النص المفهرس

صفحات 581-600

٥٨١
كتاب النكاح - باب العدة
بل منهم من ذكر أنَّها صحابية، ينظر ((الكاشف)) للذهبي مع حاشية سبط ابن
العجمي .
* مفردات الحديث:
- أُعْبُد: جمع قلة للعبد، وهم المماليك.
- الحُجْرة: بضم الحاء، البيت، والجمع: حجر وحجرات، مثل اغُرَف
وغرفات .
ـ امكثي : أقيمي في بيتك .
- حتَّى يبلغ الكتاب أجَلَهُ، أي: حتى تنقضي عدة الوفاة، والإحداد.

٥٨٢
-(
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
٩٦٧ - وَعَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ:
((قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! إِنَّ زَوْجِي طَلَّقَنِي ثَلاَثًا، وَأَخَافُ أنْ يُقْتَحَمَ
عَلَيَّ، فَأَمَرَهَا، فَتَحَوَّلَتْ)) رَوَاهُ مُسْلِمُ(١).
* مفردات الحديث:
- أَنْ يُقْتَحَم علي: بالبناء للمجهول، يقال: قحم في الدار يقحم قحومًا. رمى
بنفسه فيها فجأة بلا تروِّ وشعور.
- فتحوَّلت: فانتقلت من البيت الذي تخاف من الإقامة فيه.
* ما يؤخذ من الحديثين:
١- في الحديث رقم (٩٦٦) أنَّ زوجة المتوفَّى يجب عليها أنْ تقضي عدتها
وحدادها في البيت الذي توفي زوجها وهي تسكنه، وأنَّه لا يحل لها الانتقال
منه حتى يبلغ الكتاب أجله بانقضاء عدتها وحدادها؛ وذلك بوضع الحمل
إنْ كانت حاملاً، أو بإتمام أربعة أشهر وعشرة أيام لغير ذات الحمل.
٢ - ووجوب بقاء زوجة المتوفّى في البيت الذي مات وهي تسكنه، هو مذهب
جماعة من السلف والخلف.
وهو مذهب الأئمة الثلاثة: أبي حنيفة، والشافعي، وأحمد، وأتباعهم.
قال ابن عبدالبر: وبه قال جماعة من فقهاء الأمصار بالحجاز، والشام،
ومصر، والعراق، وقضى به عمر بمحضر من الصحابة من المهاجرين
والأنصار؛ والدليل حديث فريعة، ولم يطعن فيه أحد، ولا في رواته.
(١) مسلم (١٤٨٢).

٥٨٣
كتاب النكاح - باب العدة
٣- أجاز العلماء تحول زوجة المتوفَّى من المنزل الذي مات زوجها وهي تسكنه
إلى منزلٍ آخر عند الضرورة، كأنْ تخاف على نفسها، أو على مالها، أو
لتحويل مالكه لها منه، أو طلبه أجرة أكثر من أجرة مثله، أو لم تجد ما
تكتري به، ونحو ذلك من الأعذار؛ فحينئذ يجوز لها الانتقال حيث شاءت.
٤ - قال تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ يُتَوَقَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِّأَزْوَجِهِم مَّتَعًا
إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجْ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِى مَا فَعَلْنَ فِىّ أَنْفُسِهِنَّ
مِن مَّعْرُوفٍ﴾ [البقرة: ٢٤٠].
٥ - العدَّة والإحداد الواجبان على المرأة هو ما ذكر في قول الله تعالى: ﴿ وَأَلَّذِينَ
يُتَوَقَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَجَا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَثْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤].
أمَّا الآية السابقة - في فقرة (٤) - فهي ترشد إلى أفضل وأولى ما ينبغي
لأهل الميت أنْ يفعلوه مع زوجة ميتهم؛ وذلك أنَّه تعالى يوصيهم بأنْ
يستوصوا بزوجته خيرًا، فيطلبوا منها على وجه الإكرام أن تبقى عندهم في
المسكن، لا يخرجوها مدة سنة كاملة من وفاته؛ جبرًا لخاطرها، وإكرامًا
لها، ووفاءً بحقِّ ميتهم، وصلةً للصهر الذي قال تعالى فيه: ﴿وَلَا تَنسَوأ
اَلْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧].
أمَّا إنْ خرجت بنفسها، واشتهت الانتقال بعد أشهر العدَّة والإحداد
الواجبين، فليس على أهل الميت حرجٌ، ولا إثمٌ في ذلك.
٦ - أمَّا الحديث رقم (٩٦٧) فيدل على أنَّ المطلقة البائن، لها أنْ تتحول من
بيت زوجها الذي أبانها وهي تسكنه، وإنْ كانت لاتزال في عدة الطَّلاق،
لاسيَّما مع الخوف على نفسها .
٧- أمَّاحكم سكنى المطلقة على زوجها :
فإن كانت مطلقة رجعية، فتجب نفقتها وسكناها كالزوجة.
وإنْ كانت مبانة بفسخ أو طلاقٍ، فليس لها على زوجها، ولا على أهله

٥٨٤
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
شیء .
قال ابن القيم: المطلقة البائن لا نفقة لها، ولا سكنى بسنة رسول الله وعليه
الصحيحة، الموافقة لكتاب الله، وهي مقتضى القياس، ومذهب أهل
الحدیث .
٨- وحديث الباب جاء لبيان حكم بقاء المطلقة في البيت الذي كانت تسكنه
وقت طلاقها من عدمه؛ ليكون مقابل وجوب بقاء المعتدة بالوفاة في البيت
الذي مات زوجها وهي تسكنه.
٩ - أنَّه لا يجوز للمرأة أن تنفرد بمسكن ليس معها فيه أحد، إذا كانت تخاف
على نفسها من أهل الفساد؛ فيجب على ولي أمرها أن يأمرها بالتحول منه.
١٠ - الطَّلاق الثلاث الذي ذكرته السائلة - فاطمة بنت قيس - يحتمل أنَّه وقع
دفعة واحدة، ويحتمل أنَّه نهاية ما لها في عدة الطلقات، وفحواه يدل على
أنَّه أوقعه عليها دفعة واحدة، ولكن لم يسق الحديث لبيان جوازه من
عدمه .
------- - ---

٥٨٥
كتاب النكاح - باب العدة
٩٦٨ - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ العَاصِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: ((لاَ
تُلبسُوا عَلَيْنَا سُنَّةُ نَبِيَِّا، عِدَّةُ أُمِّ الوَلَدِ إِذَا تُوُفِّيَ عَنْهَا سَيِّدُهَا أَرْبَعَةُ أَشْهُر
وَعَشرٌ)) رَواهُ أَحْمَدُ، وَأَبُودَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَصَخَّحَهُ الحَاكِمُ،
وَأَعَلَّهُ الدَّارَ قُطْنِيُّ بِالاِنْقِطَاعِ (١).
* درجة الحديث:
الحدیث صحیح.
صححه الحاكم، وقال ابن عبدالهادي: رواته ثقات، وما أعلَّ به
الدارقطني الحديث فيه نظر؛ فلقد أعلَّه الدار قطني بالانقطاع؛ لأنَّه من رواية
قبيصة بن ذؤیب، عن عمرو بن العاص، ولم يسمع منه.
قال ابن المنذر: ضعَّفه أحمد، وقال: لا يصح، فأي سنَّة للنَّبِي ◌َّ في هذا؟!
وقال المنذري: في إسناد حديث عمرو ((مطربة بن طهمان))، قد ضعَّفه
غير واحد، وله علَّة ثالثة هي الاضطراب؛ لأنَّه روي على ثلاثة وجوه.
قال أحمد: حديث منكر .
ويشهد لصحته عموم قوله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ يُتَوَقَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَجًا
﴾ [البقرة: ٢٣٤].
.
يتربصن.
.
* مفردات الحديث:
- لا تَلْبِسوا علينا: يُقال: لبَسَ عليه الأمرَ يَلْبِسُهُ لَبْسًا: خلطه، وجعله مشتبهًا
بغيره، والمعنى: لا تخلطوا علينا، وتشبهوا علينا ما عرفناه من سنة نبيَِّا وَله .
(١) أحمد (٢٠٣/٤)، أبوداود (٢٣٠٨)، ابن ماجه (٢٠٨٣)، الحاكم (٢٠٨/٢)،
الدار قطني (٣٠٩/٣).

٥٨٦
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
٩٦٩ - وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: ((إِنَّمَا الأَقْرَاءُ
الأَطْهَارُ)) أَخْرَجَهُ مَالِكٌ فِي قِصَّةٍ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ (١).
* درجة الحديث:
الحدیث صحیح.
فقد رواه الإمام الشافعي، عن مالك، عن ابن شهاب الزهري، عن عروة
ابن الزبير، عن خالته عائشة، رضي الله عنها .
* مفردات الحديث:
- إنَّما: ((إنَّ)) حرف توكيد، و((ما)) كافة لحقتها، فأفادتا الحصر، فهنا حصرت
الأقراء في الأطهار.
- الأقراء: جمع قرء، قال في النهاية: هو من الأضداد، يقع على الطهر ؛ وإليه
ذهب الشافعي، وعلى الحيض ؛ وإليه ذهب أبو حنيفة.
- الأطهار: بفتح الهمزة، جمع طهر، وهو ما بين الحيضتين.
(١) مالك (٢ / ٥٧٦).
---- ----
.---

٥٨٧
كتاب النكاح - باب العدة
٩٧٠ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - قَالَ: ((طَلَاَقُ الأَمَةِ
تَطْلِيقَتَانِ، وَعِدَتُهَا حَيْضَتَانٍ)) رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وأَخْرَجَهُ مَرْفُوعًا
وَضَعَّفَهُ(١)، وأَخْرَجَهُ أَبُودَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَه، مِنْ حَدِيثٍ
عَائِشَةَ، وَصَخَّحَهُ الحَاكِمُ، وَخَالَفُوهُ، فَاتَّفَقُوا عَلَى ضَعْفِهِ (٢).
درجة الحديث:
الحديث ضعيف موقوف.
قال المؤلف: رواه الدارقطني موقوفًا على ابن عمر، وصححه موقوفًا،
وأخرجه مرفوعًا؛ لكنه من رواية عطية العوفي، وقد ضعَّفه غير واحد من
الأئمة، وأخرجه أبوداود، والترمذي، وابن ماجه، من حديث عائشة، وهو
ضعيف؛ لأنَّه من حديث مظاهر بن مسلم؛ قال فيه أبوحاتم: منكر الحديث،
وقال ابن معين: لا يُعرف، وصححه الحاكم، ولكن خالفوه، واتَّفقوا على
ضعفه؛ لما عرفته؛ فلا يتم به الاستدلال.
* ما يؤخذ من الأحاديث:
١ - أم الولد المشار إليها بالحديث رقم (٩٦٨) هي الأمّة التي حملت من
سيِّدها، فولدت ما فيه صورة إنسان ، ولو خفية.
فهي من حيث الخدمة والاستمتاع كالأمَّة، ومن حيث نقل الملك بها
كالحُرَّة، فيجوز وطؤها، وخدمتها، وتأجيرها، ولا يجوز بيعها، ولا هبتها،
ولا وقفها، ونحو ذلك ممَّا ينقل الملك، أو يسبب نقل الملك؛ کالرهن.
(١) الدار قطني (٣٨/٤)، ابن ماجه (٢٠٧٩).
(٢) أبوداود (٢١٨٩)، الترمذي (١١٨٢)، ابن ماجه (٢٠٨٠) الحاكم (٢٠٥/٢).

٥٨٨
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
٢ - إذا مات سيد أم الولد، فحديث الباب يدل على أنَّها تعتد وتحد أربعة أشهر
وعشرة أيام؛ كالزوجة الحرة.
٣- أم الولد عتقها مراعى بموت سيدها، فلا تعتق قبله، فإذا مات سبَّب موته
عتقها، فهي في عداد الإماء؛ لذا فإنَّه ليس لها عدَّة، وإنَّما تستبرأ بحيضة
واحدة، يعلم بها براءة رحمها إنْ كانت تحيض، وإنْ كانت لا تحيض
، فاستبراؤها بمضيِّ شهر من وفاته؛ لأنَّها ليست زوجة، ولا في عداد
الزوجات؛ وإلى هذا ذهب الأئمة الثلاثة: مالك، والشافعي، وأحمد،
وأتباعهم، وجماعة من السلف.
وقد ذهب إلى ما أفاده الحديث: الأوزاعي، والظاهرية .
أمَّا الحنفية: فعدَّة أم الولد عندهم ثلاث حيض؛ وقال به بعض الصحابة .
قال ابن رشد: سبب الخلاف: أنَّ أم الولد مسكوت عنها في الكتاب
والسنة؛ فهي مترددة الشبه بين الأمة والحرة .
قال شارح الكتاب: وأقرب الأقوال قول أحمد، والشافعي: أنَّها تعتد
بحيضة؛ وهو قول ابن عمر، وعروة، والقاسم بن محمد، والشعبي،
والزهري؛ وذلك لأنَّ الأصل براءة الرحم، وعدم حبسها عن الأزواج،
واستبراء الرحم يحصل بحيضة.
: خلاف العلماء:
أمَّا تفسير الأقراء المذكورة في قوله تعالى: ﴿ وَالْمُطَلَّقَتُ يَتَرَبَّصْنَ
بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَثَةَ قُرُوَءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] فقد اختلف العلماء في ذلك سلفًا وخلفًا على
قولین:
أحدهما: أنَّ المراد بالأقراء هي الأطهار، قالت عائشة: ((إنَّما الأقراء
الأطهار)).
وقال الإمام مالك، عن ابن شهاب: سمعت أبابكر بن عبدالرحمن
-- -----
.-
-- ---- -**

٥٨٩
كتاب النكاح - باب العدة
يقول: ما أدركت أحدًا من فقهائنا إلاَّ وهو يقول ذلك.
وهو مرويٌّ عن ابن عباس، وزيد بن ثابت، وسالم، والقاسم بن محمد،
وعروة، وأبي بكر بن عبدالرحمن، وقتادة، والزهري، وبقية الفقهاء السبعة،
وغيرهم؛ وهو مذهب مالك، والشافعي، وداود، وأبي ثور، ورواية عن أحمد.
الثاني: أنَّ المراد بالأقراء هي الحيض؛ فلا تنقضي العدَّة حتى تطهر من
الحيضة الثالثة؛ وهو المشهور من مذهب الإمام أحمد، ويروى ذلك عن أبي
بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وابن عباس، وسعيد بن المسيب، والثوري،
والأوزاعي، وإسحاق، وأبي عبيد، وأصحاب الرأي.
قال القاضي: الصحيح عن أحمد: أنَّ الأقراء الحيض؛ وإليه ذهب
أصحابنا .
واحتج من قال: إنَّها الأطهار، بقوله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ
[الطلاق: ١]، وإنَّما الأمر بالطلاق في الطهر لا في الحيض.
كما استدلوا بحديث ابن عمر: ((فليراجعها حتى تطهر، ثمَّ تحیض، ثمَّ
تطهر))، ووجه الدلالة منه: أنَّه أمره أنْ يطلقها في الطهر الَّذي هو ابتداء العدَّة؛
فدل على أنَّ القرء هو الطهر .
أمَّا دليل من يرى أنَّ القرء هو الحيض، فيستدل بقوله تعالى: ﴿وَأَلَِّى
بَيِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ﴾ الآية [الطلاق: ٤] فقد نقلن عند عدم الحيض إلى الاعتداد
بالأشهر؛ فيدل على أنَّ الأصل الحيض، ولأنَّ المشهور في لسان الشارع
استعمال القرء بمعنى الحيض؛ فقد قال ◌َّة: «تدع الصلاة أيَّام قرئها)) [رواه
أبو داود]، وبما رواه النسائي من حديث فاطمة بنت أبي حُبَيْش؛ أنَّ النَّبِي وَّلـ
قال لها: ((إذا أتى قرؤك فلا تصلي، وإذا مر قرؤك فتطهري، ثمَّ صلي ما بين
القرء إلى القرء))، ولأنَّ ظاهر قوله تعالى: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَثَةَ قُرُوْءٍ﴾
[البقرة: ٢٢٨] وجوب التربص ثلاثة كاملة، ومن جعل القرء الأطهار يكتفي

....
٥٩٠
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
بطهرين وبعض الثالث؛ فيخالف ظاهر النص.
والراجع أنَّ الأقراء هي الحيض، والله أعلم.
أمَّا الحديث رقم (٩٧٠) فيدل على أنَّ نهاية طلاق الأمة طلقتان،
وعمومه يفيد أنَّه سواء كان زوجها المطلَّق حرًّا أو عبدًا، وهذا على اعتبار أنَّ
العبرة بعدد الطلقات هي المرأة المطلقة؛ وهو مذهب الحنفية، وهو مرويٌّ عن
علي، وابن مسعود، والحسن، وابن سيرين، وعكرمة، والزهري، وحماد،
والثوري؛ والدلیل حديث الباب.
أُمَّا من يجعل الطلاق معتبرًا بالزوج المطلِّق: فإنَّ طلاق الأمة طلقتان
مطلقًا، سواء أكانت تحت حرٍّ أو عبدٍ؛ وإلى هذا ذهب الأئمّة الثلاثة: مالك،
والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وابن المنذر، ويروى عن عمر، وعثمان، وزيد
بن ثابت، وابن عباس، وسعيد بن المسيب .
ودليل هذا القول: أنَّ الله تعالى خاطب الرجل بالطلاق؛ فكان حكمه
معتبرًا به .
أمَّا حديث الباب: فهو من رواية مظاهر بن أسلم، قال أبوداود: إنَّه منکر
الحديث .
وعلى فرض صحته: فإنَّ المراد به إذا كان زوج الأمة رقيقًا، وقد جاء
مصرَّحًا به عند الدار قطني من حديث عائشة - رضي الله عنها - مرفوعًا: ((طلاق
العبد اثنتان ؛ فلا تحل له حتى تنكح زوجًا غيره، وقرء الأمة حيضتان))، وهذا
نصٌّ في هذه المسألة .
أمَّا عدَّة الأمة: فحيضتان إجماعًا؛ روي عن عمر، وابنه، وعلي - رضي
الله عنهم -، ولم يعرف لهم مخالف من الصحابة؛ فكان إجماعًا .
قال الوزير: أجمعوا على أنَّ عدَّة الأمة بالأقراء قرءان، واتفقوا على أنَّ
عدتها بالأقراء ممن تحيض .
. ....

٥٩١
كتاب النكاح - باب العدة
٩٧١ - وَعَنْ رُوَيْفِعِ بْنِ ثَابِتٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - عَنِ النَّبِيِّ
منالله
وَسِكم
عد
قَالَ: ((لاَ يَحِلُّ لإِمْرِىءٍ يُؤَمِّنُ باللهِ واليَوْمِ الآخِرِ أَنْ يَسْقِيَ مَاءَهُ زَرْعَ
غَيْرِهِ)) أَخْرَجَهُ أَبُودَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَصَّخَّحَهُ ابْنُ حِبَّنَ، وَحَسَّنَهُ
البَزَّارُ(١)
* درجة الحديث:
الحدیث حسن .
قال المؤلف: صححه ابن حبان، وحسّنه البزار.
قال في التلخيص: رواه أحمد، وأبوداود، والترمذي، وابن حبان، من
حديث رويفع بن ثابت، وللحاكم من حديث ابن عباس؛ أنَّ النَّبِي وَِّ قال: ((لا
تسق ماءك زرع غيرك))، وأصله في النسائي.
* مفردات الحديث:
- ماءه: هو نطفة المني، والمراد الجماع.
- زرع غيره: أي: ولد غيره، بأنْ يجامع الأمة المشتراة إذا كانت حاملاً.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - يدل الحديث على تحريم وطء الحامل من غير الواطئ؛ وذلك كالأمة
المشتراة إذا كانت حاملاً من غيره، وأنَّه منافٍ لكمال الإيمان بالله واليوم
الآخر، ومثلها: المَسْبِيَّةُ الحامل يحرم وطؤها حتى تضع وتطهر .
٢ - وفيه دليلٌ على تحريم العقد على المعتدة من غيره حتى تنقضي عدتها،
(١) أبوداود (٢١٥٨)، الترمذي (١١٣١)، ابن حبان (٤٨٣٠).

٥٩٢
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
وعدم صحته؛ لأنَّ العقد وسيلة إلى الوطء، والوسائل لها أحكام المقاصد.
٣- اختلف العلماء في الزانية غير الحامل، هل تجب عليها العدَّة، أو تستبرىء
بحيضة واحدة؟ :
فذهب جمهور العلماء إلى أنَّه لا يجب عليها عدَّة، وإنَّما تستبرىء بحيضة،
وهو مذهب الأئمة الثلاثة، ورواية عن أحمد.
ويرى مالك: استبراءها بثلاث حيض؛ واستدل هؤلاء بقوله مَله: ((الولد
للفراش)»، والدلالة فيه غير واضحة.
وذهب الإمام أحمد في المشهور من مذهبه: إلى وجوب العدَّة عليها،
وأنَّها كالمطلقة؛ وهو قول الحسن البصري، وإبراهيم النخعي، واختاره
الشيخ تقي الدين، وابن القيم، وشيخنا عبدالرحمن السعدي، رحمهم الله .
ودليل هذا القول: العمومات الواردة في وجوب العدَّة من الوطء؛ لأنَّ
الوطء يقتضي شغل الرحم، فوجبت العدَّة منه؛ كوطء الشبهة .
٤ - أنَّ الإيمان بالله تعالى واليوم الآخر من شأنه أنْ يردع المسلم عن الإقدام على
المعاصي، فمن أقدم عليها، فإنَّه في تلك الساعة قد تخلَّى عنه إيمانه؛ كما
قال ◌َالر: ((لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن)).
٥- تشبيه الولد في رحم أمه بالزرع بالحديث، هو مشابه لقوله تعالى: ﴿نِسَآؤُكُمْ
حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْتَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣]؛ وذلك بجامع الاختصاص به،
والانتفاع بثمرته .
* فائدة:
قال الدكتور محمد بن علي البار في كتابه ((خلق الإنسان بين الطب
والقرآن)): تفرز المرأة كل شهر بيضة واحدة، وتبقى منتظرة رفيقها الحيوان
المنوي، فإذا جاءها موعد القدر، ولقح الحيوان المنوي في البيضة، فاتحدت
النطفتان، ثمَّ قفلت بابها، فلا يدخل حيوان آخر، وهاتان النطفتان المتحدتان

٥٩٣
كتاب النكاح - باب العدة
تسمى: ((نطفة الأمشاج)).
فالتصقت بجدار الرحم، وانضم الرحم عليها أشد انضمام، وقفلت
الباب، فلا يمكن أن يدخل حيوان آخر .
وصار الجنين يتغذى بواسطة الحبل السري، المتصل بسرة الجنين من
طرف، ومن طرف آخر يتغذى بواسطة المشيمة؛ فيأخذ خلاصة الغذاء من أمه .
قال الطبيب البار: إذا لقح حيوان منوي بيضته صَنَعَتْ حولها جدارًا
مقفلاً، لا يستطيع أن يخترقه أي حيوان آخر، لا من هذا الوطء، ولا من وطء
بعده، ولا من هذا الرجل، ولا من رجل آخر، فلو دخل البيضة حيوانان اثنان،
فمعناه موت اللقيحة، وقذفها خارج الرحم .
وأمَّا التوأمان فهما نوعان:
أحدهما: يحدث من حيوانٍ واحدٍ وبيضتين، فإذا تكونت اللقيحة، وانقسمت،
وانفصلت، وتكوَّن منها توأم متشابهة تمام التشابه .
النوع الثاني: توأم غير متشابهة، فهذا يلقح حيوانان منويان بيضتين، كل
واحدٍ منهما يلقح بيضة، وهما بذلك يشبهان الإخوة من أب وأم. اهـ.
قلت: أمَّا القول بأنَّ الرحم ينقفل بعد التلقيح، فغير صحيح، ففتحة
الرحم تبقى كما هي، ويمكن وصول المني إلى الرحم، وإلى قناة فالوب ...
ولعلَّ هذا - والله أعلم - سَقْيُ الإنسان زرع غيره.

٥٩٤
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
٩٧٢ - وَعَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - فِي امْرَأَةِ المَفْقَوْدِ:
(تَرَبَُّ أَرْبَعَ سِنِينَ، ثُمَّ تَعْتَدُ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا)) أَخْرَجَهُ مَالِكٌ،
وَالشَّافِعِيُّ(١).
* درجة الحديث:
موقوف صحیح.
قال في التلخيص: رواه الشافعي، عن مالك، عن يحيى بن سعيد، عن
سعيد بن المسيب، عن عمر، ورواه عبدالرزاق (٨٨/٧)، عن ابن جريج، عن
يحيى به، ورواه أبوعبيد، عن محمد بن كثير، عن الأوزاعي، عن الزُّهري، عن
سعید، عن عمر وعثمان به، وله طرق أخرى، ومتتابعات تقوى بها .
قال في التلخيص: ورواه ابن أبي شيبة (٥٢١/٣) من طريق ابن أبي
ليلى، عن عمر، وعند الدار قطني، من طريق أبي عثمان، عن عمر، قال ابن
حجر: وهذا أفضل طرق هذا الحديث.
* مفردات الحديث:
- تربص: يقال: ربص يربص ربصًا: انتظر خيرًا أو شرًّا يحل به، وتربصت
المطلقة: قعدت عن الزواج إلى حين انقضاء عدتها .
- عدتها: العدَّة مصدر من عد يعد، وعددت الشيء: إذا أحصيته، والعدَّة اسم
لمدة تتربَّص بها المرأة عن الزوج بعد وفاته أو فراقه، وذلك إمَّا بالولادة، أو
بالأقراء، أو بالأشهر.
(١) مالك (٥٧٥/٢).

٥٩٥
كتاب النكاح - باب العدة
٩٧٣ - وَعَنِ المُغيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللهِ نََّ: ((امْرَأَةُ المَفْقُودِ امْرَأَتُهُ حَتَّى يَأْتِيَهَا الْبَيَانُ)) أَخْرَجَهُ
الدَّارَقُطْنِيُّ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ (١).
** درجة الحديث:
الحدیث ضعيف.
قال المؤلف: أخرجه الدار قطني بإسنادٍ ضعيفٍ .
وقال في التلخيص: رواه البيهقي بإسنادٍ ضعيفٍ، وضعَّفه أبوحاتم
والبيهقي، وعبدالحق، وابن القطان، وغيرهم، والحديث لشدة ضعفه لم يأخذ
به المحققون .
* مفردات الحدیث:
- المفقود: يقال: فقده يفقده فقدًا وفقدانًا: إذا غاب عنه وعَدِمَهُ؛ فهو فقيد
ومفقود.
- البيان: بان الشيء ويبين بيانًا: ظهر واتضح، والمعنى: أنَّها تنتظر حتى يتبين
أنَّه حيٌّ أو ميِّتٌ؛ فتبني حكمها على ما يتحقق عندها .
* ما يؤخذ من الحديثين:
١ - إذا فُقِدَ الرجلُ من أهله، ولم يوقف له على أثر، فقسَّمه العلماء إلى قسمين:
أحدهما: أنْ يكون غالب غيبته السلامة؛ كالمسافر لتجارة، أو سياحة،
أو طلب علم؛ فهذا ينتظر فيه تمام تسعين سنة منذ ولادته؛ لأنَّ الغالب أنَّه لا
يعيش بعدها؛ وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد، وهو من
(١) الدارقطني (٣١٢/٣).

٥٩٦
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
مفردات مذهبه .
ومذهب الأئمة الثلاثة، وصاحبي أبي حنيفة: أنَّه ينتظر به حتى يتحقق
موته، أو تمضي مدة لا يعيش مثلها، وذلك مردود إلى اجتهاد الحاكم؛ لأنَّ
الأصل حياته: فلا تتزوج امرأته، ولا يقسم ماله.
وذهب بعض المحققين: إلى أنَّ المفقود ينتظر به حتى يغلب على الظن
أنَّه غير موجود، وأنَّ ذلك لا يحدّ بتسعين سنة، ولا بغيرها؛ لعدم الدليل
على التحديد، وأنَّ القاعدة الشرعية أنَّه متى تعذر الوصول إلى اليقين، رجع
إلى غلبة الظن .
الثاني: أنْ يكون غالب غيبته الهلاك؛ كمن ركب في سفينة فغرقت، فنجا
بعض ركَّابها، وفقد آخرون، وكمن بمفازة من الأرض، أو فُقِدَ من بين
أهله؛ فمثل هذه الأحوال ينتظر به أربع سنين منذ فُقِدَ.
٢- والحق أنَّه لا دليل على التحديد في القسمين، فهو أمرٌ يختلف باختلاف
الأزمنة، وأنواع الاتصالات، ووسائل الإعلام، وأحوال المفقودين،
فأحسن الأحوال: هو اجتهاد الحاكم الشرعي، وتقدير الأمور وملابساتها،
والله أعلم.
٣- أمَّا أثر عمر: فهو دليلٌ لما ظاهره السلامة.
وأمَّا حديث المغيرة: فهو دليل الجمهور، لو كان صحيحًا؛ ولكنه ضعيف.

٥٩٧
كتاب النكاح - باب العدة
٩٧٤ - وَعَنْ جَابِرٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّه :
((لاَ يَبِيِتَنَّ رَجُلٌ عِنْدَ امْرَأَةٍ، إلاَّ أَنْ يَكُونَ نَاكِحًا، أَوْ ذَا مَحْرَمِ)) رَواهُ
مُسْلِمُ(١).
صَلَلىالله
وستكم
٩٧٥ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - عَنِ النَّبِيِّ
قَالَ: ((لاَ يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلَّ مَعَ ذِي مَحْرَمٍ)) أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ(٢).
* مفردات الحديث (٩٧٤):
- لا يبيتن: بات يبيت بيتوتة، والمراد هنا مطلق الإقامة.
- ناكحًا: اسم فاعل من نكح ينكح فهو ناكخٌ، والمراد به هنا الزوج، والنكاح
لغةً: حقيقة الوطء، ويطلق مجازًا على العقد، من إطلاق المسبّب على
السبب، وكل ما ورد في القرآن من لفظ ((النكاح)) فالمراد به العقد، إلاَّ قوله
تعالى: ﴿ فَلَ تَحِلُ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجَا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠]، فالمراد به
الوطء .
ـ ذا: بمعنى صاحب، وهي من الأسماء الخمسة، منصوب؛ لأنَّه معطوف على
خبر يكون، وأعرب هنا بالحروف ؛ لاكتمال شروطها، من أنَّها بمعنى
صاحب، وأنَّها مضافة إلى اسم جنس ظاهر.
- محرم: على وزن مفعل، بفتح الميم، وسكون الحاء، أي: ذا حرمة، جمعه
محارم، وهو من يحرم تزوُّجه بها على التأبيد بنسب، أو سببٍ مباحٍ،
كالرضاع، وسيأتي تفصيله في الشرح إن شاء الله .
(١) مسلم (٢١٧١).
(٢) البخاري (٥٢٣٣)، مسلم (١٣٤١).

٥٩٨
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
ما يؤخذ من الحديثين:
١ - الحديثان يدلان على تحريم الخلوة بالمرأة الأجنبية، وهي هنا المرأة التي
ليست بذات محرم للرجل الخالي بها؛ فقد جاء في الحديث الآخر: ((ما
خلا رجل بامرأة إلاّ كان الشيطان ثالثهما)) .
٢ - لا شك في خطورة هذا الأمر؛ ولذا لما سئل ◌َّيّ عن خلوة الحمو - وهو
قريب الزوج من أخ، وابن عمٍّ، ونحوهما - قال ◌َّةٍ: ((الحمو الموت))؛ لأنَّه
يدخل ويخلو بلا نكير؛ فيقع المحذور .
٣- المرأة مظنة الشهوة والطمع، وهي لا تكاد تقي نفسها؛ لضعفها ونقصها،
ولا يغار عليها مثل محارمها، الَّذين يرون النيل منها نيلاً من كرامتهم
وشرفهم؛ لذا تحتم وجود المحرم عند حضور الأجنبي.
٤ - كما أنَّ الرجل - وإنْ كان صالحًا - فهو بخلوته بالمرأة الأجنبية معرّض
للفتنة، وإغواء الشيطان، ووساوس النفس الأمَّارة بالسوء؛ لذا شدّد الشارع
الحكيم في هذا المقام، ولم يتساهل فيه.
٥- النَّاس الآن تساهلوا، وأرخوا للنساء العنان مع السائقين والطبَّاخين
ونحوهم، وهذا - مع ما فيه من الإثم - ففيه خطورة على العار والعِرْض،
والعِرْضُ من أهم الضرورات الخمس، والله المستعان.
تعريف الخلوة :
قال علماء اللغة: خلا الشيء يخلو خلوة، فهو خالٍ .
والخلا: المكان الخالي الَّذي لا شيء به .
ويقال: خلا المكان والشيء يخلو خلوًّا: إذا لم يكن به أحد، وخلا
الرجل بصاحبه، وإليه، ومعه: إذا اجتمع إليه، وانفرد به، واجتمع معه في
خلوة؛ ومنه قوله تعالى: ﴿ وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَى شَيَطِينِهِمْ قَالُواْ إِنَّا مَعَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤].

٥٩٩
كتاب النكاح - باب العدة
هذا تعريف الخلوة عند اللغويين .
قال أصحاب الموسوعة الفقهية الكويتية: ولا يخرج استعمال الفقهاء
لهذا المصطلح عن معناه اللغوي .
* خلاف العلماء:
الخلوة بمعنى الانفراد بالغير تكون مباحة إذا كانت بين الرجل والرجل،
وبين المرأة والمرأة إذا لم يحدث ما هو محرَّم شرعًا؛ كالخلوة لارتكاب
معصية.
وكذلك الخلوة مباحة فيما بين الرجل، وإحدى محارمه، أو بين الرجل
وزوجته .
ومن الخلوة المباحة: انفراد الرجل بالمرأة الأجنبية منه في وجود النَّاس،
ومرآهم إليهما، بحيث لا تحتجب أشخاصهما عنهم، ويسمعون كلامهما غير
الكلام المخافت به .
فقد جاء في صحيح البخاري، من حديث أنس بن مالك، قال: جاءت
امرأة من الأنصار إلى النَّبِي ◌ِّ، فخلا بها .
وجعل لهذا الحديث الإمام البخاري عنوانًا في صحيحه، فقال: ((باب ما
يجوز أنْ يخلو الرجل بالمرأة عن النَّاس))، ثمَّ قال عقب ذلك: ولا يخلو بها
بحيث تحتجب أشخاصهما عنهم، بل بحيث لا يسمعون كلامهما، إذا كان بما
یخافت به .
وقد اتفق العلماء على أنَّ الخلوة بالأجنبية حرام .
واختلفوا في حكم خلوة الرجل بالأجنبية مع وجود أكثر من امرأة واحدة
أو وجود عدد من الرجال بامرأة :
فذكر النووي في المجموع: أَنَّ المشهور من مذهب الشافعي جواز خلوة
رجل بنسوة، لا مَحْرَم له فيهن؛ لعدم المفسدة غالبًا، وإنْ خلا رجلان، أو

٦٠٠
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
رجال بامرأة، فالمشهور تحريمه.
وقيل: إنْ كانوا ممن تبعد مواطأتهم على الفاحشة، جاز.
وذهب الحنفية: إلى جواز الخلوة بأكثر من امرأة.
وذهب الحنابلة: إلى تحريم خلوة الرجل مع عدد من النساء، أو
العكس، كأنْ يخلو عدد من الرجال بامرأة.
والأجنبية التي تحرم الخلوة بها هي من ليست زوجة، ولا مَحْرَمًا،
والمَحْرَمُ مَن يحرم نكاحها على التأبيد، إمَّا بالقرابة، أو بالرضاع، أو
بالمصاهرة .
والأصل في ذلك: ما جاء في البخاري، من حديث ابن عباس؛ أنَّ النَّبي
وَلٍّ قال: ((ولا يخلونَّ رجلٌ بامرأةٍ إلاَّ مع ذي محرمٍ)).
وممَّا تقدم عرفنا ما يلي :
الخلوة قسمان :
١ - خلوة مغلَّظة: وهي اجتماع الرجل مع المرأة الأجنبية منه، في مكان يأمنان
فيه من اطلاع الغير عليهما .
٢- خلوة مخفَّفة: وهي اجتماع الرجل بالمرأة الأجنبية منه، أمام النَّاس، بحيث
لا تحتجب أشخاصهما عنهم، إلاَّ أنَّه لا يسمع تخافتهما.
ومثال ذلك: انفرادهما في سيارة في الشوارع والأسواق، فهذا من الانفراد
المریب، وأمثال ذلك کثیر .
والخلوة - مغلظة أو مخففة - وسيلة إلى الوقوع في المحرَّم، والوسائل
لها أحكام المقاصد؛ ولكن الحال تختلف بحسب الأشخاص، والظروف،
والملابسات .