النص المفهرس
صفحات 521-540
٥٢١ كتاب البيوع - باب الضمان وذريرة القصب والصندل الأحمر والأبيض، يوضع في أكفان الميت خاصة؛ لتصلیب جسده، شده من بعض هذه المواد . - فخطا خُطًا: أي مشى عدة خطوات، وخُطَا بالضم على وزن هُدى، جمع خطوة . - فَتَحمَّلهَا: فضمن أبوقتادة الدينارين عن الميت لصاحب الدين. - حق الغريم: منصوب على المصدر مؤكد لمضمون قوله: ((الديناران عليَّ))، أي حقَّ عليك الحق، وثبت عليك، وكنت غريمًا. - وبريءَ الميت: أي وخلص الميت من الدين، ومن تبعته. ٥٢٢ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ٧٥٢ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - ((أَنَّ رَسُولَ اللهِنَّه كَانَ يُؤْثَى بِالرَّجُلِ المُتَوفَّى عَلَيْهِ الدَّينُ، فَيَسْأَلُ: هَلْ تَرَكَ لِدَيْنِهِ مِنْ قَضَاءٍ؟ فَإِنْ حُدِّثَ أَنَّهُ تَرَكَ وَفَاءً صَلَّى عَلَيْهِ، وَإِلاَّ قَالَ: صَلُّوا عَلىُ صَاحِبِكُمْ، فَلَمَّا فَتَحَ اللهُ عَلَيْهِ الفُتُوحَ قَال: أَنَا أَوْلَى بِالمُؤْمِنِيْنَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ، فَمَنْ تُوُفِّيَ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ، فَعَلَيَّ قَضَاؤُهُ)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ: ((فَمَنْ مَاتَ، وَلَمْ يَتْرِْ وَفَاءً))(١). * مفردات الحديث: - عليه دين: جملة حالية. - من قضاء: أي هل ترك قدرًا زائدًا على مؤنة تجهيزه يكفي لقضاء دينه . - وإلاّ: أي وإن لم يترك وفاء، قال: ((صلوا على صاحبكم)). - الفُتُوح: أي لما جاءت فتوح بلدان الكفار، وصار في بيت المال من أموال الفيء. - أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم: أي أحق وأقرب إليهم من أنفسهم، لما له مَله عليهم من الحُكم النافذ فيهم، فكذلك هو ضامن لأداء ديونهم إذا كانوا معذورین و معسرین . * ما يؤخذ من الحديثين: ١ - عِظَم خطر الدين، وأنَّه من أهم الواجبات على الميت، فإنَّ الشهادة في سبيل الله تكفر جميع الذنوب كبيرها وصغيرها إلاَّ الدَّين، كما جاء ذلك في صحيح (١) البخاري (٢٣٩٨، ٦٧٣١)، مسلم (١٦١٩). ٥٢٣ كتاب البيوع - باب الضمان مسلم (١٨٨٥) عن أبي قتادة أنَّ رجلاً سأل النَّبيَّ ◌َّ فقال: ((أرأيتَ إن قُتِلت في سبيل الله، أتُكَفَّر عني خطاياي؟ فقال: ((نعم إلاَّ الدّين، فإنَّ جبريل قال لي ذلك». ٢- أنَّ ذمة الميت مشغولة بدينه والحقوق التي عليه حتى تؤدى عنه، فتجب المبادرة بأدائها، لما روى الإمام أحمد (٩٣٠٢) والترمذي وحسَّنه من حديث أبي هريرة أنَّ النَّبِيَّ وَّ قال: ((نفس المؤمن معلّقة بدينه حتى يُقْضى عنه)) . قال شيخ الإسلام: وهذا الدين سواء كان لله تعالى كالزكاة والحج ونذر الطاعة والكفارة، أو للآدمي كأمانةٍ، وغصبٍ، وعاريةٍ، وغير ذلك. وسواء أوصى بذلك أو لم يوص به؛ لأنَّها حقوق واجبة الأداء مطلقًا . ٣- الحديث أصل في جواز الضمان، حينما يلتزم المكلف الرشيد بذمته ما وجب على غيره من الحقوق المالية، مع بقاء تلك الحقوق بذمة المكفول. ٤ - استحباب المبادرة في قضاء دين الميت؛ لتأخر النبي ◌َّ- عن الصلاة عليه حینما علِمَ أنَّه مدین. ٥- جواز الضمان في الحقوق المالية حتى عن الميت، سواء ترك وفاء أو لم يترك؛ لأنَّ أباقتادة لما تحمل دين الميت صلَّى عليه النبي ◌َِّ. ٦ - أنَّ هذا التحمل عن الميت لا يبرئه براءة تامّة من الدين؛ لقوله وَله: نفس المؤمن معلقةٌ بدينه، حتى يُقضى عنه)) رواه أحمد(٩٣٠٢) ولأنَّه لما أخبره أبو قتادة بأنه قضى عن الميت دينه قال: ((الآن برَّدْتَ عليه جلدته)) [رواه أحمد (١٤٠٠٩)] وللكنه يخفف عنه ثقله. ٧- يترتب على هذا أنَّ الأفضل هو المبادرة بقضاء دين الميت، فإن لم يمكن یتحمل أحد عنه دينه، ويبادر أيضًا بقضائه؛ لتكمل راحة الميت من تبعاته. ٨- من عظم الدين وحقوق العباد - ولعله من ((باب التعزير)) - امتناع النبي وَل ٥٢٤ توضيح الأحكام من بلوغ المرام من الصلاة عليه، فإنَّ في ذلك ردعًا لغيره عن التهاون بحقوق العباد. ٩ - أما ما جاء في الحديث رقم: (٧٥٢) من كونه ◌َّ يوفي دين من مات وعليه دين، ليس عنده ما يُوفَّى به عنه، فذلك بعد أن كثُرت عنده أموال الفيء، أما الحالة الأولى فكانت في حال خلو بيت مال المسلمين من المال. ١٠ - النبي لل أولى بالمؤمنين من أنفسهم، وأشفق عليهم من أنفسهم، فكان من تمام رأفته بهم، وشفقته عليهم أنَّه يتحمل عن موتاهم ديونهم، التي لا يوجد لها وفاء بعدهم، ويوفيها من بيت مال المسلمين. ١١ - أنَّ الأحكام الشرعية تكون حسب المصالح والأحوال الراهنة، فولي أمر المسلمين إذا كان في خزينة الدولة شيء قام بواجبات الولاية وأمر الرعية، التي منها وفاء ديون المعسرين، وإذا لم يكن في الخزينة شيء، أو كانت النفقات الأخر أهم، ولا أمكن التوفيق بينهما فلا يلزم ولي الأمر شيء. ١٢- قال الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ: ما يجب على بيت المال دفعه من الدیات والدیون: الأولى: إذا مات أحد المسلمين وعليه دين من دية، أو غيرها من الديون ولم يخلف له وفاءً، فعلى ولي الأمر قضاؤه من بيت المال، كما ثبت ذلك بالأحاديث الصحيحة. الثانية: إذا جنى إنسانٌ على آخر وقَتَلَهُ، وكانت الجناية خطأً، أو شبه عمد، ولم يكن له عاقلةٌ موسرةٌ، فالدية في بيت المال. الثالثة: کل من جُهل قاتله بزحمة ونحو ذلك فديته في بيت المال. الرابعة: إذا حكم القاضي بالقسامة فنكل الورثة عن الأيمان، ولم يرضوا بيمين المدَّعى عليه، فداه الإمام من بيت المال. ٥٢٥ كتاب البيوع - باب الضمان * قرار مجلس مجمع الفقه الإسلامي بشأن خطاب الضمان: قرار رقم (١٢): بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمَّد، خاتم النبین، وعلى آله وصحبه. أما بعد : فإنَّ مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنبثق عن منظمة المؤتمر الإسلامي، في دورة انعقاد مؤتمره الثاني بجدة من ١٠ - ١٦ ربيع الثاني ١٤٠٦ هـ، الموافق ٢٢-٢٧ ديسمبر ١٩٨٥ م. بحث مسألة خطاب الضمان: وبعد النظر فيما أعد في ذلك من بحوث ودراسات وبعد المداولات والمناقشات المستفيضة تبين ما يلي: ١ - أنَّ خطاب الضمان بأنواعه الابتدائي والانتهائي لا يخلو إما أن يكون بغطاء أو بدونه، فإن كان بدون غطاء، فهو: ضم ذمة الضامن إلى ذمة غيره فيما يلزم حالاً أو مآلاً، وهذه هي حقيقة ما يعني في الفقه الإسلامي، باسم: ((الضمان)) أو ((الكفالة)). وإن كان خطاب الضمان بغطاء، فالعلاقة بين طالب خطاب الضمان وبين مصدره هي ((الوكالة))، والوكالة تصح بأجر، أو بدونه، مع بقاء علاقة الكفالة لصالح المستفيد («المكفول له)). ٢- أنَّ الكفالة هي عقد تبرع يقصد للإرفاق والإحسان، وقد قرَّر الفقهاء عدم جواز أخذ العوض على الكفالة؛ لأنَّه في حالة أداء الكفيل مبلغ الضمان يشبه القرض الذي جرَّ نفعًا على المقرض، وذلك ممنوع شرعًا. ٥٢٦) توضيح الأحكام من بلوغ المرام ولذلك فإنَّ المجمع قرَّر ما يلي : أولاً: إنَّ خطاب الضمان لا يجوز أخذ الأجر عليه لقاء عملية الضمان: ((والتي يراعى فيها عادةً مبلغ الضمان ومدته)) سواءٌ كان بغطاء أم بدونه. ثانيًا: أما المصاريف الإدارية لإصدار خطاب الضمان بنوعية فجائزة شرعًا، مع مراعاة عدم الزيادة على أجر المثل، وفي حالة تقديم غطاء كلي أو جزئي، يجوز أن يراعى في تقدير المصاريف لإصدار خطاب الضمان ما قد تتطلبه المهمة الفعلية لأداء ذلك الغطاء. والله أعلم * قرار مجمع الفقه الإسلامي بشأن موضوع بطاقات الائتمان غير المغطاة: قرار رقم (١٠٨): إنَّ مجلس مجمع الفقه الإسلامي الدولي المنبثق عن منظمة المؤتمر الإسلامي في دورته الثانية عشرة بالرياض في المملكة العربية السعودية من ٢٥ جمادى الآخرة ١٤٢١ هـ إلى غرة رجب ١٤٢١ هـ، الموافق ٢٣ - ٢٨ سبتمبر ٢٠٠٠. بناءً على قرار المجلس رقم: (٧/١/٦٥) في موضوع الأسواق المالية بخصوص بطاقة الائتمان، حيث قرَّر البت في التكييف الشرعي لههذه البطاقة وحكمها إلى دورة قادمة. وإشارة إلى قرار المجلس في دورته العاشرة رقم (١٠/٤/١٠٢)، وبعد اطلاعه على البحوث الواردة إلى المجمع بخصوص موضوع ((بطاقات الائتمان غير المغطاة)) وبعد استماعه إلى المناقشات التي دارت حوله من الفقهاء والاقتصاديين، ورجوعه إلى تعريف بطاقة الائتمان في قراره رقم: (٧/١/٦٣) الذي يستفاد منه تعريف بطاقة الائتمان غير المغطاة بأنّه: مستند يعطيه مصدره ((البنك المصدر)) لشخص طبيعي أو اعتباري ((حامل ٥٢٧ كتاب البيوع - باب الضمان البطاقة)) بناء على عقد بينهما، يمكنه من شراء السلع، أو الخدمات، ممَّن يعتمد المستند ((التاجر»، دون دفع الثمن حالاً، لتضمنه التزام المصدر بالدفع، ويكون الدفع من حساب المصدر، ثم يعود على حاملها في مواعيد دورية، وبعضها يفرض فوائد ربوية على مجموع الرصيد غير المدفوع بعد فترة محددة من تاريخ المطالبة، وبعضها لا يفرض فوائد. قرَّر ما يلي: أولاً: لا يجوز إصدار بطاقة الائتمان غير المغطاة، ولا التعامل بها، إذا كانت مشروطة بزيادة فائدة ربوية، حتى ولو كان طالب البطاقة عازمًا على السداد ضمن فترة السماح المجاني. ثانيًا: يجوز إصدار البطاقة غير المغطاة إذا لم تتضمن شرط زيادة ربوية على أصل الدین. ويتفرع على ذلك: ( أ) جواز أخذ مصدرها من العميل رسومًا مقطوعة عند الإصدار أو التجديد، بصفتها أجرًا فعليًّا على قدر الخدمات المقدمة منه. (ب) جواز أخذ البنك المصدر من التاجر عمولة على مشتريات العميل منه، شريطة أن يكون بيع التاجر بالبطاقة بمثل السعر الذي يبيع به بالنقد. ثالثًا: السحب النقدي من قبل حامل البطاقة اقتراض من مصدرها، ولا حرج فيه شرعًا، إذا لم يترتب عليه زيادة ربوية، ولا يعد من قبيلها الرسوم المقطوعة التي لا ترتبط بمبلغ القرض أو مدته مقابل هذه الخدمة، وكل زيادة على الخدمات الفعلية محرَّمة؛ لأنَّها من الربا المحرَّم شرعًا، كما نصَّ على ذلك المجمع في قراره رقم: (٢/١٠/١٣) و(٣/١/١٣). رابعًا: لا يجوز شراء الذَّهب والفضة، وكذا العملات النقدية بالبطاقة غير المغطاة. والله سبحانه وتعالى أعلم ٥٢٨ توضيح الأحكام من بلوغ المرام باب الكفالة مقدمة الكفالة: مصدر كفل، بمعنى التزم. وشرعًا: التزام رشيد برضاه إحضار من تعلق به حق مالي لرب الحق. وتنعقد الكفالة بالألفاظ التي ينعقد بها الضمان، نحو: أنا ضمين ببدنه وزعيم؛ لأنَّ الكفالة من نوع الضمان. والكفالة: ثابتة بالكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس. قال تعالى: ﴿لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْثُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ لَتَأْنُنِّى بِهِةٍإِلَّ أَنْ يُحَاطَ [يوسف: ٦٦ ] وقد أخرج أبوداود والترمذي من حديث ابن عباس: أنَّ رجلاً لزم غريمًا له حتى يقضيه أو يأتي بحميل، فقال النبي وَلّ: «أنا أحمل)). وحكى غيرُ واحد الإجماع عليها، والحاجة داعية إلى استيثاق. موضوع الكفالة: الكفالة لا تصح إلاّ في حق مالي لا بدني، ولذا فإنّها تصح بإحضار بدن كل إنسان عنده عين مضمونه كعارية؛ ليردها أو يرد بدلها إن كانت تالفة، كما تصح بإحضار بدن من علیه دین. فصحت الكفالة بذلك؛ لأنَّ كُلّ من العين والدين حق مالي. أما الحقوق المتعلقة بالبدن فلا تصح الكفالة فيها؛ لأنَّه لا يمكن استيفاؤها أو أداؤها إلاَّ من نفس بدن مَن وجب عليه الحق. ٥٢٩ كتاب البيوع - باب الكفالة فمثل حدود الله تعالى كالزنا، أو حدٍّ حقه للآدمي كالقذف والقصاص، فلا تصح الكفالة فیه؛ لأنَّه لا يمكن استيفاؤه من الكفيل. كما لا تصح بالحقوق الزوجية البدنية من القَسْم والعِشرة ونحو ذلك من کل حق یتعلّق ببدن المكفول خاصة. ٥٣٠ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ٧٥٣ - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَن أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ بَّهِ: ((لاَ كَفَالَةَ فِي حَدِّ)) رَوَاهُ البَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ(١). : درجة الحديث: الحديث منكر . رواه البيهقي بإسناد ضعيف، وقال: إنَّه منكر، وقال الشيخ حامد الفقي في تعليقه على البلوغ: وفي الباب آثار لا تخلو من مقال، لكن أحاديث الأمر بإقامة الحدود تؤید معناه . * مفردات الحديث: - في حد: جمعه حدود، وهو لغةً: المنع . وشرعًا: عقوبة مقدَّرةٌ؛ لتمنع من الوقوع في مثل الذنب الذي شُرع له الحد. والحد هنا يشمل العقوبات التعزيرية التي لم تُقَدَّر، وسيأتي بيان ذُلك إن شاء الله . * ما يؤخذ من الحديث: ١ - الحد: يطلق شرعًا ويراد به: جميع أوامر الله تعالى ونواهيه. فیشمل جميع ما يلي : (أ) ما نهى الله تعالى عن فعله وحرَّمه، قال تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾ [البقرة: ١٨٧]. (ب) ما أمر الله تعالى بفعله وأوجبه، قال تعالى: ﴿إِلََّ أَنْ يَخَافَآ أَلَّا يُقِيمَا (١) البيهقي (٦/ ٧٧). ٥٣١ كتاب البيوع - باب الكفالة حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّ يُقِيمَا حُدُودَ اَللَّهِ فَلَاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيَا أَفْتَدَتْ بِهِءٌ﴾ [البقرة: ٢٢٩]. (ج) ما نهى الله تعالى عن تجاوزه، قال تعالى: ﴿ِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا﴾ [البقرة: ٢٢٩]. ٢- أما الحد في اصطلاح الفقهاء فهو: عقوبةٌ مقدرةٌ؛ لتمنع من الوقوع في مثلها، وهو - أيضًا - حقيقةٌ شرعيةٌ، قالِ وَلاَ القاذف زوجته: ((بيِّةٌ، وإلاَّ حدٌّ في ظهرك)). ٣- الحديث الذي معنا شاملٌ للأمرين: فالكفالة لا تصح فيمن عليه حد، سواء كان هذا الحد ممن عليه عقوبةٌ مقدرةٌ، أو كان ممن عقوبته مطلقةٌ راجعةٌ إلى نظر الحاكم الشرعي، فالكفالة خاصةٌ بالحقوق المالية عينًا أو دينًا؛ لأنها استيثاقٌ يمكن استيفاء الحق بها، أمَّا الحقوق البدنية المتعلقة ببدن الشخص فهي أمورٌ لا تُستوفى إلاَّ منه خاصة، فلا تصح الكفالة فيها . ٤- الحديث وإن كان ضعيف الإسناد إلاّ أنَّ معناه صحيح، من حيث ثبوت أصل الكفالة، ومن حيث إنّها لا تصح في الحدود. ٥٣٢ توضيح الأحكام من بلوغ المرام باب الشركة مقدمة الشركة: لها ثلاث أوزان: فهي بوزن: سَرِقَة، ونِعْمَة، وثَمَرَة. هي لغة: الاختلاط، ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ الْخُلَطَ لَيْغِ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [ص: ٢٤]. يقال : شركتك في الأمر، وأشركته فيه، صِرتُ شریکا فیه. وشرعًا: هي نوعان: الأول: شركة أملاك: وهي الاجتماع في استحقاق مالي، إما عقارٌ، وإما منقول، وإما منفعة دون العين، يكون ذلك مشتركًا بين اثنين فأكثر، ملكاه بطريقة الشراء، أو الهبة، أو الإرث، أو غير ذلك، فهذا النوع من الاشتراك كل واحدٍ من الشريكين أجنبيٌّ في نصيب شريكه، لا يجوز له التصرف فيه إلاّ بإذنه . الثاني: شركة عقود: وهي اجتماع في التصرف من بيع ونحوه، والقسم الأخير هو المراد هنا، فهنا ينفذ تصرف كل واحد من الشريكين بحكم الملك في نصيبه، وبحكم الوكالة في نصیب شریکه. والشركة: ثابتةٌ بالكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس: أمَّا الكتاب: قال تعالى: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ الْحُلَطَاءِ لَيْغِ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [ص: ٢٤]. ٥٣٣ كتاب البيوع - باب الشركة والسنة: کأحاديث الباب. والإجماع: أجمع العلماء عليها في الجملة . والقياس: والقياس الصحيح يقتضيها، فإنَّها عظيمة المصلحة، فهي على أصول العقود. * أنواع الشركات: حسب الاستقراء والتتبع، فإنَّ فقهاءنا الأقدمين قسّموا شركات العقود إلى خمسة أنواع: الأول: شركة عنان: وهي أن يشترك اثنان فأكثر بمالَيْهما؛ ليعملا فيه ببدنهما، أو يعمل أحدهما ويكون له من الربح أكثر من ربح الآخر. الثاني: شركة المضاربة: وهي أن يدفع شخصٌ مالاً معلومًا؛ ليتجر فيه شخصٌ آخر، بجزءٍ مُشاع معلوم من ربحه . الثالث: شركة الوجوه: بأن يشترك اثنان فأكثر بربح ما يشتريانه بذمتيهما من عروض التجارة، من غير أن يكون لهما مال، فما ربحاه فهو بينهما، على حسب ما شرطاه. الرابع: شركة أبدان: بأن يشترك اثنان فأكثر فيما يكتسبان بأبدانهما من مباح، أو يشتركا فيما يتقبلانه في ذمتيهما من عمل. الخامس: شركة المفاوضة: وهي أن يفوض كل منهما الآخر في كل تصرف مالي وبدني، بيعًا وشراءً في الذمة، وفي كل ما يثبت لهما أو عليهما من غير أن يدخلا فيها كسبًا، أو غرامة مالية خاصة. وشركة المفاوضة تشبه ما يسمى في هذا العصر بالشركة المختلطة. * أقسام الشركات المعاصرة: تنقسم الشركة بالنسبة لتكوينها إلى قسمين : ١ - شركات أشخاص: هي التي يبرز فيها الشخص عند التكوين، بأن يكون ٥٣٤ توضيح الأحكام من بلوغ المرام الاعتبار فيها لشخص الشريك. ٢- شركات أموال: هي التي يتضاءل فيها العنصر الشخصي، وإنما تكون الأهمية للمال في استغلال الشركة. * أنواع شركات الأشخاص: ١ - شركات التضامن: هي الشركة التي يعقدها شخصان أو أكثر بقصد التجارة، ويكون فيها جميع الشركاء ملزمين بالتضامن عن جميع التزامات الشركة في أموالهم العامة والخاصة. ٢- شركات التوصية البسيطة: هي الشركة التي تعقد بين شخص واحد أو أكثر من جانب، ويكونون مسئولين بالتضامن في جميع أموالهم عن ديون الشركة، وعن إدارة الشركة، ويسمون شركاء متضامنين، كما تكون شركة التوصية بين شريك واحد أو أكثر يكونون أصحاب حصص مالية، ولا يسألون إلاَّ بمقدار حصصهم، ولا يتدخلون في إدارة الشركة، ويسمون شرکاء موصین. ٣- شركات المحاصة: هي شركة تقوم بين الشركاء وحدهم، و لا وجود لها بالنسبة للآخرين، فمن عقد من الشركاء المحاصين عقدًا مع الغير يكون مسئولاً عنه وحده، والأرباح والخسائر بينهم بحسب الاتفاق. * أنواع شركات الأموال: ١ - شركة المساهمة: هي التي يقسم فيها رأس المال إلى أسهم متساوية القيمة، ویکون لکل شريك عدد من الأسهم. ٢ - شركة التوصية بالأسهم: وهي شركة تشبه شركة التوصية البسيطة؛ لأنَّ فيها نوعين من الشركاء: شركاء متضامنين، وشركاء موصين لا يسألون إلاَّ بمقدار حصصهم، وتشبه شركة المساهمة؛ لأنَّ الحصص تقسم إلى أسهم. ٣- الشركة ذات المسؤلية المحدودة: هي شركة لها خصائص الشركات؛ ٥٣٥ كتاب البيوع - باب الشركة وللكنها تمتاز بأنّها أعفيت من أكثر قيود شركات المساهمة، وبقيت فيها مسؤولية الشركاء محدودة بمقدار الحصص التي يملكونها . وهناك نوعٌ من الشركات يجمع بين صفة الشركات المدنية، والشركات التجارية، وقد أطلق عليها اسم الشركات المدنية ذات الشكل التجاري، وذلك إذا اتّخذت الشركة المدنية شكلاً من أشكال الشركات التجارية كشركة مساهمة أو شركة ذات مسؤولية محدودة . وكل ما تقدم من أنواع الشركات المعاصرة صحيحة، ذلك أنَّ الأصل في المعاملات الصحة. * قرار المجمع الفقهي بشأن الأسواق المالية، والإسهام في الشركات: قرار رقم (٦٣): بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الحمدلله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمَّد خاتم النبیین، وعلى آله وصحبه. إنَّ مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره السابع بجدة، في المملكة العربية السعودية، من ٧ إلى ١٢ ذو القعدة ١٤١٢ هـ، الموافق ٩ - ١٤ مايو ١٩٩٢ م. بعد اطلاعه على البحوث الواردة إلى المجمع بخصوص موضوع: الأسواق المالية، الأسهم، الاختيارات، السلع، الائتمان، وبعد استماعه إلى المناقشات التي دارت حوله. قرّر: أولاً: الأسهم: ١ - الإسهام في الشركات: (أ) بما أنَّ الأصل في المعاملات الحل، فإنَّ تأسيس شركة مساهمة ذات ٥٣٦ توضيح الأحكام من بلوغ المرام أغراضٍ وأنشطةٍ مشروعةٍ، أمرٌ جائزٌ. (ب) لا خلاف في حرمة الإسهام في شركات غرضها الأساسي محرَّم، كالتعامل بالربا، أو إنتاج المحرَّمات، أو المتاجرة بها . (ج) الأصل حرمة الإسهام في شرکات تتعامل أحيانًا بالمحرمات، کالربا ونحوه، بالرغم من أنَّ أنشطتها الأساسية مشروعة . ٢ - ضمان الإصدار: (under writing) ضمان الإصدار: هو الاتفاق عند تأسيس شركة مع من يلتزم بضمان جميع الإصدار من الأسهم، أو جزء من ذلك الإصدار، وهو تعهد من الملتزم بالاكتتاب في كل ما تبقى مما لم يكتتب فيه غيره، وهذا لا مانع منه شرعًا، إذا كان تعهد الملتزم بالاكتتاب بالقيمة الإسمية، بدون مقابل لقاء التعهد، ويجوز أن يحصل الملتزم على مقابل عن عمل يؤديه، غير الضمان، مثل إعداد الدراسات أو تسويق الأسهم. ٣- تقسیم سداد السهم عند الاكتتاب: لا مانع شرعًا من أداء قسط من قيمة السهم المكتتب فيه، وتأجيل سداد بقية الأقساط؛ لأنَّ ذلك يعتبر من الاشتراك بما عجّل دفعه، والتواعد على زيادة رأس المال، ولا يترتب على ذلك محذور؛ لأنَّ هذا يشمل جميع الأسهم، وتظل مسؤولية الشركة بكامل رأس مالها المعلن بالنسبة للغير؛ لأنَّه هو القدر الذي حصل العلم والرضا به من المتعاملين مع الشركة. ٤-السهم لحامله : بما أنَّ المبيع في ((السهم لحامله)) هو حصة شائعة في موجودات الشركة وأنَّ شهادة السهم هي وثيقة لإثبات هذا الاستحقاق في الحصة فلا مانع شرعًا من إصدار أسهم في الشركة بهذه الطريقة وتداولها . ٥٣٧ كتاب البيوع - باب الشركة ٥- محل العقد في بيع السهم: إِنَّ المحل المتعاقد عليه في بيع السهم هو الحصة الشائعة من أصول الشركة، وشهادة السهم عبارة عن وثيقة للحق في تلك الحصة. ٦- الأسهم الممتازة: لا يجوز إصدار أسهم ممتازة لها خصائص مالية تؤدي إلى ضمان رأس المال، أو ضمان قدر من الربح، أو تقديمها عند التصفية، أو عند توزيع الأرباح. ويجوز إعطاء بعض الأسهم خصائص تتعلَّق بالأمور الإجرائية، أو الإدارية . ٧- التعامل في الأسهم بطرق ربوية: ( أ ) لا يجوز شراء السهم بقرض ربوي يقدمه السمسار أو غيره للمشتري، لقاء رهن السهم، لما في ذلك من المراباة وتوثيقها بالرهن، وهما من الأعمال المحرّمة بالنص على لعن آكل الربا، وموكله، وكاتبه، وشاهدیه. (ب) لا يجوز أيضًا بيع سهم لا يملكه البائع، وإنما يتلقى وعدًا من السمسار بإقراضه السهم في موعد التسليم؛ لأنَّه من بيع ما لا يملك البائع، ويقوي المنع، إذا اشترط إقباض الثمن للسمسار؛ لينتفع به بإيداعه بفائدة، للحصول على مقابل الإقراض. ٨ - بیع السهم أو رهنه: يجوز بيع السهم أو رهنه مع مراعاة ما يقتضي به نظام الشركة، كما لو تضمن النظام تسويغ البيع مطلقًا، أو مشروطًا بمراعاة أولوية المساهمين القدامى في الشراء، وكذلك يعتبر النص في النظام على إمكان الرهن من الشركاء برهن الحصة المشاعة. ٩۔إصدار أسهم مع رسوم إصدار: إنَّ إضافة نسبة معيَّنة مع قيمة السهم، لتغطية مصاريف الإصدار، لا مانع ٥٣٨ توضيح الأحكام من بلوغ المرام منها شرعًا، ما دامت هذه النسبة مقدرة تقديرًا مناسبًا. ١٠- إصدار أسهم بعلاوة إصدار أو حسم (خصم)) إصدار: يجوز إصدار أسهم جديدة؛ لزيادة رأس مال الشركة، إذا أصدرت بالقيمة الحقيقية للأسهم القديمة ((حسب تقويم الخبراء لأصول الشركة))، أو بالقيمة السوقية . ١١ - ضمان الشركة شراء الأسهم: يرى المجلس تأجيل إصدار قرار في هذا الموضوع لدورة قادمة، لمزيد من البحث والدارسة. ١٢ - تحديد مسؤولية الشركة المساهمة المحدودة: لا مانع شرعًا من إنشاء شركة مساهمة، ذات مسؤولية محدودة، برأس مالها؛ لأنَّ ذلك معلوم للمتعاملين مع الشركة، وبحصول العلم ينتفي الغرر عمن يتعامل مع الشركة، كما لا مانع شرعًا من أن تكون مسؤولية بعض المساهمين غير محدودة بالنسبة للدائنين بدون مقابل لقاء هذا الالتزام، وهي الشركات التي فيها شركاء متضامنون وشركاء محدودوا المسؤولية. ١٣ - حصر تداول الأسهم بسماسرة مرخصين، واشتراط رسوم للتعامل في أسواقها : يجوز للجهات الرسمية المختصة أن تنظم تداول بعض الأسهم، بأن لا يتم إلاَّ بواسطة سماسرة مخصوصين، ومرخصين بذلك العمل؛ لأنَّ هذا من التصرفات الرسمية المحققة لمصالح مشروعة . وكذلك يجوز اشتراط رسوم العضوية المتعامل بها في الأسواق المالية؛ لأنَّ هذا من الأمور التنظيمية المنوطة بتحقيق المصالح المشروعة. ١٤ - حق الأولوية: يرى المجلس تأجيل البت في هذا الموضوع إلى دورة قادمة، لمزيد من ٥٣٩ كتاب البيوع - باب الشركة البحث والدارسة . ١٥- شهادة حق التملك: يرى المجلس تأجيل البت في هذا الموضوع إلى دورة قادمة لمزيد من البحث والدارسة . ثانيًا: بيع الاختيارات: صورة العقد: إنَّ المقصود بعقود الاختيارات الاعتياض عن الالتزام ببيع شيء محدد موصوف أو شرائه بسعر محدد، خلال فترة زمنية معيَّنة أو في وقت آخر إما مباشرة، أو من خلال هيئة ضامنة لحقوق الطرفين . حكمه الشرعي: إِنَّ عقود الاختيارات كما تجري اليوم في الأسواق المالية العالمية هي عقود مستحدثة، لا تنضوي تحت أي عقد من العقود الشرعية المسماة. وبما أنَّ المعقود عليه ليس مالاً، ولا منفعة، ولا حقًا ماليًّا يجوز الاعتیاض عنه، فإنَّه عقد غير جائز شرعًا. وبما أنَّ هذه العقود لا تجوز ابتداءً، فلا يجوز تداولها . ثالثًا: التعامل بالسلع والعملات والمؤشرات في الأسواق المنظمة: ١ - السلع: يتم التعامل بالسلع في الأسواق المنظمة بإحدى أربع طرق هي التالية: الطريقة الأولى : أن يتضمن العقد حق تسلم المبيع، وتسلم الثمن في الحال، مع وجود السلع، أو إيصالات ممثلة لها في ملك البائع وقبضه. وهذا العقد جائز شرعًا بشروط البيع المعروفة. ٥٤٠ توضيح الأحكام من بلوغ المرام الطريقة الثانية : أن يتضمن العقد حق تسلم المبيع، وتسلم الثمن في الحال، مع إمكانهما بضمان هيئة السوق. وهذا العقد جائز شرعًا بشروط البيع المعروفة . الطريقة الثالثة : أن يكون العقد على تسليم سلعة موصوفة في الذمة، في موعدٍ آجل، ودفع الثمن عند التسليم، وأن يتضمن شرطًا يقتضي أن ينتهي فعلاً بالتسليم والتسلم. وهذا العقد غير جائز لتأجيل البدلين، ويمكن أن يعدل ليستوفي شروط السلم المعروفة، فإذا استوفى شروط السلم جاز. وكذلك لا يجوز بيع السلعة المشتراة سَلَمًا قبل قبضها. الطريقة الرابعة: أن يكون العقد على تسليم سلعة موصوفة في الذمة في موعد آجل، ودفع الثمن عند التسليم، دون أن يتضمن العقد شرط أن ينتهي بالتسليم والتسلم الفعلین بل یمکن تصفيته بعقد معاکس . وهذا هو النوع الأكثر شيوعًا في أسواق السلع، وهذا العقد غير جائز أصلاً. ٢- التعامل بالعملات: يتم التعامل بالعملات في الأسواق المنظمة بإحدى الطرق الأربع المذكورة في التعامل بالسلع . ولا يجوز شراء العملات وبيعها بالطريقتين الثالثة والرابعة. أما الطريقتان الأولى والثانية فيجوز فيهما شراء العملات وبيعها بشرط استيفاء شروط الصرف المعروفة .