النص المفهرس

صفحات 241-260

٢٤١
كتاب النكاح
٨٤١ ) وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: عَلَّمَنَا
رَسُولُ اللهِ بَّه التَّشَهُّد فِي الحَاجَةِ: ((إِنَّ الحَمْدَ للهِ، نَحْمَدُهُ،
وَنَسْتَعِينُهُ، وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورٍ أَنْفُسِنَا، مَنْ يَهْدِ اللهُ فَلاَ
مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلاَ هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أنْ لاَ إِلهَ إِلاَّ اللهُ، وَأَشْهَدُ
أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَيَقْرَأُ ثَلاَثَ آيَاتٍ)) رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالأَرْبَعَةُ،
وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالحَاكِمُ(١).
* درجة الحديث:
الحدیث صحیح :
هذا الحديث يسمى ((حديث الحاجة))، قال شعبة: قلت لأبي إسحاق:
هذا في خطبة النكاح، أو في غيرها؟ قال: ((في كل حاجة))، وفي شرح السنة
للبغوي : عن ابن مسعود في خطبة النكاح وغيره.
قال الترمذي: حديثٌ حسن، وصحَّحه أبو عوانة، وابن حبان، والحاكم،
وابن خزيمة .
قال في التلخيص: وروى البيهقي من حديث أبي داود الطيالسي، عن
شعبة، أنبأنا أبو إسحاق، سمعت أباعبيدة بن عبدالله يحدث عن أبيه، قال:
علَّمنا رسول الله وَّ خطبة الحاجة: ((الحمد لله، أو إنَّ الحمد لله)) ورواه
أبوداود، والنسائي، والترمذي، والحاكم، وأبو عبيدة لم يسمع من أبيه، وهناك
رواية موقوفة، رواها أبوداود والنسائي أيضًا من هذا الوجه، وهناك طرق أخر
(١) أحمد (٣٩٢/١)، أبوداود (٢١١٨)، الترمذي (١١٠٥)، النسائي (١٠٤/٣)، ابن ماجه
(١٨٩٢)، الحاكم (٢/ ١٨٢).

٢٤٢
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
مروية من غير طريق أبي عبيدة، وقراءة الآيات الثلاثة جاءت في رواية النسائي.
* مفردات الحديث:
- الحاجة: ما يفتقر إليه الإنسان ويطلبه، جمعه حوائج، زاد ابن كثير في
الإرشاد: في النكاح، أو غيره.
- إنَّ الحمد: ((إنَّ)) مثقلة مكسورة الهمزة وجوبًا؛ لأنَّه لا يصح أن يقوم مقامها
ومقام معموليها مصدر، فهي هنا جاءت في ابتداء الكلام.
- الحمد: هو الثناء باللسان على الجميل الاختياري، واللام فيه لاستغراق
الحمد؛ ليفيد أنَّ جميع المحامد له تعالى، كما يفيد أنَّها مختصة بالرب
تعالى، فالَّلام أفادت الأمرين: الاستغراق والحصر.
* ما يؤخذ من الحديث:
١- هذا الحديث هو خطبة، تسمى خطبة الحاجة، يستحب الإتيان بها عند
الابتداء بكل حاجة هامّة، ومن ذلك عند عقد النكاح.
٢- أما الآيات الثلاث، فهي قوله تعالى ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَتَّقُواْ اللَّهَ حَقَّ
تُقَائِهِ .... ﴾ [آل عمران: ١٠٢]، وقوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ أَتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِى
.﴾ [النساء: ١]، وقوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَتَّقُواْ
خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَحِدَةٍ ..
٧١
والآية التي بعدها إلى قوله: ﴿عَظِيمًا
٧٠
[الأحزاب].
اللَّهَ وَقُولُواْ قَوْلًا سَدِيدًا
-----
٣- الحديث اشتمل على إثبات صفات المحامد لله، واستحقاقه لها، واتصافه بها .
٤- واشتمل على طلب العون من الله تعالى، والمساعدة على طلب التسهيل،
والتيسير على الحاجة، التي سيُقدِم عليها الإنسان، لا سيَّما النكاح بكلفه ومؤنته.
٥- واشتمل على طلب المغفرة منه تعالى، وستر العيوب والذنوب، والاعتراف
بالقصور والتقصير، وأن يمحو ذلك ويغفره.
٦- واشتمل على الاستعاذة به، والاعتصام به، من شرور النفس الأمارة

٢٤٣
كتاب النكاح
بالسوء، التي تنازعه إلى فعل ما يحرم، وترك ما يجب، إلاّ من عصمه الله
تعالى وأعاده.
٧- واشتمل على الإقرار بأنَّه تعالى صاحب التصرف المطلق في خلقه، وأنَّ
هداية القلوب وضلالها بيده: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِى مَن
يَشَآءُ﴾ [القصص: ٥٦] وهذه الجملة كالتعليل لما قبلها من طلب الاستعاذة،
والعصمة من الله وحده.
٨- واشتمل على الإقرار بالشهادتين اللتين هما مفتاح الإسلام، وهما أصله
وأساسه، فالإنسان لا يكون مسلمًا إلاّ بإقراره بهما، إقرارًا نابعًا من قلبه .
٩ - قال النووي: واعلم أنَّ هذه الخطبة سنة، لو لم يأت بشيء منها صحَّ النكاح
باتفاق العلماء.
١٠- وحكي عن داود الظاهري وجوبها، وللكن العلماء المحققين لا يعدون
خلاف داود خلافًا معتبرًا، ولا ينخرم به الإجماع.
قال إمام الحرمين: الذي ذهب إليه أهل التحقيق أنَّ منكري القياس لا
يُعَدُّون من علماء الأمة، وحملة الشريعة؛ لأنَّهم معاندون فيما ثبتت
استفاضته وتواتر؛ لأنَّ معظم الشريعة صادرةٌ عن الاجتهاد، ولا تفي
النصوص بعشر معشارها .
أما ابن الصلاح فقال: الذي اختار أبومنصور، وذكر أنَّه الصحيح من
المذهب، أنَّ خلاف دواد معتبر، وهو الذي استقرَّ عليه الأمر، فالأئمة
المتأخرون من الشافعية، كالغزالي والمحاملي، أوردوا مذهب داود في
مصنفاتهم، فلولا اعتدادهم به لما ذكروا مذهبه في مصنفاتهم. انتهى من
الطبقات الكبرى لابن السبكي.
١١ - أنَّ هذه الخطبة الهامة، الجامعة لمحامد الله، وطلب عونه، والالتجاء إليه
من الشرور، وتلاوة تلك الآيات الكريمات، ينبغي للإنسان أن يقدمها بين

٢٤٤
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
يدي أعماله، وأقواله؛ لتحلها البركة، وليكون لها الأثر الطيب فيما تقدمته
من الأعمال، فهي سنَّةٌ مؤكّدة، ولكنَّها أُهمِلَت وهُجرت، فمن أحياها فله
أجرها، وأجر من عمل بها، من غير أن ينقص من أجر عملهم شيء.
١٢ - الأعمال تكون بأسباب العبد وبإرادته المرتبطة بإرادة الله، ولكنْ وراء
هذه الأسباب، وهذه الإرادة، ربِّ مدبِّرٌ، متصرفٌ بجميع الأُمور، فإذا
اقترنت هذه الأسباب المادية، وتلك الإرادة الإنسانية، بالاستعانة بالله
تعالى، والتوكل عليه، وتفويض الأمور كلها إليه، وقدم العبد أمام هذه
الأعمال وأسبابها المادية قوَّةً روحيةً، وشحنةً إيمانيةً، تستمد من الاعتماد
على الله تعالى، والتوكل عليه، وإسناد الأمور إليه، حصلت البركة،
وحصل النجاح في الأعمال بإذن الله تعالى.
١٣ - قال شيخ الإسلام: الأركان الثلاثة التي اشتملت عليها خطبة ابن مسعود
هي: الحمدلله - نستعينه - نستغفره.
قال الشيخ عبدالقادر والشاذلي: إنَّ جوامع الكلام النَّافع هي: الحمد
له، وأستغفر الله، ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله.
والتحقيق أنَّ الثلاث الأُوَل هي جوامع الكلم.
وهذه الخطبة تُستحَب في مخاطبة الناس بالعلم من تعليم الكتاب
والسنة، والفقه، وموعظة الناس، فهي لا تخص النكاح وحده، وإنما هي
خطبة لكل حاجة، والنكاح من جملة ذلك.
وإنَّ مراعاة السنن الشرعية في الأقوال والأعمال في جميع العبادات
والعادات هو كمال الصراط المستقيم. اهـ.
١٤ - قوله: من شرور أنفسنا: نسب الشرور إلى الأنفس، ولم ينسبها إلى الله
تعالى، مع أنَّ الأمور كلها بتقدیر الله وتدبیره، إلاَّ أنَّ ما يصدر من الله لیس
في ذاته شر.

٢٤٥
كتاب النكاح
٨٤٢ - وَعَنْ جَابرٍ - رَضِيَ اللهُ عنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَله :
(إِذَا خَطَبَ أَحَدُكُمُ المَرْأَّةَ، فَإِنِ اسْتَطَاعَ أَنْ يَنْظُرَ مِنْهَا إِلى مَا يَدْعُوهُ إِلَى
نِكَاحِهَا، فَلْيَفْعَلْ)) رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُودَاوُدَ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ، وَصَخَّحَهُ
و(١)
الحَاكِمُ(١).
وَلَهُ شَاهِدٌ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ وَالنَّسَائِيِّ عَنِ المُغِيرَةِ(٢)، وَعِنْدَ ابْنِ
مَاجَهْ وَابْنِ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثٍ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ(٣).
* درجة الحديث:
الحدیث حسن .
أخرجه الشافعي، وأحمد، وأبوداود، والطحاوي، وابن أبي شيبة،
والحاكم، والبيهقي، من طريق محمَّد بن إسحاق، عن داود بن حصين، عن
واقد بن عبدالرحمن، عن جابر به، وصحّح الحديث ابن حبان، وحسّنه
الترمذي، وقال البوصيري: إسناده صحيح، ورجاله ثقات، أما حديث محمَّد
ابن مسلمة فقد صحَّحه ابن حبان، وله طرق لا تخلو من مقال، إلاَّ أنَّه يجبر
بعضها بعضًا.
قال الحاكم: صحيحٌ على شرط مسلم، ووافقه الذَّهبِي، وحسَّن سنده
الحافظ ابن حجر، وقال: رجاله ثقات.
(١) أحمد (٣٣٤/٣)، أبوداود (٢٠٨٢)، الحاكم (١٦٥/٢).
(٢) الترمذي (١٠٨٧)، النسائي (٣٢٢٥).
(٣) ابن ماجه (١٨٦٤).

٢٤٦
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
* مفردات الحديث:
- ما يدعوه إلى نكاحها: تقدم أنَّ الدَّاعي إلى النكاح، هو المال، أو الحسب،
أو الجمال، أو الدين، وعليه فمن كان غرضه الجمال، فليتحرَّ في النّظر إلى
ما قصده بأن ينظر إليها بنفسه، أو أن يبعث من ینعتها له.

٢٤٧
كتاب النكاح
٨٤٣ - وَلِمُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللهُ عنْهُ - أَنَّ النَّبِيّ ◌َلَهُ
قَال لِرَجُلِ تَزَوَّجَ امْرَأَةً: ((أَنَظَرْتَ إِلَيْهَا؟ قَالَ: لاَ، قَالَ: اذْهَبْ فَانْظُرْ
إِلَيْهَا))(١).
* مفردات الحديث:
- تزوَّج: أي خَطَبَ، عبَّر عن الخِطبة باعتبار ما يكون ، وهذا متعيَّن؛ ليفيد
الأمر بالنظر إليها .
* ما يؤخذ من الحديثين:
١ - تقدَّم أنَّ الجمال الظاهري مطلبٌ من مطالب النكاح، وأنه وإن كان الأفضل
هو البحث عن الدِّين والخُلق، إلاَّ أنَّه أيضًا أمرٌ مرغوبٌ فيه، قد يقدِّمه بعض
الراغبين في الزواج على غيره من الصفات، وحينئذٍ يكون الجمال مطلوبًا،
إذ يحصل التحصين به، كيف والغالب أنَّ حسن الخَلق والخُلق لا يفترقان،
وأنَّ ما روي أنَّ المرأة تُنكَح لجمالها، ليس زجرًا عن رعاية الجمال، بل هو
زجرٌ عن النكاح لأجل الجمال المحض مع عدم مراعاة غيره.
٢ - إذا كان الجمال أمرًا مطلوبًا مرغوبًا فيه، وأنَّ الرجل قد يكره المرأة لدمامتها،
أو هي تنفر من منظره، فإنَّ المستحب هو أن ينظر إليها إذا عزم على
خطبتها، واعتقد إجابته إلى ذلك، وهي أيضًا تنظر إليه وتسمع منه .
٣- قال في ((نيل المآرب)): ويباح لمريد النكاح نظر ما يظهر غالبًا من المرأة،
كوجهٍ، ورقبةٍ، ويدٍ، وقدم، إذا أراد خِطبتها، وغَلَب على ظنّه إجابته،
وَيُكرِّر النظر بلا خلوة.
(١) مسلم (١٤٢٤).

٢٤٨
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
والمشهور من المذهب هو الإباحة فقط، أما مذهب جمهور العلماء فهو
الاستحباب؛ لأنَّه أقل أحوال الأمر، وممَّن يرى الاستحباب الأئمة الثلاثة:
أبو حنيفة، ومالك، والشافعي، ورواية عن أحمد.
قال الوزير: اتَّفقوا على أنَّ من أراد أن يتزوج امرأةً، فله أن ينظر إلى ما ليس
بعورة، وقيل: يسن، وصوَّبه في الإنصاف، وظاهر الحديث استحبابه.
٤- واختلفوا في الأعضاء التي ينظر إليها، والحديث مطلق لم يخصص موضعًا،
فيحمل على المحل المقصود من معرفة جمالها، ويدل على ذلك فهم
الصحابة وعملهم، فقد روى عبدالرزاق وسعيد بن منصور: ((أنَّ عمر كشف
عن ساق أم كلثوم بنت علي، لما بعث بها عليٍّ إليه، لينظر إليها)).
٥- قال في نيل المآرب: ولا يحتاج إلى إذنها، ويدل على ذلك فعل جابر، فقد
روى أحمد، والشافعي، والحاكم، وفيه: «فخطبت جارية فكنت أتخبأ لها،
حتى رأيت منها ما دعاني إلى نكاحها، فتزوجتها)).
٦ - الحكمة في هذا ما جاء في المسند عن المغيرة بن شعبة، أنَّه خطب امرأة،
فقال النبي وَلّى: ((انظر إليها، فإنَّه أحرى أن يُؤدَم بينكما)) فنظرُ الرجل إليها،
وتروِّي فكره فيها، قبل الخطبة، أقرب إلى الوفاق والاتفاق بينهما؛ لأنَّه
يقدم على بصيرة من أمره.
٧- قال بعضهم: ويثبت هذا الحكم للمرأة، فإنَّها تنظر إلى خاطبها، فإنه
يعجبها منه ما يعجبه منها، ويفهم هذا المعنى المراد من الحديث، ويؤيده
إجابة طلب زوجة ثابت بن قيس فراقَه، لما علَّلت من دمامته.
فقد أخرج ابن أبي خيثمة، والطبراني عن ابن عباس أنَّ النَّبيَّ ◌َّ قال: يا
جميلة! ما كرهت من ثابت؟ فقالت: والله ما كرهتُ منه شيئًا إلاَّ دمامته،
فقال: أتردِّين عليه حديقته؟ قالت: نعم، ففرَّق بينهما .
وحينئذٍ فالمرأة أولى بالنظر؛ لأنَّه يباح لها أن تنظر إلى الرجل، ولو بلا
---

٢٤٩
كتاب النكاح
حاجة إذا لم يكن لشهوة، أما الرجل فلا ينظر إليها إلاّ لحاجة، فإباحة النظر
لها في هذه المسألة أولى.
٨- المسلمون في هذه المسألة بين طرفي نقيض ، فبعضهم متشددون
متعصبون، عطّلوا هذه السنَّة المجمع عليها، فيمنعون الخُطَّاب من رؤية
بناتهم ومولياتهم، وهذا مخالفة للشرع الظاهر الصريح الصحيح.
وبعضهم يرخون للخطّابين العنان، ويدعونهما يخلوان، ويتنزهان في
المواطن البعيدة الخالية، وهذا حرامٌ لا يجوز.
والخير كله بالاقتصار على الأمور الشرعية، فلا تعطل السنة، ولا تتعدى
إلى ما حرَّم الله تعالى.
٩ - جاء في بعض ألفاظ الحديث: ((إذا خطب أحدكم فلا جناح عليه أن ينظر
منها)) والرواية الأخرى عند أحمد وابن ماجه: ((إذا ألقى الله في قلب امري؟
خطبة امرأة فلا بأس أن ينظر إليها)).
فهذا دليلٌ على تحريم النظر إلى وجه الأجنبية، وإلى ما يباح للخاطب
النظر من جسمها، وهذا هو الحق إن شاء الله تعالى
ولا عبرة بالأقوال الضعيفة التي لا تستند إلى حقِّ وصواب.
١٠ - إذا علمنا أنَّ النظر إلى الأجنبية محرَّم إلاَّ لحاجة، فقد قسّم الفقهاء النظر
إلى ثمانية أقسام، هي ما يأتي :
الأول: نظر الرجل البالغ للحرَّة البالغة الأجنبية لغير حاجة، فلا يجوز
له نظر شيء منها حتى شعرها المتَّصل .
الثاني: نظر الرجل البالغ لمن لا تُشتهى كعجوز، وقبيحة، فيجوز
لوجهها .
الثالث: نظر الرجل للشهادة على الأجنبية أو لمعاملتها، فيجوز نظره
إلى وجهها وكفَّيها .

٢٥٠
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
الرابع: نظره لحرَّةٍ بالغةٍ ليخطبها، فيجوز للرقبة والوجه واليد والقدم.
الخامس: نظره إلى ذوات محارمه، أو لبنت تسع، أو كان هو لا شهوة
له، أو کان مميزًا وله شهوة، فيجوز لوجهٍ ورقبةٍ ویدٍ وقدم ورأس وساق.
السادس: نظره للمداوة، فيجوز إلى المواضع التي يحتاج إليها .
السابع: نظره لحرة مميّزة دون تسع، ونظر المرأة للرجل الأجنبي،
ونظر المميز الذي لا شهوة له للمرأة، ونظر الرجل ولو أمرد، فيجوز إلى
ما عدا ما بين السرة والركبة.
الثامن: نظره لزوجته وبالعكس ، ولو لشهوة، فيجوز لكل منهما نظر
جميع بدن الآخر، وكذا يجوز النظر إلى جميع بدن مَن دون السابعة .
ويحرم النظرة لشهوة، أو مع خوف ثورانها، إلى أحد ممن ذكرنا،
ولمسٌ كنظر، ويحرم التلذذ بصوت الأجنبية ولو بقراءة، وتحرم خلوة
رجل غير محرم بالنساء وعكسه.
١١ - قال ابن القطان المالكي: أجمعوا على أنَّه يحرم النظر إلى الأمرد، لقصد
التلذذ بالنظر إليه، وأجمعوا على جواز النظر إليه بغير قصد اللذة.
١٢- یحرم تزین امرأة لمحرم غیر زوج وسید.
١٣ - سئل أحمد عن تقبيل ذوات المحارم منه؟ فقال: إذا قدم من سفر، وأمن
الفتنة، ولا يفعله على الفم.
١٤ - قال شيخ الإسلام: النظر داعيةٌ إلى فساد القلب، ولهذا أمر الله بغض
الأبصار، وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة عن النبي ◌َّ: ((زنا العين
النظر))، وفي الطبراني من حديث ابن مسعود قال: قال رسول الله وَ له: ((إنَّ
النظر سهمٌ من سهام إبليس، مسموم، فمن تركه من مخافة الله أبدله الله
إيمانًا يجد حلاوته في قلبه)».

٢٥١
كتاب النكاح
* قرار المجمع الفقهي بشأن مداواة الرجل للمرأة:
قرار رقم (٨١):
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمَّد خاتم
النبیین، وعلى آله وصحبه.
إنَّ مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره الثامن
ببندرسيري باجوان، بروناي دار السلام، من ١ إلى ٧ محرَّم ١٤١٤ هـ الموافق
٢١ - ٢٧ يونيو ١٩٩٣ م.
بعد اطلاعه على البحوث الواردة إلى المجمع بخصوص موضوع:
((مداوة الرجل للمرأة))، وبعد استماعه إلى المناقشات التي دارت حوله.
قرّر ما يلي :
١ - الأصل أنَّه إذا توافرت طبيبة متخصصة، يجب أن تقوم بالكشف على المريضة،
وإذا لم يتوافر ذلك، فتقوم بذلك طبيبة غير مسلمة ثقة، فإن لم يتوافر ذلك يقوم
به طبيب مسلم، وإن لم يتوافر طبيب مسلم، يمكن أن يقوم مقامه طبيب غير
مسلم، على أن يطَّلع من جسم المرأة على قدر الحاجة في تشخيص المرض
ومداواته، وألاَّ يزيد عن ذلك، وأن يغض الطرف قدر استطاعته، وأن تتم معالجة
الطبيب للمرأة هذه بحضور محرم، أو زوج، أو امرأة ثقة، خشية الخلوة .
٢ - يوصي المجمع أن تولي السلطات الصحية جل جهدها؛ لتشجيع النساء على
الانخراط في مجال العلوم الطبية ، والتخصص في كل فروعها، وخاصة أمراض
النساء والتوليد، نظرًا لندرة النساء في هذه التخصصات الطبية، حتى لا تضطر
إلى قاعدة الاستثناء، والله أعلم.

٢٥٢
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
٨٤٤ ۔ وَعَن ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - قَالَ: قَالَ رَسُولُ
اللهِ وَّهِ: ((لاَ يَخْطُبْ أَحَدُكُمْ عَلى خِطْبَةِ أَخِيهِ، حَتَّى يَتْرُكَ الخَاطِبُ
قَبْلَهُ، أَوْ يَأْذَنَ لَهُ)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ(١).
** مفردات الحديث:
- لا يخطب: ((لا)) ناهية، والفعل بعدها مجزوم بها، وهو من باب قتل،
والخِطبة بكسر الخاء: طلب المرأة للزواج، والخطيبة: المرأة المخطوبة.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - النَّهي عن خطبة المرأة على خطبة آخر تقدم، والنَّهي أصله التحريم.
٢ - قال في الكشاف ما خلاصته: ولا يحل لرجل أن يخطب امرأة على خِطبة
مسلم إن علم الخاطب الثاني بخطبة الأول.
فإن خطب على خِطبته صحَّ العقد؛ لأنَّ التحريم ليس في صلب العقد،
فلم يؤثر فيه، وفيه خلاف سيأتي.
٣- فإن لم يعلم الثاني جاز؛ لأنَّه معذور، أو رُدَّت خِطبة الأول جاز، أو أذِن
الأول للثاني في الخِطبة جاز؛ لأنَّه أسقط حقه، أو ترك الأول الخِطبة جاز
للثاني أن يخطب.
٤ - ولا يكره للولي ولا للمرأة الرجوع عن الإجابة لغرض صحيح؛ لأنَّه عقد
يدوم الضرر فيه، فكان لها الاحتياط لنفسها، والنظر في حظها، أما رجوعها
بلا غرض صحيح فيكره منه ومنها، لِما فيه من إخلاف الوعد، وللكنه لا
يحرم؛ لأنَّ الحق لم يلزم بعد.
(١) البخاري (٥١٤٢)، مسلم (١٤١٢).

٢٥٣
كتاب النكاح
٥- وتحريم الخِطبة على الخِطبة وقايةٌ إسلاميةٌ كريمةٌ عن وقوع العداوات،
والشحناء بين المسلمين، فإنَّ الإسلام يحث على الألفة والمودة، ويبعد كل
ما من شأنه إحداث التباغض، والتعادي بين المسلمين .
و﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ﴾ [الحجرات: ١٠].
و ((المؤمن للمؤمن كالبنيان)).
و((لا يؤمن أحدكم حتى يحبَّ لأخيه ما يحب لنفسه)).
فهذه هي آداب الإسلام، وأهدافه الكريمة، ومقاصده الحسنة، جعلنا الله
تعالى ممَّن انَّصف بهذه الأوصاف الحميدة، آمين .
خلاف العلماء:
قال شيخ الإسلام: اتَّفق الأئمة الأربعة على تحريم الخِطبة على خِطبة
الرجل، وتنازعوا في صحة نكاح الثاني على قولين:
أحدهما: ذهب مالك إلى أنَّه باطل، وهي إحدى الروايتين عن أحمد.
الثاني: أنَّه صحيح، وهو مذهب الأئمة الثلاثة، مع اتفاقهم على أنَّ فاعل ذُلك
عاصٍ لله ولرسوله {قل﴾، وتجب عقوبته.

٢٥٤
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
W
٨٤٥ - وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدِ السَّاعِدِيِّ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا -
قَالَ: ((جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ نَِّهِ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ! جِئْتُ
أَهَبُّ لَكَ نَفْسِي، فَنَظَرَ إِلَيْهَا رَسُولُ اللهِ وَّةِ، فَصَعَّدَ النَّظَرَ فِيهَا
وَصَوَّبَةٌ، ثُمَّ طَأْطَأَ رَسُولُ اللهِّهِ رَأْسَهُ، فَلَمَّا رَأَتِ المَرْأَّةُ أَنَّهُ لَمْ يَقْضِ
فِيهَا شَيْئًا جَلَسَتْ، فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! إِنْ
لَمْ تَكُنْ لَكَ بِهَا حَاجَةٌ فَزَوِّجْنِهَا، قَالَ: فَهَلْ عِنْدَكُ مِنْ شَيءٍ؟ فَقَالَ:
لاَ، وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ! فَقَالَ: اذْهَبْ إِلَى أَهْلِكَ فَانْظُرْ هَلْ تَجِدُ شَيْئًا؟
فَذَهَبَ، ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ: لاَ، وَاللهِ! مَا وَجَدْتُ شَيْئًا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ
وَّه : انْظُرْ وَلَوْ خَاتِمًا مِنْ حَدِيدٍ، فَذَهَبَ، ثُمَّ رَجَعَ، فَقَالَ: لاَ، وَاللهِ يَا
رَسُولَ اللهِ! وَلَاَ خَاتِمًا مِنْ حَدِيدٍ، وَلَكِنْ هَذَا إِزَارِي - قَالَ سَهلٌ: مَا
لَهُ رِدَاءٌ - فَلَهَا نِصْفُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِنَّهِ: مَا تَصْنَعُ بِإِزَارِكَ؟ إِنْ لَبِسْتَهُ
لَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا مِنْهُ شَيءٌ، وَإِنْ لَبِسَتْهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْكَ مِنْهُ شَيءٌ، فَجَلَسَ
الرَّجُلُ، حَتَّى إِذَا طَالَ مَجْلِسُهُ قَامَ، فَرَآهُ رَسُولُ اللهِ وَِّ مُوَلِيًا، فَأَمَرَ
بِهِ، فَدُعِيَ لَه، فَلَمَّا جَاءَ قَالَ: مَاذَا مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ؟ قَالَ: مَعِي سُورَةُ
كَذَا، وَسُورَةٌ كَذَا، عَدَّدَهَا، فَقَالَ: تَقْرَؤُهُنَّ عَنْ ظَهْرٍ قَلْبِكَ؟ قَالَ:
نَعَمْ، قَالَ: اذْهَبْ فَقَدْ مَلَّكْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ القُرآنِ)» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ،
وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ، وفِي رِوَايَةٍ لَهُ: انْطَلِقْ، فَقَدْ زوَّجْتُكَهَا، فَعَلِّمْهَا مِن
القُرْآنِ» .

٢٥٥
كتاب النكاح
وَفِي رِوَايَةٍ للُخَارِيِّ: ((أَمْلَكْنَكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ))(١).
وَلَأَبِي دَاوُدَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: ((مَا تَحْفَظُ ؟ قَالَ: سُورَةَ
البَقَرَةِ، وَالَّتِي تَلِيهَا، قَالَ: ثُمْ فَعَلِّمْهَا عِشْرِينَ آيَةً) (٢).
* درجة الحديث:
رواية أبي داود ذكرها الحافظ ابن حجر في الفتح في زيادات الباب، فهي
صحیحةٌ، أو حسنةٌ على قاعدته .
أما الألباني فقال: هذه الزيادة منكرة؛ لمنافاتها للرواية الصحيحة،
ولتفرد عِسْل بن سفيان بها، وهو ضعيف.
* مفردات الحديث:
- امرأة: قال الحافظ ابن حجر: لم أقف على اسمها، وقال العيني: الصحيح
أنَّها خولة بنت حكيم، أو أم شريك الأزدية.
- أهب لك نفسي: أي ملكتك المتعة بنفسي، وكان هذا من خصائصه ◌َلّ، كما
قال تعالى: ﴿وَأَمْرَةُ مُؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيّ﴾ [الأحزاب: ٥٠] أي قد أحللناها
لك.
- صعَّد النظر: بفتح الصاد، وتشديد العين المهملة : رفع بصره، أي نظر إلى
أعلاها، وتأملها .
- صوَّب النظر: بفتح الصاد، وتشديد الواو، أي خفض رأسه ضدّ صعَّده، فنظر
إلى أسفلها، وتأمَّلها .
(١) البخاري (٥٠٣٠)، مسلم (١٤٢٥).
(٢) أبو داود (٢١١٢).

٢٥٦
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
- طأطأ رأسه: خفض رأسه، وصاغره، وطامنه.
- رجل: قال الحافظ ابن حجر: لم أقف على اسمه .
- خاتمًا: يقال: ختم عليه يختم ختمًا أي طبع عليه، والخاتم: حلقة ذات
فص، تلبس في الأصبع، وقد يحفر عليه اسم اللابس، جمعه: خواتم.
- حديد: عنصر فلزي يجذبه المغناطيس، يصدأ، هو مادة صلبة يضرب به المثل
في الصلابة، سُمِّي بذلك ؛ لأنَّه منيع، ومن أنواعه الحديد الزهر والمطاوع
والصُّلب، جمعه حدائد .
- إزاري: الملحفة، وكل ما ستر أسفل البدن يذكر ويؤنث فيقال: هو إزار وهي
إزار، وربما أنث بالهاء: إزارة، هو کساء صغیر، جمعه آزر وأزر.
- رداء: بكسر الراء، وفتح الدال المهملة، وجمعه أردية، ما يلبس فوق الثياب
كالجبة والعباءة وقيل: هو الملحفة تغطى أعلى البدن، ولعلَّه المراد هنا.
- عن ظهر قلبك: يقال قرأ القرآن عن ظهر قلبه، أي : من حِفظه، لا كتابة.
- ملكتُكَها بما معك من القرآن: اختلفت الروايات في هذه اللفظة، قال
الدار قطني : الصواب رواية ((زوجتكها بما معك من القرآن)) فهي أكثر وأحفظ،
قال النووي: ويحتمل صحة اللفظين، ويكون جرى لفظ التزويج أولاً
فملكها، ثم قال له: اذهب فقد ملكتها بالتزويج السابق.
- بما معك: قال بعضهم : إن الباء للبدل والمقابلة والمعاوضة، وبعضهم قال:
إنَّ الباء للسببية، وسيأتي ذلك إن شاء الله تعالى.
** ما يؤخذ من الحديث:
١ - جواز عرض المرأة نفسها على رجل من أهل الصلاح والخير لزواجه بها.
٢ - جواز نظر الرجل إلى المرأة لإرادة الخطبة وإن لم يخطب، بل قد استحبه
بعضهم هنا قبل أن يقدم على الخِطبة، حتى لا يخطب إلاّ بعد وجود الرغبة.
٣- ولاية الإمام على المرأة التي لا ولي لها، إذا أذنت ورغبت في الزواج.

٢٥٧)
كتاب النكاح
٤ - أنَّه لا بد من الصداق في النكاح، وأنه يصح أن يكون شيئًا يسيرًا جدًّا، فيصح
بكل ما تراضى عليه الزوجان، أو مَن إليه ولاية العقد .
قال عياض: أجمع العلماء على أنَّه لا يصح أن يكون مما لا قيمة له، وأنه
لا یحل به النكاح.
٥ - أنَّه يستحب تسمية الصداق في العقد؛ لأنَّه أقطع للنزاع وأنفع للمرأة، فلو
عقد بغير صداق صحَّ العقد، ووجب لها مهر المثل بالدخول.
٦- أنه يجوز الحَلف، وإن لم يُطلَبْ منه، ولم يتوجه عليه.
٧- أنَّه لا يجوز للإنسان أن يُخرج من ملکه ما هو من ضرورياته، کالذي يستر
عورته، أو يسد خلته، من الطعام والشراب.
٨- التحقيق مع مدَّعي الإعسار، فإِنَّه وَّلَه لم يصدقه في أول دعواه الإعسار،
حتى ظهرت له قرائن صدقه.
٩- أنَّ خُطبَةَ العقد لا تجب؛ لأنَّها لم تذكر في شيء من طرق الحديث.
١٠ - أنه يصح أن يكون الصداق منفعة، كالتعليم والخدمة، كقصة موسى مع
صاحب مدين، فقوله وَير: ((فعلمها من القرآن)) أي قدرًا معيّنًا منه، وذلك
صداقها .
١١ - أنَّ النكاح ينعقد بلفظ التمليك لقوله في بعض الروايات: ((ملَّكتها)).
قال شيخ الإسلام: الذي عليه أكثر أهل العلم أنَّ النكاح ينعقد بغير لفظ
الإنكاح والتزويج.
وقال ابن القيم: أصح قولي العلماء أنَّ النكاح ينعقد بكل لفظ يدل عليه،
ولا يختص بلفظ الإنكاح والتزويج، وهذا مذهب جمهور العلماء كأبي
حنيفة، ومالك، وأحد القولين في مذهب أحمد، بل نصوصه لا تدل إلاّ
على هذا الوجه .
١٢ - فيه جواز زواج المعسر المعدَم، إذا رضيت المرأة بعسرته وعدمه.

٢٥٨
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
١٣- فيه أنَّه يستحب لمن طُلب منه حاجة، أن لا يسارع في رد طالبها، بل
یسکت، لعلَّ السائل یفهم هذا من سكوته، فیعرض بدون خجل.
١٤ - فيه أنَّه تجوز الخِطبة إذا ظنَّ الخاطب الثاني بالقرينة أنَّه لم يحصل اتفاق مع
الخاطب الأول .
١٥ - جواز هبة المرأة نفسها للنبي وَّر، وهي خاصة له وَّله، قال تعالى: ﴿وَأَمْرَةً
مُؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِىُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةٌ لَّكَ مِن دُونٍ
اُلْمُؤْمِنِينٌ﴾ [الأحزاب: ٥٠].
١٦ - أنه لا يتم العقد بعد الإيجاب إلاّ بالقبول، ذلك أنَّ المرأة وهبت، وللكن
النبي وَ ﴿ سكت ولم يقبل، ثم زوجها من الرجل الآخر، ممَّا يدل على أنَّ
سكوته خلق کریم منه، وليس قبولاً، وقد فهم الحاضرون ذلك؛ ولذا قال
الخاطب: ((إن لم تكن لك بها حاجة فزوِّجنيها)).
١٧ - فيه حسن خطاب هذا الخاطب، وجميل طلبه، فإنَّه علّق خطبته ورغبته
فيها على عدم رغبة النبي ◌ُّ في المرأة.
١٨ - فيه جواز لبس الخاتم من الحديد للحاجة، فهو مكروه أزالت كراهيته
الحاجة، والدليل على كراهته ما جاء في السنن أنَّه حلية أهل النار.
١٩- فيه شفقة النبي وَّر بأمته، فإنَّه لما رأى عُدم هذا الرجل وفقره، وحاجته
إلى الزواج، زوَّجه بما لم تجر العادة اتخاذه عوضًا وأجرة.

٢٥٩
كتاب النكاح
٨٤٦ ۔ وعَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ أَبِيه - رَضِيَ اللهُ
عَنْهُمْ - أَنَّ رَسُولَ اللهِوَِّ قَالَ: ((أَعْلِنُوا النِّكَاحَ)) رَوَاهُ أَحْمَدُ، وصَحَحَهُ
الحَاكِمُ(١).
درجة الحديث:
*
الحدیث حسن .
رواه أحمد، وابن حبان، والطبراني، والضياء المقدسي، عن عبدالله بن
الأسود، عن عامر بن عبدالله بن الزبير، عن أبيه مرفوعًا، وسنده حسن،
ورجاله ثقات معروفون، وصحَّحه الحاكم، وابن دقيق العيد في الإلمام الذي
اشترط فيه أن لا یورد فيه إلاّ ما كان صحيحًا.
* مفردات الحديث:
- أعلنوا: علن الأمر يعلن علنًا: ظهر وانتشر، خلاف خفي، وأعلن الأمر
: أظهره وجهر به، ومنه إعلان النكاح وإظهاره.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - تمام الحديث: ((أعلنوا النكاح، واضربوا عليه بالغِربال)) الغربال هو الدف.
٢ - الإعلان هو خلاف الإسرار، وقد دلَّت الأحاديث على الأمر بإعلان النكاح،
وعلى الأمر بضرب الغربال؛ لأنَّ ضرب الدف أبلغ في الإعلان.
٣- تدل الأحاديث على مشروعية إعلان النكاح، والضرب عليه بالدف، بشرط
أن لا يصحبه محرم، من التغني بصوتٍ رخيم من أنثى، يسمعه أغلب
المجاورين، أو يكون الغناء بقصائد فيها مجون وغزل مكشوف .
(١) أحمد (٥/٤)، الحاكم (١٨٣/٢).

٢٦٠
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
٤- قال الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ: إعلان النكاح بالدف سنة، وفيه
مصلحة لا تخفى ، فهو مشروع لإظهار النكاح.
٥ - وقال أيضًا: الأغاني التي تصدر في الإذاعات والحفلات قسمان:
الأول: ما اشتمل على حِكم، ومواعظ، ونصائح، وحماس، ونحو ذلك
مما لا غرام فيه، ولا يشتمل على صوت مزمار ونحوه، فهذه لا محذور
فيه، لما فيه من المصلحة .
الثاني: ما فيه غرام، ويشتمل على صوت مزمار وما أشبه ذلك، فهو حرام،
والأصل في ذلك الكتاب والسنة، وقد حكى ابن الصلاح الإجماع على
تحريم الغناء إذا اقترن به شيء من آلات اللهو .
٦- إعلان النكاح مشروع، فقد جاء في السنن عن محمد بن حاطب قال: قال
رسول الله وَله: ((فصل ما بين الحلال والحرام الدف والصوت في النكاح))
وللكن الناس أسرفوا في هذه الناحية، فأحيوا الليل بغناء امرأة يبلغ صوتها
بمكبرات الصوت إلى أقصى الحي، ممَّا يقلق الناس ويزعجهم، ويَحرِمهم
من النوم والراحة، وهي تتغنى بههذا الصوت الناعم الرخيم، وقد جُلِبَتْ
لههذا الحفل بعشرات الألوف من الريالات، مما يعد إسرافًا في النفقة،
وارتفاعًا لصوت امرأة أجنبية بغناء محرَّم، بألفاظه الماجنة، ورخامته
المثيرة، وقد حصل به من الأذية، وحرمان المجاورين من الراحة.
٧- من إعلان النكاح الإشهاد عليه عند عقده، وهو بهذا فارق سائر العقود،
فإنَّ الإشهاد عليه شرط لصحته عند جمهور العلماء، وأما الإشهاد على غيره
من العقود، فهو مستحب غير واجب.
٨- قال في نيل المآرب: الشرط الرابع: الشهادة، فلا يصح النكاح إلاّ بحضرة
شاهدين ذكرين عدلين مكلّفين .
٩- قال الشيخ محمَّد بن إبراهيم آل الشيخ: