النص المفهرس
صفحات 501-520
٥٠١ كتاب النكاح - باب الطلاق ٢ - فهذه أحكامٌ سريعة النفوذ، قوية السريان متى ما صدرت ممن يملكها ويملك التصرف فيها، فإنه لا رجعة له فيها بعد إطلاقها . ٣- فمن عقد على موليّه، أو طلَّق زوجته، أو أعتق عبده، نفذ ذلك من حين تلفظه بذلك، سواء كان جادًّا، أو هازلاً، أو لاعبًا؛ حيث إنه ليس لهذه العقود خيار مجلس ولا خيار شرط . ٤- وكذا الرجعة تحصل من حين التلفظ بها، حيث لا يشترط رضا الزوجة، ولا قبولها لذلك. ٥ - حديثا الباب مخصِّصان؛ لعموم حديث: ((إنَّما الأعمال بالنّات)). ٦ - فهذان الحديثان ينبِّهان الإنسان بأن لا يمزح ولا يهزل بمثل هذه الأحكام؛ كما يفعله بعض الناس في مجالسهم العامة والخاصة، بل يكون الإنسان حذرًا؛ لئلا يقع فيما يورطه من الأمور. ٧- الحكمة - والله أعلم - في سرعة نفوذ وسريان النكاح، والرجعة، والعتق، تشوّف الشارع إلى إيقاعها؛ فصارت نافذة سارية من حين إطلاقها . ٨- أمَّا الطلاق فالحكمة - والله أعلم - أنه خطيرٌ جدًّا، وأن تكريره مما يجعل الزوجة مطلّقة أجنبية، وأن معاشرتها ومباشرتها محرمة، وأن غالب المطلقين هم أصحاب الانفعالات النفسية، وليسوا غالبًا من المستقيمين؛ فخشية من أن ينكر نية الطلاق وقصده، ويتلاعب بذلك، جُعِلَ نافذًا عليه، وساري المفعول، ولو لم ينو أو يقصد الطلاق. ٩ - أجمع العلماء على أن من طلَّق زوجته، طلقت عليه، سواء كان في طلاقه هازلاً أو جادًّا، وأنه لا ينفع أن يقول فيه: كنت لاعبًا، أو هازلاً . ٥٠٢ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ٩٣٥ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - عَنِ النَّبِّ ◌َّهِ قَالَ: ((إِنَّ اللهَتَعَالَىْ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا، مَا لَمْ تَعْمَلْ، أَوْ تَكَلَّمْ)) مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ (١). * مفردات الحديث: - تجاوز: هو من جاز يجوز، فألفه منقلبة عن واو، وتجاوز عن المسيء: عفا عنه، وصفح عنه، ولم يؤاخذه بذنبه . - حدَّثت: بتشديد الدال المهملة، يقال: حدَّثه بكذا، أي: أخبره، والمراد هنا حديث النفس، وهو ما يخطر بالقلب من الوسوسة. - (١) البخاري (٥٢٦٩)، مسلم (١٢٧). ٥٠٣ كتاب النكاح - باب الطلاق ٩٣٦ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - عَنِ النَّبِيِّ صَلى الله وسلم قَالَ: ((إِنَّ اللهَ تَعَالَىْ وَضَعَ عَنْ أُمَتِي الخَطَأ، وَالنِّسْيَانَ، وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ)) رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَالحَاكِمُ، وَقَالَ أَبُوحَاتِمِ: لا يَثْبُتُ(١). * درجة الحديث: الحدیث حسن . اختلفت أنظار العلماء في هذا الحديث وشواهده، والأرجح قبوله. قال ابن حجر: رجاله ثقات، إلاّ أنه أعلَّ بعلة غير قادحة. وقال ابن رجب في شرح الأربعين: هذا الحديث أخرجه ابن ماجه، من طريق الأوزاعي، عن عطاء، عن ابن عباس، عن النبي ◌َّ، وخرَّجه ابن حبَّان في صحيحه (١٦ /٢٠٢)، والدار قطني (١٧٠/٤)، وعندهما عن الأوزاعي عن عطاء عن عبيد بن عمير عن ابن عباس عن النبي ◌َّ، وهذا إسناد صحيح في ظاهر الأمر، ورواته كلهم محتج بهم في الصحيحين، وقد خرَّجه الحاكم وقال: صحيح على شرطهما، ووافقه الذهبي. ولكن له علة، فقد أنكره الإمام أحمد جدًّا، وقال: لا يروى إلاَّ عن الحسن ، عن النبي ◌َّليّ، قال أبوحاتم: هذه أحاديث منكرة، وكأنها موضوعة، فإن الأوزاعي لم يسمع هذا الحديث عن عطاء، وقد روي عن النبي وَ لّ من وجوه ◌ُخر. قال أبوداود: روى الوليد بن مسلم، عن مالك عشرة أحاديث، ليس لها أصلٌ، منها عن نافع أربعة . (١) ابن ماجه (٢٠٤٥)، الحاكم (١٩٨/٢). ٥٠٤ توضيح الأحكام من بلوغ المرام قلت: والظاهر أن منها هذا الحديث. أمَّا الشيخ الألباني فقال ما خلاصته: لست أرى ما ذهب إليه أبوحاتم، فإنه لا يجوز تضعيف حديث بمجرد دعوى عدم السماع؛ ولذلك فنحن على الأصل، وهو صحة الحديث حتى يتبيَّن انقطاعه. وأمَّا الحافظ ابن حجر فقال: رجاله ثقات، وقال البوصيري: إسناده صحيح، كما صححه ابن حبان، وحسّنه النووي في الروضة، كما صححه الشيخ أحمد شاكر. * مفردات الحديث : - وضع: عفا، وتجاوز، وأسقط المؤاخذة. - الخطأ: جمعه أخطاء، وهو ضد الصواب، فهو: مالم يُتعمّد من الأمر. - النسيان: مصدر نسي، وله معنیان: أحدهما: الترك مع الذِّكْرِ. الثاني: وهو المراد هنا: دخول غفلة عمَّا كان في الذهن. * ما يؤخذ من الحديثين: ١- الحديث رقم (٩٣٥) يدل على أن الله تبارك وتعالى تجاوز، وعفا عن الأفكار والهواجس، التي تطرأ على النفس، فيحدّث الإنسان بها نفسه، وتمر على خاطره، ذلك أن الخواطر النفسية، والهواجس القلبية، ليست من عمل الإنسان وإرادته، وإنَّما هي أمور ترد وتخطر على قلبه، بدون قصدٍ وتعمدٍ لها، فهذا عفا الله عنها، وتجاوز لعباده عنها، فلا تلحقهم تبعاتها . ٢- ومن هذا الطلاق، فإذا فكّر فيه، وعرض في خاطره، ولكنه لم يتكلم به، ولم یکتبه، فإن حديث نفسه به، وتفكيره فيه، لا يعتبر طلاقًا. ٣- أمَّا الحديث رقم (٩٣٦) فيدل على أن الخطأ، والنسيان، والإكراه في الطلاق معفو عن صاحبه، مسامح فيه؛ فلو أراد أن يقول لزوجته: ((أنت ٥٠٥ كتاب النكاح - باب الطلاق طاهر)) فقال خطأ: ((أنت طالق)) لم تطلق؛ لأنَّ الطلاق يعتبر لوقوعه إرادة لفظه لمعناه . ٤ - أمَّا المكره بغير حق، فلا يقع طلاقه . قال ابن القيم: لأنَّه قد أتى باللفظ المقتضي للحكم، ولكن لم يثبت عليه حكمه؛ لكونه غير قاصد له، وإنَّما قصد دفع الأذى عن نفسه، فانتفى الحكم؛ لانتفاء قصده وإرادته لموجب اللفظ . ٥- أمَّا المكره بحق، فيقع طلاقه، وذلك المُؤْلِي إذا مضى عليه أربعة أشهر، وأبى أن يفيء، فأجبره الحاكم على الطلاق، فيقع طلاقه؛ لأنَّه إكراه بحق. ٦ - الحديث رقم (٩٣٦) دليلٌ على أن الأحكام الأخروية من العقاب معفو عنها لأمة محمد وَّ، إذا صدرت عن خطإٍ، أو نسيانٍ، أو إكراهٍ. ٧- أن طلاق الخاطئ والمكره لا يقع عند جمهور العلماء، ومنهم الأئمة الثلاثة: مالك، والشافعي، وأحمد، ويقع عند أبي حنيفة. ٨- مفهوم الحديث أن الإنسان إذا تكلم بالحكم الشرعي، كأن يلفظ بالطلاق، أو يفعل بأن يكتبه؛ أنه يقع عليه، ولا يعذر حينئذٍ. ٥٠٦ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ٩٣٧ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - قَالَ: ((إِذَا حَرَّمَ امْرَأَتَهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ، وَقَالَ: لَقَّدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ وَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ)) رَوَاهُ البُخَارِيُّ. وِلِمُسْلِمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ((إِذَا حَزَّمَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ، فَهِي يَمِينٌ يُكَفِّرُهَا))(١). * ما يؤخذ من الحديث: ١ - معنى الحديث أن الرجل إذا قال لزوجته: ((أنت عليَّ حرام))، فليس التحريم بطلاق، وإنَّما يكون يمينًا، فيه كفَّارة اليمين؛ كما قال تعالى: ﴿ يَأَيُّهَا النَّبِىُّلِمَ تُحُرَّمُ مَآ أَحَ اللَّهُ لَكِّ تَبْتَغِى مَرْضَاتَ أَزْوَجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴿ قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَجِلَّةَ أَيْمَنِكُمْ﴾ [التحريم: ١-٢] أي: شرع الله لكم تحليل أيمانكم بأداء الكفارة المذكورة في سورة المائدة. ٢ - فالحديث يدل على أن من حرَّم شيئًا قد أحلَّه الله له، فإنه لا يكون حرامًا؛ فإنَّ حِلّ الأمور وحرمتها بيد الله تعالى؛ ولذا قال: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُحَرِّ مُواْ طَيِّبَتِ مَآ أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٧]؛ فإنه لا فرق بين من أباح ما حرَّم الله، وبين مَن حرَّم ما أحلَّ الله، فكله افتئات على الله في أحكامه. ٣- أثر ابن عباس صريح في أن الرجل إذا حرَّم زوجته، يصير تحريمه يمينًا، تحلها كفارة اليمين المذكورة في سورة المائدة. وفي مثل هذا اليمين الواجب على الحالف أن يأتي ما حرَّم، وحلف عليه، (١) البخاري (٥٢٦٦)، مسلم (١٤٧٣). ..---- ٥٠٧ كتاب النكاح - باب الطلاق ويُكَفِّر عن يمينه؛ لما جاء في الصحيحين، من حديث عبدالرحمن بن سمرة، قال: قال رسول الله وَله: ((إذا حلفت على يمين، فرأيت غيرها خيرًا منها، فكفِّر عن يمينك، وأتِ الذي هو خير)). ٤- شارح هذا الكتاب صحح القول بأن تحريم الزوجة أو غيرها من المباحات لغوٌ، لا حكم له في شيء من الأشياء؛ والحجة على ذلك: أن التحريم والتحليل إلى الله تعالى؛ قال تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَنُكُمُ اَلْكَذِبَ هَذَا حَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ﴾ [النحل: ١١٦]، وقال لنبيه بَّهِ: ﴿لِمَ تُحُرِّمُ مَآ أَحَلَّ اَللَّهُ لَكٌ﴾ [التحريم: ١]؛ فلا فرق بين تحليل الحرام، وتحريم الحلال، فلما كان الأول باطلاً، فليكن الثاني باطلاً، ونظرنا إلى ما سوى هذا القول، فوجدنا أقوالاً مضطربة، لا برهان عليها من الله، وهذا القول يدل عليه حديث ابن عباس، أمَّا الكفارة فهي لليمين، لا لمجرد التحريم. : خلاف العلماء : اختلف العلماء في الرجل يقول لزوجته: ((أنت عليَّ حرام)) إلى ثمانية عشر قولاً، وأقرب هذه الأقوال، أقوالٌ ثلاثة هي : أحدها: أنها يمين مكفرة؛ وهذا مذهب الأئمة الثلاثة: أبي حنيفة، ومالك، والشافعي، والأوزاعي، وبه قال أبوبكر، وعمر، وابن مسعود، وابن عباس، وعائشة. الثاني: أنه حسب نية المتكلم من طلاقٍ، أو ظِهارٍ، أو يمينٍ؛ وهذا قول لأبي حنيفة، ورواية عن أحمد، واختاره جماعة من الحنابلة. الثالث: أنه ظهارٌ، فيه كفارة الظهار؛ وهذا هو المشهور من مذهب أحمد، وإسحاق، وجماعة من التابعين. قال القرطبي: وسبب الاختلاف أنه ليس في الكتاب والسنَّة نصٌّ يعتمد عليه، فتجاذبها العلماء لذلك. ٥٠٨ توضيح الأحكام من بلوغ المرام قال ابن القيم في مأخذ أصحاب هذه الأقوال: فمأخذ من قال: إنها يمين مكفرة: قوله تعالى: ﴿يَّأَيُّهَا النَّبِىُّ لِمَ تُحُرِّمُ مَآ أَحَلَ اللَّهُ لَكَ﴾ [التحريم: ١]، ثم قال: ﴿ قَدْ فَرَضَ اَللَّهُ لَكُمْ تَجِلَّةَ أَيْمَنْكُمْ﴾ [التحريم: ٢]، وأثر ابن عباس الذي معنا. قال صاحب الشرح الكبير: وهذا القول أقرب الأقوال، وأرجحها. ومأخذ القول الثاني: هو أن اللفظ لم يوضع لإيقاع الطلاق خاصة، بل هو محتمل للطلاق، والظَّهار، والإيلاء، فإذا صرفه إلى أحدها بالنية، فقد استعمله فيما هو صالح له، فيُصْرَف إلى ما أراده، ولا يتجاوز به، ولا يقصر عنه . أمَّا مأخذ القول الثالث: فهو أن اللفظ موضوع للتحريم، والعبد ليس له التحريم والتحليل، وإنَّما إليه إنشاء الأسباب التي يترتب عليه ذلك، فإذا حرَّم ما أحلّ الله له، فقد قال القول المنكر والزور، فيكون كقوله: أنت علي كظهر أمي، بل هذا أولى أن يكون ظهارًا؛ لأنَّه إذا شبهها بمن تحرم عليه، دل على التحريم باللزوم، فإذا صرح بتحريمها، فقد صرح بموجَب التشبيه في لفظ الظهار؛ فهو أولى أن يكون ظهارًا . ٥٠٩) كتاب النكاح - باب الطلاق ٩٣٨ - وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا -: ((أَنَّ ابْنَةَ الجَوْنِ لَمَّا أُدْخِلَتْ عَلَى رَسُولِ اللهِ وَهِ، وَدَنَا مِنْهَا، قَالَتْ: أَعُوذُ باللهِ مِنْكَ، فَقَالَ: لَقَدْ عُذْتِ بِعَظِيمِ، الْحَقِي بِأَهْلِكِ)) رَوَاهُ البُخَارِيُّ(١). * ما يؤخذ من الحديث: ١ - تزوج النبي وَّل بعَمْرة بنت الجون، فلما قَرُب منها وَّ قالت - اجتهادًا منها -: أعوذ بالله منك، وقد قال وَلجر: ((مَن استعاذكم بالله، فأعيذوہ))، فَأعاذها وَِّ، وقال: ((لقد عُذْتِ بعظيم، الحَقِي بأهلك)). ٢- ففيه دليل على أن لفظ: ((الحقي بأهلك)) هو طلاقٌ، وإن لم يكن بلفظ الطلاق، وما تصرَّف منه. ٣- قوله: ((الحقي بأهلك)) كناية من كنايات الطلاق الخفية، والكناية - على المشهور من مذهب أحمد - لابد فيها من نية الطلاق، المقارنة لتلفظ المطلِّق، أو أن تكون في حال غضبٍ، أو خصومة، أو جواب السؤال المرأة الطلاق، وبدون النية، أو هذه القرائن، فلا يقع بالكناية طلاق. ٤- الطلاق له صريح وكناية : فأمَّا صريحه: فلفظ الطلاق، وما تصرَّف منه من المشتقات، فيقع فيه الطلاق جادًّا، أو هازلاً، ولو لم ینوه . ٥ - أمَّا كنايات الطلاق فقسمان: ظاهرة، وخفية: فالظاهرة: نحو أنت خلية، وبرية، وبائن، وبتة، وبتلة، وتزوَّجي مَن شئت ... إلخ. (١) البخاري (٥٢٥٤). ٥١٠ توضيح الأحكام من بلوغ المرام والخفية: نحو اخرجي، واذهبي، واعتدي، واستبرئي، ولستِ لي بامرأة، وخلّيتك، والحقي بأهلك ... إلخ. ٦- الفرق بين الكناية الظاهرة والكناية الخفية، أن ألفاظ الظاهرة: موضوعة للبينونة، فيقع بها ثلاثًا، ولو نوى واحدة، وهذا هو المشهور عن مذهب الحنابلة . أمَّا الخفية: فموضوعة لطلقة واحدة، ما لم ينو أكثر، فيقع ما نواه. ٧- هذا التقسيم في ألفاظ الطلاق هو المشهور من مذهب الإمام أحمد، رحمه الله تعالی . ٨- قال ابن القيم: تقسيم الألفاظ إلى صريح أو كناية، وإن كان تقسيمًا صحيحًا في أصل الوضع، لكن يختلف باختلاف الأشخاص، والأزمنة، والأمكنة، فليس حكمًا ثابتًا للفظ في ذاته، فرُبَّ لفظ صريح عند قوم، كناية عند آخرين، أو صريح في زمان ومكان، كناية في غير ذلك المكان والزمان، والواقع شاهدٌ بذلك. وقال الشيخ علي بن عيسى، قاضي بلدة شقراء: إن لفظ التخلاة صريح في عرفنا اليوم. وقال الشيخ عبدالرحمن السعدي: الصحيح أن ألفاظ الطلاق لا تتعين بلفظ مخصوص، فكل لفظ أفاد معنى الطلاق، فإنَّه يصلح أن يكون من ألفاظ الطلاق، كما هو في المعاملات وغيره، والله أعلم. ٩- قال الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ: لا شك أن الإمضاء على ورقة الطلاق، ليس من صيغ الطلاق، لا من الصريح ولا من الكناية؛ إذ الزوج لم يكتب طلاق زوجته، وغاية ما في الأمر أنه كتب اسمه تحت كتابة وإنشاء غيره، فإذا لم يتلفظ بشيء مما كتب في الورقة، فلا يظهر لنا وقوع الطلاق منه بإمضائه الورقة . ٥١١ كتاب النكاح - باب الطلاق ٩٣٩ - وَعَنْ جَابِرٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُوْلُ اللهِ وَلَّهِ: ((لا طَلَقَ إلاَّ بَعْدَ نِكَاحِ، وَلاَ عِثْقَ إلاَّ بَعْدَ مِلْكِ)) رَوَاهُ أَبُويَعْلَى، وَصَخَّحَهُ الحَاكِمُ، وَهُوَ مَعْلُولٌ (١)، وَأَخْرَجَ ابْنُ مَاجَهْ عَنِ المِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ مِثْلَهُ، وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ، لَكِنَّهُ مَعْلُولٌ أَيْضًا (٢). : درجة الحديث: الحدیث حسن . قال المصنف: رواه أبويعلى، وصحَّحه الحاكم، وقال: أنا متعجب من الشيخين كيف أهملاه، فلقد صحَّ على شرطهما من حديث ابن عمر، وعائشة، وابن عباس، ومعاذ بن جبل، وجابر . ولكنه معلول بما قاله الدار قطني : الصحيح أنه مرسل ليس فيه جابر. قال يحيى بن معين: لا يصح عن النبي ◌َّ: ((لا طلاق قبل النكاح)). وقال ابن عبدالبر: روي من وجوه إلاّ أنها عند أهل العلم بالحديث معلولة، ولكن يشهد له ما أخرجه ابن ماجه عن المسور بن مخرمة مثله، وإسناده حسن، لكنه أيضًا معلول؛ لأنَّه اختلف فيه على الزهري. قال البيهقي: أصح حديث في الباب حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، عند أصحاب السنن: ((ليس على رجل طلاق فيما لا يملك)) ... الحديث . (١) الحاكم (٢/ ٢٠٤). (٢) ابن ماجه (٢٠٤٨). ٥١٢ توضيح الأحكام من بلوغ المرام قال الترمذي: هو أحسن شيء روي في هذا الباب، وقال البيهقي: قال البخاري: أصح شيء وأشهره حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. وقد حسَّن الحديث السيوطي في الجامع الصغير، وقال ابن عبدالهادي: رجاله ثقات . ٥١٣ كتاب النكاح - باب الطلاق ٩٤٠ - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُم - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَّهِ: ((لاَ نَذْرَ لابْنِ آدَمَ فِيمَا لاَ يَمْلِكُ، وَلاَ ◌ِثْقَ لَهُ فِيمَا لاَ يَمْلِكُ، وَلاَ طَلَقَ لَهُ فِيمَا لاَ يَمْلِكُ)) أَخْرَجَهُ أَبُودَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَصَخَّحَهُ، وَنَقَلَ عَنِ البُخَارِيِّ أَنَّهُ أَصَحُ مَا وَرَدَ فِيهِ(١) . * درجة الحديث: تقدم الكلام عليه في درجة الحديث السابق. وذكره ابن حجر في التلخيص، وسكت عنه، ونقل هنا ابن حجر تصحيح الترمذي له. وقال الترمذي: هو أحسن شيء روي في هذا الباب، كما سبقه الإمام البخاري فقال : إنه أصحّ شيء في الباب، وحسّنه المنذري. * ما يؤخذ من الحديثين: ١ - التصرف لا يصح ولا ينفذ إلاَّ فيما يملكه الإنسان، أمَّا الشيء الذي ليس تحت تصرفه، فلا يجوز ولا يصح تصرفه فيه؛ كما قال وَ ل: ((ولا تَبعْ ما لیس عندك)) . ٢ - من ذلك الطلاق لا يصح من رجل على امرأة أجنبية، ليست زوجة له؛ فـ((إنَّما الطلاق لمن أخذ بالساق))، وقال ◌َّر: ((لا طلاق فيما لا يملك)). ٣- ومن ذلك العتق، فلا يصح أن يعتق رقيقًا لا يملكه؛ لأنَّ تصرفه لم يقع محله . ٤- إذا علَّق طلاق أجنبية على نكاحه لها، فقال: إن نكحتُ فلانة فهي طالق، ففيه ثلاثة أقوال للعلماء: (١) أبوداود (٢١٩٠)، الترمذي (١١٨١). ٥١٤ توضيح الأحكام من بلوغ المرام الأول: عدم وقوع الطلاق؛ وهو قول الشافعي، وأحمد. الثاني: صحة التعليق مطلقًا؛ وهو قول أبي حنيفة. الثالث: التفصيل بين أن يخص امرأة بعينها، فيقع الطلاق وإن عم فقال: كل امرأة أتزوجها فهي طالق، لم يقع شيء؛ وهو قول مالك. والراجح هو القول الأول. قال ابن رشد: والفرق بين التخصيص والتعميم هو استحسانٌ مبنيٌّ على المصلحة . ٥- الإمام أبو حنيفة - رحمه الله - فرَّق في التعليق بين الطلاق والعتق، فأبطله في الطلاق، وأجازه في العتق، وهو رواية عن أحمد، اختارها ابن القيم وذلك لأنَّ العتق له قوة وسراية، ولأنَّه يصح أن يجعل الملك سببًا للعتق، من باب القُرَبِ والطاعات، بخلاف النكاح : فإنه يقصد للبقاء، وليس الطلاق عبادة، وإنَّما هو مكروه. ٦ - أمَّا الحديث رقم (٩٤٠) فيدل على أن النذر لا يصح، ولا ينعقد في شيء لا يملكه الناذر حين نذره، حتى ولو ملكه بعده، فلا يلزمه الوفاء به، ولا كفارة عليه . *قرار هيئة كبار العلماء بشأن الطلاق المعلق: قرار رقم (١٦) وتاريخ ١٣٩٣/١١/١٢ هـ الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده. وبعد: فبناء على قرار مجلس هيئة كبار العلماء رقم (١٤)، الصادر عنها في دورتها الثالثة المنعقدة فيما بين (١٣٩٣/٤/١ هـ و١٣٩٣/٤/١٧هـ)، القاضي بتأجيل دراسة موضوع الطلاق المعلق إلى الدورة الرابعة لمجلس الهيئة، فقد جرى إدراج الموضوع في جدول أعمال الهيئة لدورتها الرابعة، المنعقدة فيما بين ١٣٩٣/١٠/٢٩ هـ و١٣٩٣/١١/١٢ هـ، وفي هذه الدورة ٥١٥ كتاب النكاح - باب الطلاق جرى دراسة الموضوع، بعد الاطلاع على البحث المقدم من الأمانة العامة لهيئة كبار العلماء، والمعد من اللجنة الدائمة للبحوث والإفتاء. وبعد دراسة الموضوع، وتداول الرأي، واستعراض كلام أهل العلم في ذلك، ومناقشة ما على كل قول من إيراد، مع الأخذ في الاعتبار أنه لم يثبت نصٌ صريحٌ لا في كتاب الله ولا في سنة رسوله ◌َّ، باعتبار الطلاق المعلق طلاقًا عند الحنث، وعدم اعتباره، وأن المسألة نظرية، للاجتهاد فيها مجال. بعد ذلك: توصل المجلس بأكثريته إلى اختيار القول بوقوع الطلاق عند حصول المعلَّق عليه، سواء قصد من علَّق طلاقه على شرطِ الطلاقَ المحض، أو كان قصده الحث، أو المنع، أو تصديق خبر، أو تكذيبه؛ وذلك لأمور، أهمها ما يلي : ١ - ما ورد عن الصحابة والتابعين من الآثار في ذلك، ومنه ما أخرجه البخاري في صحيحه معلقًا بصيغة الجزم، من أن رجلاً طلَّق امرأته ألبتة إن خرجت فقال ابن عمر: إن خَرَجَتْ، فقد بانت منه، وإن لم تخرج، فليس بشيء. وما روى البيهقي بإسناده عن ابن مسعود في رجل قال لامرأته: إن فعلَتْ كذا وكذا، فهي طالق، فتفعله، قال: هي واحدة، وهو أحق بها. وما رواه أيضًا بإسناده إلى أبي الزناد عن أبيه أن الفقهاء السبعة من أهل المدينة كانوا يقولون: أيّما رجل قال لامرأته: أنت طالق إن خرجْتٍ إلى الليل، فخرجت، طلقت امرأته. إلى غير ذلك من الآثار، مما يقوي بعضها بعضًا. ٢- لما أجمع عليه أهل العلم، إلاّ من شذ في إيقاع الطلاق من الهازل، مع القطع بأنَّه لم يقصد الطلاق؛ وذلك استنادًا إلى حديث أبي هريرة وغيره، مما تلقته الأمة بالقبول، من أنَّ ثلاثًا جدهنَّ جد، وهزلهن جد: الطلاق والنكاح والعتاق؛ فإن كلاّ من الهازل والحالف بالطلاق قد عمد قلبه إلى ذلك الطلاق، وإن لم يقصده؛ فلا وجه للتفريق بينهما، بإيقاعه على الهازل ٥١٦ توضيح الأحكام من بلوغ المرام به، وعدم إيقاعه على الحالف به. [النور]؛ ووجه ٣- لقوله تعالى: ﴿ وَالْخَمِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اَللَّهِ عَلَيْهِ إِن كَانَ مِنَ الْكَذِبِينَ الاستدلال بها أنَّ الملاعن يقصد بهذا الشرط التصديق، ومع ذلك فهو موجب اللعنة، والغضب على تقدير الكذب. ٤- أن هذا التعليق، وإن قصد به المنع، فالطلاق مقصودٌ به على تقدير الوقوع؛ ولذلك أقامه الزوج مانعًا له من وقوع الفعل، ولولا ذلك لما امتنع. ٥ - أن القول بوقوع الطلاق عند حصول الشرط المعلِّق عليه قول جماهير أهل العلم وأئمتهم، فهو قول الأئمة الأربعة: أبي حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد، وهو المشهور في مذاهبهم. قال تقي الدين السبكي في رسالته ((الدرة المضيئة)): وقد نقل إجماع الأئمة على ذلك أئمة، لا يرتاب في قولهم، ولا يتوقف في صحة نقلهم؛ فمن ذلك الإمام الشافعي - رضي الله عنه - وناهيك به، وممن نقل الإجماع على هذه المسألة الإمام المجتهد أبوعبيد، وهو من أئمة الاجتهاد ؛ كالشافعي وأحمد وغيرهما، وكذلك نقله أبو ثور، وهو من الأئمة أيضًا، وكذلك نقل الإجماع على وقوع الطلاق الإمام محمد بن جرير الطبري، وهو من أئمة الاجتهاد أصحاب المذاهب المتبوعة، وكذلك نقل الإجماع أبوبكر بن المنذر، ونقله أيضًا الإمام الرباني المشهور بالولاية والعلم محمد بن نصر المروزي، ونقله الإمام الحافظ أبوعمر بن عبدالبر في كتابيه ((التمهيد)) و((الاستذكار))، وبسط القول فيه على وجه لم يُبْقِ لقائل مقالاً، ونقل الإجماع الإمام ابن رشد في كتاب ((المقدمات)) له، ونقله الإمام الباجي في ((المنتقى)). إلى أن قال: وأمَّا الشافعي وأبو حنيفة ومالك وأتباعهم: فلم يختلفوا في هذه المسألة، بل كلهم نصوا على وقوع الطلاق، وهذا مستقرّ بين الأمة، والإمام أحمد أكثرهم نصًّا عليها؛ فإنه نص على وقوع الطلاق، ونص على أنَّ يمين ٥١٧ كتاب النكاح - باب الطلاق الطلاق والعتاق ليست من الأيمان التي تكفر، ولا تدخلها الكفارة. اهـ. وقد أجاب من یری خلاف ذلك عما ذکرہ السبکي - رحمه الله - من الإجماع بأنه خاصٌّ فيما إذا قصد وقوع الطلاق بوقوع الشرط . وفي القواعد النورانية لشيخ الإسلام ابن تيمية ما نصه: قال إسماعيل ابن سعيد الشالنجي: سألت أحمد بن حنبل عن الرجل يقول لابنه: إن كلمتك فامرأتي طالق، وعبدي حر؟ قال: لا يقوم هذا مقام اليمين، ويلزمه ذلك في الغضب والرضا. اهـ. وقال أيضًا: وما وجدت أحدًا من العلماء المشاهير بلغه في هذه المسألة من العلم المأثور من الصحابة ما بلغ أحمد. فقال المروذي: قال أبو عبدالله: إذا قال: كل مملوك له حر، فيعتق عليه إذا حنث؛ لأنَّ الطلاق والعتق ليس فيه كفارة . اهـ. أمَّا المشايخ عبدالله بن حميد، وعبدالعزيز بن باز، وعبدالله خياط، وعبدالرزاق عفيفي، وإبراهيم بن محمد آل الشيخ، ومحمد بن جبير، وصالح بن لحيدان، فقد اختاروا القول باعتبار الطلاق المعلَّق على شرط - يقصد به الحث، أو المنع، أو تصديق خبر، أو تكذيبه، ولم يقصد إيقاع الطلاق - يمينًا مكفَّرة، ولهم في ذلك وجهة نظر مرفقة، وبالله التوفيق، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم. هيئة كبار العلماء ٥١٨ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ٩٤١ - وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - عَنِ النَّبِيِّ نَّهِ قَالَ: ((رُفِعَ القَلَمُ عَنْ ثَلاَثَةٍ: عَنِ النَّائِمَ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنِ الصَّغِيرِ حَتَّى يَكْبَرَ، وَعَنِ المَجْنُونِ حَتَّى يَعْقِلَ، أَوْ يُفِيقَ)) رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالأَرْبَعَةُ إِلاَّ التِّرْمِذِيَّ، وَصَخَّحَهُ الحَاكِمُ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ(١). * درجة الحديث : الحدیث صحیح. فقد ورد من حديث عائشة، وعلي بن أبي طالب، وأبي قتادة. أمَّا حديث عائشة: فرواه أبوداود، والنسائي، والدارمي، وابن حبَّان، والحاكم، وأحمد، قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي، ورجاله كلهم ثقات، احتجّ بهم مسلم برواية بعضهم عن بعض. وحديث علي أصح من حديث عائشة، فحديثها طريقه واحد، وأمَّا حديث علي، فله أربع طرق، وهو صحيح. وأمَّا حديث أبي قتادة: فأخرجه الحاكم، وقال: صحيح الإسناد. وفي الباب: عن أبي هريرة، وثوبان، وابن عباس، وشدَّاد بن أوس، وغير واحد من الصحابة، لا تخلو أسانيدها من مقال. وذكر له الحافظ ابن حجر طرقًا عديدة بألفاظ متقاربة، ثم قال: وهذه طرق يقوي بعضها بعضًا، وصحَّحه ابن خزيمة والسيوطي، وقال الزيلعي: هو قوي الإسناد . (١) أحمد (١٠٠/٦)، أبوداود (٤٣٩٨)، النسائي (١٥٦/٦)، ابن ماجه (٢٠٤١)، ابن حبان (١٤٢)، الحاكم (٥٩/٢). ٥١٩ كتاب النكاح - باب الطلاق * مفردات الحديث: -رُفع: بالبناء للمجهول، يُقال: رفع یرفع رفعًا: خلاف خفض. قال في المصباح: الرفع في الأجسام: حقيقة في الحركة والانتقال، وفي المعاني: محمول على ما يقتضيه المقام؛ ومنه قوله ◌َّير: ((رُفع القلم عن ثلاثة))، والقلم لم يوضع على الصغير، وإنَّما معناه: لا تكليف، فلا مؤاخذة. - القلم: بفتحتين، هو ما يكتب به، والمراد هنا: القلم الذي بيد الملائكة الكتبة، والله أعلم بكيفيته . - أو يفيق: من الإفاقة، يقال: أفاق المجنون إفاقة: رجع إليه عقله. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - الأهلية: هي صلاحية الشخص، ومحليته للحقوق المشروعة، تثبت له أو عليه؛ فلابد من اعتبارها في التصرفات. ٢- فإذا فقد الإنسان الأهلية، أصبح بفقدها عادمًا للحرية الاختيارية؛ إما بسبب النوم الذي أفقده الاستيقاظ لأداء واجباته، أو بسبب حداثة السن والصغر الذي هو معها فاقد الأهلية، أو بسبب الجنون الذي اضطربت معه وظائفه العقلية، ففقد التمييز والتصور الصحيحين، فانتفت عنه الأهلية بسبب من هذه الأسباب الثلاثة؛ فإن الله تبارك وتعالى بعدله، وحلمه، وكرمه، قد رفع عنه المؤاخذة، بما يصدر عنه من تعدٍّ، أو تقصير . ٣- قال تعالى: ﴿ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورُ حَلِيمٌ [البقرة]؛ ٢٢٥ فالتصرفات التي تصدر من الإنسان، وهو في حال فاقد الأهلية، وعادم حرية الاختيار، لا يترتب عليها حكم يؤاخذ به المتصرِّف. ٤- من ذلك الطلاق، فطلاق النائم - الذي يهذي في نومه - غير معتبر، ولا نافذ. ومثله المجنون الذي فقد أهليته، فصار يقول ما لا يميزه ولا يتصوره؛ فطلاقه غیر نافذ، ولا معتبر . ٥٢٠ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ٥ - أمَّا المميِّز من الصبيان، فالتكاليف التي على البالغين أمرًا أو نهيًا، لم يكلَّف بها، وأمَّا الطلاق، فإن الصبي المميز يعلم أن زوجته تبين منه، وتحرم عليه إذا طلقها، فطلاقه معتبر نافذ؛ لأنَّه صدر من عاقل، فوقع طلاقه كطلاق البالغ؛ فهو ذو أهلية فيه.