النص المفهرس
صفحات 261-280
٢٦١ كتاب النكاح (أ) إذا كان النكاح معلنًا مشهودًا عليه من اثنين، فلا نزاع في صحته . (ب) وإن كان خاليًا من الشاهدين، ومن الإعلان، فلا نزاع في عدم صحته . (ج) وإن كان معلنًا فيه فقط بدون شاهدين فهذا صحيح، وهو اختيار الشيخ تقي الدين، فإنه يرى أنَّ الإشهاد على النكاح ليس له أصل في الكتاب والسنة، وأنَّ الإشهاد وحده بدون إعلان النكاح لا يصح معه النكاح، فيقول: الذي لا ريب فيه أنَّ النكاح مع الإعلان يصح، وإن لم يشهد شاهدان . خلاف العلماء: اختلف العلماء في اشتراط الشهادة لصحة النكاح : فذهب إلى اشتراطها جمهور العلماء، ومنهم الأئمة الثلاثة أبو حنيفة والشافعي وأحمد، وهو قول عمر، وعلي، وابن عباس، وسعيد بن المسيب، وجابر بن زيد، والحسن، والنَّخعي، وقتادة، والثوري، والأوزاعي، وذلك احتياطًا للنسب، وخوف الإنكار والخلاف، ولما روى الدارقطني عن عائشة قالت: قال رسول الله وَ له: ((لا نكاح إلاّ بولي، وشاهدي عدل)) وذهب الإمام مالك ورواية عن الإمام أحمد اختارها شيخ الإسلام إلى أنَّه إذا أعلن النكاح فلا يشترط الشهادة، وطعنوا في صحة الحديث، فقد قال ابن المنذر: لا يثبت في الشاهدین خبر. قال الشيخ تقي الدين: لا يشترط في صحة النِّكاح الإشهاد على إذن المرأة قبل النكاح في المذاهب الأربعة، بل إذا قال الولي: أذنت لي، جاز عقد النكاح. وللكن وزارة العدل بالمملكة العربية السعودية ألزمت مأذوني عقود الأنكحة بالإشهاد احتياطًا، وسلامةً من الخلافات، وهو قول في مذهب الشافعي وأحمد. ٢٦٢ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ٨٤٧ - وَعَنْ أَبِي بُرْدَةَ بنِ أَبِي مُوسَى عَنْ أَبِيهِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((لاَ نِكَاحَ إِلاَّ بِوَلِيٍّ)) رَوَاهُ الإِمَامُ أَحمَدُ وَالأَرْبَعَةُ، وصَخَّحَهُ ابنُ المَدِينِيِّ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ حِبَّانَ، وَأُعِلَّ بِالإِرْسَالِ(١). ورَوَى الإِمَامُ أَحْمَدُ عَنِ الحَسَنِ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ الحُصَيْنِ مَرَفْوعًا: ((لاَ نِكَاحَ إِلاَّ بِوَلِيٍّ وَشَاهِدَيْنٍ))(٢). * درجة الحديث: الحدیث صحیح. أخرجه أبوداود، والترمذي، والطحاوي، وابن حبان، والدارقطني، والحاكم، والبيهقي، وغيرهم، وقد صحَّحه كل من ابن المديني، وأحمد، وابن معين، والترمذي، والذهلي، وابن حبان، والحاكم، ووافقه الذَّهبي، وقال ابن الملقن في الخلاصة: إنَّ البخاري صحَّحه، واحتجَّ به ابن حزم، وقال الحاكم: قد صحت الرواية فيه عن زوجات النبي وَل﴾ الثلاث: عائشة، وزينب، وأم سلمة، ثم سرد ثلاثین صحابيًّا، كلهم رواه. قال الألباني: الحديث صحيحٌ بلا ريبٍ، فإنَّ حديث أبي موسى صحَّحه جماعةٌ من الأئمة، فإذا انضم إليه متابعة من تابعه، وبعض الشواهد التي لم يشتدَّ ضعفها، فإنَّ القلب يطمئن إليه . (١) أحمد (٣٩٤/٤)، أبوداود (٢٠٨٥)، الترمذي (١١٠١)، ابن ماجه (١٨٨١)، ابن حبان (١٢٤٣)، ولم يروه النسائي. (٢) رواه البيهقي (١٢٥/٧)، والدارقطني (٢٢٥/٣). والسند فيه عبدالله بن محرَّر، وهو ضعيف متروك، لا يحتج به. ولم أجده في المعلبوع من المسند. - -- ٢٦٣ كتاب النكاح ٨٤٨ - وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَهُ: ((أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ بِغَيْرِ إِذْنٍ وَلِيِّهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ، فَإِنْ دَخَلَ بهَا فَلَهَا المَهْرُ بِمَا اسْتَحَلَّ مِن فَرْجِهَا، فَإِنِ اشْتَجَرُوا فالسُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لاَ وَلِيَّ لَهُ)) أَخْرَجَهُ الأَرْبَعَةُ إِلَّ النَّسَائِيَّ، وَصَخَّحَهُ أَبُوعَوَانَةَ، وَابْنُ حِبَّانَ، وَالحَاكِمُ(١). * درجة الحديث: الحدیث حسن . أخرجه أحمد، والشافعي، وأبوداود، والترمذي، وابن ماجه، والدارقطني، والحاكم، والبيهقي، وغيرهم، من طرق عديدة، عن ابن جريج، عن سليمان بن موسى، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، ورجال الحديث كلهم ثقات من رجال مسلم . وقد صحَّحه ابن معين، وحسَّنه الترمذي، كما صحَّحه أبوعوانة، وابن حبان، وقال الحاكم: إنَّه على شرط الشيخين، وقوَّاه ابن عدي، وصحَّحه ابن الجوزي، وأعلَّ بالإرسال، ولكن البيهقي قوَّاه وردَّ على من أعلَّه، وعلى هذا فالحديث حسن الإسناد، والله أعلم. * مفردات الحديث: - أيُّما: من ألفاظ العموم، فهي تفيد طلب الولاية عن المرأة مطلقًا من غير تخصيص . (١) أبوداود (٢٠٨٣)، الترمذي (١١٠٢)، ابن ماجه (١٨٧٩)، ابن حبان (١٢٤٨). ٢٦٤ توضيح الأحكام من بلوغ المرام - اشتجروا: شجر الأمر بينهم يشجر شجورًا، تنازعوا فيه، ومنه في سورة النساء: ﴿فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء: ٦٥] أي فيما وقع بينهم من الاختلاف، فاشتجر القوم، أي: تنازعوا. - بما: ((الباء)) للسببية، أو المعاوضة، و((ما)) اسم موصول بمعنى الذي. * ما يؤخذ من الحديثين: ١- الولي في النكاح شرط لصحته، فلا يصح النكاح إلاَّ بولي، يتولى عقد النكاح، وهو مذهب الأئمة الثلاثة: مالك، والشافعي، وأحمد، وجماهير العلماء . ٢- ودليل اشتراط الولي حديث: ((لا نكاح إلاّ بولي))، قال المناوي في شرح الجامع الصغير: إنَّه حديث متواتر، وأخرجه الحاكم من نحو ثلاثين وجهًا، وحديث عائشة رقم (٨٤٨) صريح في بطلانه بدون ولي، ونصه: ((أيما امرأةٍ نكحت بغير إذن وليها، فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، فنكاحها باطل)). ٣- عقد النكاح عقد خَطِر، يحتاج إلى كثير من المعرفة بمصالح النكاح ومضاره، ويفتقر إلى التروِّي والبحث والمشاورة، والمرأة ناقصة قاصرة قريبة النظر والفكر، فاحتاجت إلى ولي يحتاط لهذا العقد، من حيث مصلحته، ومن حيث الاستيثاق فيه، لذا صار شرطًا من شروط العقد، للنص الصحيح، ولقول جماهير العلماء. ٤- يشترط في الولي التكليف، والذكورية، والرشد في معرفة مصالح النكاح، واتفاق الدين بين الولي والموليِّ عليها، فمن لم يتَّصف بهذه الصفات فليس أهلاً للولاية في عقد النكاح. ٥ - الولي هو أقرب الرجال إلى المرأة، فلا يزوجها ولي بعيد مع وجود أقرب منه، وأقربهم أبوها، ثم جدها من الأب، وإن علا، ثم ابنها، وإن نزل، الأقرب فالأقرب، ثم شقيقها، ثم أخوها لأب، وهكذا على حسب ٢٦٥ كتاب النكاح تقديمهم في الميراث، ذلك أنَّ ولاية النكاح تحتاج إلى الشفقة، والحرص على مراعاة مصلحتها، واشتراط القرب، وتوفر الشروط المذكورة في الولي: للحرص على تحقيق مصالح النكاح، والابتعاد عن مضاره. ٦ - إذا زوج المرأةَ الوليُّ الأبعد مع وجود الأقرب فاختلف العلماء: فبعضهم قال: النكاح مفسوخ، وبعضهم قال: جائز، وبعضهم قال: للأقرب أن يجيز أو يفسخ، وسبب هذا الاختلاف هل الترتيب بين الأقارب في ولاية النكاح حكم شرعي محض حق الله، فيكون النكاح غير منعقد ويجب فسخه، أو أنَّه حكم شرعي وهو أيضًا حقٌّ للولي، فيكون النكاح منعقدًا، فإن أجازه الولي جاز، وإن لم يجزه ينفسخ؟ ٧- إذا علمنا فساد النكاح بدون ولي، فإنّه إذا وقع بدونه، فإنه لا يعتبر نكاحًا شرعيًّا، ويجب فسخه عند حاكم، أو الطلاق من الزوج. لأنَّ النكاح المختلف فيه يحتاج إلى فسخ أو طلاق، بخلاف الباطل، فلا يحتاج إلى ذلك. والفرق بين الباطل والفاسد في النكاح: أنَّ الباطل ما أجمع العلماء على عدم صحته، كزواج خامسة لمن عنده أربع، أو الزواج بنحو أخت زوجته، فهذا مجمع على بطلانه، فلا يحتاج إلى فسخ. أما النكاح الفاسد فهو الذي اختلف العلماء في صحته، كالنكاح بلا ولي، أو دون شهود، فهذا لا بد من فسخه عند حاكم، أو الطلاق من الزوج . ٨- إذا وطئها بالطلاق الباطل، أو الفاسد فلها مهر مثلها، بما استحلَّ من فرجها . ٩- إذا لم يوجد للمرأة وليٌّ من أقاربها أو مواليها، فوليها الإمام أو نائبه، فإنَّ السلطان ولي من لا ولي له. ٢٦٦ توضيح الأحكام من بلوغ المرام * خلاف العلماء: تقدم أنَّ الولي شرط لصحة عقد النكاح، وأنَّ هذا مذهب جمهور العلماء، ومنهم الأئمة الثلاثة . وذهب الإمام أبو حنيفة وأتباعه إلى أنه لا يشترط. وحجتهم أدلة كثيرة، وهي مسألة خلافية طويلة . ومن أدلتهم: قياس النكاح على البيع، فإنَّ للمرأة أن تستغل وتبيع ما تشاء من مالها، فكذلك لها أن تزوج نفسها، للكن قال العلماء: إنَّه قیاس فاسد لثلاثة أمور : الأول: أنه قياس في مقابلة النص، وهذا لايجوز ولا يعتبر أصوليًّا . الثاني: أنه يشترط المماثلة بين الحكمين. وهنا لا مماثلة، فإنَّ النّكاح وخطره، وما يحتاج إليه من نظرٍ، ومعرفةٍ للعواقب، يخالف البيع في بساطته، وخفة أمره، وضعف شأنه. الثالث: أنَّ عقد النكاح على بعض الأزواج قد يكون مسبَّةً وعارًا على الأسرة كلها، وليس على الزوجة وحدها، فأولياء أمرها لهم حظّ من الصهر، طيبًا أو ضده. وقد رَدَّ الحنفية هذا الحديث تارةً بالطعن في سند الحديث بأنَّ الزهري قال لسليمان بن موسى: لا أعرف هذا الحديث، ورُدَّ هذا بأنَّ الحديث جاء من طرق متعددة عن أكابر الأئمة، وأعيان النقلة . وتارةً يقولون: إنَّ ((باطل)) مؤوَّل، والمراد به: أي بصدد البطلان ومصيره إليه، وهذا تأويلٌ بعيدٌ، وأحيانًا يقولون: إنَّ المراد بالمرأة هنا هي المجنونة، أو الصغيرة، إلى غير ذلك من استدلالاتٍ بعيدةٍ رُدَّ عليهم فيها، والنُّصوص واضحة، لا تحتاج إلى مثل هذه التأويلات، والله أعلم. أما الأدلَّة على اشتراط الولي فمنها حديث الباب. ... ٢٦٧ كتاب النكاح قال عنه ابن المديني : صحيح، وقال الشارح: صحَّحه البيهقي، وغير واحدٍ من الحفاظ، وقال الضياء: إسناد رجاله كلهم ثقات. وقد أخرجه الحاكم عن ثلاثين صحابيًّا . وقال المناوي: إنه حديثٌ متواتر . ومن تدبَّر حال عقد النكاح، وما يحتاج إليه من عنايةٍ، وطلب مصالح، وابتعادٍ عن مضارِّ العشرة، وعن حال الزوج، وكفاءته من عدمها، وقصر نظر المرأة، وقرب تفكيرها، واغترارها بالمناظر، وعلم حرص أوليائها ورغبتهم في إسعادها، وبُعد نظر الرجال، علمنا الحاجة إلى الولي. واختلف العلماء في اشتراط عدالة الولي : فذهب الإمامان: الشافعي، وأحمد في المشهور منْ مذهبيهما إلى اشتراط العدالة الظاهرة؛ لأنَّها ولايةٌ نظريةٌ، فلا يستبد بها الفاسق. وذهب الإمامان: أبو حنيفة، ومالك، إلى عدم اشتراطها، وأنَّها تجوز ولاية الفاسق؛ لأنَّه يلي نكاح نفسه، فصحّت ولايته على غيره. وهي إحدى الروايتين عن أحمد، اختارها صاحب المغني، وصاحب الشرح الكبير، وشيخ الإسلام، وابن القيم، وممَّن صرَّح باختيارها من علمائنا المتأخرين، الشيخ عبدالرحمن السعدي، والشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ. وقال في الشرح الكبير: والصحيح في الدليل والذي عليه العمل أنَّ أباها يملكها، ولو كانت حالته حالة سوء، إذا لم يكن كافرًا ، قلتُ: وعليه عمل المسلمين . ٢٦٨) توضيح الأحكام من بلوغ المرام ٨٤٩ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضِيَ اللهُ عَنْهُ - أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَّل قَالَ: ((لاَ تُنْكَحُ الأَيِّمُ حَتَّى تُسْتَأْمَرَ، وَلا تُنْكَحُ البِكْرُ حَتَّى تُسْتَأْذَنَ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ! وَكَيْفَ إِذْنُهَا؟ قَالَ: أَنْ تَسْكُتَ)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). ** مفردات الحديث: - الأيم: بفتح الهمزة، وتشديد الياء التحتية المثنَّة، بعدها ميم، هي المرأة التي زالت بکارتها بوطء، ولو زنا. - نُسْتَأْمَر: بضم التاء المثنَّة الفوقية، مبني للمجهول، وأصل الاستثمار طلب الأمر، فلا يعقد عليها إلاّ بعد طلب أمرها وإذنها بذلك. - البكر: بكسر الباء الموحدة، العذراء التي لم تفتض بكارتها . - حتى تُسْتَأذن: بطلب إذنها، وموافقتها على النكاح. (١) البخاري (٥١٣٦)، مسلم (١٤١٩). ٢٦٩ كتاب النكاح ٨٥٠ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - أَنَّ النَّبِيَّ ◌َمه قَالَ: ((الثَّيِّبُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيَّهَا، وَالبِكرُ تُسْتَأْمَرُ، وَإِذْنُهَا سُكُوتُهَا)) رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَفِي لَفْظِ: (لَيْسَ لِلوَلِيِّ مَعَ الثَّبِ أَمْرٌ، وَاليَتِيمَةُ نُسْتَأْمَرُ)) رَوَاهُ أَبُودَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وصَخَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ(١). * درجة الحديث: الحدیث صحیح. رواه أبوداود، والنسائي، وصحَّحه ابن حبان، وقال ابن حجر في التلخيص: رجاله ثقات، قاله أبوالفتح القشيري . * مفردات الحديث: - الثَّب: قال في النهاية، أصل الكلمة الواو؛ لأنَّه من ثاب يثوب إذا رجع، وهو يطلق على الذكر والأنثى، وهو من ليس بیکر . - أحق بنفسها: صيغة التفضيل المقتضية للمشاركة في الحق. - البكر: بكسر الباء جمعه أبكار، مثل حمل وأحمال، وهو الذي لم يتزوج من ذكر وأنثى، وأصل مادة بكر، تدل على أول الشيء وبدئه، ومنه بكر: عمل والبكور: أول النهار، والباكورة: أول ما يدرك من الثمار، والبكر: الفتيُّ من الإبل، والبِكْر: هو المولود الأول، وغير ذلك. - اليتيمة: اليتيم من الناس من فقد أباه قبل البلوغ، والجمع أيتام، والصغيرة: يتيمة، وجمعها: يتامى، والمراد باليتيمة هنا: البالغة، باعتبار ما كانت عليه وفائدة تسميتها يتيمة في هذا السن مراعاة حقها، والشفقة عليها في تحري الكفء الصالح . (١) مسلم (١٤٢١)، أبوداود (٢١٠٠) النسائي (٨٤/٦)، ابن حبان (١٢٤١). ٢٧٠ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ٨٥١ - وَعنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلَه : ((لاَ تُزَوِّجُ المَرْأَةُ المَرْأَةَ، وَلاَ تُزَوِّجُ المَرْأَةُ نَفْسَهَا» رَوَاهُ ابنُ مَاجَهْ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ، ورِجَالُهُ ثِقَاتٌ (١). * درجة الحديث: الحدیث صحیح . قال الألباني: أخرجه ابن ماجه، والدار قطني، والبيهقي من طريق جميل بن الحسن العتكي، حدثنا محمَّد بن مروان العقيلي، حدَّثنا هشام بن حسَّان، عن محمَّد بن سيرين، عن أبي هريرة به . وهذا إسنادٌ حسن، رجاله كلهم ثقات، غير محمَّد بن مروان. قال الحافظ: صدوقٌ له أوهام. اهـ. قلت: للكن قد توبع بسندٍ رجاله ثقات، كما قال ابن دقيق العيد، وصحَّحه السيوطي. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - النَّهي عن نكاح الثيب قبل استثمارها، وإذنها في ذلك إذنًا صريحًا، وقد ورد النَّهي بصيغة النفي، ليكون أبلغ، فيكون عقد النكاح الخالي من إذنها باطلاً. ٢ - النَّهي عن نكاح البكر قبل استئذانها، ويقتضي طلبُ إذنها فيه، أنَّ نكاحها بدونه باطل أيضًا . ٣- يفيد طلب إذنها أنَّ المراد بها البنت البالغة التي عرفت أمور النكاح، والزوج (١) ابن ماجه (١٨٨٢)، الدار قطني (٢٢٧/٣). ٢٧١ كتاب النكاح الصالح من غيره؛ ليكون لإذنها اعتبارٌ ومعنىً، هذه هي التي يؤخذ إذنها . ٤- أنَّ الصغيرة لا تُسْتَأمر، ولا تستأذن؛ لعدم الفائدة من ذلك. قال ابن دقيق العيد: الاستئذان إنَّما يكون في حق من له إذن، فيختص الحدیث بالبالغات. ٥ - قال شيخ الإسلام: الصحيح أنَّ مناط الإجبار هو الصغر، وأنَّ البكر البالغ لا يجبرها أحدٌ على النكاح، وأما جعل البكارة موجبة للإجبار، فهذا مخالفٌ لأصول الإسلام. ٦- البكر يكفي في إذنها السكوت؛ لحيائها غالبًا عن النطق، والأحسن أن يجعل لموافقتها بالسكوت أجلاً، تعلم به أنَّها بعد انتهاء مدته راضية، يعتبر سكوتها إذنًا منها وموافقةً. قُلتُ: ((وإذنها سكوتها))؛ هذا في أجيال مضت، وقد أصبح الآن البنات لهن رأي في زواجهن. ٧- قال شيخ الإسلام: إذا زالت البكارة بوثبة، أو بإصبع، أو نحو ذلك، فهي كالبكر عند الأئمة الأربعة، وإن كانت ثيبًا من زنا، فمذهب الشافعي، وأحمد أنَّها كالثيب في نكاح، وعند أبي حنيفة، ومالك كالبكر، وقال صاحبا أبي حنيفة: كالثيب من نكاح. ٨- لا يكفي في استثمار الثيب واستئذان البكر مجرد الإخبار بالزواج، واسم الزوج، بل لا بد من تعريفها بالزوج تعريفًا كاملاً، في خُلقه، ودینه، وسِنه، وجماله، ونسبه، وغناه، وعمله، وغير ذلك ممَّا فيه لها مصلحة، وممّا يزيدها في الرغبة فيه، أو العدول عنه. ٩ - قال شيخ الإسلام: من كان لها وليٍّ من النسب، وهو العصبة، فهذه يزوجها الولي بإذنها، ولا يفتقر إلى حاكم باتفاق العلماء، وأما من لا ولي لها، فإن كانت ليس لها قريب زوَّجها كبير المحلة، أو نائب الحاكم، أو أمير ٢٧٢ توضيح الأحكام من بلوغ المرام الأعراب، أو رئيس القرية. ١٠ - قال الشيخ: ليس للأبوين إلزام الولد بنكاح من لا يريد، ولا يكون عاقًا کأکل ما لا یرید . ١١ - اختار الشيخ عدم إجبار بنت تسع، بكرًا كانت أو ثيبًا، فلا يجبرها أبوها ولا غيره، وهو رواية عن أحمد قال: إذا بلغت الجارية تسع سنين فلا يزوجها أبوها ولا غيره إلاَّ بإذنها، قال بعض المتأخرين: وهو الأقوى. ١٢ - قال شيخ الإسلام أيضًا: الإشهاد على إذن المرأة ليس شرطًا في صحة العقد عند جماهير العلماء، وإنما فيه خلاف شاذ في مذهب أحمد والشافعي والمشهور من المذهبين كقول الجمهور أنَّ ذلك لا يشترط، والذي ينبغي لشهود النكاح أن يشهدوا على إذن الزوجة قبل العقد لوجوه ثلاثة: ١ - ليكون العقد متّفقًا على صحته. ٢- ليأمن من الجحود. ٣- خشية أن يكون الولي كاذبًا في دعوى الإذن والرضا. ١٣ - تقدم أنَّ الولي شرط من شروط صحة عقد النكاح على الصحيح، وأنَّ النكاح بلا ولي فاسد، لما جاء من النصوص التي بلغت حد التواتر، ولأنَّ المرأة قاصرة النظر، ولا يرعى مصالحها مثل ولي أمرها، فهو الذي يحتاط لها بالزوج الصالح، ويتحرى لها الخير فيمن يقبله زوجًا لها، وإنَّ من شرط الولي الذكورة، وأنَّ المرأة لا تصلح أن تكون وليّا في النكاح، فإنَّها إذا كانت لا تلي أمر نفسها، فكيف تلي أمر غيرها. : خلاف العلماء: ليس هناك نزاعٌ بين العلماء في أنَّ البالغة العاقلة الثيب لا تُجبر على النكاح، ودليل ذلك واضحٌ من النصوص. وليس هناك نزاعٌ أيضًا في أنَّ البكر التي دون التسع ليس لها إذن، فلأبيها ------- ٢٧٣ كتاب النكاح تزويجها بكفئها بلا إذنها، ولا رضاها. قال شيخ الإسلام: فإنَّ أباها يزوجها، ولا إذن لها . ودليلهم: زواج عائشة - رضي الله عنها - من النبي ◌َّ، وهي ابنة ست. واختلفوا في البكر البالغة: فالمشهور من مذهب الإمام أحمد: أنَّ لأبيها إجبارها، وهو مذهب مالك والشافعي، وإسحاق . ومذهب الإمام أبي حنيفة، والرواية الأخرى عن الإمام أحمد عدم إجبار المكلفة، بكرّا كانت أو ثيبًا، اختاره أبوبكر عبدالعزيز، والشيخ تقي الدين، قال في الفائق: وهو الأصح. قال الزركشي: وهو أظهر؛ فإنَّ مناط الإجبار الصغر. وكذا بنت تسع، بكرًا كانت أو ثيبًا، فقد اختار الشيخ عدم إجبارها، وهو رواية عن أحمد، قال بعض المتأخرين: هو الأقوى. قال الوزير وابن رشد وغيرهما: أجمع العلماء على أنَّ للأب إجبار من دون التسع على النكاح في كفء؛ ما ثبت من أنَّ أبابكر زوَّج النبي ◌َّ عائشة، وهي بنت ست سنين . ٢٧٤ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ٨٥٢ - وَعَنْ نَافِع عَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - قَالَ: ((نَهَىْ رَسُولُ اللهِلّهِ عَنِ الَشِّغَارِ، والشِّغَارُ أَنْ يُزَوِّجَ الرَّجُلُ ابْتَهُ، علَى أَنْ يُزَوِّجَهُ الآخَرُ ابْنَتَهُ، وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا صَدَاقٌ)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاتَّفَقَا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَلَى أَنَّ تَفْسِيرَ الشِّغَارِ مِنْ كَلَامِ نَافِعٍ (١). * مفردات الحديث: - الشِّغَار: الشِّغار بكسر الشين المعجمة، وتخفيف الغين المعجمة، لغة: الرفع، يقال : شغر الكلب رجله ليبول . وشرعًا: هو أن يزوجه موليته، على أن يزوجه الآخر موليته، ولا مهر بينهما، أو بينهما مهر لأجل الحيلة . قال الخطابي: سمي شِغَارًا؛ لأنَّه رفع للعقد من أصله، فارتفع النكاح، والمهر معًا . * ما يؤخذ من الحديث: ١ - النَّهي عن نكاح الشغار، والنّهي يقتضي الفساد، فهو غير صحيح. ٢ - إنَّ العلة في تحريمه وفساده، هو خلوُّه من الصداق المسمى، ومن صداق المثل، وأشار إليه بقوله: ((وليس بينهما صداق)). ٣- وجوب النصح للمولية، فلا يجوز تزويجها بغير كفء، لغرض الولي ومقصده. ٤- بما أنَّهم جعلوا العلة في إبطال هذا النكاح هي خلوه من الصداق، فإنَّه يجوز أن يزوِّجه موليته، على أن يزوجه الآخر موليته، بصداق غير قليل، مع الكفاءة بين الزوجين، والرضا منهما. ٥- قوله: ((والشغار: أن يزوج الرجل ... إلخ)) قال ابن حجر: اختلفت (١) البخاري (٥١١٢، ٦٩٦٠)، مسلم (١٤١٥). ٢٧٥ - كتاب النكاح الروايات عن مالك، فيمن ينسب إليه تفسير الشغار، فالأكثر لم ينسبوه الأحد، وبهذا قال الشافعي، فقد قال: لا أدري التفسير عن النبي وَّ، أو عن ابن عمر، أو عن نافع، أو عن مالك، وجعله بعضهم من تفسير نافع، ولیس خاصًا بالابنة، بل كل مولية. وقال القرطبي: تفسير الشغار صحيح، موافق لما ذكر أهل اللغة، فإن كان مرفوعًا فهو المقصود، وإن كان من قول الصحابي فمقبول أيضًا؛ لأنَّه أعلم بالمقال، وأفقه بالحال. ٦- أجمع العلماء على تحريم هذا النكاح، واختلفوا في بطلانه: فعند أبي حنيفة: أنَّ النكاح يصح، ويُفرض لها مهر مثلها . وعند الشافعي وأحمد: أنَّ النكاح غير صحيح؛ لأنَّ النَّهي يقتضي الفساد، وحكى في الجامع رواية عن الإمام أحمد بطلانه، ولو مع صداق، اختارها الخِرَقِي؛ لعموم ما روى الشيخان عن ابن عمر: ((أنَّ رسول الله وَه نهى عن الشغار)) ومثله في مسلم عن أبي هريرة، ولأنَّ داود، جعل التفسير - وهو قوله: ((وليس بينهما صداق)) - من كلام نافع. قال الشيخ تقي الدين: حرَّم الله نكاح الشغار؛ ولأنَّ الولي يجب عليه أن يزوج موليته إذا خطبها كفء، نصَّ عليه أحمد، ونظره لها نظر مصلحة، وعلى هذا فلو سمى صداقًا حيلة، والمقصود المشاغرة، فلا يصح النكاح، واختار هذا القول العلامة الأثري الشيخ عبدالعزيز بن باز - رحمه الله - في رسالةٍ له في الأنكحة الباطلة، والله أعلم. ٧- في الحديث وجوب النصح والاجتهاد لمن تولَّى ولاية صغيرٍ أو سفيه، أو نظارة وقف، أو وظيفة، أو أي عمل يسند إليه، فيجب النصح فيه والإخلاص. ٨- وفي الحديث: تحريم استغلال الموظف والوالي ما تحت يده من عمل لمصلحته الخاصة . ٢٧٦ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ٨٥٣ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - ((أَنَّ جَارِيَةً بِكْرًا أَتَتِ النَّبِيَّ ◌َِّ، فَذَكَرَتْ أَنَّ أَبَهَا زَوَّجَهَا، وَهِيَ كَارِهَةٌ، فَخَيَّرَهَا رَسُولُ اللهِوَّه)) رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُودَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَأُعِلَّ بِالإِرْسَالِ(١). * درجة الحديث: الحدیث حسن . رواه أحمد، وأبوداود، وابن ماجه، وقد طُعِن بصحة الحديث بأنّه مرسل، ولكن الحافظ أجاب بأنّه قد روي من طريق أيوب بن سويد، عن الثوري، عن أيوب موصولاً، وكذلك رواه معمر بن جدعان الرقي، عن زيد بن حبان، عن أيوب موصولاً . وإذا اختلف في وصل الحديث وإرساله، فالحكم لمن وصله، ولذا قال المصنف: الطعن في الحديث لا معنى له؛ لأنَّ له طرقًا يقوي بعضها بعضًا. * مفردات الحديث: - جارية: هي البنت الشابة، سميت جارية؛ لخفَّتها. - بِكْرًا: هي التي لم تفض بكارتها، وقيَّدها بالبكارة دون الصغر؛ لاعتبار كراهتها، فلو كانت صغيرةً لما اعتبر كراهتها ما دام المزوِّج الأب. - وهي كارهة: جملة حالية لبيان هيئة المفعول عند التزويج. كارهة: قال في المحيط: الإكراه فعل يوقعه الإنسان بغيره، فيفوّت رضاه، أو يفسد اختياره، مع بقاء أهليته للفعل. - خيَّرها: يقال: خيَّره يخيِّره تخييرًا: فوَّض إليه الخِيار، والمراد أنَّ النَّبِيَّ وَّل (١) أحمد (٢٤٦٩)، أبوداود (٢٠٩٦)، ابن ماجه (١٨٧٥). ٢٧٧ كتاب النكاح خيَّرها بين قبول النكاح، أو ردِّه. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - هذا الحديث يفيد ما أفادته الأحاديث السابقة، من أنَّ المرأة التي تعرف مصالح النكاح لا تجبر على النكاح، لا من أبيها، ولا من غيره من الأولياء، وأنَّ أمرها بيدها، وإن كانت بكرًا. وقد تقدم تحرير الخلاف في هذه المسألة قريبًا . ٢ - قال شيخ الإسلام: إنَّ مناط الإجبار هو الصغر، لا أنَّ مناطها البكارة، فإنَّ الكبيرة لها معرفة بحقوقها، وما يصلح لها وما لا يصلح، وإن كانت بكرًا. قال ابن القيم: جاء في صحيح مسلم من حديث ابن عباس: ((والبكر يستأذنها أبوها)) وهذا هو الذي ندين به، ولا نعتقد سواه، وهذا الموافق لحكم رسول الله وَير، وأمره ونهيه، وقواعد شريعته، ومصالح أمته. ٣- وقال الشيخ محمَّد بن إبراهيم آل الشيخ: لا يخفى أنَّ من شروط صحة النكاح الرضا، ولو كانت البنت بكرًا، فليس لأبيها إجبارها، وأدلة هذا القول واضحة، وقد اختاره شيخ الإسلام، وابن القيم. قال في الفائق: وهو أصح ، قال الزركشي: وهو أظهر. وهو مذهب الأوزاعي، والثوري، وأبي ثور، وأصحاب الرأي، وابن المنذر، وهو الصحيح. ٤- وقال الشيخ عبدالرحمن السعدي: الصحيح أنَّه ليس للأب إجبار ابنته البالغة العاقلة على النكاح ممن لا ترضاه، فإنَّه إذا كان لا يجبرها على بيع شيء من مالها، فكيف يجبرها على بُضعها، الذي ضرر إكراهها عليه أعظم من ضرر المال، وللأحاديث المشهورة في هذا الباب. ٥- وفي الحديث دليل على أنَّ النكاح إذا لم يعقد على الوجه الشرعي، فإنَّه يجب فسخه، وأنَّ الذي يفسخه هو الحاكم الشرعي. ٢٧٨ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ٦ - وفيه دليلٌ على أنَّ المرأة لا تجبر على البقاء مع زوج لا ترضاه، وأنَّه يجب تلبية طلبها، إذا طلبت فسخ نكاحها . ومن أدلة هذه المسألة ما جاء في صحيح البخاري: ((أنَّ امرأة ثابت بن قيس أتت النبي وَّر، فقالت: يا رسول الله! ثابت بن قيس ما أعيب عليه في خُلقٍ ولا دين، ولكنّي أكره الكفر في الإسلام، فقال: أتردِّين عليه حديقته؟ فقالت: نعم، فقال رسول الله وَ ليل: أقْبل الحديقة، وتطلقها تطليقة)). قال شيخ الإسلام: الشارع لا يُكْرِهِ المرأة على النكاح إذا لم تُرِدْهُ، بلْ إذا كرهت الزوج وحصل بينهما شقاق، فإنَّه يجعل أمرها إلى غير الزوج لمن ينظر في المصلحة من أهلها، مع النظر في المصلحة من أهلها، فيخلصها من الزوج بدون أمره، فكيف تؤسر معه أبدًا بدون أمرها . ٢٧٩ = كتاب النكاح ٨٥٤ - وَعَنِ الحَسَنِ عَنْ سَمُرَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - عَنِ النَّبِيِّ مَّ قَالَ: ((أَيُّمَا امْرَأَةٍ زَوَّجَهَا وَلِيَّانِ، فَهِيَ لِلأَوَّلِ مِنْهُمَا)) رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالأَرْبَعَةُ، وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ(١). * درجة الحديث: الحديث حسن . أخرجه أحمد، والدارمي، وأبوداود، والنسائي، والترمذي، وابن أبي شيبة، والحاكم، والبيهقي، وغيرهم، من طرق كثيرة عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة به، قال الترمذي: حديث حسن، وقال الحاكم: صحيح على شرط البخاري، ووافقه الذَّهبي، وصحَّحه أيضًا أبوزرعة وأبوحاتم. وقال الحافظ: صحته متوقفة على ثبوت سماع الحسن من سمرة، فإنَّ رجاله ثقات، ويروى عن علي نحوه موقوفًا عند البيهقي من طريق خلاس بن عمرو الهجري، وخلاس لم يسمع من علي، ولكن مع انقطاعه، فإنَّ رجال إسناده ثقات . * ما يؤخذ من الحديث: ١ - ولاية النكاح مرتَّبة من الأب، فالجد وإن علا، فالابن وإن نزل، ثم الأقرب فالأقرب من العصبة، على حسب تقديمهم في الميراث. ٢- فإذا وُجِد وليَّان في جهةٍ واحدةٍ، ودرجةٍ واحدةٍ، ومن حيث القوّة في مستوَى واحد، وتوفّرت فيهما شروط الولاية، قُدِّم منهما من أذنت له منهما (١) أحمد (٨/٥)، أبوداود (٢٠٨٨)، الترمذي (١١١٠)، النسائي (٣١٤/٧)، ولم يروه ابن ماجه . ٢٨٠ توضيح الأحكام من بلوغ المرام في تزويجها، وإن استويا في الإذن، صحَّ عقد الأول منهما، وصار العقد الثاني باطلاً؛ لأنَّه لم يصادف محلاً، وهذا بإجماع العلماء. ٣- وإن لم تأذن إلاَّ لولي واحد من أوليائها، أنيط الحكم به، فلا يصح تزويج غيره ممن لم تأذن لهم. ٤- وإذا استوى للمرأة وليان فأكثر من حيث القرابة، كأخوين شقيقين، سُنَّ تقديم الأفضل، فالأسن، فإن تشاحوا أقرع بينهم. ٥- ولاية عقد النكاح من جملة الولايات التي يُختار لها الأكفاء، قال تعالى: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ أُسْتَنْجَرْتَ الْقَوِىُّ اَلْأَمِينُ ﴾﴾ [القصص]. فإذا كانوا في درجةٍ واحدةٍ من القرابة، قدِّم الأصلح، لههذه الولاية، من حيث معرفة مصالح النكاح، واختيار الزوج الكفء، والمصاهرة الصالحة، لأنَّ هذا عقد سيدوم، فيُحتَاط له بطلب الأصلح، والله المستعان. ٦ - يفيد الحديث أنَّه لو زوَّجها البعيد من الأولياء، مع وجود الأقرب أنَّ العقد لا يصح؛ لأنَّ البعيد لا يسمى وليًّا مع وجود أقرب منه، وتقدم خلاف العلماء في ذلك عند الكلام على حديث (٨٤٧). ٧- الحديث مطلق في بطلان نكاح العاقد الثاني، وصحة عقد الأول من دون ذكر إذنها لهما أو عدمه، وللكنه يقيد بالأحاديث المتقدمة من وجوب استئذان الثيب، واستثمار البكر.