الحكيم يأمرهم بأن يتسامحوا، ولا يؤاخذوا ذوي الهيئات الكريمة، والنفوس الطيبة، والسلوك الحسن، الذي يندر أن يقع منهم الشر، ويقل فيهم الإساءة، يوصيهم بأنَّ مثل هؤلاء إذا زلوا مرَّة، أو عثروا أن يعفوا عنهم، ويعرفوا لهم سابقتهم، وحسن سيرتهم. ٣- ولكن هذه الإقالة، والمسامحة إنما هي في التعزيرات، التي مرجعها إلى اجتهاد الحاكم الشرعي، وليس ذلك في حدود الله تعالى؛ فإنَّ حدود الله تعالی لا تعطل، وتقام علی کل أحد، مهما كانت حاله ومنزلته . ٣٢٣ كتاب الحدود - باب حد التعزير ١٠٩١ - وَعَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: «مَا كُنْتُ لأُقِيمَ عَلَى أَحَدٍ حَدًّا، فَيَمُوتَ فَأَجِدَ فِي نَفْسِي، إِلَّ شَارِبَ الخَمْرِ، فَإِنَّهُ لَوْ مَاتَ وَدَيْتُهُ)). أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ(١) . * مفردات الحديث: - لأُقيم: بنصب المضارع على تقدير ((أن)) الناصبة بعد اللام المكسورة، وهذه اللام تسمى لام الجحود. - فيموت: لأجل إقامة الحد والمضارع منصوب؛ لكونه جوابًا للمضارع المنصوب . - فأجد: منصوب في جواب النفي؛ أي: فأنا آسف وأحزن. - وديته: أي دفعت دیته لورثته . * ما يؤخذ من الحديث : ١ - الحدود المقدرة، كالزنا والقذف قدرها الشارع الحكيم، وحدَّها، فلا يزاد عليها، ولا ينقص منها، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَّعَدَّ ﴾ [النساء]. ١٤ حُدُ ودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَلِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِيرٌ وقال ◌َّهِ: ((إنَّ الله حدَّ حدودًا؛ فلا تعتدوها)). فالحدود مقدرة من لدن حكيم خبير، فهي بقدر طاقة الصحيح من بني آدم، وأما ضعيف البدن: فقد أوصى وَّل أن يقام عليه الحد، وقال: ((خُذُوا عِشْگالاً فیه مائة شِمراخ، ثم اضربوه واحدة، ففعلوا)). ٢- فمن مات من الحد المقدر من الله تعالى بلا زيادة، فإنَّها سراية من عمل (١) البخاري (٦٧٧٨). ٣٢٤ توضيح الأحكام من بلوغ المرام مشروع مأذون فيه، فلا قصاص، ولا دية، ولا كفارة؛ لأنَّ الحق قتله. قال في ((الروض المربع وحاشيته)): ومن مات في الحد، فالحقُّ قتله، ولا شيء على من حده؛ لأنَّه أتى به على الوجه المشروع بأمر من الله تعالى، وأمر رسول الله وَال . قال الموفق: لا نعلم بين أهل العلم خلافًا في سائر الحدود، إذا أُتِي بها على الوجه المشروع من غير زيادة، لا يضمن من مات بها . ٣- أما من مات من سراية التعزير، فإنَّ باب التعزير باب واسع أمام اجتهاد الحاكم الشرعي، وقد يراعى الكمّ، أو الكيف، فيحصل التلف، فيكون من خطأ الإمام الذي يضمنه بيت المال. ٤- حديث الباب يمكن تأويله على أحد أمرين : أحدهما: أنَّ عقوبة السكر هي عقوبة تعزيرية، لا حد لها، فيكون مرجع تأديبه إلى اجتهاد الحاكم، فإذا أخطأ وَدَاه. الثاني: أنَّ حد الخمر هو أخف الحدود كمَّا وكيفًا؛ ولذا جاء في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة قال: ((أَّتِي النبي ◌َّهِ برجل قد شرب، فقال: اضربوه، قال أبوهريرة: فمنا الضارب بيده، والضارب بنعله، والضارب بثوبه)) . قال في ((حاشية الروض المربع)): ((ما خفَّ في عدده، كان أخف في صفته))، فيكون معنى الحديث: أنَّ أخف الحدود كمَّا وكيفًا هو حد الشارب الخمر، فلو مات سلمت ديته لأهله؛ لأنَّ عقوبته زادت على ما يجب عليه من حدود الله، والله أعلم. ٣٢٥ كتاب الحدود - باب حكم الصائل باب حكم الصائل مقدمة يقال: صال عليه صولاً: سطا عليه؛ ليقهره، ويغلبه على أمره، والصيالة تكون على: النفس، والعِرض، والأهل، والمال. فمن صال عليه آدمي، أو بهيمة، أو على نسائه، أو ولده، أو ماله - دفعه بأسهل ما يغلب على ظنه دفعه به، فإن لم يندفع إلاَّ بالقتل، أو خاف إن لم يبدأه عاجله الصائل بالقتل - فله ضربه بما يقتله، أو يقطع طرفه، ويكون ذلك هدرًا؛ لأنَّه أتلفه لدفع شره؛ كالباغي، وإن قُتل المصول عليه، فهو شهيد مضمون. ٣٢٦). توضيح الأحكام من بلوغ المرام ١٠٩٢ - وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ إِذَلِّهِ : ((مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ، فَهُوَ شَهِيدٌ)). رَوَاهُ الأَرْبَعَةُ، وَصَخَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ (١). * درجة الحديث: الحدیث صحیح. رواه أصحاب السنن الأربعة، وصححه الترمذي، فقال: هذا حديث حسن صحيح . قال في ((التلخيص)): حدیث: «من قتل دون ماله، فهو شهيد)) من حديث عمرو بن العاص رواه البخاري، وفي الباب عن سعيد بن زيد في ((السنن))، وابن حبان، والحاكم. قال السيوطي: إنَّه حديث حسن، وقال: إنَّه من الأحاديث المتواترة ووافقه الكتاني، وغيره. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - الحديث يدل على مشروعية الدفاع عن المال؛ لأنَّ المقتول دفاعًا عن ماله لم ينل مرتبة الشهادة، إلاَّ لأَنَّ قتاله دون ماله قتال مشروع . ٢ - أما الشهادة التي نالها فهي مرتبة الشهداء، الذين قتلوا ظلمًا دون حقوقهم، وهي من جنس الشهادة التي قتل صاحبها وهو يقاتل؛ لتكون كلمة الله هي العليا . ٣- العلماء لم يعطوا هذه الشهادة، وأمثالها الأحكام الظاهرة التي الشهيد المعركة؛ من حيث عدم تغسيله، وتكفينه، والصلاة عليه، ودفنه؛ حيث (١) أبوداود (٤٧٧٢)، الترمذي (١٤٢١)، النسائي (١١٦/٧)، ابن ماجه (٢٥٨٠). -- - --- ٣٢٧ كتاب الحدود - باب حكم الصائل صرع بدمائه وثيابه، وإنما هذا الشهيد، وأمثاله يُعْمل بهم مثل ما يعمل في غيرهم من موتى المسلمين . ٤- وإذا كان الدفاع عن المال مشروعًا، وإذا قتل المدافع فهو شهيد، فإنَّ الدفاع عن النفس، وذوات المحارم، والوطن أولى؛ لأنَّها أهم من المال. ٥- قال في ((الروض المربع وحاشيته)): ومن صال على نفسٍ، أو حرمته، كأمه، وبنته، وأخته، وزوجته، أو ماله، فللمصول عليه الدفاع عن ذلك بأسهل ما يغلب على ظنه دفعه به، فإذا اندفع بالأسهل، حرم الأصعب؛ إذ المقصود دفعه، فإذا اندفع بالقليل، فلا حاجة إلى أكثر منه، إلاَّ أن يخاف أن يبتدره، فله الدفع بالأصعب، وصوَّبه في ((الإنصاف)). * ٣٢٨ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ١٠٩٣ - وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ خَبَّابٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: ((سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِّهِ يَقُولُ: تَكُونُ فِتَزٌ، فَكُنْ فِيهَا عَبْدَاللهِ المَقْتُولِ، وَلاَ تَكُنِ القَاتِلَ)). أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي خَيْثَمَةَ، وَالدَّارَ قُطْنِيُّ، (١) وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ نَحْوَهُ عَنْ خَالِدِ بْنِ عُرْفُطَةَ(٢). ** درجة الحديث: الحدیث حسن . وقد روي عن عدة من الصحابة، أخرجه: ١ - أحمد (٢١٩٩٣) والطبراني (١٨٩/٤)، من حديث خالد بن عرفطة، إلاَّ أنَّ فيه علي بن زيد بن جدعان، وفيه مقال . ٢- أحمد (١٦١٢)، والترمذي (٢١٩٤)، من حديث سعد بن أبي وقاص. ٣- أحمد (٥٧٢٠) من حديث ابن عمر . ٤- أحمد (١٩٢٣١) وأبوداود(٤٢٥٩)، وابن حبان (٢٩٧/١٣) من حديث أبي موسى، وصحَّحه القشيري على شرط الشيخين . فالحديث بمجموع هذه الطرق قوي في بابه . * مفردات الحدیث: - عبدالله بن خباًب : - بفتح الخاء، ثم باء مشددة، ثم ألف، ثم آخره باء -: ابن الأرَت بن جندل، ينتهي نسبه إلى زيد مناة بن تميم، وخبَّاب حليف بني زهرة، من السابقين الأوَّلين إلى الإسلام، وممن عُذُّب في الله تعالى، ومن المهاجرين الأوَّلين، شهد بدرًا، والمشاهد كلها مع رسول الله وَّر، ولعبد الله (١) أحمد (٢٠٥٥٩)، الدار قطنى (١٣٢/٣). (٢) أحمد (٢١٩٩٣). ---- ٣٢٩ كتاب الحدود - باب حكم الصائل صحبة، فهو ثاني مولود ولد في الإسلام، بعد عبدالله بن الزبير. - فِتَن: جمع: ((فتنة))، وهي تطلق على أشياء كثيرة: من فتنة الإعجاب، والاستهواء، وفتنة المال، وفتنة الشيطان، والابتلاء، والعذاب، وفتنة الحروب، والقتال، ولعلَّها المراد هنا. * ما يؤخذ من الحديث: هذا الحديث يتعلَّق به مسائل نجملها فيما يأتي: ١- أن تكون كلمة المسلمين مجتمعة على إمام واحد؛ سواء كان عدلاً أو جائرًا، ثم إن خرج عليه خارجة لهم منعة، يريدون شق عصا الطاعة، والخروج على الوالي - فهؤلاء يجب على ولي الأمر أن يراسلهم، فإذا راسلهم، وامتنعوا عن الطاعة، وأخافوا المسلمين، فيجب عليه قتالهم؛ ليكف شرهم، ويجب على الرعية القيام معه، وقتال هؤلاء الخارجين حتى يفيئوا ويعودوا إلى أمر الله، والطاعة. فقد روى مسلم أيضًا (١٨٥٢) عن عرفجة قال: سمعت رسول الله وَل يقول: ((من أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد، يريد أن يشق عصاكم، أو یفرق جماعتكم ـ فاقتلوه)) . وروى مسلم (١٨٤٤) عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله وَله: ((ومن بايع إمامًا، فأعطاه صفقة يده، وثمرة قلبه، فليطعه إن استطاع، فإن جاء آخر ینازعه، فاضربوا عنق الآخر)). هذا هو واجب الرعية مع الإمام القائم، حينما ينازعه الأمر منازع، يريد أن ینقض بیعته، أو یشاقه. ٢- أما واجب ولاة المسلمين فهو العدل، والاستقامة، والنصح للرعية، وغير ذلك مما هو من أعمال الولاية العامة، فقد جاء في البخاري (٢٤٠٩)، مسلم (١٨٢٩)، من حديث ابن عمر؛ أنَّ النَّبيَّ نَِّ قال: ((كُلَّكم راعٍ، ٣٣٠ توضيح الأحكام من بلوغ المرام وكلكم مسؤول، فالإمام الذي على الناس راع، وهو مسؤول عن رعيته)). وجاء في مسلم (١٤٢) من حديث معقّل بن يسار قال: سمعتُ رسول الله ◌َّه يقول: ((ما من عبد يسترعيه الله رعية، فلم يُحِطها بنصحه، إلاّ لم يجد رائحة الجنة))؛ فمسؤولية ولاة الأمر كبيرة جدًّا، وأمرهم خطير. ٣- إلاَّ أنَّ ظلم الولاة، وعدم إنصافهم، ووجود التقصير منهم، والأثرة على الرعية، لا يسوغ الخروج عليهم، ولا شقَّ عصا طاعتهم، ولا يبرز معاداتهم ومشاقتهم، فقد جاء في صحيح البخاري من حديث أنس أنَّ رسول الله وَه قال: ((اسمعوا وأطيعوا، وإن اسْتُعْمِل عليكم عبد حبشي، كأنَّ رأسه زبيبة)). وجاء في الصحيحين من حديث عبادة بن الصامت قال: بايعنا رسول الله وَلخير على السمع والطاعة في العسر واليسر، والمنشط والمكره، وعلى أثرةٍ علينا، وعلى ألا ننازع الأمر أهله)). وجاء في الصحيحين من حديث ابن مسعود قال: قال لنا رسول الله وَلقال: ((إنَّكم سترون بعدي أثرة، وأمورًا تنكرونها، قالوا: فما تأمرنا يا رسول الله؟ قال: أدوا إليهم حقهم، وسلوا الله حقكم)). فهذا هو موقف الرعية من الوالي، السمع والطاعة؛ لأنَّ الخروج على الولاة - ولو كانوا ظالمين - يحصل به من الشر، والفتن ما هو أعظم منه. ٤- ألا يكون للأمة إمام يقودها، وإنما أمرها منفلت، وكلمتها مفرقة، أو يكون في كل قطر والٍ، فتحدث بينهم فتن، وتقوم بينهم حروب، فهذه هي الفتنة التي أشار إليها حديث الباب، والتي يجب الكف عنها، والقعود عنها، وعدم الدخول فيها، فقد روى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة قال : سمعتُ رسول الله وَ له يقول: ((من قُتل تحت راية عِمِّيّة، يدعو لعصبيةٍ، أو ينصر لعصبية - فقتلة جاهلية)) . والعميَّة: فعيلة من: ((العماء))، وهو الضلالة، نسأل الله العافية. انتهى كتاب الحدود ------- ----- ------- -- ٣٣١ كتاب الجهاد كتاب الجهاد مقدمة الجهاد: بكسر الجيم، أصله لغة: المشقة، يقال: جاهدت جهادًا؛ أي: بلغت المشقة، فهو مصدر: جاهدت العدو، إذا قابلته في تحمّل الجهاد، إذا بذل كل منهما جهده، وطاقته في دفع صاحبه، ثم غلب في الإسلام على قتال الكفار . وشرعًا: بذل الجهد في قتال الكفَّار، والبغاة، وقطّاع الطرق. ومشروعيته: بالكتاب، والسنة، والإجماع. وقد تكاثرت النصوص في الأمر به، والحث عليه، والترغيب فيه، وسيأتي شيء منها إن شاء الله تعالى. وهو فرض كفاية، إذا قام به من يكفي، سقط عن الباقين، وإلاّ أثموا جميعًا، مع العلم والقدرة، إلاّ في ثلاثة مواضع: فيكون فرض عين: الأول: إذا تقابل الفريقان، تعيَّن وحرم الانصراف؛ لقوله تعالى: ﴿ وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ، إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِّقِثَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ﴾ [الأنفال: ١٦]. الثاني: إذا نزل العدو بالبلد وحاصرها، تعيَّنت مقاومته .. الثالث: إذا استنفر الإمام الناس استنفارًا عامًا، أو خصَّ واحدًا بعينه؛ لقوله تعالى: ﴿يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُ أَنِفِرُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ أَنَّا قَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ﴾ [التوبة: ٣٨]. ولقوله ◌َّة: ((وإذا استنفرتم، فانفروا)). ٣٣٢ توضيح الأحكام من بلوغ المرام * شبهة وردها: ذهب بعض الغربيين المنصرين إلى أنَّ الإسلام قام على العنف والعسف، وانتشر بالسيف، واعتمد على القسر والإكراه في الدخول فيه. والجواب أن نقول: هذا زعم خاطىء، وهو ناشىء إما عن جهل بالدين الإسلامي، وفتوحاته، وغزواته، ونصوصه. وإما ناشىء عن عصبية، وعداء الدين . والحق أنَّ الدين الإسلامي قام على الدعوة بالحكمة، والموعظة الحسنة، ونادى بالسلام، ودعا إليه، فإنَّ الإسلام مشتق من السلام. ومن تتبع نصوص القرآن الكريم، والسنة المطهرة، التي منها وصايا النبي وَ﴾ الأمراء جيوشه، ومنها سيرته و ◌ّل في الغزوات، علِمِ أنَّ الإسلام جاء بالحكمة، والرحمة، والسلام، والوئام، وأنَّه جاء بالإصلاح، لا بالفساد. اقرأ قوله تعالى: ﴿لَآَ إِكْرَاهَ فِىِ الدِّينِّ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ [البقرة: ٢٥٦]. واقرأ قوله تعالى: ﴿ وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لَمَنَ مَن فِى الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًاً أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْمُؤْمِنِينَ [يونس]. واقرأ قوله تعالى: ﴿لَّا يَنْهَنَكُمُ اللّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَئِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن [الممتحنة]، وقوله تعالى: ٨ دِيَرِّكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُواْ إِلَيْهِمَّ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ وَقَتِلُواْ فِىِ سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَتِلُونَّكُمْ وَلَا تَعْتَدُوَأَ﴾ [البقرة: ١٩٠]، والآيات الدالة ج على هذا المعنى كثيرة . وأما السنة: فكل أعمال النبي ◌َّ في الحروب، ووصاياه لقواده ناطقةٌ بذلك. روى مسلم في صحيحه من حديث بريدة - رضي الله عنه -: ((أنَّ النَّبِيَّ وَّل كان إذا أمَّر أميرًا على سرية، أو جيش، أوصاه في خاصة نفسه بتقوى الله، ومن معه من المسلمين خيرًا، ثم قال: اغزوا باسم الله في سبيل الله، قاتلوا من كفر ------- ٣٣٣ كتاب الجهاد بالله، ولا تغلوا، ولا تغدروا، ولا تمثّلُّوا، ولا تقتلوا وليدًا)). ((ونهىُ مَّة عن قتل النساء والصبيان)) [متَّفق عليه]. وقال ◌َّية: ((اخرجوا باسم الله، تقاتلون في سبيل الله من كفر بالله، ولا تغدروا، ولا تغلوا، ولا تمثّلُوا، ولا تقتلوا الولدان، ولا أصحاب الصوامع)). وقال: ((و لا تقتلوا شيخًا فانيًا)). وأوصى أبوبكر الصديق يزيد بن أبي سفيان، حين بعثه أميرًا على ربع من أرباع الشام، بقوله: ((إني موصيك بعشر خلال: ١ - لا تقتل المرأة . ٢- ولا صبيًّا . ٤ - ولا تقطع شجرًا مثمرًا. ٣ - ولا كبيرًا هَرِمًا . ٦ - ولا تعقرن شاة . ٥- ولا تخرب عامرًا. ٧ - ولا بعيرًا إلاَّ لمأكلة. ٩ - ولا تغلل. ٨- ولا تقطعن نخلاً، ولا تحرقه. ١٠ - ولا تجبن))، رواه مالك في ((الموطأ)). وقال الأنباري عند قوله تعالى: ﴿لَآَ إِكَرَاهَ فِ الدِّينِ﴾ [البقرة: ٢٥٦]: معنى الآية: ليس الدين ما يدين به من الظاهر على جهة الإكراه عليه، ولم يشهد به القلب، فتنطوي عليه الضمائر، إنَّما الدين هو المعتقد في القلب. ومن تأمَّل سيرة النبي ◌ِّ: تبيَّن له أنَّه لم يُكرِه على دينه قط، أو أنَّه إنما قاتل من قاتله، وأما من هادنه فلم يقاتله ما دام مقيمًا على هدنته، لم ينقض عهده. بل أمره الله تعالى أن يفي لهم بعهدهم ما استقاموا له؛ كما قال تعالى: ﴿فَمَا أُسْتَقَمُواْ لَكُمْ فَاسْتَقِيمُواْ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٧] ولما قدم المدينة، صالح اليهود، وأقرَّهم على دينهم. فلما حاربوه، ونقضوا عهده، غزاهم في ديارهم، وكان كفَّار قريش هم و الذين يغزونه، كما قصدوه يوم أحد، ويوم الخندق، ويوم بدر أيضًا هم جاؤوا لقتاله، ولو انصرفوا عنه، لم يقاتلهم. ٣٣٤ توضيح الأحكام من بلوغ المرام والمقصود أنَّه وَّه لم يُكره أحدًا على الدخول في دينه ألبتة، وإنما دخل الناس في دينه اختيارًا، وطوعًا. فأكثر أهل الأرض دخلوا في دعوته، لما تبيَّن لهم الهدى، وأنَّه رسول الله حقًا . لِ اللّه وستكم وقال ابن كثير عند قوله تعالى: ﴿لَآَ إِكْرَاهَ فِِ الدِّينِ﴾ [البقرة: ٢٥٦]: أي: لا تُكْرِهُوا أحدًا على الدخول في دين الإسلام، فإنَّه بيِّن واضح، جلية دلائله وبراهينه، لا يحتاج إلى أن يُكره أحد على الدخول فيه. بل من هداه الله للإسلام، وشرح صدره، ونور بصيرته، دخل فيه على بيِّنة، ومن أعمى الله قلبه، وختم على سمعه وبصره، فإنَّه لا يفيده الدخول في الدين مكرَهًا مقسورًا . وكلام العلماء المحققين في هذا الباب كثير، وهو الذي يفهم من روح الإسلام، ومبادئه، ومقاصده. وللكن أعداء الإسلام يأبون إلاَّ أن يصفوه بما يشوِّهه، ويشينه؛ للتضليل والتنفير . وغزواته وَله التي فتحت القلوب والعقول، ومعاملاته، ومعاهداته، ودعوته بالحكمة، والموعظة الحسنة، والمجادلة بالتي هي أحسن - تدحض تلك المزاعم، فإنَّ ربَّك أعلم بمن ضلَّ عن سبيله، وهو أعلم بالمهتدين. وقد بيَّن ذلك ابن القيم في كتابه ((زاد المعاد))؛ حيث قال: فصل في ترتيب سياق هذيه مع الكفار والمنافقين من حین بُعِث إلی حین لقي ربه عزَّوجل أول ما أوحى إليه ربه تبارك وتعالى أن يقرأ باسم ربه الذي خلق، وذلك ٣٣٥ كتاب الجهاد أول نبوته، فأمره أن يقرأ في نفسه، ولم يأمره إذ ذاك بالتبليغ . [المدثر]، فنبأه بقوله: ٢ ثم نزل عليه: ﴿يَأَيُّهَا الْمُدَّنُِّ لَ قُرْ فَأَذِرْ ﴾، ثم أمره أن ينذر عشيرته الأقربين، ثم ﴿ اقْرَأْ﴾، وأرسله بـ﴿يَأَيُّهَا الْمُدَّثِرُ أنذر قومه، ثم أنذر من حوله من العرب، ثم أنذر العرب قاطبة، ثم أنذر العالمين، فأقام بضع عشرة سنة بعد نبوته ينذر بالدعوة بغير قتال، ويُؤمر بالكفِّ، والصبر، والصفح. ثم أذن له في الهجرة، وأُذن له أن يقاتل من قاتله، ويكف عمن اعتزله، ولم يقاتله، ثم أمره بقتال المشركين حتى يكون الدين كله لله. اهـ. قلتُ: ويعلم من المرحلة الأخيرة في القتال وجوب قتال الكفار، ومهاجمتهم بعد دعوتهم، والإعذار إليهم، حتى تكون كلمة الله هي العليا، وأنَّ قتال الكفار في الإسلام ليس مدافعة فقط، بل هو حركة جهادية حتى يكون الدين كله لله، نسأل الله أن ينصر دينه، وأن يعلي كلمته، إنه قوي عزيز. قال العلماء: ويطلق الجهاد على: مجاهدة النفس، والشيطان، والفُسَّاق. فأما مجاهدة النفس: فتكون على تعلم أمور الدين، ثم العمل بها، ثم تعليمها. وأما مجاهدة الشيطان: فعلى دفع ما يأتي به من الشبهات، ومما يزينه من الشَّهوات. وأما مجاهدة الفسَّاق: فباليد، واللسان، ثم بالقلب. أما فضل الجهاد: فيكفي أنَّ رسول الله ◌َّل جعله ذروة سنام الدين، وذروة السنام هي أشرف، وأعلى شيء في الموصوف. ومن تدبّر آيات القرآن الكريم في الجهاد علم مقامه، وفضله، وعلو رتبته في العبادات . وكذلك طفحت السنة النبوية الشريفة بمثل ذلك، ولم يُصب المسلمون ما أصابهم من الذل، والمهانة، والضعف، وتسلط الأعداء، إلاَّ بتركهم الجهاد، وإخلادهم إلى الراحة والدَّعة، والله المستعان. ٣٣٦ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ١٠٩٤ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَهُ : ((مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَغْزُ، وَلَمْ يُحَدِّثْ نَفْسَهُ بِهِ، مَاتَ عَلَى شُعْبَةٍ مِنْ نِفَاقٍ)). رَوَاهُ مُسْلِمُ(١). ١٠٩٥ - وَعَنْ أَنَسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - أَنَّ النَّبِيَّ وَّ قَالَ: ((جَاهِدُوا المُشْرِكِينَ بِأَمْوَالِكُمْ، وَأَنْفُسِكُمْ، وَأَلْسِنِكُمْ)). رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ، وَصَخَّحَهُ الحَاكِمُ(٢) . ٤* درجة الحديث (١٠٩٥): إسناده صحيح. قال ابن عبدالهادي في ((المحرر)): رواه أحمد، والدارمي، وأبوداود، والنسائي، وإسناده على رسم مسلمٍ. اهـ. وصححه الحاكم، وأقرَّه الذّهبي، وقال النووي في ((الرياض)): إسناده صحيح . * مفردات الحديث (١٠٩٤): - شُعْبة: بضم الشين المعجمة، قال في ((المصباح)): الشعبة من الشيء: القطعة منه، فيكون معناه: مات على طائفة، وجزء من النفاق. - نِفَاق: بكسر النون، وأصل النفاق مأخوذ من إحدى أجحار اليربوع، التي يكتمها، ويظهر غيرها، فهو أصل تسمية النفاق، فالمنافق: هو من يخفي الكفر، ويظهر الإيمان، فهو يُظهر خلاف ما يبطن . (١) مسلم (١٩١٠). (٢) أحمد (١٢٤/٣)، النسائي (٧/٦)، الحاكم (٨١/٢). ٣٣٧ كتاب الجهاد ١٠٩٦ - وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِىَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: ((قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، عَلَى النِّسَاءِ جِهَادٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، جِهَادٌ لاَ قِتَالَ فِيهِ: الحَجُّ وَالعُمْرَةُ)). رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَأَصْلُهُ فِي الْبُخَارِيِّ (١). * درجة الحديث: الحدیث صحیح. فهو من رواية محمَّد بن فضيل عن حبيب بن أبي عمرة عن عائشة بنت طلحة عن عائشة أم المؤمنين، وأصله في البخاري، كما ذكر المؤلف. * ما يؤخذ من الأحاديث: ١ - الحديث رقم (١٠٩٤): يدل على وجوب الجهاد في سبيل الله إذ إنَّه يجب الابتعاد عن صفات المنافقين، فهي أقبح الصفات . ٢- وجوب العزم على الجهاد عند عدم التمكن منه، وفعله عند إمكان ذلك، فالواجبات المطلقة يجب العزم على فعلها، عند إمكانها . والواجبات المؤقتة يجب العزم على فعلها، عند دخول وقتها . ٣- ويدل على أنَّ من مات، وهو لم يغز، ولم يحدث نفسه بالغزو - مات على خصلة من خصال النفاق؛ ذلك أنَّه أشبه المنافقين المتخلفين عن الجهاد في هذا الوصف، فإنَّ ترك الجهاد شعبة من شعب النفاق. ٤- أما الحديث رقم (١٠٩٥): فيدل على وجوب جهاد الكفار بالمال، والنفس، واللسان . فأما المال: فبإنفاقه على شراء السلاح، وتجهيز الغزاة، ونحو ذلك. (١) ابن ماجه (٢٨٠١)، البخاري (١٥٢٠). ٣٣٨) توضيح الأحكام من بلوغ المرام وأما النفس: فبمباشرة القتال للقادر عليه، والمؤهل له. وأما اللسان: فبالدعوة إلى دين الله تعالى ونشره، والذود عن الإسلام، ومجادلة الملاحدة، والرد عليهم، وبث الدَّعوة بكل وسيلة من وسائل الإعلام، لإقامة الحجة على المعاندين . ٥- بناءً على أنَّ الجهاد يكون باللسان، فإعطاء الزكاة في الدَّعوة إلى الله تعالى من مصرف «في سبيل الله)). ٦- كما يدل الحديث رقم (١٠٩٥) على وجوب الجهاد، والجهاد من فروض الكفايات إذا قام به من يكفي، سقط عن الباقين؛ لقوله تعالى: ﴿﴿ وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُواْ كَافَّةٌ فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَآَيِفَةٌ لِيَنَفَقَّهُواْ فِ (١٢٢)﴾ [التوبة]. الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ! ٧- إنما يكون فرض عين في ثلاثة مواضع : (أ) إذا حضر صف القتال، وقابل المسلمون عدوّهم، قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا لَقِتُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ زَحْفًا فَلَا تُوَلُوهُمُ الْأَدْبَارَ (3) وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَيِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفَا لِقِنَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَآءَ بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ وَمَأْوَنُهُ ﴾ [الأنفال]. ١٦ جَهَنَّمٌ وَبِئْسَ المُصِيرُ (ب) إذا استنفره الإمام؛ حيث لا عذر له، قال تعالى: ﴿ مَالَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُ أَنِفِرُ واْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ أَنَّا قَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ﴾ [التوبة: ٣٨]. (ج) إذا حضر بلده عدو احتيج إليه؛ لأنَّ دفع العدو من التعاون على البر والتقوى، قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبِّ وَاَلنَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢]. ٨- ويدل حديث رقم (١٠٩٦) على أنَّ مباشرة الجهاد، وقتال الأعداء ليست مشروعة في حق النساء؛ لما هنَّ عليه غالبًا من ضعف البدن، ورِقة القلب، وعدم تحمل الأخطار، ولا يمنع ذلك قيامهن بعلاج الجرحى، وسقي العطشى، ونحو ذلك من الأعمال. -------- ٣٣٩) كتاب الجهاد فقد جاء في الصحيح من حديث أم عطية قالت: غزوت مع رسول الله وَال سبع غزوات، أخلفهم في رحالهم، فأصنع لهم الطعام، وأداوي الجرحى، وأقوم على المرضى. ٩ - الجهاد واجب: فهو إما فرض كفاية، أو فرض عين في حق الرجال. ١٠- تشبيه الحج والعمرة بالجهاد بجامع الأسفار، والبعد عن الأوطان، ومفارقة الأهل، وخطر الأسفار، وتعب البدن، وبذل الأموال. ١١- وجوب الجهاد على القادر عليه؛ حيث شبّه بالحج والعمرة، الواجبين على المسلم القادر . ١٢ - الأحاديث الثلاثة اشتركت في بيان فضل الجهاد في سبيل الله تعالى، وقد جاءت النصوص الكثيرة، في فضله وعِظم ثوابه . قال تعالى: ﴿﴿إِنَّ اللَّهَ أُشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةً يُقَائِلُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ١١١]. وقال تعالى: ﴿لَّا يَسْتَوِى الْقَعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِ الضَّرَرِ وَالْمُجَهِدُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَلِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَهِدِينَ بِأَمْوَلِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْفَعِدِينَ دَرَجَةٌ﴾ [النساء: ٩٥]. وقال تعالى: ◌َْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَتُجَهِدُونَ بَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَِةٍ نُجِيكُم ◌ِّنْ عَذَابٍ أَلِيم [الصف] الآية . ١١ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمَّوَلِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌلَّكُمْ إِن كُمْنَعْلَمُونَ والأيات في هذا الباب كثيرة. وأما الأحاديث، فمنها : ما رواه الشيخان عن أبي ذر قال: قلتُ: يا رسول الله، أي العمل أفضل؟ قال: ((الإيمان بالله، والجهاد في سبيله)). وجاء في الصحيحين أيضًا من حديث أنس؛ أنَّ رسول الله وَّهِ قَالَ: ((لغَدْوَة في سبيل الله، أو رَوْحَة خير من الدنيا، وما فيها)). والأحاديث في هذا كثيرة جدًّا. ٣٤٠ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ** قرار المجمع الفقهي الإسلامي بشأن إخراج الزكاة للجهاد في سبيل الله: أصدر المجمع الفقهي الإسلامي برابطة العالم قرارًا بتاريخ ٧/ ١٤٠٥/٢ هـ وجاء فيه ما نصه: نظرًا إلى أنَّ القصد من الجهاد بالسلاح هو إعلاء كلمة الله تعالى، ونشر دينه بإعداد الدعاة ودعمهم ومساعدتهم على أداء مهمتهم، فيكون كلا الأمرين جهادًا. ونظرًا إلى أنَّ الإسلام محارَب بالغزو الفكري والتصدي من الملاحدة واليهود والنصارى وسائر أعداء الدين، وأنَّ لهؤلاء من يدعمهم الدعم المادي والمعنوي، فإنَّه يتعيّن على المسلمين أن يقاتلوهم بمثل السلاح الذي يغزون به الإسلام . ونظرًا إلى أنَّ الحروب في البلاد الإسلامية أصبح لها وزارات خاصة بها، ولها بنود مالية في ميزانية كل دولة، بخلاف الجهاد بالدَّعوة، فإنَّه لا يوجد له في ميزانيات غالب الدول مساعدة ولا دعوة. لذلك كله، فإنَّ المجلس قرَّر بالأكثرية دخول الدعوة إلى الله، وما يعين عليها: وبدعم أعمالها في معنى في سبيل الله في الآية الكريمة. هذا وصلى الله وسلم على نبينا محمَّد وآله وصحبه أجمعين . * فائدة: نلخصها من رسالة للشيخ عبدالرحمن حَبنَّكة في ((الجهاد)) : قال حفظه الله: ((اتَّخذ أعداء الإسلام محاولات ذكية ماكرة لإلغاء الجهاد في سبيل الله من واقع المسلمين، عن طريق تحريف مفاهيم الإسلام، ونزع سند قوته، فوجهوا جهودهم لإزالة قوة الإيمان بالله من نفوس المسلمين، فوضعوا مكان ذلك قوى صورية مدوية، فكان بدل الاعتماد على الله الغرور بالنفس، والاعتماد على إمدادات الدول الطامعة، ذات المصالح الشخصية، وأحلوا محل ذكر الله تعالى عبارات الإلحاد والعنصرية والطبقية، وفرَّقوا صفوف المسلمين، وأفسدوا بين قادتهم، ففقدت الجيوش المسلمة بذلك عناصر قوتها