النص المفهرس

صفحات 1-20

توضِيُ الأحكامِ
رام
◌ُلوُع الرَـ
تَأليفُ
رَاجِيْ عَفورَبّه
عَبْدالشر بْن عَبد الرحمن البَسَّام
غفر الله له ولوالديه ولمسلمين
طبعة مصحَّة وَمَحقّقّة وَفِيهَا زَيَادَات حَامَّة
الجزء السّادِس
مكتَبَة الأَدي
مكّة المكرّمة

جميع حقوق الطبع محفوظة للمؤلف
الطبعَة الخامِسَة
مُصَحَّحَة وَحَقّقَة وَفِيهَا زيَادَاتِ هَامَّة
١٤٢٣هـ - ٢٠٠٣م
مَكتَبَةُ الأُسَدي
مَكّة المكرّمة - العزيزِيَّةِ - مَدَخَل جَامِعَة أم القُرَى
هاتف: ٥٥٧٠٥٠٦ - فاكس: ٥٥٧٥٢٤١
صَ. بَ: ٢٠٨٣

٣
كتاب النكاح - باب الرضاع
باب الرضاع
مقدمة
الرِّضاع: بفتح الراء وكسرها، مصدر: رضع الثدي؛ إذا مصَّه .
وتعريفه شرعًا: مص لبن ثاب عن حملٍ، أو شربه.
وحكم الرضاع ثابتٌ: بالكتاب، والسنة، والإجماع، ونصوصه مشهورة.
ففي الكتاب العزيز: قال تعالى: ﴿وَأُمَّهَتُكُمُ الَّتِىَّ أَرْضَعْنَكُمْ
وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَعَةِ﴾ [النساء: ٢٣].
وفي السنَّة: ما جاء في الصحيحين، من حديث ابن عباس؛ أنَّ النَّبِيَّ وَيه
قال: ((يَحْرُم من الرَّضاع ما يحرم من النَّسب)).
وأجمع العلماء على أثره في تحريم التناكح والمحرمية، وجواز النظر
والخلوة، لا وجوب النفقة، والتوارث، وولاية النكاح.
وحكمة هذه المحرمية والصلة ظاهرة؛ فإنَّه حين تغذى الرضيع بلبن هذه
المرأة، نبت لحمه عليه؛ فكان كالنسب له منها .
ولذا كره العلماء استرضاع الكافرة، والفاسقة، وسيئة الخلق، أو من بها
مرض مُعْدٍ؛ لأنَّه يسري إلى الولد.
واستحبوا أنْ يختار المرضعة الحسنة الخَلْقِ والخُلُق؛ فإنَّ الرَّضاع يغيِّر
الطباع .

٤
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
والأحسن ألاَّ ترضعه إلاَّ أمه؛ لأنَّه أنفع وأَمْرَأُ، وأحسن عاقبة من اختلاط
المحارم، التي ربما توقع في مشكلات زوجية.
وقد حثَّ الأطباء على لبن الأم، لا سيّما في الشهور الأُوَل.
وقد ظهرت لنا حكمة الله الكونية، حين جعل غذاء الطفل من لبن أمه
بالتجارب، وبتقارير الأطباء ونصائحهم.
قال الدكتور الطبيب محمد بن علي البار: ((وللرضاع فوائد عظيمة))،
وَمن فوائده الصحية: ما جاء في قوله تعالى: ﴿﴿ وَاُلْوَلِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ
كَامِلَيْنٍ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة: ٢٣٣].
فيقرر المولى تعالى حق الطفل في الرضاعة، ويوجه الوالدين إلى أنْ
يتشاورا في أمر وليدهما، ويربط ذلك بالتقوى، وبعد مضي أربعة عشر قرنًا من
نزول الآية الكريمة، نادت المنظمات الدولية، والهيئات العالمية؛ مثل هيئة
الصحة العالمية، التي تصدر البيان تلو البيان، تنادي الأمهات أنْ يرضعن
أولادهنَّ، بينما أمر الإسلام به منذ أربعة عشر قرنًا من الزمان.
فمن فوائد الرَّضاعة للوليد :
١ - لبن الأم معقّم، جاهز، ليس به میکروبات.
٢- لبن الأم لا يماثلة أيُّ لبن محضَّر؛ من البقر، أو الغنم، أو الإبل، فقد صُمِّم
وَرُكِّب؛ ليفي بحاجات الطفل يومًا بعد يوم، منذ ولادته حتى سن الفطام.
٣- يحتوي لبن الأم على كميات كافية من البروتين، والسكر، بنسب تناسب
الطفل تمامًا، بينما البروتينات الموجودة في لبن الأبقار، والأغنام،
والجواميس عسيرةُ الهضم على معدة الطفل؛ لأنَّها أُعدت لتناسب أولاد
تلك الحيوانات .
٤- نمو الأطفال الَّذين يرضعون من أمهاتهم أسرع وأكمل، من نمو أولئك
الأطفال الَّذين يُعْطَوْن القارورة.
--

٥
كتاب النكاح - باب الرضاع
٥- تقول تقارير هيئة الصحة العالمية لعام ١٩٨٨ م: إنَّ أكثر من عشرة ملايين
طفل قد لَقَوْا حتفهم؛ نتيجة عدم إرضاعهم من أمهاتهم .
٦ - الارتباط النفسي والعاطفي بين الأم وطفلها .
٧- يحتوي لبن الأم على العناصر المختلفة الضرورية لتغذية الطفل، وفق الكمية
والكيفية، وعناصر التغذية الثابتة، وتتغير يومًا بعد يوم، وفق حاجات
الطفل .
٨- يُحفظ لبن الأم تحت درجة من الحرارة معقولة، يستجيب تلقائيًّا لحاجيات
الطفل، ويمكن الحصول عليه في أي وقت.
٩- الإرضاع من الثدي هو أحد العوامل الطبيعية لمنع حمل الأم؛ وهي وسيلة
تمنع من المضاعفات التي تصحب استعمال حبوب منع الحمل، أو اللولب،
أو الحقن)).
وذكر الدكتور أشياء كثيرة من الفوائد، نكتفي منها بهذا القدر، ولا نملك
[النمل].
٨٨
إلاَّ أن نقول: ﴿صُنْعَ اَللَّهِ الَّذِىّ أَنْقَنَ كُلَّ شَىْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ

٦
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
٩٧٨ - عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: قَالَ رَسُوْلُ اللهِ
وَّة: ((لاَ تُحَرِّمُ المَصَّةُ، وَالمَصَّتَانِ)). أَخْرَجَهُ مُسْلِمُ(١).
* مفردات الحديث:
- لاَ تُحَرِّم: من التحريم.
- المصَّة: بفتح الميم، وتشديد الصاد المهملة؛ هي الواحدة من المص، يقال:
مصَّ اللبن يمصُّه مصًا: رشفه وشربه شربًا رقيقًا، مع جذب نَفَسٍ .
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - الرَّضاع المؤثِّر بانتقال نفعه من المرضعة إلى الرضيع - هو ما أنشز العظم،
وأنبت اللحم، وأمَّا المصَّة والمصَّتان: فلا أثر لهما في تكوين الطفل؛ لذا لم
يكنْ لهنَّ تأثيرٌ في الحكم.
٢ - الحديث يدل على أنَّ المصَّة والمصتين لا تحرمان؛ لأنَّهما يسيرتان،
والمسألة فيها أقوال للعلماء، وخلافات بينهم، سيأتي تحقيقها، إنْ شاء الله
تعالی .
٣- مفهوم الحديث: أنَّ الرضاع الكثير يحرِّم، وسيأتي شرح حديث: ((يحرم من
الرَّضاعة ما يحرم من النسب)»، إنْ شاء الله تعالى.
٤- عدم تحريم المصَّة والمصتين؛ فلا يكون التحريم إلاَّ بخمس رضعات؛
لحديث عائشة الآتي قريبًا، إن شاء الله تعالى.
(١) مسلم (١٤٥٠).

٧
- (
كتاب النكاح - باب الرضاع
٩٧٩ - وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: قَالَ رَسُوْلُ اللهِ
وَهُ: ((انظُرْنَ مَنْ إِخْوَانُكُنَّ؟ فَإِنَّمَا الرَّضَاعَةُ مِنَ المَجَاعَةِ)). مُتَّفَقٌ
عَلَيْهِ(١) .
* مفردات الحديث:
- انْظُرْنَ: النظر هنا بمعنى: التفكير، والتأمل، والتدبر؛ فهو أمر بإمعان
التحقيق، والتأكد البالغ في شأن الرَّضاع؛ هل هو ممَّا يوجب التحريم؟
- من: استفهامية، محلها النصب؛ لأنَّها مفعول به .
- فإنَّما الرضاعة: ((الفاء)) فيه للتعليل؛ لقوله: ((انظرن من إخوانكنَّ))؛ يعني
ليس كلّ من رضع معكن صار أخًا لَكُنَّ، بل شرطه أنْ يكون من المجاعة.
- الرَّضاعة: مصدر؛ رضع رضاعًا؛ وهو مص اللبن الَّذي ثاب عن حمل من
ثدي المرضعة .
- المَجَاعة: بفتح الميم والجيم: خلو المعدة من الطعام؛ قال أبو عبيد: معناه:
أن الَّذي إذا جاع كان طعامه الَّذي يشبعه اللبن من الرضاع، هو الّذي يثبت
الحرمة .
(١) البخاري (٢٦٤٧)، مسلم (١٤٥٥).

٨
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
٩٨٠ - وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: جَاءَتْ سَهْلَةُ
بِنْتُ سُهَيْلٍ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ! إِنَّ سَالِمًا مَوْلَى أَبِي ◌ُذَيْفَةَ مَعَنَا فِي
بَيِِّنَا، وَقَدْ بَلَغَ مَا يَبْلُغُ الرِّجَالُ فَقَالَ: ((أَرْضِعِيهِ، تَحْرُمِي عَلَيْهِ)) رَوَاهُ
مُسْلِمُ(١).
ما يؤخذ من الحديثين:
*
١- يأمر ◌َّ بالتحقيق في أمر الرَّضاعة، هل هو الرضاع الصحيح المحرِّم الواقع
في زمن الرَّضاع المشتَرَط؟
فإن الحكم هو للرضاع الذي ينبت به اللحم، وينشز منه العظم، وتثبت
به الحرمة، وذلك حينما يكون الرضيع طفلاً يسد اللبنُ جوعَهُ، وينبت عليه
لحمه، فيصير جزءًا من المرضعة، فيشترك في الحرمة مع أولادها.
٢ - أما الحديث رقم (٩٨٠) فيفيد أن رضاع الكبير يفيد، وأن له أثرًا، وأنه يفيد
من المحرمية والأحكام ما يفيده رضاع الصغير، وسيأتي تحقيق الخلاف في
ذلك إن شاء الله تعالى .
خلاف العلماء:
#
اختلف العلماء في وقت الرَّضاع الذي يتعلق به التحريم، ولهم في ذلك
أقوال، ولكن الذي يصلح للبحث والمناقشة، ويستند حكمه إلى الأدلة - أربعة
مذاهب هي :
الأول: أن الرَّضاع المعتبر، هو ما كان في الحولين فقط .
(١) مسلم (١٤٥٣).

٩
كتاب النكاح - باب الرضاع
الثاني : هو ما كان في الصغر، ولم يقدروه بزمان.
الثالث: أن الرضاع يحرم؛ ولو كان للكبير البالغ، أو الشيخ.
الرابع: أن الرضاع لا يكون محرِّمًا إلاَّ لمن كان في الصغر، إلاَّ إذا دعت الحاجة
إلى إرضاع الكبير، الذي لا يُستغنى عن دخوله، وَيُشقّ الاحتجاب منه.
فذهب إلى الأول: الشافعي، وأحمد، وصاحبا أبي حنيفة: أبويوسف
ومحمد بن الحسن، وصح عن عمر، وابن مسعود، وأبي هريرة، وابن عباس،
وابن عمر، وروي عن الشعبي، وهو قول سفيان، وإسحاق، وابن المنذر.
واستدلوا على ذلك بقوله تعالى: ﴿﴿ وَاُلْوَلِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ
كَامِلَيْنٌّ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُثِّ الرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة: ٢٣٣] فجعل تمام الرضاعة حولين، فلا
حکم لما بعدهما؛ فلا يتعلق به تحریم.
وحديث: ((إنما الرضاعة من المجاعة)) المتقدم، ومدة المجاعة هي ما
كان في حولين .
وما رواه الدارقطني بإسناد صحيح، عن ابن عباس يرفعه: ((لا رضاع إلاَّ
ما كان في الحولین)).
وفي سنن أبي داود من حديث ابن مسعود يرفعه: ((لا يحرم من الرّضاع
إلاَّ ما أنبتَ اللحم، وأنشزَ العظم)) .
ورضاع الكبير لا يُنبت اللحم، ولا ينشز العظم.
وذهب إلى القول الثاني: أزواج النبي ◌ُّ خلا عائشة، وروي عن ابن
عمر، وابن المسيب .
ودليل هؤلاء: ما في الصحيحين أنه وَالر قال: ((إنما الرضاعة من المجاعة))؛
حيث يقتضي عمومه، أن الطفل مادام غذاؤه اللبن فإنَّ ذلك الرَّضاع محرِّم،
وهو نظرٌ جيّدٌ، ومأخذه قويٌّ.
وذهب إلى القول الثالث: طائفة من السلف والخلف؛ منهم عائشة،

١٠)
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
ويروى عن: علي، وعروة، وعطاء، وقال به الليث بن سعد، وداود، وابن
حزم، ونصره في كتابه، ((المحلى))، ورد حجج المخالفين.
وكانت عائشة إذا أحبت أن يدخل عليها أحد من الرجال، أمرت أختها أم
كلثوم، أو بنات أخيها، فأرضعته.
ودليل هؤلاء: ما صحَّ عن النبي ◌َّ أن سهلة بنت سهيل قالت: يارسول
الله، إن سالمًا مولى أبي حذيفة معنا في بيتنا، وقد بلغ ما يبلغ الرجال، فقال:
((أرضِعيه، تحرمي عليه))؛ فكان بمنزلة ولدها من الرضاعة. [رواه مسلم].
وهذا حديث صحيح ليس في ثبوته كلام، ولكن أصحاب القول بالحولين
یجیبون عنه بأحد جوابين :
الأول: أنه منسوخ. ولكن دعوى النسخ تحتاج إلى معرفة التاريخ بين
النصوص، وليس هناك علم بالمتقدم منها، والمتأخر.
ولو كان منسوخًا، لقاله الذين يحاجّون عائشة في هذه المسألة،
ويناظرونها من أزواج النبي ◌َّر، وغيرهن.
الجواب الثاني: دعوى الخصوصية؛ فيرون هذه الرخصة خاصة لسالم
وسهلة، وليست لأحد غيرهما.
وتخريج هذا المسلك لهم: أنهم يقولون: جاءت سهلة شاكية متحرجة
من الإثم والضيق، لما نزلت ((آية الحجاب))، فرخَّص لها النبي وَّر، فكأنه
استثناها من عموم الحكم .
قالوا: ويتعين هذا المسلك، وإلاّ لزمنا أحد مسلكين: إما نسخ هذا
الحديث بالأحاديث الدالة على اعتبار الصغر في التحريم، أو نسخها به .
ولا يمكن هذا؛ لأننا لا نعلم تاريخ السابق منها واللاحق، وبهذا المسلك
نتمكن من العمل بالأحاديث كلها؛ فيكون هذا الحديث خاصًّا بـ((سالم))
و((سهلة))، وسائر الأحاديث لعامة الأمة.

١١) -
كتاب النكاح - باب الرضاع
وذهب إلى القول الرابع - وهو أن رضاع الكبير رخصة عامة لكل من هو
في مثل حال ((سهلة)) -: شيخُ الإسلام ابن تيمية، وجعله توسُّطًا بين الأدلة،
وجمعًا بينهما؛ حيث إن النسخ لا يمكن بين هذه النصوص؛ لعدم العلم
بالتاريخ .
والخصوصية لـ((سالم)) وحده لم تثبت، فتكون خصوصية في مثل مَن هو
في حال ((سالم)) وزوج أبي حذيفة؛ أنه يشق الاحتجاب عنه، ولا يُسْتَغنى عن
دخوله، والخلوة به .
ورجَّح هذا المسلك ابن القيم في ((الهدي))؛ فقال: ((وهذا أولى من
النسخ، ودعوى الخصوصية لشخص بعينه، وهذا أقرب إلى العمل بجميع
الأحاديث من الجانبين، وقواعد الشرع تشهد له، والله الموفق)).

١٢
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
٩٨١ - وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - أَنَّ أَفْلَحَ أَخَا أَبِي
القُعَيْس، جاءَ يَسْتَأْذِنُ عَلَيْهَا بَعْدَ الحِجَابِ، قَالَتْ: فَأَبَيْتُ أَنْ آذَنَ لَهُ،
فَلَمَّا جَاءَ رَسُولُ اللهِّهِ أَخْبَرَّتُهُ بِالَّذِي صَنَعْتُهُ، فَأَمَرَنِي أَنْ آذَنَ لَهُ عَلَيَّ،
وَقَالَ: ((إِنَّهُ عَمُّكِ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ(١).
* مفردات الحديث:
- القُعَيْس: بضمِّ القاف، وفتح العين المهملة، وسكون الياء آخر الحروف، ثم
سين مهملة -: تصغير قَعْس، واسم أبي القعيس: الجعد.
- يستأذن: أي: يطلب الإذن بالدخول.
(١) البخاري (٢٦٤٤)، مسلم (١٤٤٥).

١٣
كتاب النكاح - باب الرضاع
٩٨٢ - وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: ((كَانَ فِيْمَا أُنْزِلَ
مِنَ القُرْآنِ: عَشْرُ رَضَعَاتٍ مَعْلُوْمَاتٍ يُحَرَّمْنَ، ثُمَّ نُسِخْنَ بِخَمْسٍ
مَعْلُوْمَاتٍ، فَتُؤُفِّيَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ، وَهِيَ فِيْمَا يُقْرَأُ مِنَ القُرْآنِ)). رَوَاهُ
مُسْلِمُ(١).
* مفردات الحديث:
- نُسِحْنَ: النسخ لغةً: الإزالة والنقل، واصطلاحًا: رفع حكم شرعيٍّ، أو رفعُ
لفظه بدليلٍ من الكتاب والسنة .
- معلومات: متحققات ثابتات .
* ما يؤخذ من الحديثين:
١- وجوب التثبت من صحة الرَّضاع المحرِّم؛ لقوله ◌َّ ما معناه: يا عائشة،
انظرن، وتثبتن في الرضاعة؛ فإن منها ما لا يسبب المحرمية، فلابد من
رضاعة يَنْبُتُ منها اللحم، ويشتد بها العظم؛ وذلك أن تكون من المجاعة،
حين يكون الطفل محتاجًا إلى اللبن، فلا يتقوت بغيره، فیکون حينئذٍ
كالجزء من المرضِعة، فيصير كأحد أولادها؛ فتثبت المحرمية.
٢- احتياط المرأة الصالحة من مواجهة الأجانب، إلاّ بعد التأكد من صحة
محرمیته لها .
٣ - النبي ◌ٍَّ لم يَلَمْ، ولم يُنْكِر على عائشة تحريها واحتياطها، فلابد من ذلك.
٤ - أنه لابد أن يكون الرضاع في وقت الحاجة إلى تغذيته؛ فإن الرضاعة من
(١) مسلم (١٤٥٢).

١٤
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
المجاعة، ويأتي تحديد ذلك عددًا ووقتًا، والخلاف فيه إن شاء الله .
٥- والحكمة في كون الرضاع المحرِّم هو ما كان من المجاعة: أنه حین یتغذى
بلبنها محتاجًا إليه، يَشِبُّ عليه لحمه، وتقوى عظامه؛ فيكون كالجزء منها،
فيصير كولد لها تغذى في بطنها، وصار بضعةً منها .
٦ - أن الرضاع المحرِّم كان في أول الأمر عشر رضعات نزل بها القرآن، فنسخ
لفظه وحُكمه، إلى خمس رضعات يحرمن، توفي رسول الله وَ ل﴿ وهنَّ هكذا.
٧- قال البيهقي: ((فالعشر مما نسخ رسمه وحكمه من القرآن، والخمس مما
نسخ رسمه وبقي حكمه؛ بدليل أن الصحابة حين جمعوا القرآن، لم يثبتوها
رسمًا، وحكمها باقٍ عندهم)).
قال السمعاني: ((وقولها)) مما يتلى من القرآن ((أي: يتلى حكمها دون
لفظها)).
وقال الطيبي: ((وقول عائشة - رضي الله عنها -: (تُوفي رسول الله وَهَ،
وهي فيما يقرأ من القرآن))؛ يعني: عند من لم يبلغه نسخهن، حتى بلغه،
فترك؛ لأن القرآن محفوظ من الزيادة أو النقص، وهذا من جملة ما نسخ
لفظه، ومعناه باقٍ)).
٨- قول عائشة - رضي الله عنها -: ((عشر رضعات معلومات))؛ أي: منسوخات
الحكم والتلاوة، وقولها: ((خمس معلومات)) منسوخات التلاوة، ثابتات
الحكم؛ كآية الرجم.
* خلاف العلماء:
اختلف العلماء في قدر الرَّضاع المحرِّم:
فذهب طائفة من السلف، والخلف إلى: أن قليل الرضاع وكثيره يحرِّم؛ وهو
مرويٍّ عن: علي، وابن عباس، وهو قول سعيد بن المسيب، والحسن البصري،
والزهري، وقتادة، والأوزاعي، والثوري، وهو مذهب مالك، وأبي حنيفة.

١٥
كتاب النكاح - باب الرضاع
وحجتهم: أن الله سبحانه وتعالى علّق التحريم باسم ((الرضاعة))، فهي
مطلقة في القرآن، لم يقيدها بشيء؛ فحيث وُجِد اسمها، وُجِد حكمها .
وذهبت طائفة أخرى إلى: أنه لا يثبت التحريم بأقل من ثلاث
رضعات؛ وهذا قول أبي ثور، وابن المنذر، وداود.
وحجة هؤلاء: ما ثبت عن النبي وَلّ أنه قال: ((لا تحرِّم المصة، ولا
المصتان)). [رواه مسلم].
ومفهوم الحديث: أن ما زاد على المصَّتين يثبت به التحريم، وهو الثلاثة
فصاعدًا.
وذهبت طائفة ثالثة إلى: أنه لا يثبت بأقل من خمس رضعات؛ وهذا قول
عبدالله بن مسعود، وعبدالله بن الزبير، وعطاء، وطاوس، وهو مذهب
الشافعي، وأحمد، وابن حزم.
ودليل هؤلاء: ما ثبت في صحيح مسلم عن عائشة - رضي الله عنها -
قالت: ((كان فيما أُنزل من القرآن: عشر رضعات معلومات يحرِّمن، ثم نُسِخْن
بخمسٍ معلومات، فتوفي رسول الله وَليه، وهن فيما يُقرأ من القرآن)).
وما جاء في صحيح مسلم أيضًا في قصة سهلة زوجة أبي حذيفة، حينما
قالت: إنا كنا نرى سالمًا ولدًا، وكان يأوي معي، ومع أبي حذيفة في بيتٍ
واحدٍ، ويراني فُضلى، وقد أنزل الله فيهم ما قد علمت، فكيف ترى فيهن؟ فقال
وَ الر: ((أرضعيه))، فأرضعته خمس رضعات، فكان بمنزلة ولدها من الرضاعة.
وأجابت هذه الطائفة عن أدلة الطائفتين الأوليين، فقالت: وأما من يرون
أن قليله وكثيره يحرم: فجوابهم الحديث الصحيح المتقدم: ((لا تحرِّم المصة،
ولا المصَّتان)).
وأما جواب أصحاب الثلاث: فهو أن دليلهم مفهوم، والمنطوق مقدم
عليه، والعمل بأحاديث الرضعات الخمسة إعمال للأحاديث كلها .

١٦
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
وبالتأمُّل: فإن التعبير بـ((الأم)) يقتضي أن المرضعة لا تحرم، إلاّ إذا
أرضعت مقدارًا تستحق به الاتصاف بالأمومة، ولا تتصف بذلك إلاَّ مَن ولدت
الولد، أو مَن صار جزءُ بدنها - وهو اللبن - جزءًا لبدن الولد، وهذا لا يحصل
بمجرد الرَّضاعة القليلة، بل لابد له من مقدار كبير، يصير به اللبن جزءًا للبدن،
وذلك غير معلوم، فوجب الرجوع إلى تقدير الشارع، والأحاديث تدور حول
كون الرَّضاعة من المجاعة، وكونها فاتقة للأمعاء، ومنشزة للعظم، ومنبتة للحم،
وكونها في الحولين، وعدم اعتبار رضاع الكبير، كل ذلك لأجل هذه العلة .
وعلى هذا: فإنه لا تعارض بين الآية والحديث؛ فقد جاء الحديث لبيان
المقدار، والقرآن الكريم سمّى المرضعة أُمَّا فقال تعالى: ﴿وَأُمَّهَتُكُمُ الَّتِىّ
أَرْضَعْنَكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] والأُمومة لا تكون إلاَّ بالمقدار الذي جاء في الحديث؛
فظهر أن ما ذهب إليه الإمامان: الشافعي وأحمد، هو الصحيح، والله أعلم.
* فوائد:
الأولى: ذهب الإمام الشافعي، والرواية الأخرى عن الإمام أحمد، واختيار
ابن القيم، وشيخنا عبدالرحمن السعدي وغيرهم: إلى أن الرضعة لا تحتسب
رضعة؛ حتى تكون وجبة للطفل تامّة؛ كالأكلة من الأكلات، والشّربة من الشربات.
أما قطع الطفل الثدي لعارض كالتنفس، أو نقله من ثدي لآخر، فهذه لا
يُعتبر رضعة، وإن كان هو المشهور من المذهب الحنبلي.
الثانية: قالت اللجنة الدائمة للإفتاء: ((أخذ الدم من الرجل للمرأة، وحقنها
به لا ينشر به حرمة، ولو كثُر، كما تنتشر الحرمة بالرّضاع، وكذا الحكم لو
حقن الرجل بدم المرأة، فيجوز لكل منهما أن يتزوج بالآخر)).
وقال الشيخ محمد بن إبراهيم: نقل الدم من رجل إلى امرأة، أو بالعكس
لا يسمى رضاعًا، لا لغةً، ولا عرفًا، ولا شرعًا، ولا تثبت له أحكام الرضاع)).
الثالثة: أما المحرمات من الرَّضاع: فإنه يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب .

١٧
كتاب النكاح - باب الرضاع
قال شيخ الإسلام: ((مما اتفق عليه أنه يحرم من الرَّضاع ما يحرم من النسب،
فإذا ارتضع الطفل من امرأة خمس رضعات في الحولين قبل الفطام ، صار ولدها
باتفاقٍ، وابنَ صاحب اللبن باتفاقِ الأئمة المشهورين، وصار كل من أولادهما
إخوة للمرتضع؛ سواء أكانوا من الأب فقط، أم من الأم فقط، أو منهما.
ولا فرق بين أولاد المرأة الذين رضعوا مع الطفل، وبين مَنْ وُلِدَ لها قبل
الرَّضاعة، أو بعد الرَّضاعة، باتفاق المسلمين .
وعلى هذا فجميع أقارب المرأة للمرتضع من الرضاعة أقاربه: فأولادها
إخوته، وأولاد أولادها أولاد إخوته، وآباؤها وأمهاتها أجداده وجداته،
وإخوتها وأخواتها أخواله وخالاته، وكل هؤلاء حرامٌ عليه .
وأما بنات أخواله وخالاته من الرضاع فحلال، كما يحل له ذلك من النسب،
وأقارب الرجل، وأقاربه من الرضاعة هكذا، وأولاد المرتضع بمنزلته.
وأما إخوة المرتضع من النسب، أو من الرضاع غير رضاع هذه المرضعة
فهم أجانب من أقاربه، يجوز لإخوة هؤلاء أن يتزوجوا أولاد المرضعة وهذا كله
متفق عليه بين العلماء)) .
واختار الشيخ تقي الدين: أن تحريم المصاهرة لا يثبت بالرضاع، فلا
يحرم على الرجل نكاح أم زوجته من الرضاع، ولا بنت زوجته من الرضاع، إذا
كان بلبن غيره، ولا يحرم على المرأة نكاح أبي زوجها من الرضاع.
ولكن قد حُكِيَ الإجماع على خلاف قول الشيخ.
* قرار مجمع الفقه الإسلامي بشأن بنوك الحليب :
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم
قرار رقم (٦):

١٨
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
النبيين، وعلى آله وصحبه.
أما بعد :
فإن مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنبثق عن منظمة المؤتمر الإسلامي
في دورة انعقاد مؤتمره الثاني بجدة، من ١٠-١٦ ربيع الثاني ١٤٠٦ هـ/ ٢٢-٢٨
دیسمبر ١٩٨٥ م.
بعد أن عرض على المجمع دراسة فقهية، ودراسة طبية حول بنوك
الحليب. وبعد التأمل فيما جاء في الدراستين، ومناقشة كل منهما مناقشة
مستفيضة، شملت مختلف جوانب الموضوع - تبين :
١ - أن بنوك الحليب تجربة قامت بها الأمم الغربية، ثم ظهرت مع التجربة بعض
السلبيات الفنية، والعلمية فيها، فانكمشت، وقل الاهتمام بها .
٢ - أن الإسلام يعتبر الرضاع لحمة كلحمة النسب، يحرم به ما يحرم من
النسب، بإجماع المسلمين، ومن مقاصد الشريعة الكلية المحافظة على
النسب، وبنوك الحليب مؤدية إلى الاختلاط، أو الريبة.
٣- أن العلاقات الاجتماعية في العالم الإسلامي توفر للمولود الخداج، أو
ناقص الوزن، أو المحتاج إلى اللبن البشري في الحالات الخاصة ما يحتاج
إليه من الاسترضاع الطبيعي، الأمر الذي يغني عن بنوك الحليب.
وبناءً على ذلك قرر:
أولاً: منع إنشاء بنوك حليب الأمهات في العالم الإسلامي.
ثانيًا: حرمة الرضاع منها، والله أعلم.

١٩
كتاب النكاح - باب الرضاع
٩٨٣ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - أَنَّ النَِّيَّ وَ أُرِيْدَ
عَلَى ابْنَةٍ حَمْزَةَ، فَقَالَ: ((إِنَّهَا لاَ تَحِلُّ لِي، إِنَّهَا ابْنَةُ أَخِي مِنَ
الرَّضَاعَةِ، وَيَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعَةِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١).
* مفردات الحديث:
- إنها ابنة أخي من الرضاعة: تعليل لتحريم النكاح.
- يَحْرُمُ من الرضاعة ما يحرم من النسب: قال الخطابي: ((اللفظ عامٌ، ومعناه
خاصٌّ، وتفصيله : أن الرضاع يجري عمومه في تحريم نكاح المرضعة، وذوي
أرحامها على الرضيع مجرى النسب، ولا يجري في الرضيع، وذوي أرحامه
مجراه)) .
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - النبي ◌َّ لم يتزوج من بني هاشم، وعرض عليه الزواج بابنة عمّه حمزة بن
عبدالمطلب، الذي لم يخلف من الولد غيرها.
٢ - بنات العم حلالٌ له، ولغيره من أمته بَّ؛ كما قال تعالى: ﴿يَتَأَيُّهَا النَّبِىُّ إِنَّا
أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَجَكَ الَّتِىّ ءَاتَيْتَ أُجُورَهُنَ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ
وَيَنَاتٍ عَمِّكَ وَبَنَاتٍ عَمَّتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَلَئِكَ الَّتِ هَاجَرْنَ مَعَكَ ﴾
[الأحزاب: ٥٠].
٣- ذكر ◌َّ المانع له من الزواج بابنة عمه حمزة؛ ذلك أنه أخوه من الرَّضاعة،
فيكون ◌َّيالعم البنت من الرضاعة، ويحرم من الرضاع ما يحرم من النسب.
٤ - التي أرضعت النبي بَله، وأرضعت عمه حمزة هي: ((ثويبة مولاة لأبي
(١) البخاري (٢٦٤٥)، مسلم (١٤٤٦).

٢٠
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
لهب))، وقد اختلف المؤرخون هل أسلمت أو لا؟ وممن أثبت إسلامها
الحافظ ابن مَنْدَه .
٥ - أدرك الإسلام من أعمام النبي ◌َّ التسعة أربعة؛ هم: أبوطالب، وأبولهب،
وحمزة، والعباس، مات على الشرك منهم اثنان، هما: أبوطالب،
وأبولهب، وأسلم منهم: حمزة والعباس، فأما أبوطالب فهو الذي ناصر
النبي ◌َّة، وآزره مع أنه مقيم على شركه؛ حتى مات قبل الهجرة بثلاث
سنين.
وأما أبولهب: فصار من أشد أعداء الإسلام وأهله، وآذى النبيَّ نَّ أَذّى
شديدًا، هو وزوجته حمَّالة الحطب، واسمها: ((أروى بنت حرب بن أمية))
أخت أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية .
وكانت عونًا له على كفره وشقاقه وأذيَّته للنَبي ◌َّليل وأصحابه، فنزلت
فيهما سورة تتلى إلى يوم القيامة، وأبولهب تُوفي على كفره بعد معركة بدر
بأيام، وهو لم يحضرها، وإنما أُصيب بمرض مميت، لما بلغته هزيمة على
قریش .
وأما حمزة: فقد أسلم قديمًا، وهاجر إلى المدينة، وشهد بدرًا، وأبلى فيها
بلاءً حسنًا، وله مواقف بطولية مشرّفة، ثم حضر أَحُدًا، وأبلى فيها بلاءً
حسنًا، إلاّ أنه استشهد فيها - رضي الله عنه - وحزن عليه النبي وَلّ حزنًا
شديدًا.
وأمَّا العباس: فتأخّر إسلامه إلى سنة ثمان من الهجرة، ولكنه لما أسلم،
عرف له النبي ◌َّ قدره، فَأَجَلَّه، ولما تُوفي النبي وَلِّ صار الصحابة
يعظمونه؛ لشرفه، وسؤدده، ولمكانته من النبي ◌َّل، وتوفي سنة (٣٢هـ)
في خلافة عثمان رضي الله عنهما .