النص المفهرس

صفحات 181-200

١٨١
كتاب البيوع - باب الفرائض
٨٢٩ - وَعنْ أَبِي قِلَابَةَ عَن أَنَسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالٌ
رَسُولُ اللهِ وَ﴿٢: ((أَفْرَضُكُمْ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ)) أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالأَرْبَعَةُ،
سِوَى أَبِي دَاوُدَ، وَصَخَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وَابن حِبَّانَ وَالحَاكِمُ، وَأُعِلَّ
بِالإِرْسَالِ(١).
* درجة الحديث:
الحدیث صححه الترمذي، وابن حبان، والحاكم.
قال في التلخيص: رواه أحمد، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وابن
حبان، والحاكم، من حديث أبي قلابة عن أنس فذكر الحديث، وصححه
الترمذي والحاكم وابن حبان، وقد أعلَّ بالإرسال، وسماع أبي قلابة من أنس
صحيح، إلاَّ أنَّه قيل: لم يسمع منه هذا الحديث، ورجَّح الدار قطني والبيهقي
والخطيب أنَّ الموصول منه: ((ولكل أمة أمين، وأمين هذا الأمة أبو عبيدة بن
الجراح)) وأما الباقي فمرسل، وله طرقٌ أخر، لا تخلو من مقال، إلاَّ أنَّه يشد
بعضها بعضًا.
* مفردات الحديث:
- أبي قلابة: بكسر القاف، هو ابن زيد الجرمي البصري، تابعي، ثقة، هو أكثر
من أخذ عن أنس بن مالك - رضي الله عنه -.
- أفرضكم زيد: أفرض أفعل تفضيل، ومعناه أنَّ زيد بن ثابت الأنصاري أعلم
الصحابة بعلم الفرائض.
(١) أحمد (١٨٤/٣)، الترمذي (٣٧٩٠)، النسائي في فضائل الصحابة (١٥٥)، ابن حبان
(٧١٣١)، ابن ماجة (١٥٤).

١٨٢
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
* ما يؤخذ من الحديث:
١- زيد بن ثابت بن الضحاك الأنصاري الخزرجي، ثم النجاري، كان عمره
حين قدم النبي ◌َّيّ المدينة إحدى عشرة سنة، فكانت أولى مشاهده من
الغزوات على الراجح الخندق، ووفاته سنة خمس وأربعين، وكان من كُتّاب
الوحي، ومن حفظة القرآن، ومن أوعية العلم.
أعطاه النبي ◌َّ راية بني النجار يوم تبوك، وقال: إنَّه أكثر أخذًا للقرآن،
واستخلفه عمر على المدینة ثلاث مرات، وكان عثمان یستخلفه، وروی عنه
جمعٌ كبيرٌ من الصَّحابة والتابعين.
وهو الذي كتب المصحف في عهد أبي بكر، وفي عهد عثمان - رضي الله
عنهما -، ولمَّا مات، قال أبوهريرة: مات حبر هذه الأمة، وعسى الله أن
يجعل في ابن عباس خلفًا عنه.
قال ابن عمر: اليوم مات عالم المدينة.
٢ - وجاء في المسند، والترمذي، وابن ماجه، أنَّ النَّبيَّ ◌َّه قال: ((وأفرضهم زيد
ابن ثابت)) ومن أجل هذه الشهادة النبوية، وهذه الميزة العلمية، فإنَّ الإمام
الشافعي نحا نحوه، ومال إلى أقواله موافقة له بعد التحري والاجتهاد،
وإمعان النظر، وظهور الصواب.
٣- هذا الحديث قطعةٌ من حديثٍ طويل، رواه الترمذي، والنسائي، وابن
ماجه، بلفظ: قال رسول الله وَتليفون: ((أرحم أمتي أبوبكر، وأشدهم في دين الله
عمر، وأصدقهم حياء عثمان، وأقرؤهم لكتاب الله أبي بن كعب، وأعلمهم
بالحلال والحرام معاذ بن جبل، وأفرضهم زيد بن ثابت، وأمين هذه الأمة
أبو عبيدة بن الجراح)).
والمؤلف لم يأت منه إلاَّ بما تعلق بالباب، وهو: ((أفرضكم زيد))؛ لأنَّه
شهادة لزيد بن ثابت بأنه أعلم المخاطبين بالمواريث، فيؤخذ عنه ويرجع

١٨٣
كتاب البيوع - باب الفرائض
إليه عند الاختلاف، ولذا اعتمد أقواله الإمام الشافعي، ورجحها على
غيرها .
٤- هذا الحديث أُعِلَّ بالإرسال ، وذلك أنَّ أبا قلابة - وإن كان سمع من أنس
عدة أحاديث -، إلاَّ أنَّه لم يسمع منه هذا الحديث، فيكون مرسلاً أي
منقطعًا .
لكن قال المؤلف في التلخيص: صححه الترمذي، والحاكم، وابن
حبان، وله طريق أخرى عن أنس، أخرجها الترمذي، ورجح ابن المؤَّاق
وغيره أنَّه موصول، أما الدَّارقطني، والبيهقي، والخطيب، فرجحوا أنَّ
الموصول منه ذكر أبي عبيدة، والباقي مرسل.
٥- الخلاف بين العلماء في مسائل الفرائض قليل، وقليله موجود في مسائله
التي لم تذكر في القرآن الكريم، وأما أصول مسائله، والهام منها، فمجمعٌ
عليها بين العلماء، ذلك أنَّ الله تبارك وتعالى تولَّى قسمتها بنفسه في كتابه
العزيز؛ لأنَّها أمورٌ ترجع إلى تقسيم الأموال، والنفوس مجبولة على حب
المال، والاستئثار به، كما أنَّ التركة غالبا تكون بين أقوياء وضعفاء، ومن
هنا يأتي الخوف أيضًا من عدم العدل في قسمتها .

١٨٤
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
باب الوصايا
مقدمة
الوصايا: جمع وصية، مثل هدايا جمع هدية، قال الأزهري: مأخوذةٌ من
وصيت الشيء أصيه إذا وصلته، سميت وصية؛ لأنَّ الموصي وصل ما كان له
في حياته بما کان بعد مماته .
ويقال: وصَّى بالتشديد، وأوصى يوصي أيضًا، وهي لغة: الأمرُ، قال
الله تعالى: ﴿وَوَضَّى بِهِآَ إَِّهِمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ﴾ [البقرة: ١٣٢].
وشرعًا: عهدٌ خاصٌّ بالتصرف بالمال، أو التبرع به بعد الموت.
وهي مشروعةٌ بالكتاب؛ لقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن
تَرَكَ خَيْرًّا الْوَصِيَّةُ﴾ [البقرة: ١٨٠].
ومشروعة بالسنة لههذه الأحاديث الآتية، وعليها إجماع المسلمين في
جميع الأعصار والأمصار.
وهي من محاسن الإسلام، إذ جعل لصاحب المال جزءًا من ماله، يعود
عليه ثوابه وأجره بعد موته.
وهي من لطف الله بعباده، ورحمته بهم، حينما أباح لهم من أموالهم عند
خروجهم من الدنيا أن يتزودوا لآخرتهم بنصيبٍ منها .
ولهذا جاء في بعض الأحاديث القدسية قول الله تعالى: (يا ابن آدم
جعلت لك نصيباً من مالك حين أخذتُ بكَظْمِكَ؛ لأُطَهِّرك بِهِ وأُزكيك))
وتجري في الوصية الأحكام الخمسة :
١ - تجب على من عليه حق بلا بينة .
--

١٨٥
كتاب البيوع - باب الوصايا
=
٢ - تحرم على من له وارث، إذا وصَّى بأكثر من الثلث، أو وصَّى لوارث
بشيءٍ، ما لم تُجِز الورثة .
٣- تسن لمن ترك خيرًا كثيرًا بالثلث فأقل .
٤- تکره لفقیر، وارثه محتاج.
٥ - تباح لفقير إن كان ورثته أغنياء.

١٨٦
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
٨٣٠ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عنْهُمَا - أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَلَه
قَالَ: ((مَا حَقُّ امْرِىءٍ مُسْلِمٍ، لَهُ شَيءٌ يُرِيدُ أَنْ يُوصَي فِيهِ، يَسِتُ لَيْلَتَيْنِ
إِلَّ وَوَصِيَتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ)) مُّتَفَقٌ عَلَيْهِ (١).
* مفردات الحديث:
- ما حق امريء: ((ما)) نافية بمعنى ليس، و((حق)) مبتدأ، وخبره المستثنى.
- مسلم: صفة أولى .
- له شيء: صفة ثانية، يريد أن يوصي، صفة لشيء.
- يبيتُ ليْلَتَيْن: صفة ثالثة، ومفعول يبيت ((ليلتين))، وقُيَّد بالليلتين تأكيدًا،
وليس تحديدًا، وهو تسامح في إرادة المبالغة، أي سامحناه في هذا المقدار،
فلا ينبغي أن يتجاوزه.
- ووصيته: جملة حالية، مربوطة بالواو والضمير.
والوصية: في الشرع عهد خاص مضاف إلى ما بعد الموت.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - يحضُّ النَّبِي وَّ أمته على المبادرة إلى فعل الخير باغتنام الوصية قبل فواتها،
فأرشدهم إلى أنَّه ليس من الحق والحزم لمن عنده شيء يريد أن يوصي به أن
يهمله، حتى تمضي عليه المدة الطويلة، بل عليه أن يبادر إلى كتابته وبيانه،
وغاية ما يسمح به من التأخير الليلة والليلتان؛ فإنَّ الإنسان لا يدري ما
يعرض له في هذه الحياة .
فكان من حرص ابن عمر وأمثاله أنَّه كان يتعاهد وصيته كل ليلة، قال
(١) البخاري (٢٧٣٨)، مسلم (١٦٢٧).
---
- --

١٨٧
كتاب البيوع - باب الوصايا
الشافعي: معناه ما الحزم والاحتياط لمسلم إلاَّ أن تكون وصيته مكتوبة
عنده .
٢- مشروعية الوصية، وعليها إجماع العلماء، وعمدة الإجماع الكتاب والسنة.
٣- أنَّها قسمان :
( أ) مستحب .
(ب) واجب.
فالمستحب: ما كان للتطوعات، والقربات.
والواجب: في الحقوق الواجبة، التي ليس فيها بينة تثبتها بعد وفاته؛ لأنَّ
((ما لا يتم الواجب إلاَّ به، فهو واجب)) وذكر ابن دقيق العيد أنَّ هذا الحديث
محمول على النوع الواجب .
٤- قوله: ((يريد أن يوصي به)) استدل به جمهور العلماء على أنَّ الوصية بشيء
من المال، صدقةً لوجه الله تعالى، مستحبة، وليست بواجبة.
قال ابن عبدالبر: الإجماع على عدم وجوبها، وأنه لو لم يوص لقسِّم ماله
بين ورثته بالإجماع، أما الوصية بأداء الدَّين، وردِّ الأمانات والودائع، فهي
الوصية الواجبة، كما تقدم تفصيله .
٥- مشروعية المبادرة إليها بيانًا لها، وامتثالاً لأمرالشارع فيها، واستعدادًا
للموت، وتبصرًا بها، وبمصرفها قبل أن يشغله عنها شاغل.
٦ - أنَّ الكتابة المعروفة تكفي لإثبات الوصية، والعمل بها؛ لأنَّه لم يذكر شهودًا
لها، والخط إذا عرف بيِّةٌ ووثيقةٌ قويةٌ.
٧- فضل ابن عمر - رضي الله عنه - ومبادرته إلى فعل الخير، واتباع الشارع
الحكيم، فقد روى مسلم عنه أنَّه قال: ((ولم أبت ليلة إلاَّ ووصيتي مكتوبة
عندي)) .

١٨٨
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
٨- قال ابن دقيق: والترخيص في الليلتين والثلاث دفع للحرج والعسر.
٩ - فيه استحباب استعمال الحزم، وتدارك الأمور التي يخشى فواتها، وذهاب
فُرْصتها ووقتها.
١٠ - وفيه بيان فائدة الكتابة، وأنَّه ◌ُحفظ بها العلوم، وتُوثق بها العقود والأمانات،
[القلم: ١].
١
وقد نوَّ الله تعالى بذكرها، فقال: ﴿تّ وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ (
١١- وفيه المحافظة على الوصية بعد كتابتها، بأن تكون عند الموصي، فلا
يهملها .
١٢ - قال شيخ الإسلام: تنفذ الوصية بالخط المعروف، وكذا الإقرار إذا وجد
في دفتره، وهو مذهب أحمد، وقال: إذا كان الميت يكتب ما عليه للناس
في دفتر ونحوه، وله كاتب يكتب بإذنه ما عليه ونحوه، فإنَّه يرجع في ذلك
إلى الكتاب الذي بخطه، أو خط وكيله، وإقرار الوكيل فيما وكل فيه
مقبول .
١٣ - قال الشيخ محمد بن إبراهيم في موضوع القسامة: فإن قال قائل كيف
يحلف على شيء ما رآه ولا شهده؟ قيل: هذا يدل على أنَّه يجوز للإنسان
أن يحلف إذا غلب على ظنه أنَّه الأمر.
ومن أمثلة ذلك إذا وجد كتابة أبيه على أحدٍ دَيْناً، فيجوز له أن يحلف
بناء على غلبة الظن.
١٤ - قال شيخ الإسلام: تجوز الشهادة على الخط أنَّه خط فلان إن كان يعرفه
يقينًا، ولو لم يعاصره، فالناس يشهدون شهادة لا يستريبون فيها على أنَّ
هذا خط فلان، فمن عرف خطه عمل به .

=
١٨٩
كتاب البيوع - باب الوصايا
٨٣١ - وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أبِي وَقَّاصٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ:
((قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! أَنَا ذُو مَالٍ، وَلاَ يَرِثُنِي إِلَّ ابْنَةٌ لِي وَاحِدَةٌ،
أَفَأَتَصَدَّقُ بِثُلُنَيْ مَالِي؟ قَالَ: لاَ، قُلْتُ: أَفَأَتَصَدَّقُ بِشَطْرِهِ؟ قَالَ: لاَ،
قُلْتُ: أَفَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثِهِ؟ قَالَ: الثُّلُثُ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ، إِنَّكَ أَنْ تَذَرَ
وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ، خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١).
* مفردات الحديث:
- الشطر: بفتح الشين، وسكون الطاء المهملة، آخره راء، الشطر له عدة معانٍ،
والمراد به النصف .
- الثُّلث والثلث: الأول يجوز فيه الرفع على أنَّه مبتدأ، والتقدير: الثلث
يكفيك، أو على أنه فاعل يكفيك، ويجوز فيه النصب على الإغراء، أو على
تقدير: أعط الثلث، وأمَّا ((الثلث)) الثاني فهو مبتدأ، وخبره كثير.
- كثير: أكثر الروايات بالثاء المثلثة، وهو المحفوظ ، وفي رواية للبخاري:
كثير أو كبير، قال: إنَّه شٌّّ من الراوي.
- إِنَّك: ((إنَّ)) مشددة من نواصب الاسم، والكاف اسمها .
- أنْ تَذَرَ: بفتح الهمزة، و((أنْ)) وما دخلت عليه في تأويل مصدر، محله الرفع
مبتدأ، أي تركك أولادك أغنياء، وخبره خير، والجملة بأسرها خبر (إنَّ))،
وروي بكسر الهمزة على أنَّها شرطية جوابها محذوف، وتقديره: إن تركت
ورثتك أغنياء فهو خير .
قال النووي: الروايتان صحيحتان، وأيَّد هذا الإعراب الإمام النحوي ابن
(١) البخاري (١٢٩٥)، مسلم (١٦٢٨).

١٩٠
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
مالك، وهو شيخ الإمام النووي.
- تَذَر: قال في المصباح وغيره: هذا فعل أماتت العرب ماضيه ومصدره، فإذا
أريد الماضي قيل: ترك، فيكون تأويل مصدره هنا مع أنَّ: تَرْكك ورثتك.
- عالة: بفتح العين، جمع عائل: فقراء، من عال يعيل إذا افتقر، والعيلة الفقر،
قال تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيَكُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾﴾ [التوبة: ٢٨].
- يتكففون الناس: مأخوذٌ من الكف، وهي اليد، أي يسألون الناس بأكفهم، أو
يسألون ما في أكف الناس .
ما يؤخذ من الحديث:
١ - مرض سعد بن أبي وقاص بمكة عام حجة الوداع، فعاده النبي ◌َّ، فذكر له
سعد بأنَّه صاحب مالٍ كثير، وليس له من الورثة إلاَّ بنت واحدة، فهل
يتصدق بماله كله؟ كما في رواية أحمد والنسائي، فقال له النبي وَليقول: لا،
فقال: بالثلثين؟ فقال: لا، فقال: بالنصف؟ فقال: لا، قال: بالثلث؟
فقال: الثلث، والثلث كثير.
ثم بيَّن له أن تركه ورثته أغنياء لهم ما يكفيهم ويغنيهم عن الناس، خير من
أن يدعهم فقراء، يسألون النَّاس، ويعيشون على إحسانهم إليهم.
٢- سعد بن أبي وقاص القرشي الزهري من السابقين إلى الإسلام، ومن
المهاجرين الأولين، شهد المشاهد كلها مع رسول الله وَ لقره، ومنها بدر،
وكان له بلاءٌ عظيمٌ يوم أحد، حتى قال له النَّبِيُّ وَّهِ: ((فداك أبي وأمي))، وهو
من العشرة المبشرين بالجنة، ومن الستة أصحاب الشورى، وهو قائد
جيوش المسلمين التي هزمت الفرس، وفتحت القادسية، والمدائن،
وغيرها، وهو ممَّن اعتزل فتنة الصحابة لما قُتِل عثمان - رضي الله عنهم -،
وعاش إلى عام (٥٤) من الهجرة، ولم يمت حتى صار له من الأبناء خمسة،
والسادسة بنت، رحمه الله، ورضي عنه.
---- ---
---------- - ---- ----
---.

١٩١
=
كتاب البيوع - باب الوصايا
٣ - استحباب عيادة المريض، وتتأكد فيمن له حقٌّ من قريبٍ، وصديقٍ، وجارٍ،
ونحوهم .
٤- جواز إخبار المريض بمرضه، وبيان شدته، إذا لم يقصد التشكي والتسخط،
وينبغي ذكره للفائدة، كطبيبٍ يعينه على تشخيص مرضه، أو مسعف يتسبب
له في العلاج.
٥- استشارة العلماء، واستفتاؤهم في أموره.
٦ - إباحة جمع المال إذا كان من طرقه المباحة.
٧- استحباب الوصية، وأن تكون بالثلث من المال، فأقل، ولو ممن هو صاحب
مال كثير .
٨- الأفضل أن يكون بأقل من الثلث، وذلك لحق الورثة.
٩ - أنَّ إبقاء المال للورثة مع حاجتهم إليه، أفضل من التصدق به على البعيدين؛
لكون الوارث أولى ببره من غيره.
١٠ - أنَّ النفقة على الأولاد والزوجة عبادةٌ جليلةٌ مع النية الحسنة .
وذكر ابن دقيق: أنَّ الثواب في الإنفاق مشروطً في حصول النية بابتغاء وجه
الله، وهذا دقيقٌ عسر؛ لأنَّه بمقتضى الطبع والشهوة، فلا بد من أن يمازجه
ذلك عند معظم الناس، ثم بيَّن - رحمه الله - أنَّ الواجبات المالية إذا أُدِّيت
على وجه أداء الواجب، وابتغاء وجه الله، أثيب فاعلها، وإن أُشربت نيته
- مع إرادة وجه الله - الرغبة في أداء الواجب، فإنَّ أداء الواجب امتثالٌ،
وبراءةٌ، وعبادةٌ.
١١ - وفيه مذمَّة مسألة النَّاس أموالهم، وإظهار الحاجة إليهم، وأنَّه على الإنسان
أن يسعى بأي عملٍ يغنيه عنهم، وعمّا في أيديهم.
١٢ - وفيه حسن جمع المال من حله؛ للاستغناء به عن الحاجة إلى الناس، ومن
حسن توفير المال الاقتصاد في النفقات .

١٩٢
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
١٣- وفیه أنَّ حق الورثة متعلق بمال قریبهم، الذي یرثونه حتى في حال حیاته،
فلا يحل له أن يحتال على إنفاقه أو التصرف فيه تصرفات يقصد بها
حرمانهم من الميراث.
١٤- في الحديث حةٌ على صلة الرحم، والإحسان إلى الأقارب، والشفقة
على الورثة، فإنَّ صلة القريب الأقرب، والإحسان إليه، أفضل من الأبعد.
١٥- وفيه فضل الإنفاق في وجوه الخير، وإنما يثاب على عمله بنيته، وأنَّ
الإنفاق على العيال يثاب عليه إذا قصد به وجه الله تعالى، وأنَّ المباح إذا
قصد به وجه الله تعالی صار طاعة .

١٩٣
كتاب البيوع - باب الوصايا
٨٣٢ - وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - ((أنَّ رَجُلاً أَتَىُ النَّبيَّ
وَّةِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! إِنَّ أُمِّي افْتُلِتَتْ نَفْسُهَا، وَلَمْ تُوصٍ، وَأَظُنُّهَا
لَوْ تَكَلَّمَتْ تَصَدَّقَتْ، أفَلَهَا أَجْرٌ إِنْ تَصَدَّقْتُ عَنْها؟ قَالَ: نَعَمْ)) مُتَّفَقٌ
عَلَيْهِ وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ (١).
** مفردات الحديث:
- رجلاً: هو سعد بن عبادة الأنصاري الخزرجي - رضي الله عنه -، سيد
الخزرج، اسم أمه عَمْرة بنت مسعود الأنصارية، من بني النجار.
- افْتُلِتَتْ: بضم الهمزة، وسكون الفاء، وضم التاء المثناة، ثم لام مكسورة،
مبني للمجهول، ومعناه ماتت بغتة وفجأة .
- نفْسُهَا: فيها إعرابان: إمَّا مرفوعةٌ على أنَّها نائب فاعل، وإما منصوبة على أنَّها
مفعول ثانٍ، بمعنى سلبت نفسها، قال في النهاية: ماتت فجأة.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - أنَّ الصدقة عن الميت جائزة، وأنَّ ثوابها يصل إليه، وهذا لا يعارض قوله
تعالى: ﴿وَأَنْ لَّيْسَ لِلَإِنْسَنِ إِلَّ مَا سَعَى (٢)﴾ [النجم].
فإنَّه إذا منحه أحد من سعيه كان له زيادة على ماله من السَّعي.
٢ - استحباب الصدقة عن الميت، ولو لم يوص بذلك، لاسيَّما إذا عرف أنه لو
تكلَّم، أو حصلت له مهلةٌ لأوصى بالصدقة .
٣- فضيلة بر الوالدين، وأنَّ من برِّهما بعد مماتهما الدعاء لهما، والصدقة
عنهما، وفعل القُرب الصالحة، وإهداءَها إليهما .
(١) البخاري (١٣٨٨)، مسلم (١٠٠٤).

١٩٤
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
٤- أنَّه ينبغي لمن أراد الوصية أن يبادر بها؛ لينفذ وصيته بنفسه، ليحرز ثوابه
كله، وليخرجها حسب رغبته فيها، من قدْرها، ونوعها، وطريق مصرفها.
٥- المبادرة بتنفيذ وصايا الميت؛ ليحرز أجرها، وأهم من ذلك المبادرة بأداء
الواجبات، والحقوق التي عليه، سواء كانت لله كالحج والزكاة، والكفارات
والنذور، أو كانت للناس كالدیون.
٦- مبادرة الحياة بفعل الطاعات، وعمل الخيرات، فالدنيا سباق في تحصيل
الفضائل، واقتناص الثواب، فمن عَلَت مرتبته في الفضائل، زادت مرتبه في
دار الجزاء .
خلاف العلماء:
أجمع العلماء على أنَّ الدعاء، والاستغفار، والعبادات المالية، من
الصدقات، والحج، والعمرة، أنه يصل ثوابها إلى الميت.
فالدعاء والاستغفار دليله قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُ و مِنْ بَعْدِ هِمْ يَقُولُونَ
رَبَّنَا أَغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَنِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَنِ﴾ [الحشر: ١٠]، وقوله ◌َّه :
((استغفروا لأخيكم فإنَّه الآن يسأل)) [رواه أبو داود].
وأما الصدقة فدليلها حديث الباب.
وفي الحج ما في البخاري أنَّ امرأةً من جهينة قالت: يا رسول الله، إنَّ
أمِّي نذرت أن تحج، ولم تحج حتى ماتت، أفأحج عنها؟ قال: ((نعم حجي
عنها، اقضوا الله، فإنَّه أحق بالوفاء)) .
والأحاديث والآثار في هذا الباب كثيرة جدًّا.
وقد ساق منها ابن القيم في ((كتاب الروح)) جملة صالحة.
قال شيخ الإسلام: أئمة الإسلام متَّفقون على انتفاع الميت بدعاء الخلق
له، وبما يُعمل عنه من البر، وهذا مما يعلم بالاضطرار من دين الإسلام، وقد
دلَّ عليه الكتاب والسنة والإجماع، فمن خالف فيه كان من أهل البدع.

١٩٥
كتاب البيوع - باب الوصايا
[النجم]
٣٩
وهذا لا ينافي قوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَّيْسَ لِلْإِنسَنِ إِلَّا مَا سَعَى
وقوله وَّة: ((إذا مات ابن آدم انقطع عمله))؛ لأنَّ ذلك من عمله.
وذلك بأن يثيب الساعي على سعيه وعمله، ويرحم الميت بسعي هذا
الحي ویزید في حسناته .
واختلف العلماء في العبادات البدنية كالصلاة والصيام وقراءة القرآن
فذهب أبو حنيفة وأحمد إلى وصول ثوابها .
وذهب مالك والشافعي إلى عدم وصولها، والاقتصار على العبادات
المالية، والدعاء، والاستغفار.
ومن أدلة أبي حنيفة وأحمد.
١ - أنَّ الدعاء والاستغفار من العبادات البدنية وغيرها مثلها .
٢ - أنَّ الصيام من العبادات البدنية، وقد جاء في الصحيحين أنَّ النَّبيَّ نَّه قال:
«من مات وعليه صيامٌ، صام عنه وليه)) .
٣- ما جاء في البخاري أنَّ امرأةً قالت: يا رسول الله! إنَّ أمي ماتت، وعليها
صيام نذر، فقال: ((صومي عن أمك)).
وأما دليل مالك والشافعي فقوله تعالى: ﴿وَأَن لَّيْسَ لِلَّإِسَنِ إِلََّ مَا
[النجم].
٣٩
سَعى
وأُجيب بأنَّ كون الإنسان لا يملك إلاّ سعيه، لا ينافي أنَّ غيره يهدي إليه
من سعیه، فیزید في حسناته .
وقد أجاب ابن القيم عن أدلتهما في ((كتاب الروح)) بما لا مزيد عليه.

١٩٦
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
٨٣٣ - وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ البَاهِلِيِّ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ:
سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِلّه يَقُولُ: ((إِنَّ اللهَ قَدْ أَعْطَى كُلَّ ذِي حَقٌّ حَقَّهُ، فَلاَ
وَصِيَةَ لِوَارِثٍ)) رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالأَرْبَعَةُ إِلَّ النَّسَائِيَّ، وَحسَّنَهُ أَحْمَدُ،
وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَوَّاهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ، وَابْنُ الجَارُودِ(١)، وَرَواهُ الدَّارَ قُطْنِيُّ
مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَزَادَ فِي آخِرِهِ: ((إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ الوَرَثَةُ)،
وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ(٢).
* درجة الحديث:
الحدیث صحیح.
فقد جاء عن جماعةٍ كبيرةٍ من الصحابة، منهم أبوأمامة، وعمرو بن
خارجة، وابن عباس، وأنس، وابن عمر، وجابر، وعلي، وعبدالله بن عمرو،
والبراء بن عازب، وزيد بن أرقم.
قال الشيخ الألباني: وخلاصة القول أنَّ الحديث صحيح، لا شكَّ فيه،
فهو من رواية شراحيل بن مسلم الخولاني قال: سمعتُ أباأمامة الباهلي يقول:
سمعت رسول الله وَل﴿ يقول: ((إنَّ الله أعطى كل ذي حقِّ حقَّه فلا وصية لوارث)).
قال الترمذي: حديث حسن صحيح .
وجلال الدين السيوطي وغيره من المتأخرين جعلوا هذا الحديث من
الأحاديث المتواترة، وذلك بانضمام طرقه بعضها إلى بعض، وإن كان في
(١) أحمد (٢٦٧/٥)، أبوداود (٣٥٦٥)، الترمذي (٢١٢٠)، ابن ماجه (٢٧١٣)، ابن
الجارود (٩٤٩).
(٢) الدارقطني (٩٨/٤).

١٩٧
=
كتاب البيوع - باب الوصايا
بعضها ضعفٌ فهو ضعف محتمل، وبعضه حسن لذاته، لا سيَّما أنّه لا يشترط
في الحديث المتواتر سلامة طرقه من الضعف؛ لأنَّ ثبوته إنَّما هو بمجموعها،
لا بفردٍ منها .
أما رواية: ((إلاَّ أن يشاء الورثة)) فهي من رواية عطاء الخراساني عن ابن
عباس، وعطاء الخراساني لم يدرك ابن عباس، قاله البيهقي، وقد جاء من وجهٍ
آخر عن عطاء الخراساني، عن عكرمة، عن ابن عباس، لكن عطاء الخراساني
غير قوي، ولذا رجَّح الحافظ ابن حجر المرسل، أما ابن القطان فحسَّنه مرفوعًا
موصولاً .
قال الشيخ الألباني: ينبغي أن تكون هذه الزيادة منكرة، على ما تقتضيه
القواعد الحديثية .
* ما يؤخذ من الحديث:
١- كانت الوصية في صدر الإسلام للأقارب فرضًا، وذلك قبل نزول آية
الميراث، فلما نزلت بطلت الوصية لهم إلاّ برضا الورثة الراشدين، وذلك
لما جاء في بعض روايات الحديث: ((لا وصية لوارث، إلاَّ أن يشاء الورثة))
ولأنَّ الحق لهم، فإذا رضوا، فلا مانع .
٢- يدل الحديث على صحة الوصية ومشروعيتها، ما دام أنَّه جاءها التعديل
والتوجيه من الشارع الحكيم، فيدل على أنَّ أصلها صحيح.
٣- فالمسلم في حياته قد جعل الله له أن ينفق من ماله بعد مماته بقدر ثلث تركته
في سُبُل الخير، وأن يدع الباقي لورثته، ومن هم أولى النَّاس ببرِّه من أقاربه
الوارثين فروعًا وأصولاً، أو حواشي، فلا يزيد في وصيته عن الثلث؛ لئلا
يجحف بنصيب الورثة .
٤- وإذا وصَّى فلتكن وصيته لمن لا يرثه من أقاربه، أو من الفقراء، أو أهل
العلم، أو المجاهدين، أو سائر طرق الخير والبر، أما من جعل وصيته

١٩٨
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
لورثته أو لبعضهم فقد تعدى حدود الله فيها، وظلم نفسه وظلم غيره، فإنَّ
الوصية لا تجوز، إذ لا وصية لوارث.
٥- كما أنَّ محاباة بعض الورثة، وإعطاءَهُ ما لم يعط الباقين، أو حرمان بعضهم
من إرثه بحيلة من الحيل : من تعدي حدود الله تعالى، سواء كان ذلك هبةً،
أو بيعًا صوريًّا، أو إقرارًا كاذبًا.
٦- والوصية بالثلث للأجنبي، والأجنبي هنا من ليس بوارث، أو للجهات
الخيرية النافعة من مساجد، وربط، ومدارس، ونشر دعوة الله تعالى،
فيجوز بالثلث، وما زاد على الثلث لا يجوز إلاَّ بموافقة الورثة البالغين
الراشدين، فإن أذنوا جاز، وإن لم يأذنوا فالحق لهم، وهذا معنى قوله ◌َّ:
((إلاّ أن يشاء الورثة))، إن صحَّت هذه الزيادة.
-----

١٩٩
كتاب البيوع - باب الوصايا
٨٣٤ - وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالَ النَّبيُّ
وَّ : (إِنَّ اللّه تَصَدَّقَ عَلَيْكُمْ بِثْلُثِ أَمْوَالِكُمْ عِنْدَ وَفَاتِكُمْ، زِيَادَةً في
حَسَنَاتِكُمْ)) رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ(١)، وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالبَزَّارُ مِنْ حَدِيثٍ
أَبِي الدَّرْدَاءِ(٢) ، وَابْنُ مَاجَه مِنْ حَدِيثٍ أَبِي هُرَيْرَةَ(٣)، وَكُلُّهَا ضَعِيفَةٌ،
للكِنْ قَدْ يُقَوِّي بَعْضُهَا بَعْضًا، وَاللهُ أَعْلَمُ.
* درجة الحديث:
حديث الباب حسن لغيره، وله شواهد منها :
ما أخرجه أحمد والبزار من حديث أبي الدرداء، وابن ماجه من حديث
أبي هريرة، وكلها ضعيفة، ولكن يقوي بعضها بعضًا، فقد جاء الحديث من
عدَّة طرق حيث روي من حديث أبي هريرة، وأبي الدرداء، ومعاذ بن جبل،
وأبي بكر الصديق، وخالد بن عبيد السلمي.
قال الشيخ الألباني عن هذه الطرق: إنَّ جميع طرق الحديث ضعيفة
شديدة الضعف، إلاَّ أنَّ ضعف طريق أبي الدرداء، وطريق معاذ بن جبل،
وطريق خالد بن عبيد يسير، لذلك فالحديث بمجموع هذه الطرق الثلاث
يرتقي إلى درجة الحسن، وسائر الطرق إن لم تزده قوّة لم تضره، والله أعلم.
* ما يؤخذ من الحديث:
١- الله تعالى لطيف بعباده، لاسيَّما بعباده المؤمنين، فقد سهل لهم من سبل
(١) الدار قطني (١٥٠/٤).
(٢) أحمد (٤٤٠/٦)، البزار (١٣٨٢).
(٣) ابن ماجه (٢٧٠٩).

٢٠٠
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
الخير، وطرق البر ما تزداد به حسناتهم، وتنمو به أعمالهم الصالحة، من
الأيام المباركات، والليالي الفاضلات، والساعات ذات النفحات، والأمكنة
المقدسة، والأذكار الجامعة .
ومن ذلك أنْ تفضل عليهم بثلث أموالهم، لتكون صدقة لهم بعد مماتهم
تزيد بها حسناتهم .
٢- فالصدقة الكاملة والإحسان الحقيقي هو ما يخرجه الإنسان في حياته، وحال
صحته وقوته، ورغبته في المال، كما قال تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ،
[الإنسان]، وكما جاء في الصحيحين من حديث أبي
مِسْكِينًا وَيَنِيمًا وَأَسِيرًا
هريرة، أنَّ النَّبِيَّ ◌َِّ قَال: ((أَفضل الصدقة أن تتصدق وأنت شحيحٌ صحيح،
تخشى الفقر، وتأمل البقاء، ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم، قلت: لفلان
کذا ولفلان كذا، وقد كان لفلان)).
٣- للكن الله جلَّ وعلا من فضله على عباده، وبره بهم، وعلمه بحبهم المال،
وشدتهم عليه، جعل لهم الصدقة بثلث أموالهم عند وفاتهم، زيادة في
حسناتهم .
٤ - جواز الوصية بالمال بقدر الثلث للأجنبي، والأجنبي هنا: معناه غير الوارث.
٥- تحريم الزيادة عن الثلث إلاَّ بإذن الورثة البالغين الراشدين، وموافقتهم.
٦ - أنَّ زمن قبول الوصية وتنفيذها يكون بعد الموت؛ لأنَّ ذلك الوقت هو وقت
ثبوت حق الموصى له.
٧- أنَّ الوصية بثلث التركة يعتبر بعد مؤن التجهيز، وبعد وفاء جميع الديون،
سواءٌ كانت لله، أو للنَّاس .
٨- أنَّ الوصيّة بالمال فيها فضل، وفيها أجر، فإنَّ الله لم يشرعها لخلقه، وتفضل
بها على عباده، إلاَّ لما فيها من الثواب الكبير؛ لأنَّها إحسانٌ، وصدقةٌ
جاريةٌ، قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُخِى الْمَوْقَدَ وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُواْ وَءَثَرَهُمّ وَكُلَّ شَىْءٍ
---