النص المفهرس

صفحات 21-40

٢١
كتاب النكاح - باب الرضاع
٦ - قوله: ((يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب)).
قال شيخ الإسلام: ((إذا ارتضع الطفل من امرأةٍ خمس رضعات في
الحولين قبل الفطام ـ صار ولدها باتفاق الأئمة، وصار ولد الرجل الذي در
اللبن بوطئه أبًا لهذا المرتضع، باتفاق الأئمة المشهورين، وصار كل من
أولادهما أخوة المرتضع؛ سواء أكانوا من الأب فقط، أم من المرأة، أم
منهما، ولا فرق - بالاتفاق - بين أولاد المرأة الذين رضعوا مع الطفل، وبين
من وُلِدَ لها قبل الرضاعة وبعدها. وصار أقارب المرضعة أقارب المرتضع،
فأولادها إخوته، وأولاد أولادها أولاد إخوته، وآباؤها وأمهاتها أجداده
وجداته، وإخوتها وأخواتها أخواله وخالاته، وأقارب الرجل أقاربه من
الرضاعة، كأقارب أمه من الرضاعة.
وأما أقارب المرتضع من نسب، أو رضاع - فهم أجانب من أمه من
الرضاع، ومن أقاربها، فيجوز لإخوته من الرضّاع أن يتزوجوا بأخواته من
النسب، وبالعكس، وأما بنات أخواله وخالاته من الرضاع فحلال
للمرتضع، كما يحل له ذلك من النسب؛ وهذا كله متفق عليه بين العلماء)).

٢٢
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
٩٨٤ - وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ
اللهِوَّةُ: ((لا يُحَرِّمُ مِنَ الرَّضَاعِ إِلَّ مَا فَتَقَ الأَمْعَاءَ، وَكَانَ قَبْلَ الفِطَام)).
رَوَاهُ التِّرْ مِذِيُّ، وَصَخَحَهُ هُوَ وَالحَاكِمُ(١).
ســ
* درجة الحديث:
الحدیث صحیح.
أخرجه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح، وإسناده صحيح على
شرط الشيخين، وله شاهدٌ من حديث عبدالله بن الزبير مرفوعًا، أخرجه ابن
ماجه بإسنادٍ جيّدٍ، ورجاله كلهم ثقات رجال مسلم، غير ابن لهيعة وهو سيء
الحفظ، إلاّ في رواية العبادلة عنه، فإنه صحيح، وهذا منها.
وممن صحّح هذا الحديث ابن حبان، وابن القيم في كتابه ((زاد المعاد)).
* مفردات الحديث:
- لا يُحرِّم: بتشديد الراء المسكورة؛ أي: لا يكون سببًا في التحريم.
- فَتَق الأمعاء: بالفاء المثناة فوقية، فقاف في آخره، والفتق بمعنى: الشق،
والمراد: ما سلك فيها.
الأمعاء: جمع معى، بكسر الميم وفتحها: المَصِيْر، واحد المِصْران.
- الفِطَامِ: يُقال: فطمت المرضعُ الرضيعَ: فصلته عن الرضاع، فهي فاطمةٌ،
وهو فطيم ومفطوم، والاسم: الفِطَام، بكسر الفاء وفتح الطاء؛ وهو قطع
الولد عن الرضاع.
(١) الترمذي (١١٥٢).

٢٣
كتاب النكاح - باب الرضاع
٩٨٥ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - قَالَ: ((لاَ رَضَاعَ
إِلَّ فِي الحَوْلَيْنِ)): رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَابْنُ عَدِيٍّ، مَرْفُوْعًا وَمَوْقُوْفًا،
وَرَجَّحَا المَوْقُوْفَ(١).
* درجة الحديث:
الحدیث موقوف.
قال في ((التلخيص)): رواه الدارقطني من حديث عمرو بن دينار، عن ابن
عباس، وقال: تفرد به ابن جميل، عن ابن عيينة، وكان ثقةً حافظًا، وقال ابن
عدي: كان يغلط، قال البيهقي: الصحيح أنه موقوف.
وقال المؤلف: ((أخرجه الدار قطني، وابن عدي مرفوعًا وموقوفًا)).
ولكنهما رجَّحا الموقوف، ورجّح الموقوف أيضًا البيهقي وعبدالحق،
وابن عبدالهادي، والزيلعي، وهو الصواب.
أما ابن القيم فصحَّحه مرفوعًا في كتابه ((الهدي)) .
(١) الدارقطني (١٧٤/٤)، ابن عدي (٢٥٦٢/٧).

٢٤
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
٩٨٦ - وَعَنِ ابْنِ مَسْعُوْدٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ
اللهِ وَّ: ((لاَ رَضَاعَ إلاَّ مَا أَنْشَزَ العَظْمَ، وَأَنْبَتَ اللَّحْمَ)). أَخْرَجَهُ
أَبُودَاوُدَ(١) .
* درجة الحديث:
الحدیث ضعيف .
أخرجه أبوداود، وعند البيهقي من طريق الدار قطني عن النضر بن شميل،
عن سليمان بن المغيرة، عن أبي موسى الهلالي، عن أبيه، عن ابنٍ لعبد الله بن
مسعود، عن أبيه ابن مسعود؛ وهذا سند ضعيف لتسلسله بالمجاهيل.
* مفردات الحديث:
- أَنْشَزَ العظم: بفتح الهمزة، فنون، فشين معجمة، فزاي؛ أصل النشر: المكان
المرتفع، فإنشاز العظام معناه: نموها، وارتفاعها في الجسم.
-أنبت اللحم: نشأ علیه اللحم، وربا، وزاد.
* ما يؤخذ من الأحاديث:
١ - اقتضت حكمة الله - تعالى - أن حق المولود في الرَّضاع هو حولان كاملان؛
فقال تعالى: ﴿﴿ وَاُلْوَلِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنٍ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمّ الرَّضَاعَةٌ﴾
[البقرة: ٢٣٣].
قال الأستاذ سيد قطب: ((والله يفرض - أي: يجعل حقًّا - للمولود على
أمه ترضعه حولين كاملين؛ لأنه سبحانه يعلم أن هذه الفترة هي المثلى من
جميع الوجوه الصحية والنفسية للطفل ﴿لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾.
(١) أبو داود (٢٠٦٠).

٢٥
كتاب النكاح - باب الرضاع
وتثبت البحوث الصحية والنفسية اليوم أن فترة عامين ضرورية، لنمو الطفل
نموًّا سليمًا من الوجهتين: الصحية والنفسية، ولكن نعمة الله تعالى على
الجماعة المسلمة لم تنتظر بهم حتى يعلموا هذا من تجاربهم، فالله رحيم
بعباده، وبخاصة هؤلاء الصغار الضعاف المحتاجين للعطف والرعاية)).
٢- فالحديث رقم (٩٨٤): يدل على أنه لا يحرِّم من الرِّضاع إلاَّ ما وصل إلى
الأمعاء ووسَّعها، أما القليل الذي لم ينفذ إليها، ويفتقها، ويوسعها - فلا
يحرِّم، فكان الرضاع في حال الصغر قبل الفطام؛ وهو مذهب جمهور
العلماء .
٣- أما الحديث رقم (٩٨٥): فيدل على أن الرضاع الذي ينشر الحرمة، وَيحرُم
منه ما يحرم من النسب - هو الرضاع في الحولين - وهو موافقٌ للّآية
الكريمة: ﴿﴿ وَالْوَلِدَاتٌ يُرْضِعْنَ أَوْلَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنٍ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمِّ الرَّضَاعَةَ﴾ .
ج
٤ - أما الحديث رقم (٩٨٦): فيدل على أن الرضاع المعتبر شرعًا هو ما قوى
العظم، وشدّه، وأنبت اللحم، فَكُسِيَ به العظم، ولا يكون هذا إلاَّ في حال
الصغر .
٥ - الأحاديث الثلاثة متفقة على معنّى واحد؛ وهو أن الرضاع الذي ينشر الحرمة
هو ما تغذَّى به الجسم، واستفاد منه، وهو ما كان في زمن الصغر، وهو
وقت الرضاعة. والله أعلم.
* خلاف العلماء:
اختلف العلماء في الزمن المعتبر في التحريم: فذهب الأئمة الثلاثة :
مالك، والشافعي، وأحمد إلى: أن الرضاع المحرِّم هو الواقع في الحولين،
فإن زاد عنهما - ولو قليلاً جدًّا - لم تثبت به الحرمة .
ويروى هذا القول عن: عمر، وعلي، وابن عمر، وابن عباس، وابن

٢٦
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
مسعود، وأبي هريرة، وأزواج النبي ◌َّ سوى عائشة.
وإليه ذهب الشعبي، وابن شبرمة، والأوزاعي، وأبويوسف، ومحمد بن
الحسن، وأبو ثور.
ودليلهم على هذا: قوله تعالى: ﴿﴿ وَاُلْوَلِدَاتٌ يُرْضِعْنَ أَوْلَدَ هُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنٍ
لِمَنْ أَرَادَ أَن يُثِّ الرَّضَاعَةَ﴾، ولما في الصحيحين عن عائشة؛ أن النبي وَّ قال:
((إنما الرضاعة من المجاعة)).
وحديث أم سلمة؛ أن النبي ◌ُّ قال: ((لا يحرّم من الرضاع؛ إلاّ ما فتق
الأمعاء، وكان قبل الفطام)). [رواه الترمذي].
وذهب الإمام أبو حنيفة: إلى أن الرضاعة المحرِّمة هي ما كانت في ثلاثين
شهرًا؛ لقوله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَلُهُ ثَلَثُونَ شَهْرًا﴾، ولم يُرِدْ بالحمل حمل
الأحشاء؛ لأنه يكون سنتين، فعلم أنه أراد بالحمل في الفصال.
وذهب الإمام مالك في إحدى الروايتين عنه إلى: أن ما كان بعد الحولين
من رضاع بشهرٍ، أو شهرين، أو ثلاثة - فهو من الحولين، وما كان بعد ذلك فهو
عبثٌ.
وقال شيخ الإسلام: ((ثبوت المحرمية بالرضاع إلى الفطام، ولو بعد
الحولين، أو قبلهما، فالشارع أناط الحكم بالفطام؛ سواء أكان قبل الحولين،
أم بعده)). وهذا قول جيّد له حظّ من النّظرِ.

٢٧
كتاب النكاح - باب الرضاع
٩٨٧ - وَعَنْ عُقْبَةَ بنِ الحَارِثِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ -: ((أَنَّهُ تَزَوَّجَ
أُمَّ يَحْيَى بِنْتَ أَبِي إِهَابٍ، فَجَاءَتِ امْرَأَةٌ، فَقَالَتْ: قَدْ أَرْضَعْتُكُمَا،
فَسَأْلَ النَّبِيَّ وَلِِّ، فَقَالَ: كَيْفَ وَقَدْ قِيْلَ؟! فَفَارَقَهَا عُقْبَةُ، فَنَكَحَتْ
زَوْجًا غَيْرَهُ». أَخْرَجَهُ البُخَارِيُّ(١).
* مفردات الحديث:
- عُقْبة: بضم العين المهملة، وسكون القاف، وفتح الباء الموحدة: ابن
الحارث بن عامر بن عدي بن نوفل بن عبدمناف القرشي.
- أبي إهَاب: بكسر الهمزة، واسم المرأة: غنية بنت أبي إهاب.
- أرضعتُكُما: مزيد: رَضَعَ الصبي أمه يَرْضَعُهَا رَضَاعًا؛ قال تعالى: ﴿أَنْ يُتِمَّ
الرّضَاعَةَ﴾ فالصبي راضعٌ ورضيعٌ، وجمع الراضع: رُضِّعٌ، كراكع ورُكَّع،
ويجمع على رُضَّاع، ككافر وكفَّار.
- كيف: ظرف مبني على الفتح، وله عدة معانٍ: منها التعجُّب والإنكار، وهو
المراد هنا .
- وقد قيل: الجملة في موضع نصبٍ على الحال، والحالان يستدعيان عاملاً،
والتقدير: كيف تكون لها زوجًا، وقد قيل: إنك أخوها؟! أي أن ذلك بعيد.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - الحديث يدل على أن الرضاع يحرّم كما يحرم النسب، كما جاء في الحديث
الصحيح: ((يَحْرُم من الرضاع ما يحرم من النسب)».
(١) البخاري (٨٨).

٢٨
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
٢- أن الطفلين إذا رضعا من امرأة واحدة الرضاع - المحرّم -، فإنهما يصيران
أخوين من الرضاع.
٣- أن شهادة المرأة الواحدة بالرضاع هي نصاب الشهادة، فتكفي شهادتها
لإثباته .
٤- إذا ثبت الرضاع بين الزوج وزوجته، وجب التفريق بينهما؛ لأنها أصبحت
أخته من الرضاعة، ولا يحل بقاؤها معه بصفتها زوجته؛ فإن النبي وَلقة أنكر
على الرجل بقاءها معه.
٥- أن الوطء الناشئ عن الجهل بالأمر، أو الجهل بالحكم - وطء شبهة، لا
حرج على صاحبه، ويلحق الولد بوالديه.
٦ - أن عقد النكاح بين المحرمين في النكاح من الرضاعة - باطل من أساسه،
ومتفق على ذلك بين العلماء؛ لذا لم يحتج إلى فسخ، فهو غير منعقد من
أصله في حقيقة الأمر.
* خلاف العلماء:
ذهب الإمام أبو حنيفة إلى: أنه لا يقبل في الرضاع شهادة النساء منفردة،
فلابد من شهادة رجلين، أو رجل، وامرأتين؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَسْتَشْهِدُواْ
شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُمْ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَأَمْرَأَتَانِ﴾ .
وذهب الإمام مالك إلى: أنه لا يقبل إلاَّ شهادة امرأتين؛ وهو قول جماعة
من السلف؛ لأن كل جنس يثبت به الحق لا يكفي فيه إلاّ اثنان؛ كالرجال.
وذهب الإمام الشافعي إلى: أنه لا يقبل إلاّ أربع نسوة؛ لأن النبي وَلـ
قال: ((شهادة امرأتين بشهادة رجل)). [رواه مسلم].
وذهب الإمام أحمد وجماعة من السلف إلى: قبول شهادة المرأة الواحدة
إذا كانت ثقة؛ لحديث الباب.
وقال ابن القيم: ((إذا شهدت المرأة بأنها قد أرضعته وزوجته، فقد لزمته

٢٩
كتاب النكاح - باب الرضاع
الحجة من الله - تعالى- في اجتنابها، ووجب عليه مفارقتها؛ لقوله اَلجين: (دعها
عنك))، وليس لأحد أن يفتي بغيره)).
قال الشوكاني في ((نيل الأوطار)): ((الحق وجوب العمل بقول
المرضعة)) .
قال الصنعاني: ((وهذا الحكم مخصوص من عموم الشهادة المعتبر فيها
العدد، وقد اعتبر ذلك في عورات النساء، فاكتُفِيَ بشهادة امرأة واحدة، والعلة
أنه قلما يطلِّع الرجال على ذلك، فالضرورة داعية إلى اعتباره، فكذا هنا).

٣٠
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
٩٨٨ - وَعَنْ زِيَادِ السَّهْمِيِّ قَالَ: ((نَهَى رَسُولُ اللهِ وَ أَنْ
تُسْتَرْضَعَ الحَمْقَى)). أَخْرَجَهُ أَبُودَاوُدَ، وَهُوَ مُرْسَلٌ، وَلَيْسَتْ لِزِيَادٍ
صُحْبَةٌ(١).
* درجة الحديث:
-----
الحديث مرسل ضعيف؛ فقد رواه أبوداود في المراسيل - وليس في
السنن كما هو ظاهر كلام المصنف - بسنده إلى زياد بن إسماعيل المخزومي
المكي، وليست له صحبة.
قال في ((تهذيب التهذيب)): ((قال ابن معين: ضعيف، وقال يعقوب بن
سفيان: ليس حديثه بشيء)) .
وقال ابن المديني، وأبوحاتم، والنسائي: ((ليس به بأس)).
وعلى كلِّ فالحديث مرسل، والمرسل من أقسام الضعيف.
* مفردات الحديث:
------ ------
- تُسْتَرضع: يُطْلَب منها لتكون مرضعة للطفل الرضيع، وهناك فرقٌ بين المرضع
وبين المرضعة؛ ذلك أنه إن أُريد بها المرأة حال الإرضاع، وإلقام ثديها
الصبي - فهي المرضعة، وأما إن أُريد بها التي من شأنها أن ترضع، ولو لم
تباشر الإرضاع - فهي المرضع؛ وبهذا أجاب الزمخشري عن قوله تعالى:
يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ﴾ [الأنبياء: ٢].
- الحَمْقَاء: بفتح الحاء المهملة، ثم ميم ساكنة، منتهية بألف التأنيث الممدودة
-: قليلة العقل، ضعيفة البصيرة، جمعها: حَمْقَى وحُمُق.
(١) أبوداود في المراسيل (٢٠٧).
1 1 --------- ------ ----

٣١
كتاب النكاح - باب الرضاع
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - قال تعالى: ﴿﴿ وَاُلْوَلِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾؛
فلبن الأم في هذه السن للطفل هو الغذاء الملائم لحالة الطفل، وهو الغذاء
الذي يستفيد منه الطفل، ولا يستفيد من غيره من الأغذية الأخرى؛ لأنه
مجهّز ومصنَع من قبل حكيم خبير، عليم بحال الطفل، وما يناسبه في هذه
السن .
٢- لذا جاءت الأحاديث الشريفة بتحديد الزمن الذي يصلح أن يستفيد جسم
الطفل من الرضاع؛ فقال ◌َله: ((لا رضاع إلاَّ ما كان في الحولين)). [رواه
الدار قطني]، وجاء في الصحيحين من حديث عائشة؛ أن النبي وَليل قال:
((إنَّما الرضاعة من المجاعة)).
٣- كما جاءت أحاديث أُخَر تفيد أنَّ الرضاع المؤثر المحرم هو ما كان غذاءً
للطفل، ولا غذاءَ غيره ؛ من حيث إنه لبن امرأةٍ، ومن حيث كميته، وقدره،
وتجهيزه، وتركيبه الرباني؛ فقال وَاللّ: ((لا تحرِّم المصة، ولا المصتان))
[رواه البخارى]
وقال وَلّ: ((لا تحرِّم الرضعة، ولا الرضعتان)). [رواه مسلم].
وقال ◌َّ: ((لا رضاع إلاَّ ما أنشز العظم، وأنبت اللحم)). [رواه أبوداود].
وقال ◌َيّ: ((لا يحرم من الرضاع إلاَّ ما فتق الأمعاء، وكان قبل الفطام)).
[رواه الترمذي وصححه الحاكم].
٤ - كل ما تقدم قد سقناه لبيان أن الرضاع الكثير في هذه السن المبكرة له دورٌ
كبيرٌ في تنشئة الطفل، وبناء جسمه، فهذا الغذاء يتحول بإذن الله إلى طاقات
مختلفة في الجسم، ومنها الطاقة العقلية والفكرية .
٥- من هذا جاء النهي عن استرضاع المرأة الحمقاء؛ قال الدكتور الطبيب محمد
علي البار: ((مما لا ريب فيه أن المرضع تؤثر على الوليد بأخلاقها،

٣٢
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
وخطورة جعل الرضيع في يد حمقاء، قد يؤدي إلى إهماله، أو قتله خطأ،
كما يؤدي إلى تكرر الحوادث، والسقوط، والارتطام.
قال أصحاب الطب الحديث عن فوائد رضاع لبن الأم أو المرضعة :
(أ) لبن الأم معقم مجهزة، ليس فيه ميكروبات.
(ب) لبن الأم لا يماثله اللبن المحضر، فقد ركب على أساس حاجات
الطفل يومًا بعد يوم، منذ ولادته حتى سن الفطام.
(جـ) لبن الأم يحتوي على كميات كافية من عناصر الغذاء، بنسب تناسب
الطفل تمامًا .
(د) تقول التقارير الصحية العالمية لعام (١٩٨٠ م): إن أكثر من عشرة ملايين
طفل، قد ماتوا نتيجة عدم إرضاعهم من أمهاتهم.
(هـ) في الإرضاع ارتباط نفسي وعاطفي بين الأم وطفلها)).
وذكر الأطباء أشياء كثيرة من فوائد الرضاع، دون الحليب الذي
تجهزه المصانع بعلوم قاصرة، وأفكار ضعيفة، والله علیم حکیم.
--
۔

٣٣
كتاب النكاح - باب النفقات
باب النَّفَقات
مقدّمة
النفقات: جمع نفقة؛ كثمرة.
قال ابن فارس: ((النون والفاء والقاف أصلان صحيحان، يدل أحدهما
على انقطاع شيء وذهابه، والنفقة من هذا؛ لأنها تمضي لوجهها)).
والنفقة: الدراهم ونحوها من الأموال.
وشرعًا: هي كفاية من يمونه: طعامًا، وكسوةٌ، ومسكنًا، وتوابعها.
والنفقات أصناف:
- نفقة الزوجات.
- نفقة الأقارب .
- نفقة المماليك من رقيق وحيوان .
والنفقة ثابتة بالكتاب: قال تعالى: ﴿ لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِةِ،﴾ [الطلاق: ٧].
والسنة: الحديث: ((ابدأ بمَن تعول))، وغيره.
وأجمع العلماء على وجوبها في الجملة؛ فتجب على الإنسان: نفقة
نفسه، ونفقة زوجته، وبهائمه، مع اليسارِ، والإعسار.

٣٤
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
وتجب عليه نفقة فروعه وأصوله؛ سواء أكانوا وارثين، أم محجوبين،
وتجب علیه نفقة حواشیه، إذا کان یر ثهم بفرض، أو تعصیبٍ .
والنفقة على الأصول، والفروع، والحواشي، المقصود بها: المواساة؛
ولهذا اشتُرِط لها شرطان :
أحدهما: غنى المنفِق بماله، أو كسبه.
الثاني : فقر المنفَق عليه
والنفقة مقيّدة بالمعروف، ويختلف العرف باختلاف الأوقات، والبلدان،
والأحوال؛ قال تعالى: ﴿لِيُفِقْ ذُوسَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ، وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّآ ءَانَئُهُ
اُللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اَللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَآءَاتَنهَا﴾ [الطلاق: ٧].
وقال تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِى عَلَيْهِنَ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٢٨].
قال شيخ الإسلام: ((يدخل في هذا جميع الحقوق التي للمرأة عليه، وأن
مردَّ ذلك إلى ما يتعارفه الناس بينهم)) .

٣٥
كتاب النكاح - باب النفقات
-
٩٨٩ - عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا قَالَتْ: ((دَخَلَتْ هِنْدُ بِنْتُ
عُنْبَةَ امْرَأَةُ أَبِي سُفْيَانَ عَلَى رَسُوْلِ اللهِوَّةِ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ
أَبَ سُفْيَانَ رَجُلٌ شَحِيْعٌ، لاَ يُعْطِينِي مِنَ النَّفَقَةِ مَا يَكْفِينِي وَيَكْفِي بَنِيَّ،
إِلَّ مَا أَخَذْتُ مِنْ مَالِهِ بِغَيْرِ عِلْمِهِ، فَهَلْ عَلَيَّ فِي ذَلِكَ مِنْ جُنَاحِ؟ فَقَالَ:
(خُذِي مِنْ مَالِهِ بِالمَعْرُوفِ مَا يَكْفِيكِ، وَيَكْفِي بَنَيْكِ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١).
* مفردات الحديث:
- شَحِيح: على وزن فعيل، من صيغ المبالغة، ومعناه: كثير الشح، والشخُ هو
البخل، من الحرص، فهو أخصُّ من البخل، والحرص هو شدة الرغبة في
الشيء.
- جُنَاح: بضم الجيم المعجمة، هو الإثم.
- بالمعروف: يعني: العرف والعادة؛ وذلك يكون بحسب أحوال الناس،
وعاداتهم، وما يتعارفونه بينهم في زمانهم، ومكانهم، ويُشْرهم، وعسرهم.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - وجوب نفقة الزوجة والأولاد، وأنه يختص بها الأب، فلا تشاركه الأم فيها،
ولا غيرها من الأقارب.
٢- النفقة تقدَّر بحال الزوج، وحال المنفق؛ من حيث الغنى، والفقر، ووسط
الحال .
٣- أن النفقة تكون بالمعروف؛ ومعنى المعروف: العرف والعادة، وهذا
(١) البخاري (٥٣٦٤)، مسلم (١٧١٤).

٣٦
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
يختلف باختلاف الزمان، والمكان، وأحوال الناس.
٤- أن مَنْ وجبت عليه النفقة، فلم ينفق شخًّا، فإنه يؤخذ من ماله، ولو بغير
علمه؛ لأنها نفقة واجبٌ عليه .
٥- ومنه أن المتولي على أمرٍ من الأمور يُرْجَع في تقديره إليه؛ لأنه مُؤْتَمَن، فله
الولاية على ذلك.
٦ - اختلف العلماء؛ هل أمر النبي ◌َّ - هندًا حين سألته أن تأخذ من مال
زوجها - هو حكمٌ، فيكون من باب الحكم على الغائب، أم أنها فتوى؟
قال العلماء: ((إن هذه القصة مترددة بین کونها فتیا، وبین کونھا حُكْمًا،
وكونها فتيا أقرب؛ لأنه لم يطالبها ببينة، ولا استحلفها، وأبوسفيان في البلد
لم يغب عنه، والحكم لا يكون إلاَّ بحضور الخصمين كليهما)).
٧- ومنه أن هذه الشكاية وأمثالها لا تعتبر من الغيبة المحرمة؛ لأنها رفعت أمرها
إلى ولي الأمر، القادر على إنصافها، وإزالة مَظلمتها .
٨- ومنه جواز مخاطبة المرأة الأجنبية للحاجة، وعند الأمن من الفتنة.
٩- عموم الحديث يوجب نفقة الأولاد، وإن كانوا كبارًا، قال تعالى: ﴿وَعَلَى
المؤَلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالمعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٣].
١٠ - وفيه دليلٌ على أن من تعذر عليه استيفاء ما یجب له، فله أن يأخذه، ولو
على سبيل الخُفْية، ويسمّيها العلماء (مسألة الظَّفَر))، وهي مسألة خلافية،
أجازها الشافعي وأحمد، ومنعها أبو حنيفة ومالك، والراجح التفصيل؛
وذلك أنه إن كان سبب الحق واضحًا بيِّنًا، فله الأخذ؛ لانتفاء الشبهة فيه،
وإن كان السبب خفيًّا، فلا يجوز؛ لئلا يتهم بالآخذ بالاعتداء على حق
الغير .

٣٧
كتاب النكاح - باب النفقات
٩٩٠ - وَعَنْ طَارِقِ المُحَارِبِيِّ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: قَدِمْنَاَ
المَدِيْنَةَ، فَإِذَا رَسُولُ اللهِ نَّهِ قَائِمٌ عَلَىُ المِنْبَرِ، يَخْطُبُ النَّاسَ،
وَيَقُولُ: ((يَدُ المُعْطِي العُلْيَا، وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ: أُمَكَ وَأَبَاكَ، وَأُخْتَكَ
وَأَخَاكَ، ثُمَّ أَدْنَاكَ، فَأَدْنَاكَ)). رَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَصَخَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ،
وَالدَّارَقُطْنِيُّ (١).
# درجة الحديث: الحدیث حسن.
وأصله في الصحيحين، فأوله من حديث حكيم بن حزام؛ أن النبي
صَهَلَى اللّه
وَستَّة
قال: ((اليد العليا خير من اليد السُّفْلى، وابدأ بمن تعول))، وأما آخره فقد جاء
في الصحيحين من حديث أبي هريرة: ((أن رجلاً أتى النبي وَّ فقال: من أَبِرّ
يا رسول الله؟ فقال: أمك، ثم قال: مَن؟ قال: أمك، ثم قال: من؟ قال:
أمك، ثم قال: مَن؟ قال: أباك)). قال بعضهم: ((رواته كلهم ثقات، وله شاهد
من حديث ابن مسعود عند الطبراني، وقد حسَّنه المنذري)).
* مفردات الحديث:
- وابدأ: من : بدأت الشيء أبدؤه بدأ، بهمز لكل؛ أي: ابتدئ بالإنفاق على
مَن یجب علیك نفقته .
- تَعُول: من: عاله عولاً: كفله، وقام به، والعيال: أهل البيت، ومن يمونه
الإنسان، الواحد: عَيِّل، والجمع: عيال: ومنه الحديث: ((الخلق عيال الله)).
والذين تعولهم هم مَن تُنْفِق عليهم .
- أُمَّك وأباك: نصب بفعل مقدر؛ أي: الزمهم بالإنفاق عليهم.
(١) النسائي (٦١/٥)، ابن حبان (٨١٠)، الدار قطني (٤٤/٣).

٣٨
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
- أدناك فأدناك: أي: أقربك، فأقربك.
ما يؤخذ من الحديث:
١ - في الحديث بيان فضل المنفِق والمتصدق، وأن يده هي العليا حسًا ومعنًى؛
فالمنفق يده عالية على يد الآخر في القبض، وهي عالية عليها في شرفها
وفضلها، وإحسانها .
٢ - تجب البداءة بالنفقات الواجبة بالنفس، ثم الزوجة، ثم الفروع، ثم
الأصول، ثم المماليك.
٣- النفقة على النفس هي الأولى، ثم مَن تجب نفقتهم مع اليسار والإعسار؛
وهم الزوجة والمماليك، والبهائم، ثم مَن تجب نفقتهم، ولو لم يرثهم
المنفِق من الأصول والفروع، ثم نفقة الحواشي، إذا كان المنفِق يرثهم
بفرض، أو تعصیب .
٤- الحديث فيه تقديم الأم، ثم الأب، ثم الإخوان، ثم الأقرب، فالأقرب على
حسب درجاتهم في الإرث والقرب؛ قال تعالى: ﴿وَءَاتِ ذَا الْقُرْبَ حَقَّهُ ﴾
[الإسراء: ٢٦]، فكل قريب له على قريبه حق، والحقوق متفاوتة.
٥- يشترط لوجوب نفقة القريب من أصول، وفروع، وحواشٍ - غنى المنفق
وفقر المنفَق عليه، وفي الحواشي ما تقدم من إرث المنفِق منهم بفرض، أو
تعصيب؛ قال تعالى: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٣٣].
٦ - قال القاضي عياض: ((الحديث فيه)) أن الأم أحق من الأب بالبر؛ وهو
مذهب جمهور العلماء)) .
خلاف العلماء:
أجمع العلماء على وجوب نفقة الأقارب في الجملة، واختلفوا في مدار
هذه النفقة :
فذهب الإمام مالك إلى: أنها لا تجب إلاَّ للأب والأم، دون الأجداد

٣٩
كتاب النكاح - باب النفقات
والجدات وإن علوا، وتجب للفروع وإن نزلوا؛ سواء أكانوا من الوارثين، أم
من غير الوارثين، حتى ذوي الأرحام منهم.
وذهب أبو حنيفة إلى: ثبوت النفقة للأصول، والفروع، والحواشي،
ولكن رخّص في وجوب الإنفاق على ذوي القرابة المحارم، بقطع النظر عن
الميراث.
وذهب الإمام أحمد إلى: وجوب النفقة على الأصول والفروع؛ سواء
أكانوا وارثين، أم غير وارثين، وفي الحواشي الذين يرثهم المنفق بفرض، أو
تعصیب .
واستدل مالك على وجوب نفقة ولد الصلب -: بقوله تعالى: ﴿وَعَلَى
المؤَّلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٣].
وعلى حق الأب والأم بقوله تعالى: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [البقرة: ٨٣].
ومن الأحاديث: بقوله ◌َّ: ((خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف)).
وقوله : ((إن أطيب ما أكلتم من كسبكم، وإن أولادكم من كسبكم))،
وغيرها من الأدلة.
واستدل الثلاثة على وجوب النفقة على عموم عمودي النسب -: بأن ولد
الولد ولد، وأن الأجداد آباء وإن بعدوا؛ قال تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِىّ
أَوْلَدِ كُمْ﴾ [النساء: ١١] يدخل فيهم ولد البنين، وقال تعالى: ﴿قِلَّةَ أَبِكُمْ
إِبْرَهِيمٌ﴾ [الحج: ٧٨] وهو جدهم.
وفضلاً عن ذلك، فإن بينهما قرابة توجب النفقة، وردّ الشهادة، فيسري
حكم وجوب النفقة .
أما القرابة من غير عمودي النسب: فدليل وجوب النفقة عليهم قوله
تعالى: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، وأنَّ الله تعالى ورسوله أمرا
بصلة الرحم، ونَهَيا عن قطعها، وله أحكام من حيث ولاية النكاح، وغير ذلك

٤٠
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
من الأحكام.
قال ابن القيم: ((إن مذهب أحمد أوسع من مذهب أبي حنيفة، ومذهب
أحمد هو الصحيح في الدليل، وهو الذي تقتضيه أصول أحمد، ونصوصه،
وقواعد الشرع، وصلة الرحم التي أمر الله أن توصل)).
قال الدكتور عبدالعزيز عامر: ((ومذهب أحمد هو أعدل المذاهب؛
بالنسبة لغير نفقة الأصول على فروعهم، والفروع على أصولهم؛ لأنه جعل
مناطها الميراث، وهذا المعيار أولى إلى القبول، وأقرب إلى العدالة)).
وأجمع العلماء في الجملة على عدم سقوط نفقة الزوجة بمضي الزمن؛
لأنها نفقة واجبة في حال الإعسار، واليسار؛ ولأنها معاوضة.
قال ابن المنذر: ((هذه نفقة وجبت بالكتاب، والسنة، والإجماع)).
واتفقوا أيضًا على: سقوط نفقة القريب بمضي الزمن، على اختلاف يسير
بينهم في التفريعات، وحجتهم على سقوطها ما يأتي :
أولاً: أن نفقة الأقارب تجب باعتبار الحاجة، وهي صلةٌ محضةٌ، فلا يتأكد
وجوبها إلاَّ بالقبض، أو ما يقوم مقامه، ومادام الأمر كذلك، فإذا مضت
المدة، ولم تقبض، فإنه بمضيّ المدة يحصل الاستغناء عن هذه النفقة،
بالنسبة للمدة الماضية؛ لأن الحاجة قد اندفعت بمضيّها، فلا يكون لهذه
النفقة محل، ولا موجب، فتسقط .
ثانيًا: أن نفقة القريب مبنية على مجرد المواساة؛ لسد الخلة، وإحياء النفس،
وهذا قد حصل فعلاً فيما مضى من المدة، بدون أن يدفع النفقة، فلا
تبقى، وتسقط .
أما الزوجة: فإن النفقة وجبت مقابل الاستمتاع بها، أو حبسها على
عشرته؛ ولذا تجب مع اليسار والإعسار، وهي بذلك تَحْمِل معنى
المعاوضة، وما دامت كذلك، فلا يؤثر فيها مضي الزمن.