النص المفهرس

صفحات 21-40

٢١
كتاب البيوع - باب القراض أو المضاربة
رويفع بن ثابت الأنصاري، - رضي الله عنه - قال: ((كان أحدنا في زمن رسول
الله وَلّ ليأخذ نضْو أخيه، على أنَّ له النصف مما يغنم، ولنا النصف)) وما رواه
الدار قطني (٦٣/٣) وقوَّى سنده الحافظ ابن حجر («أنَّ حكيم بن حزام كان
يشترط على الرجل إذا أعطاه مالاً مقارضة: أن لا تجعل مالي في كبد رطبة، ولا
تحمله في بحر، ولا تنزل به بطن مسيل، فإن فعلتَ شيئًا من ذلك فأنت ضامن
مالي)» وغير ذلك من الأحاديث.
قال في التلخيص: وفي المضاربة آثار عن كثير من الصحابة منهم: علي
ابن أبي طالب، وابن مسعود، وابن عباس، وحكيم بن حزام - رضي الله
عنهم -.
والإجماع: قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على جواز المضاربة في
الجملة .
وقال الصنعاني: القِراض مما كان في الجاهلية فأقرَّه الإسلام.
والمضاربة مما تدعو إليها الحاجة، وليس فيها محذور فالقياس الصحيح
يقتضيها، لا سيما في هذا الزمن الذي توفرت فيه السيولة النقدية عند كثير ممن
ليس لديهم الوقت لاستثمارها والاتجار بها .
فالمضاربة شكل من أشكال الشركة يقدم فيها أحد الطرفين المتعاقدين
قدرًا معلومًا من ماله، ويسمى ((صاحب المال)). ويتصرف الطرف الثاني بههذا
المال بجهده، وعمله، وفكره، ويسمى ((المضارب)) أو يسمى ((العامل)).
والعامل في هذه الشركة أمين في تصرفاته، ومقبولة أقواله فيما باع
واشترى وتصرف، إلاّ في إعادة المال إلى ربه أو وارثه، فلا يقبل قوله إلاَّ ببينة؛
لأنَّ له حظ نفس في بقاء المال عنده.
وما تلف أو نقص من رأس المال أو الربح من غير تعدٍّ منه ولا تفريط فهو
غير ضامن له، ومع التعدي أو التفريط فهو ضامن.

٢٢
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
والتعدي فعل ما لا يجوز من التصرفات، والتفريط ترك ما يجب فعله في
أعمال الشركة .
أما المصاريف والنفقات التي تنفق على أعمال الشركة، فهذه يحكمها
العرف والعادة، إن لم يكن نص على مَنْ تجب عليه من أحد الطرفين في
الاتفاقية .
والربح دائمًا وقاية لرأس المال في حال التلف، أو الخسارة، ما لم تنته
الشركة وتنفضَّ، فحينئذٍ يبقى الربح سالمًا من تلك الوقاية، والعامل من حين
عقد (شركة المضاربة)) هو أمينٌ ووكيل، فإن ظهر ربح، فهو مع هذين شريك.
والمضاربة عقد جائز، ليس بلازم، فأي وقتٍ أراد أحد الطرفين فسخها
فسخت، ووجب على العامل تصفيتها نقودًا.
والمضاربة من العقود المباركة، قال الله تعالى فيها في الحديث القدسي :
((أنا ثالث الشريكين ما لم يخن أحدهما صاحبه)) فيجب فيها الصدق والنصح
والإخلاص؛ لتحل فيها بركة الله، والله الموفق.

٢٣
كتاب البيوع - باب القراض أو المضاربة
٧٧٧ - عَنْ صُهَيْبٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - أَنَّ النَّبِيَّ وَهِ قَالَ:
(ثَلاَثٌ فِيهِنَّ البَرَكَةُ: البَيّعُ إِلَى أَجَلٍ، وَالمُقَارَضَةُ، وَخَلْطُ البُرّ
بِالشَّعِيرِ لِلْبَيْتِ، لاَ لِلْبَعِ) رَوَاهُ ابنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادِ ضَعِيفٍ(١).
درجة الحديث:
الحدیث ضعيف .
قال المؤلف: رواه ابن ماجه بإسنادٍ ضعيف؛ ذلك أنَّ في إسناده كلاّ من
صالح بن صُهيب، وعبدالرحيم بن داود، ونضر بن قاسم، قال عنهم كل من
البُوصيري والعقيلي والسندي: إنَّهم مجهولون.
وقال ابن حزم: كل أبواب الفقه لها أصل من الكتاب والسنة، حاشا
القراض، فما وجدنا له أصلاً فيهما. اهـ.
والذي يقطع به أنَّ القِراض كان في عصر النبي بَّ، فأقرَّه، وهو مستند
إجماع علماء المسلمين في ذلك على جوازه.
* مفردات الحديث:
- المقارضة: قرضت الشيء قرضًا، من باب ضرب، وقارض الرجل من ماله:
قطع منه ما دفعه إلى الغير ؛ ليعمل فيه، والربح بينهما على ما شرطاه.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - يدل الحديث على وجود البركة في ثلاثة أشياء؛ الأولى: البيع إلى أجل إما
عن طريق السَّلم، وإما عن طريق تقسيط قيمة المبيع على المشتري، وفيه
بركة، وهذه البركة هي تسهيل المعاملة، وإعانة المشتري على تسليم ثمن
(١) ابن ماجه (٢٢٨٩).

٢٤
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
المبيع بدون إرهاق له، وإنما يستلم الثمن منه شيئًا فشيئًا، وربما زاد الثمن
قليلاً عن ثمن المبيع بالنقد الحاضر مقابل الأجل، فتحصل البركة أيضًا
للبائع .
الثانية: المقارضة؛ وهي شركة المضاربة، ووجه البركة فيها، وجود
عمل للعاطل الفقير بمال غيره، حينما يشتركان، فيكون من أحدهما المال،
ومن الآخر العمل، وما حصل من ربح اقتسماه على حسب ما اشترطاه،
فكلٌّ منهما استفاد، والغالب أنهما لم يقدما على هذه الشركة إلاّ في حالة
يكون صاحب رأس المال غير قادر على العمل بماله، ويكون العامل قديرًا
على العمل ويحسنه، وهو أيضًا عاطل بلا عمل، فتحصل البركة والخير
للطرفين.
الثالثة: خلط البر بالشعير قوتًا وطعامًا للبيت، ووجه البركة في هذا هو
التوفير في النفقة، فإنَّ الشعير رخيص، فإذا خلط بالبر حصل اقتصاد في
إنفاق البر الغالي، وفيه مع هذا تواضع في المأكل، يضادّ السرف، ويضادّ
التمادي في التنعم، وفيه مشاركة الطبقة الفقيرة في نوع طعامهم، والله من
وراء القصد.
٢ - عند كثير من الأصوليين أنَّ مفهوم العدد غير مراد، فإنَّ البركة تحصل في
كثير من الأشياء، زيادةً على هذه الأشياء الثلاثة المذكورة في هذا
الحدیث .

٢٥
كتاب البيوع - باب القراض أو المضاربة
٧٧٨ - وَعَنْ حَكِيم بْنِ حِزَامٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - ((أَنَّهُ كَانَ
يَشْتَرِطُ عَلَى الرَّجُلِ إِذَا أَعْطَاهُ مَالاَ مُقَارَضَةً، أنْ لاَ تَجْعَلْ مَالِي فِي كَبِدٍ
رَطْبَةٍ، وَلاَ تَحْمِلْهُ فِي بَحْرٍ ، وَلاَ تَنْزِلْ بِهِ فِي بَطْنِ مَسِيلٍ، فَإِنْ فَعَلْتَ
شَيْئًا مِنْ ذُلِكَ، فَقَدْ ضَمِنْتَ مَالِي)) رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ(١).
وقال مالكٌ فِي المُوَطَأْ عَنِ العَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْقُوبَ
عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ: ((أَنَّه عَمِلَ فِي مَالٍ لِعُثْمَان عَلىَ أَنَّ الرَّبْحَ بِيْنَهُمَا))
وَهُوَ مَوْقُوفٌ صَحِيحٌ(٢).
* درجة الحديث:
الحدیث صحیح.
قال المؤلف: رواه الدار قطني، ورجاله ثقات.
قال في التلخيص: رواه البيهقي بسند قوي على شرط الشيخين، وهو
موقوف صحیح .
أما حديث عثمان فرجاله ثقات هم رجال مسلم، إلاَّ يعقوب المدني،
فقال عنه الحافظ : مقبول .
* مفردات الحديث:
- كبد: بفتح الكاف وكسر الباء الموحدة، الكبد: عضو في الجانب الأيمن من
البطن تحت الحجاب الحاجز.
(١) الدار قطني (٦٣/٣).
(٢) مالك (٦٨٨/٢).

٢٦
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
- رطبة: الرطبة هي الناعمة الغضة الطرية، جمعه رطاب، أي لا تشتر الحيوانات؛
لأنَّ ما كان له روح عُرضةٌ للهلاك.
- بطن مسيل: بفتح الباء وسكون الطاء، المراد بذلك بطون الأودية، ومجرى
سيل الأمطار، لما في ذلك من تعريض المال لأن يحمله السيل، أو يفسده.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - الحديث فيه إثبات أصل شركة المضاربة، وأنَّها من العقود الجائزة؛ لسيرها
على أصول المعاملات الشرعية .
٢ - وفيه دليل على جواز اشتراط كل واحد من المتضاربين على صاحبه ماله فيه
منفعة، أو ما للعقد والشركة فيه منفعة.
٣- وفيه دليل على نفوذ هذه الشروط واعتبارها، ولولا اعتبارها ونفوذها ما
شرطت، إذ لا فائدة من شرطٍ غير لازم.
٤- لكن أي شرط بين متعاقدين يجب أن لا يخالف كتاب الله، ولا سنة رسول
الله ◌َّ، فإن كان مخالفًا لهما فهو باطلٌ، وإن كان مائة شرط.
٥- وفيه أنَّ الأصل عدم وجود الشروط في العقد؛ لأنَّه لا يوجد في العقد إلاَّ
بذكره واشتراطه، فمن اذَّعاها فعليه البينة.
٦- من الشروط الجائزة النافذة المعتبرة أن يشترط صاحب المال، أن لا يضع
العاملُ ماله في تجارة يخشى تلفها، أو تحتاج إلى زيادة كلفة ومؤنة، كأن
يشتري بها حيوانات، أو يحملها في أمكنة مخيفة وخطرة كالبحار، أو في
طرق يخشى فيها من قطاع الطريق، وأن يشترط عليه زيادة العناية بها، ومزيد
الحفاظ عليها، فلا ينزل بها في بطن وادٍ مسيل، فقد جاء النَّهي عن النزول
في بطون الأودية خشية الغرق المفاجيء.
٧- من الشروط المعتبرة النافذة أنَّه إذا شرط عليه تجنب المخاوف في عمله
بالمال، أن يقول له: إن تعديت فيه، أو فرطت فيه بمخالفة تلك الشروط

٢٧
كتاب البيوع - باب القراض أو المضاربة
الوقائية، فإنَّك ضامن للمال.
فالمفرط والمتعدي ضامن مطلقًا شرطت عليه المحافظة أو لا، وللكن
هذا فيه زيادة توثقة، وتأكيدٌ على العامل؛ لئلا يفرط، أو يعتدي فيه.
٨- القصد أي شرط من المالك، أو من العامل هو جائز نافذ، ما لم يخالف
حكم الله بما يعود على الشركة بالظلم والغرر، والجهالة والمخاطرة، ونحو
ذلك، فهذه شروط باطلةٌ لاغيةٌ، والله أعلم.
* فوائد:
الأولى: سميت هذه الشركة شركة مضاربة من الضرب في الأرض، وهو السفر
كما قال تعالى: ﴿يَضْرِبُونَ فِى الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ وَءَاخَرُونَ يُقَتِلُونَ﴾
[المزمل] أي يطلبون رزق الله تعالى في المكاسب والمتاجر، والغالب
على هذه الشركة أنَّ العامل يسافر بالمال للكسب وجلب السلع .
الثانية: أنَّها من العقود التي أجازتها الشريعة في السنة، وإجماع العلماء،
والحكمة تقتضي إباحتها؛ لأنَّ الناس بحاجة إليها فلابد من التجارة
بالمال وتقليبه في التصرفات .
الثالثة: أنَّ الربح بينهما على ما شرطاه، وزيادة أحد الشريكين، أو نقصه خاضع
وراجع للوقت، وصفة العمل، وغير ذلك من الأمور.
فإن قالا : الربح بيننا، فهو نصفان بينهما .
الرابعة: إذا اختلف المالك والعامل لمن الجزء المشروط، فالمشهور من
مذهب الإمامين، الشافعي وأحمد أنَّه للعامل قليلاً كان أو كثيرًا؛ لأنَّه
مستحق بالعمل، وهو يقل ويكثر، ويختلف باختلاف حالة العامل من
الحذق وعدمه .
الخامسة: إذا خسرت الشركة، فالخسارة من رأس المال على المالك، وأما
العامل فخسارته ضياع عمله و جهده .

٢٨
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
وإن ربحت فرأس المال للمالك.
وأما الربح فيقسم بينهما حسب شرطهما .
السادسة: قال ابن القيم: المضارب أمين ووكيل وشريك، فأمين إذا قبض
المال، ووكيل إذا تصرف فيه، وشريك إذا ظهر ربح.
* قرار المجمع الفقهي بشأن سندات المقارضة وسندات الاستثمار:
قرار رقم (٣٠):
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمَّد خاتم
النبیین، وآله وصحبه وسلم.
إنَّ مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره الرابع بجدة
في المملكة العربية السعودية، من ١٨ - ٢٣ جمادى الآخرة ١٤٠٨ هـ، الموافق
٦-١١ فبراير ١٩٨٨ م.
بعد اطلاعه على الأبحاث المقدمة في موضوع: ((سندات المقارضة
وسندات الاستثمار)) والتي كانت حصيلة الندوة التي أقامها المجمع، بالتعاون
مع المعهد الإسلامي للبحوث والتدريب بالبنك الإسلامي للتنمية، بتاريخ ٦-٩
محرَّم ١٤٠٨ هـ الموافق ٨/٣٠-١٩٨٧/٩/٢م، تنفيذًا لقرار رقم (١٠) المتخذ
في الدورة الثالثة للمجمع، وشارك فيها عدد من أعضاء المجمع وخبرائه،
وباحثي المعهد وغيره من المراكز العلمية والاقتصادية، وذلك للأهمية البالغة
لهذا الموضوع وضرورة استكمال جميع جوانبه، للدور الفعال لهذه الصيغة
في زيادة القدرات على تنمية الموارد العامة عن طريق اجتماع المال والعمل.
وبعد استعراض التوصيات العشر التي انتهت إليها الندوة ومناقشتها في
ضوء الأبحاث المقدمة في الندوة وغيرها .

٢٩
كتاب البيوع - باب القراض أو المضاربة
قرَّر ما يلي :
أولاً: من حيث الصيغة المقبولة شرعًا لصكوك المقارضة:
١- سندات المقارضة هي أداة استثمارية تقوم على تجزئة رأس مال القراض
((المضاربة)) بإصدار صكوك ملكية برأس مال المضاربة، على أساس
وحدات متساوية القيمة، ومسجلة بأسماء أصحابها باعتبارهم يملكون
حصصًا شائعة في رأس مال المضاربة، وما يتحول إليه، بنسبة ملكية كل
منهم فيه .
ويفضل تسمية هذه الأداة الاستثمارية ((صكوك المقارضة)).
٢- الصورة المقبولة شرعًا لسندات المقارضة بوجه عام لابد أن تتوافر فيها
العناصر التالية :
العنصر الأول :
أن يمثل الصك ملكية حصةٍ شائعةٍ في المشروع الذي أصدرت
الصكوك لإنشائه أو تمويله، وتستمر هذه الملكية طيلة المشروع من بدايته
إلى نهايته .
وترتب عليها جميع الحقوق والتصرفات المقررة شرعًا للمالك في
ملكه، من بيع، وهبةٍ، ورهنٍ، وإرثٍ وغيرها، مع ملاحظة أنَّ الصكوك
تمثل رأس مالٌ المضاربة.
العنصر الثاني :
يقوم العقد في صكوك المقارضة على أساس أنَّ شروط التعاقد تحددها
((نشرة الإصدار))، وأنَّ ((الإيجاب)) يعبر عنه ((الاكتتاب)) في هذه الصكوك،
وأنَّ ((القبول)) تعبر عنه موافقة الجهة المصدرة.
ولا بد أن تشمل نشرة الإصدار على جميع البيانات المطلوبة شرعًا في
عقد القراض ((المضاربة)) من حيث بيان معلومية رأس مال، وتوزيع الربح،

٣٠
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
مع بيان الشروط الخاصة بذلك الإصدار، على أن تتفق جميع الشروط مع
الأحكام الشرعية .
العنصر الثالث :
أن تكون صكوك المقارضة قابلة للتداول بعد انتهاء الفترة المحددة
للاكتتاب باعتبار ذلك مأذونًا من المضارب عند نشوء السندات، مع مراعاة
الضوابط التالية :
( أ ) إذا كان مال القراض المتجمع بعد الاكتتاب، وقبل المباشرة في
العمل بالمال ما يزال نقودًا، فإنَّ تداول صكوك المقارضة يعتبر مبادلة نقد
بنقد، وتطبق عليه أحكام الصرف.
(ب) إذا أصبح مال القراض ديونًا تطبق على تداول المقارضة أحكام
تداول التعامل بالدیون.
(ج) إذا صار مال القراض موجودات مختلطة من النقود، والديون،
والأعيان، والمنافع، فإنه يجوز تداول صكوك المقارضة وفقًا للسعر
المتراضى عليه، على أن يكون الغالب في هذه الحالة أعيانًا ومنافع، أما إذا
كان الغالب نقودًا أو ديونًا، فتراعى في التداول الأحكام الشرعية التي ستبينها
لائحة تفسيرية توضع وتعرض على المجمع في الدورة القادمة.
وفي جميع الأحوال يتعيَّن تسجيل التداول أصوليًّا في سجلات الجهة
المصدرة .
العنصر الرابع :
أنَّ من يتلقى حصيلة الاكتتاب في الصكوك لاستثمارها، وإقامة المشروع
بها هو المضارب، أي عامل المضاربة ولا يملك من المشروع إلاَّ بمقدار ما
قد يسهم به بشراء بعض الصكوك، فهو رب مال بما أسهم به بالإضافة إلى
أنَّ المضارب شريك في الربح بعد تحققه بنسبة الحصة المحددة له في نشرة

( ٣١
كتاب البيوع - باب القراض أو المضاربة
الإصدار، وتكون ملكيته في المشروع على هذا الأساس.
وأنَّ يد المضارب على حصيلة الاكتتاب في الصكوك وعلى موجودات
المشروع هي يد أمانةٍ، لا يضمن إلاّ بسببٍ من أسباب الضمان الشرعية.
٣- مع مراعاة الضوابط السابقة في التداول، يجوز تداول المقارضة في أسواق
الأوراق المالية إن وجدت بالضوابط الشرعية، وذلك وفقًا لظروف العرض
والطلب، ويخضع لإرادة العاقدين، كما يجوز أن يتم التداول بقيام الجهة
المصدرة في فترات دورية معيَّنة بإعلان، أو إيجاب يوجه إلى الجمهور تلتزم
بمقتضاه خلال مدة محددة بشراء هذه الصكوك من ربح مال المضاربة بسعرٍ
معيَّن، ويحسن أن تستعين في تحديد السعر بأهل الخبرة، وفقًا لظروف
السوق والمركز المالي للمشروع، كما يجوز الإعلان عن الالتزام بالشراء
من غير الجهة المصدرة من مالها الخاص، على النحو المشار إليه.
٤- لا يجوز أن تشتمل نشرة الإصدار أو صكوك المقارضة على نص بضمان
عامل المضاربة رأس المال، أو ضمان ربح مقطوع، أو منسوب إلى رأس
المال، فإن وقع النص على ذلك صراحة، أو ضمنًا بطل شرط الضمان
واستحق المضارب ربح مضاربة المثل.
٥- لا يجوز أن تشتمل نشرة الإصدار، ولا صك المقارضة الصادر بناء عليها
على نص يلزم بالبيع، ولو كان معلقًا، أو مضافًا للمستقبل، وإنما يجوز أن
يتضمن صك المقارضة وعدًا بالبيع، وفي هذه الحالة لا يتم البيع إلاّ بعقد
بالقيمة المقدرة من الخبراء، وبرضاء الطرفين .
٦ - لا يجوز أن تتضمن نشرة الإصدار ولا الصكوك المصدرة على أساسها نصًّا
يؤدي إلى احتمال قطع الشركة في الربح فإن وقع كان العقد باطلاً .
ويترتب على ذلك :
( أ ) عدم جواز اشتراط مبلغ محدد لحملة الصكوك، أو صاحب

٣٢
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
المشروع في نشرة الإصدار وصكوك المقارضة الصادرة بناء عليها .
(ب) أنَّ محل القسمة هو الربح بمعناه الشرعي، وهو الزائد عن رأس
المال وليس الإيراد أو الغلة، ويعرف مقدار الربح إما بالتنضيض، أو
بالتقويم للمشروع بالنقد، وما زاد عن رأس المال عند التنضيض أو التقويم
فهو الربح الذي يوزع بين حملة الصكوك وعامل المضاربة، وفقًا لشروط
العقد .
(ج) أن يعد حساب أرباح وخسائر للمشروع وأن يكون معلنًا وتحت
تصرف حملة الصكوك .
٧- يستحق الربح بالظهور، ويملك بالتنضيض أو التقويم ولا يلزم إلاَّ بالقسمة.
وبالنسبة للمشروع الذي يدر إيرادًا أو غلة فإنَّه يجوز أن توزع غلته، وما
يوزع على طرفي العقد قبل التنضيض ((التصفية))، يعتبر مبالغ مدفوعة تحت
الحساب.
٨- ليس هناك ما يمنع شرعًا من النص في نشرة الإصدار على اقتطاع نسبة معيَّنة
في نهاية كل دورة، إما من حصة حملة الصكوك في الأرباح في حالة وجود
تنضيض دوري، وإما من حصصهم في الإيراد، أو الغلة الموزعة تحت
الحساب، ووضعها في احتياطي خاص لمواجهة مخاطر خسارة رأس
المال.
٩ - ليس هناك ما يمنع شرعًا من النص في نشرة الإصدار أو صكوك المقارضة
على وعد طرف ثالث منفصل في شخصيته وذمته المالية عن طرفي العقد
بالتبرع بدون مقابل بمبلغ مخصص لجبر الخسران في مشروع معيَّن، على
أن يكون التزامًا مستقلاً عن عقد المضاربة، بمعنى أنَّ قيامه بالوفاء بالتزامه
ليس شرطًا في نفاذ العقد وترتب أحكامه عليه بين أطرافه، ومن ثم فليس
لحملة الصكوك أو عامل المضاربة الدفع ببطلان المضاربة أو الامتناع عن

٣٣
كتاب البيوع - باب القراض أو المضاربة
الوفاء بالتزاماتهم بها، بسبب عدم قيام المتبرع بالوفاء بما تبرع به بحجة أنَّ
هذا الالتزام كان محل اعتبار في العقد .
ثانيًا :
استعراض مجلس المجمع أربع صيغ أخرى، اشتملت عليها توصيات
الندوة التي أقامها المجمع، وهي مقترحة للاستفادة منها في إطار تعمير الوقف
واستثماره دون الإخلال بالشروط التي يحافظ فيها على تأبيد الوقف هي:
( أ ) إقامة شركة بين جهة الوقف بقيمة أعيانه، وبين أرباب المال بما
يوظفونه لتعمير الوقف .
(ب) تقديم أعيان الوقف ((كأصل ثابت)) إلى من يعمل فيها، بتعميرها من
ماله بنسبة من الريع .
(ج) تعمير الوقف بعد الاستصناع مع المصارف الإسلامية، لقاء بدل من
الربع .
(د) إيجار الوقف بأجرة عينية هي البناء عليها وحده، أو مع أجرة يسيرة.
وقد اتَّفق رأي مجلس المجمع مع توصية الندوة بشأن هذه الصيغ من
حيث حاجتها إلى مزيد من البحث والنظر، وعهد إلى الأمانة العامة الاستكتاب
فيها، مع البحث عن صيغ شرعية أخرى للاستثمار، وعقد ندوة لههذه الصيغ
لعرض نتائجها على المجمع في دورته القادمة. والله أعلم.
* قرار المجمع الفقهي الإسلامي بشأن موضوع: هل يجوز تحديد ربح رب المال
في شركة المضاربة:
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، سيدنا ونبينا
محمّد وعلى آله وصحبه وسلم .
أما بعد :
فإنَّ مجلس المجمع الفقهي الإسلامي لرابطة العالم الإسلامي، في

٣٤
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
دروته الرابعة عشرة المنعقدة بمكة المكرمة، والتي بدأت يوم السبت ٢٠ من
شعبان ١٤١٥ هـ، الموافق ١٩٩٥/١/٢١م، قد نظر في هذا الموضوع، وقرَّر
أنَّه لا يجوز في المضاربة أن يحدد المضارب لرب المال مقدارًا معيّنًا من
المال؛ لأنَّ هُذا يتنافى مع حقيقة المضاربة، ويجعلها قرضًا بفائدة، ولأنَّ
الربح قد لا يزيد على ما جعل لرب المال فيستأثر به كله، وقد تخسر المضاربة،
أو يكون الربح أقل مما جعل لرب المال، فيغرم المضارب.
والفرق الجوهري الذي يفصل بين المضاربة، والقرض بفائدة الذي
تمارسه البنوك الربوية، هو أنَّ المال في يد المضارب أمانة، لا يضمنه إلاّ إذا
تعدَّى أو قصر، والربح يقسم بنسبة شائعة متَّفق عليها بين المضارب ورب
المال، وقد أجمع الأئمة الأعلام على أنَّ من شروط صحة المضاربة أن يكون
الربح مشاعًا بين رب المال والمضارب دون تحديد قدر معيَّن لأحد منهما، والله
أعلم.
وصلى الله على سيدنا محمَّد وعلى آله وصحبه، وسلَّم تسليمًا كثيرًا
والحمد لله رب العالمين.
* قرار المجمع الفقهي الإسلامي بشأن مدى مسؤولية المضارب ومجالس الإدارة
عما يحدث من الخسارة:
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، سيدنا ونبينا
محمّد، وعلى آله وصحبه وسلم.
أما بعد :
فإنَّ مجلس المجمع الفقهي الإسلامي لرابطة العالم الإسلامي، في
دورته الرابعة عشرة المنعقدة بمكة المكرمة، والتي بدأت يوم السبت ٢٠ شعبان
١٤١٥ هـ، الموافق ١٩٩٥/١/٢١م، قد نظر في هذا الموضوع، وأصدر
القرار التالي :

٣٥
كتاب البيوع - باب القراض أو المضاربة
الخسارة في مال المضاربة على رب المال في ماله، ولا يسأل عنها
المضارب إلاّ إذا تعدى على المال، أو قصر في حفظه؛ لأنَّ مال المضاربة
مملوك لصاحبه، والمضارب أمين عليه ما دام في يده، ووكيل في التصرف فيه،
والوكيل والأمين لا يضمنان إلاّ في حالة التعدي، أو التقصير.
والمسؤول عما يحدث في البنوك والمؤسسات المالية ذات الشخصية
الاعتبارية هو مجلس الإدارة؛ لأنَّه هو الوكيل عن المساهمين في إدارة الشركة،
والممثل للشخصية الاعتبارية، والحالات التي يسأل فيها مجلس الإدارة عن
الخسارة التي تحدث في مال المضاربة، هي نفس الحالات التي يسأل فيها
المضارب ((الشخص الطبيعي))، فيكون مجلس الإدارة مسؤولاً أمام أرباب المال
عن كل ما يحدث في مال المضاربة، من خسارة بتعدٍّ، أو تقصيرٍ منه، أو
موظفي المؤسسة، وضمان مجلس الإدارة يكون من أموال المساهمين، ثم إذا
كان التعدي أو التقصير من أحد الموظفين، فعلى مجلس الإدارة محاسبته، أما
إذا كان التعدي، أو التقصير من مجلس الإدارة نفسه فمن حق المساهمين أن
يحاسبوه.
وصلى الله على سيدنا محمَّد، وعلى آله وصحبه، وسلم تسليمًا کثیرًا،
والحمد لله رب العالمين .

٣٦
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
باب المساقاة
مقدمة
المساقاة: من السقي فهي مأخوذة من أهم أعمالها، فحاجة الشجر إلى
السقي أكثر من غيره، ذلك أنَّ الماء في جزيرة العرب شحيح، فما كانوا سابقًا
يسقون إلاَّ بالنضح، فسميت بأهم وأشق عمل فيها .
وتعريفها شرعًا: أنَّها دفع شجر إلى آخر ليقوم بسقيه، وعمل سائر ما
يحتاج إليه، بجزء مشاع معلوم من ثمره.
والأصل في جوازها السنة، والقياس الصحيح.
أما السنة: فمساقاته ◌َّ، وخلفائه الراشدين من بعده أهلَ خيبر، بشطر
ما يخرج منها من ثمر .
وأما القياس: فإنَّ المساقاة أقرب إلى العدل والحل، فإنَّهما يشتركان في
المغنم والمغرم، بخلاف المؤاجرة فإنَّ صاحب الشجر تسلم له الأجرة، وأما
المستأجر فقد یحصل له الثمر، وقد لا يحصل.
والمساقاة من المشاركات التي مبناها العدل بين الشريكين، فإنَّ صاحب
الشجر والأرض كصاحب النقود التي دفعها للمضارب في التجارة، والعامل
الساقي- كالعامل المضارب الذي يتجر بالمال، فهما داخلتان في أبواب
المشاركات، فالغنم بينهما، والغُرم عليهما .
وبهذا عُلِمَ أنَّها أحلُّ من الإجارة، وأقرب إلى القياس والعدل، ولذا
فإنَّها جاءت على الأصل، لا كما زعم بعضهم أنَّها على خلاف القياس، لظنهم
أنَّها من باب الإجارات التي يشترط فيها العلم بالعمل والأجرة، فهذا وهم

٣٧
كتاب البيوع - باب المساقاة
منهم.
والمساقاة ومثلها المزارعة من أحل المكاسب وأفضلها، لمن ابتغى فضل
الله تعالى ولم تشغله عن الأمور المطلوبة منه لربه ولأهله، والسنة مليئة
بفضلها، ومن ذلك ما جاء في البخاري (٦٠١٢) ومسلم (١٥٥٣)، من حديث
أنس أنَّ النَّبيَّ وَّ قال: ((ما من مسلم يغرس غرسًا، أو يزرع زرعًا، فيأكل منه
إنسانٌ، أو طيرٌ، أو دابةٌ إلاّ كان له صدقة)) .

٣٨
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
٧٧٩ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - ((أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَلَه
عَامَلَ أَهْلَ خَيْرَ بِشَطْرِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا مِنْ ثَمَرٍ أَوْ زَرْعٍ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَفِي رِوَايَةٍ لَهُمَا: ((فَسَأَلُوهُ أَنْ يُقِرَّهُمْ بِهَا عَلَّى أَنْ يَكْفُوا عمَلَهَا
وَلَهُمْ نِصْفُ الثَّمْرِ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ الهِلَّهِ: نُقِرُّكُمْ بِهَا عَلَى ذَلِكَ مَا
شِئْنَا، فَقَرُّوا بِهَا حَتَّى أَجْلاَهُمْ عُمَرُ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ)) .
وَلِمُسْلِمٍ: ((أَنَّ رَسُولَ اللهِبَهِ دَفَعَ إِلَىْ يَهُودِ خَيْبَرَ نَخْلَ خَيْبَرَ
وَأَرْضَهَا، عَلى أنْ يعْتَمِلُوهَا مِنْ أَمْوَالِهِمْ، وَلَهُمْ شَطْرُ ثَمَرِهَا))(١).
* مفردات الحديث:
- عامَل: عمل يعمل عملاً: فعل ومَهَنَ .
قال في الكليات: العمل يعم أفعال القلوب والجوارح.
قال في المحيط: المعاملة المساقاة في لغة الحجازيين وهي المراد هنا.
- بشطر: بفتح الشين المعجمة وسكون الطاء آخره راء، يطلق على معان،
والمراد به هنا النصف، ويستعمل في الجزء منه، فإنَّه يطلق ويراد به البعض،
جمعه أشطر وشطور.
- من ثمر: بالثاء المثلثة، والمراد هنا ثمر النخيل؛ لأنَّها شجر خيبر.
- فقرُّوا: يقال: قرَّ في المكان يقرُّ قرارًا: إذا ثبت وسكن.
قال في المحيط: قرَّر العامل على عمله تركه قارًّا فيه.
- أجلاهم: جلا عن البلد جلاء بالفتح والمد: خرج منها، وجلا القوم عن
(١) البخاري (٢٣٢٩، ٢٣٣٨)، مسلم (١٥٥١).

٣٩
كتاب البيوع - باب المساقاة
الوطن: خرجوا من الخوف أو الجدب، وجلوته وأجليته أتى لازمًا ومتعديًا .
- يعتملوها: يقال: اعتمل الرجل أي عمل عملاً متعلقًا بنفسه والمعنى أن يسعوا
فيها بما فيه عمارة أرضها، وإصلاحها .
ما يؤخذ من الحديث:
١- جواز المساقاة والمزارعة بجزء مشاع معلوم مما يخرج من الزرع والثمر،
قال الطيبي: لم أر أحدًا من أهل العلم منع من المساقاة مطلقًا غير أبي
حنيفة .
والدليل على جوازها ما تواتر، أو كاد أن يتواتر، من أنَّه وَّ ساقى أهل
خيبر بنخيلها على الشرط .
وأما المزارعة فهي عندنا جائزة تبعًا للمساقاة؛ لحديث خيبر، ولا يجوز
إفراده؛ لحديث رافع بن خديج أنَّ النَّبِيَّ وََّ نهى عنها، ومنع منها الإمام
مالك وأبو حنيفة مطلقًا، وذهب أكثر أهل العلم من الصحابة والتابعين إلى
جوازها مطلقًا؛ لظاهر الحديث، و علیه جمهور المحدثين.
٢- ظاهر الحديث أنَّه لا يشترط أن يكون البذر من رب الأرض في المزارعة
وسيأتي كلام ابن القيم قريبًا، وهو الصحيح خلافًا للمشهور من مذهبنا
باشتراطه .
٣- أنَّه إذا علم نصيب العامل، أغنى عن ذكر نصيب صاحب الأرض والشجر،
لأنَّ الغلة لا تخرج عنهما .
٤- جواز الجمع بين المساقاة والمزارعة في بستانٍ واحدٍ، بأن يساقيه على
الشجر بجزء معلوم من الثمر، وبزرعه الأرض بجزء معلوم من الزرع.
٥- جواز معاملة الكفار بالفلاحة والتجارة والمقاولات على البناء والصنائع
ونحو ذلك من أنواع المعاملات.
٦- ظاهر الحديث عدم اشتراط العلم بقدر مدة المساقاة أو المزارعة.

٤٠
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
وقال الجمهور: لا تجوز المساقاة والمزارعة إلاَّ في مدة معلومة وتأولوا
قوله ((ما شئنا)) على مدة العهد، وأنَّ المراد: نمكنكم من المقام في خيبر ما
شئنا، ثم نخرجکم إذا شئنا .
٧- وأما المساقاة فإنَّ مدتها معلومة، وقد اتَّفقوا على أنَّها لا تجوز إلاَّ بأجلِ
معلوم .
٨- قال ابن القيم: في قصة خيبر دليل على جواز المزارعة بجزء من غلة الزرع،
فإنَّه ◌َ ل عامل أهل خيبر على ذلك، واستمر على ذلك إلى حين وفاته ولم
ينسخ ألبتة، واستمر عمل الخلفاء الراشدين عليه، وليس هذا من باب
المؤاجرة في شيء بل من باب المشاركة، وهو نظير المضاربة سواء، فمن
أباح المضاربة وحرم ذلك فقد فرَّق بين متماثلين، فإنَّه ◌َ لّ دفع إليهم الأرض
على أن يعتملوها من أموالهم، ولم يدفع إليهم البذر، فدلَّ على أنَّ هديه
عدم اشتراط كون البذر من رب الأرض، وأنه يجوز أن يكون من العامل،
كما أنَّه وفق القياس، فإنَّ الأرض بمنزلة رأس المال في المضاربة، والبذر
يجري مجرى سقي الماء؛ ولهذا يموت في الأرض، ولا يرجع إلى
صاحبه، ولو كان بمنزلة رأس المال في المضاربة؛ لاشتراط عوده إلى
صاحبه، وهذا يفسد المزارعة، فعلم أنَّ القياس الصحيح هو الموافق لهدي
النبي ګ﴾ وخلفائه الراشدين.
٩ - ذهب أبو حنيفة وزفر إلى أنَّ المزارعة والمساقاة فاسدتان مطلقًا.
وذهب أكثر أهل العلم إلى جوازهما مجتمعتين، ومنفردتين.
قال النووي: هذا هو الظاهر المختار لحديث خيبر ولا تقبل دعوى كون
المزارعة في خيبر، إنما جاءت تبعًا للمساقاة، بل إنَّها مستقلة، ولأنَّ المعنى
الموجود في المساقاة موجود في المزارعة، وقياسًا على القراض
((المضاربة)) فإنَّ القراض جائز بالإجماع وهو كالمزارعة في كل شيء، ولأنَّ