النص المفهرس

صفحات 481-500

٤٨١
كتاب البيوع - باب التفليس والحجر
المرسلة، وهذه الروايات هي :
الرواية الأولى: ((من أدرك ماله بعينه عند رجل قد أفلس فهو أحق به من
غيره)) هذه متَّفقٌ عليها، فلا حاجة لبحثها، فقد رواها الجماعة.
الرواية الثانية: هي المرسلة عن أبي بكر بن عبدالرحمن بلفظ ((أيما رجل
باع متاعًا فأفلس الذي ابتاعه)) وصلها البيقهي، ورجَّح الارسالَ الشافعي
وأبوداود. قال البيهقي: ولا يصح موصولاً.
قلت: ولكن جاء ما يشهد للحديث من طرق أَخَر، فلذا فالحديث
صحيح لغيره.
* مفردات الحديث:
- بعينه: بأن لم تتغير صفة من صفاته بزيادة، ولا نقص.
- أُسوة: بضم الهمزة وكسرها، أي هو مساوٍ لهم كواحد منهم، يأخذ كما
يأخذون، ويُحرم کما يحرمون.
- الغُرَماء: بضم الغين وفتح الراء، جمع غريم، وهو الدائن أي الذي له الدين
على غيره.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - أنَّ من وجد متاعه عند إنسان قد أفلس، فله الرجوع بمتاعه، بشروط أخَذها
العلماء من هذا الحديث وغيره، وأخذوا بعضها من فهمهم لمراد الشارع
الحکیم .
قال ابن دقيق: دلالته قوية، وبه أخذ أكثر أهل العلم.
قال الاصطخري من أصحاب الشافعي: لو قضى القاضي بخلافه نُقِضَ
حکمه .
٢- يراد بصاحب المتاع في الحديث البائع، وغيره من مقرِض، ونحوه من
أصحاب عقود المعاوضات، وعموم الحديث يشملهم.

٤٨٢
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
٣- أن تكون موجودات المفلس لا تفي بديونه، وهذا الشرط مأخوذ من اسم
((المفلس)) شرعًا .
٤- أن تكون عين المتاع موجودة عند المشتري، وهذا الشرط هو نص الحديث
الذي معنا وغيره.
٥-أن يكون الثمن غیر مقبوض من المشتري، فإن قبضه كله أو بعضه فلا رجوع
بعين المتاع، وهذا الشرط مأخوذ من بعض ألفاظ الأحاديث، كما يفهم من
المعنى المراد.
٦- الذي يفهم من عموم لفظ الحديث أنَّ الغرماء لو قدَّموا صاحب المتاع بثمن
متاعه، فلا يسقط حقه من الرجوع بعين متاعه .
قلتُ: وأرى أننا إذا رجعنا إلى مراد الشارع، وهو ((حفظ حق صاحب
المتاع)) فإننا نلزمه بأخذ الثمن الذي باعه به إذا قدمه الغرماء، وخصوصًا إذا
كان في أخذه مصلحةً لعموم الغرماء، وللمفلس الذي يتشوف الشارع إلى
التخفيف من ديونه .
قال ابن رشد: تقدر السلعة، فإن كانت قيمتها مساوية للثمن أو أقل منه
قضي بها للبائع، وإن كانت أكثر دفع إليه مقدار ثمنه، ويتحاصّون الباقي،
وبهذا القول قال جماعة من أهل الأثر.
أما الشيخ عبدالرحمن السعدي فقال: الأولى أنَّه إذا حصل له ثمن سلعته
على أي وجه كان، لم يكن له أخذها؛ لأنَّ الشارع إنما خصَّه وجعل له الحق
في أخذها خوفًا من ضياع ماله، فينظر إلى المعنى الشرعي.
٧- أن تكون السلعة بحالها لم يتلف منها شيء، ولم تتغيَّر صفاتها بما يزيل
اسمها، كنسْج الغزل، وخبز الحب، وجعْل الخشب بابًا ونحو ذلك. فإن
تغيرت صفاتها، أو تلف بعضها فصاحبها أسوة الغرماء.
٨- أن لا يتعلق بها حق من شفعة أو رهن، وأولى من ذلك أن لا تباع، أو

٤٨٣
كتاب البيوع - باب التفليس والحجر
توهب، أو توقف، ونحو ذلك فحينئذ لا رجوع فيها، ما لم يكن التصرف
فيها حيلةً على إبطال الرجوع، فإنَّ الحيل محرّمة، وليس لها اعتبار.
هذه هي الشروط المعتبرة لاستحقاق صاحب المتاع في الرجوع في عين
متاعه الذي وجده عند المفلس، أخذها العلماء من لفظ الحديث، وبعضها
من معناه المفهوم، والمراد من هذا الحكم.
٩ - قال الشيخ عبدالرحمن السعدي - رحمه الله -: ذكر الأصحاب لرجوع مُدْرِكٍ
عين ماله عند المفلس شروطًا، وأكثر هذه الشروط في استحقاق الرجوع
في العين لا دليل عليه، وظاهر الحديث يدل على رجوعه ما لم يمنع مانع،
كتعليق حق، أو انتقال ملك، أو تغيرها تغيرًا كثيرًا بزيادة.
١٠ - يرى الأحناف أنَّ صاحب السلعة لا يرجع؛ لأنَّ المشتري ملكها بالشراء،
وتأولوا الحديث بتأويلات ضعيفة.
منها: أنَّ الحديث مخالف للأصول، والحق ما ذهب إليه الجمهور من
العمل بالحديث الذي هو أصل الأصول.
قال الشوكاني: الاعتذار عن الحديث بأنَّه مخالف للأصول اعتذار
فاسد، والله الهادي.
؛ خلاف العلماء:
جاء في بعض روايات الحديث قوله: ((من أفلس أو مات)).
فذهب الإمامان مالك وأحمد إلى أنَّه إذا مات الميت فصاحب السلعة
أسوة الغرماء ، فلا يختص بها .
وذهب الإمام الشافعي إلى أنَّه يختص بها، فله الرجوع بعين ماله بعد وفاة
من هي عنده.
وهذا القول أرجح قياسًا على المفلس، واستئناسًا بهذه الرواية.

٤٨٤
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
٧٤٠ - وَعَنْ عَمْرِو بنِ الشَّرِيدِ عَنْ أَبِيهِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ:
قَالَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ: ((لَيُّ الوَاجِدِ يُحِلُّ عِرْضَهُ وَعُقُوبَتَهُ)) رَوَاهُ أَبُودَاوُدَ
وَالنَّسَائِيُّ، وَعلَّقَهُ البُخَارِيُّ، وَصَخَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ(١).
درجة الحديث:
الحدیث حسن .
قال في التلخيص: رواه أحمد، وأبوداود، والنسائي، وابن ماجه، وابن
حبان، والحاكم، والبيهقي، من حديث عمرو بن الشريد عن أبيه، وعلَّقه
البخاري.
قال في بلوغ الأماني: صحَّحه ابن حبان، وحسّنه الحافظ، فقال في فتح
الباري: وإسناده حسن، وقال الحاكم: الحديث صحيح الإسناد، ووافقه
الذَّهبي.
مفردات الحديث:
- لَيّ الواجد: بفتح اللام ثم ياء مشددة، مصدر لوى يلوي ليًّا، وهو التسويف
والمَطْل بتأخير الأداء بلا عذر.
- الواجد: بالجيم من الوجد، وهو الغني القادر على الوفاء.
- يُحل: بضم الياء مبني للمجهول.
- عِرضه: بكسر العين المهملة وسكون الراء وفتح الضاد، قال وكيع: عرضه
شکایته .
(١) البخاري معلقًا (٦٢/٥)، أبوداود (٣٦٢٨)، النسائي (٣١٦/٧)، ابن ماجه (٣٦٢٧)، ابن
حبان (١١٦٤).

٤٨٥
كتاب البيوع - باب التفليس والحجر
- وعقوبته: حبسه، حتى يبيع القاضي ماله، ويقضي دينه.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - الواجد هو القادر على وفاء دينه، فمطله وليه ظلم لصاحب الحق.
٢ - أنَّ هذا المطْل من الواجد يبيح ويُحِل لصاحب الحق عِرضه، بأن يقول:
ظلمني ومنعني حقي، ونحو ذلك من شكواه، كما يحل عقوبته بالحبس
حتى يوفي ما عليه من حق واجب.
٣- الحديث دليل على تحريم مَطل الواجد وليّه صاحب الحق عن حقه.
٤ - اتَّفق العلماء على أنَّ كل من ترك حقًا واجبًا عليه، فإنَّه يستحق العقوبة حتى
يؤدي ما يجب عليه أداؤه، من دينٍ، أو عاريةٍ، أو وديعةٍ، أو مال شركةٍ، أو
نحو ذلك، فإن أبى عزّره الحاكم مرة بعد أخرى حتى يؤدي الحق.
قال شيخ الإسلام: وهذا ما عليه الأئمة، لا أعلم فيه نزاعًا .
٥- قال الشيخ: وإذا كان الذي عليه الحق قادرًا على الوفاء، وَمَطَل صاحب
الحق حتى أحوجه إلى الشكاية، فما غرمه بسبب ذلك، فهو على الظالم
المبطل إذا كان ما غرمه على الوجه المعتاد.
٦- مفهوم الحديث أنَّ مطل المعسر لا يُحل عِرضه ولا عقوبته، وإنما الواجب
إنظاره، وترك ملازمته، قال تعالى: ﴿وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾
[البقرة: ٢٨٠] كما لا يطالبُ مدين بدين مؤجل.

٤٨٦
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
٧٤١ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ - رَضِيَ اللهُ عنْهُ - قَال:
((أُصِيبَ رَجُلٌ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِنَّهَ فِي ثِمَارِ ابْتَعَهَا، فَكَثُرُّ دَيْنُهُ،
فَقَال رَسُولُ اللهِ بِّهِ: تَصَدَّقُوا عَلَيْهِ، فَتَصَدَّقَ النَّاسُ عَلَيْهِ وَلَمْ يَبْلُغْ
ذُلِكَ وَفَاءَ دَيْنِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ لِغُرَمَائِهِ: خُذُوا مَا وَجَدْتُمْ،
وَلَيْسَ لَكُمْ إِلاَّ ذلك)) رَوَاهُ مُسْلِمُ(١).
* مفردات الحديث:
- أصيب: قال في المحيط: أصابته المصيبة إصابة: حلَّت به وأدركته.
والمصيبة تطلق على معانٍ متقاربة: البلية، والداهية، والشدة، وكل
أمر مكروه يحل بالإنسان، جمعها مصائب، بالهمزة شذوذًا، وأصلها
مصاوب، فكأنهم شبهوا الأصلي بالزائد فقلبوها همزة في مصائب.
- ابتاعها: أي اشتراها، وتقدم شرحها.
(١) مسلم (١٥٥٦).

٤٨٧
كتاب البيوع - باب التفليس والحجر
٧٤٢ - وَعَنِ ابْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكِ عَن أَبِيهِ «أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَلٍّ :
حَجَرَ عَلى مُعَاذٍ مَالَهُ وَبَعَهُ فِيَ دَيْنٍ كَانَ عَلَيْهِ)) رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ،
وصَخَّحَهُ الحَاكِمُ، وَأَخْرَجَهُ أَبُودَاوُدَ مُرْسَلاً، وَرَجَّحَ إِرْسَالَهُ(١).
* درجة الحديث:
الحدیث مرسل.
قال في التلخيص: رواه الدارقطني (٢٣٠/٤)، والحاكم، والبيهقي (١١٤١)
من طريق هشام بن يوسف عن معمرٍ عن الزهري عن ابن كعب بن مالك عن أبيه
بلفظ: «حجر على معاذ ماله وباعه في دین کان علیه».
وخالفه عبدالرزاق وعبدالله بن المبارك عن معمر فأرسلاه.
ورواه أبوداود في المراسيل من حديث عبدالرزاق مرسلاً مطولاً .
وصححه الحاكم، ووافقه الذّهبي .
قال عبدالحق: المرسل أصح من المتصل، وقال ابن الطلاع: هو حديث ثابت.
* مفردات الحديث :
- حجر: يقال: حجر يحجر حجرًا، وهو لغة: المنع والتضييق، ومنه قوله
﴾ [الفرقان].
تعالى: ﴿حِجْراً تَحْجُورًا ()
وشرعًا: منع الإنسان من التصرف في ماله، فإذا كان قاصرًا فالحجر لحظٍّ
نفسه، وإن كان رشيدًا فالحجر لحظ غيره من الغرماء.
* ما يؤخذ من الحديثين:
١ - الحَجْر شرعًا: هو منع المفلس من التصرف في ماله الموجود الحادث بإرث
(١) الدارقطني (٢٣٠/٤)، الحاكم (٢٣٤٨)، أبوداود في المراسيل (١/ ١٦٢).

٤٨٨
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
أو غيره، وهو مشروع بشرطه؛ لحفظ حقوق الغرماء، ونتيجة الحجر أنَّه لا
يصح، ولا ينفذ تصرفه في ماله المذكور، ولا إقراره عليه.
٢ - لا يصح الحجر إلاّ من الحاكم بطلب كل غرماء المفلس، أو طلب بعضهم؛
لأنَّ الحجر يحتاج إلى اجتهاد في الحكم به، كما أنَّه إلى وجود ولاية
تشريعية وتنفيذية، ولا يقوم بذلك إلاّ الحاكم.
٣- لا يحجر على المدين حتى تكون ديونه أكثر من موجوداته.
٤- المفلس قبل حجر الحاكم صحيح التصرف في ماله؛ لأنَّه رشيد، لكن
يحرم عليه التصرف بما يضر غرماءه، هذا المذهب.
أمَّا ابن القيم فقال: إذا استغرقت الديون ماله، لم يصح تصرفه وتبرعه
بما يضر أرباب الدیون، سواءٌ حَجَر علیه الحاکم، أو لم یحجر عليه.
هذا مذهب مالك واختيار شيخنا، وهو الصحيح الذي يليق بأصول
المذهب، بل هو مقتضى أصول الشرع وقواعده؛ لأنَّ حق الغرماء قد تعلق
بماله، والشريعة جاءت بحفظ حقوق أرباب الحقوق بكل طريق، وسد
الطريق المفضية إلى إضاعتها.
قلتُ: ونصر هذا القول غير واحد من أهل التحقيق، وجزم به ابن رجب
وغيره، وصوَّبه في الإنصاف.
وقال الشيخ عبدالرحمن السعدي: عند الشيخ تقي الدين لا ينفذ تصرف
المفلس التصرف المضر بالغريم، ولو لم يحجر عليه، وهو أرجح وأقرب إلى
العدل، لأنَّ تصرفه ظلم محرَّم، فكيف ينفذ الظلم المحرَّم وحجر الحاكم ما هو
إلاّ إظهار لحاله، لإيجاب شيء لم يجب إلاّ بحجره.
٥- على الحاكم أن يبيع مال المفلس، ويقسم ثمن ما باعه بين الغرماء
بالمحاصَّة بقدر الدیون.
وطريق المحاصَّة أن تجمع الديون، وتنسب إلى مال المفلس، وَيُعطى

٤٨٩
كتاب البيوع - باب التفليس والحجر
كل غريم من دينه بتلك النسبة .
٦ - الحجر لا ينفك عن المفلس إلاّ بوفائه دينه، أو حكم حاكم، ولو مع بقاء
بعض الدين؛ لأنَّ حكمه مع بقاء بعض الدين، لا يكون إلاّ بعد البحث عن
نفاد ماله، والنظر في الأصلح من بقاء الحجر، أو فكِّه.
٧-يجوز إعطاؤه من الزكاة لوفاء دينه.
قال فقهاء الحنابلة، واللفظ لصاحب نيل المآرب: من تَديَّن لنفسه في
شراء مباح أو محرَّم، وتاب منه مع فقره، فإنَّه يُعطي ما يقضي به دينه، وكذا
لو کان الدین لله تعالى.
٨- إذا وزَّع الحاكم ماله الموجود انقطعت المطالبة عنه، فلا يجوز ملازمته، ولا
طلبه، ولا حبسه بههذا الدين بل يخلى سبيله، ويمهل إلى أن يحصل له مال
فيأخذه الغرماء، وليس معناه: أنَّه ليس لكم إلاَّ ما وجدتم، وبطل ما بقي
لكم من الديون، وهذا ما يفهم من الحديث مع قوله تعالى: ﴿ وَإِن كَانَ ذُو
عُسْرَةٍ فَنَظِرَةُ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠].
فالإفلاس لا يسقط حقوق أصحاب الديون، للكن يمنع من الملازمة
والمطالبة؛ لقوله مهله لغرماء معاذ: ((خذوا ما وجدتم، وليس لكم إلاّ
ذلك)».

٤٩٠
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
٧٤٣ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - قَالَ: ((عُرِضْتُ
عَلَىُ النَّبِيِّ وَّهَ يَوْمَ أُحُدٍ، وَأَنَا ابْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَّةً فَلَمْ يُجِزْنِي،
وَعُرِضْتُ عَلَيْهِ بَوْمَ الخَنْدَقِ، وَأَنَا ابنُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً فَأَجَازَنِي))
مُتَفَقٌ عَلَيْهِ.
وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبَيْهَقِيِّ: ((فَلَمْ يُجِزْنِيٍ، وَلَمْ يَرَنِي بَلَغْتُ))
وَصَحَّحَها ابنُ خُزَيْمَةَ(١).
مفردات الحديث:
- عُرِضت: مبني للمجهول، والعرض العسكري هو مرور فِرَق نموذجية من
القوات المسلحة أمام رئيس الدولة، والنبي وقل استعرض أفراد رجال غزوته
حينما أراد الغزو، فرد ابن عمر في الغزوة الأولى لما كان صغيرًا، وأجازه في
الثانية لما بلغ.
- أُحُد: جبل يحيط بالمدينة المنورة من الجهة الشمالية، وهو داخل حدود حرم
المدينة المنورة، وغزوة أحد في سنة ثلاث من الهجرة.
- وأنا ابن أربع عشرة سنة: قال الحافظ في التلخيص المراد بقوله: ((وأنا ابن
أربع عشرة)) أي طعنت فيها .
وبقوله: ((وأنا ابن خمس عشرة)) أي استكملتها .
- الخندق: أما الخندق فهو أخدود عميق مستطيل، يحفر في ميدان القتال يكون
جهة العدو؛ لتتقي به الهجمات المباغتة، وقد حفره النبي ◌َّ في شمال غرب
(١) البخاري (٢٦٦٤)، مسلم (١٨٦٨)، البيهقي (١١٠٨١)، ابن حبان (٤٧٠٨).

٤٩١
كتاب البيوع - باب التفليس والحجر
المدينة جهة جبل سَلَع، لما حاصرت المدينة قُريش، وقبائل أسد وغطفان،
فسميت الغزوة باسم هذا الخندق، الذي هو أول تدبير حربي حكيم عمل في
جزيرة العرب، وغزوة الخندق في سنة خمس من الهجرة.
- فلم يُجِزْنِي: يقال: أجاز يجوز إجازة، والمعنى: لم يمضني، ولم يأذن لي
في القتال.

٤٩٢
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
٧٤٤ - وَعَنْ عَطِيَّةَ القُرَظِيِّ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: ((عُرِضْنَا
عَلَى النَّبِيِّ بَّهِ يَوْمَ قُرَيْظَةَ، فَكَانَ مَنْ أَنْبَتَ قُتِلَ، وَمَنْ لَمْ يُنْتْ خُلِّيَ
سَبِيلُهُ، فَكُنْتُ مِمَّنْ لَمْ يُنْبِتْ، فَخُلِّي سَبِيلِي)) رَوَاهُ الخَمْسَةُ، وَصَخَّحَهُ
(١)
ابنُ حِبَّانَ وَالحَاكِمُ، وَقَالَ: عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنُ
درجة الحديث:
الحدیث صحیح.
قال ابن عبدالهادي في المحرر: رواه الإمام أحمد واللفظ له، ورواه
أبوداود، والنسائي، وابن ماجه، والحاكم.
وقال الحاكم: صحيح الإسناد، وسكت عنه أبوداود والمنذري،
وسکوتهما دلیل على صلاحیته عندهما.
قال الحافظ ابن حجر في التلخيص: صححه الترمذي وابن حبان
والحاكم وقال: على شرط الصحيح، وهو كما قال.
* مفردات الحديث:
- يوم قُرَيظة: بضم القاف وفتح الراء، بنو قريظة قبيلة من قبائل اليهود، الذين
كانوا يقيمون قرب المدينة النبوية، وكان بينهم وبين النبي ◌ّ عهد، فنكثوا
عهدهم، وأظهروا العداوة لما رأوا اجتماع القبائل يوم الخندق عند المدينة،
ولما هزَم اللهُ الأحزاب، نزل حكم الله بأن تُقُتلَ رجالهم، وتُشْبى نساؤهم
وذراريهم، فكان من بلغ قُتل، ومن لم يَبْلُغ أُبقي.
(١) أبوداود (٤٤٠٤)، الترمذي (١٥٨٤)، النسائي في الكبرى (١٨٥/٥)، ابن ماجه (٢٥٤١)،
أحمد (٣١٠/٤)، ابن حبان (٤٧٦٠)، الحاكم (١٢٣/٢).

٤٩٣
كتاب البيوع - باب التفليس والحجر
- أنبتَ: أي من نبت الشعر الخشن الذي حول قُبُلِه وهو ((العانة))؛ قُتِلَ؛ لأنَّه
بالغ مكلف، ومن لم ينبت هذا الشعر فهو لم يبلغ فَيُخلِّى سبيله ويترك.
* ما يؤخذ من الحديثين:
١ - هذان الحديثان جاءا لبيان أحكام المحجور عليه لحظ نفسه، من صغيرٍ،
وسفیهٍ، ومجنونٍ.
٢ - المحجور عليه لصغره لا يُعطى ماله، ولا يجوز تصرفه فيه إلاّ بعد بلوغه
ورشده؛ لقوله تعالى ﴿وَأَبْلُواْ الْيَى حَتَّى إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ فَإِنْ ءَانَسْتُم مِّنْهُمْ رُشِّدًا فَادْفَعُواْ
إِلَتْهِمْ أَمْوَهُمْ﴾ [النساء: ٦].
٣- البلوغ يكون بواحد من أمور منها:
البلوغ بتمام - الذكر أو الأنثى - خمسة عشر عامًا، وهذا معنى قوله:
((وعُرضت عليه يوم الخندق، وأنا ابن خمس عشرة سنة، فأجازني)) يعني أنَّه
رآه بلغ لما وصل هذه السن.
ويكون بنبات شعر خشن حول القُبُل، وهي ((العانة))، وهذا ما يفيده
الحديث رقم (٧٤٤)، حينما أمر بَّه بقتل من بلغ من بني قريظة، وترك من
لم يبلغ، فمن اشتبه عليهم بلوغه من عدمه يكشف مئزره، فمن أنبت فقد
بلغ، ومن لم ینبت لم يبلغ، فيخلى سبيله ولا يقتل.
٤- من علامات البلوغ الإنزال من الذكر والأنثى، فإذا أنزل منيًّا حكم ببلوغه،
ولو لم يتم خمسة عشر سنة، أو ینبت حول قبله شعر خشن.
٥- تزيد البنت بعلامة رابعة للبلوغ هي الحيض، فمتى جاءها الحيض فهي بالغة
الحديث: ((لا يقبل الله صلاة حائض إلاَّ بخمار)) رواه الخمسة، ولأنَّ الحيض
علامة استعدادها للحمل، ولا تحمل إلاَّ بعد البلوغ.
٦- مع علامات البلوغ هذه كلها لابُدَّ من الرشد؛ لدفع ماله إليه، فلو بلغ وهو
سفيه لم يرشد، فلا يفك عنه الحجر، ولا يصح تصرفه، لقوله تعالى:

٤٩٤
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
فَإِنْ ءَانَسْتُم مِّنَهُمْ رُشِّدًا فَأَدْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوَّ﴾ [النساء: ٦]، ولأنَّ الرشد هو
إصلاح المال، والسفه إضاعته وتبذيره، وقد قال تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُواْ السُّفَهَآءَ
أَمْوَلَكُمُ الَِّ جَعَلَ اَللَّهُ لَكُمْ قِيَمَا وَأَرْزُقُّوهُمْ فِهَا وَأَكْسُوهُمْ﴾ [النساء: ٥].
٧- وللصغير أحكام مذكورة في كتب الفقه في ((باب الحَجْر))، كوجوب
المحافظة على ماله وإصلاحه، وتثميره وتنميته، وأن لا يتصرف وليه له إلاَّ
بما هو الأحظ، وكلها ترجع إلى العناية باليتيم وبماله.
كما قال تعالى: ﴿وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ الْيَتَمَى قُلْ إِصْلَاٌ لَهُمْ خَيْرٌ﴾ [البقرة: ٢٢٠].
﴾ [النساء].
٢
وقال تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُواْ أَمْوَهُمْ إِلَى أَمْوَلِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا !
وقال وَله: ((خير بيوت المسلمين بيت فيه يتيم يُحسَن إليه، وشر بيوت
المسلمین بیت فیه یتیم یُسَاء إليه)).
والآيات والأحاديث في هذا الباب كثيرة وشديدة، فإنَّ الله تعالى - جلَّت
قدرته وتعالت حكمته - يعلم شح النفوس عند المال، ويعلم ضعف اليتيم
وعجزه، فعني به وحذَّر من قرب ماله إلاَّ بالتي هي أحسن: ﴿إِنَّ الَّذِينَ
يَأْكُلُونَ أَمْوَلَ اُلْيَتَمَى كُلَّمَا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ
سَعِيرً ﴾ [النساء].

٤٩٥
كتاب البيوع - باب التفليس والحجر
٧٤٥ - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ - رَضِيَ اللهُ
عَنْهُمْ - أَنَّ رَسُولَ اللهِ نَّهِ قَالَ: ((لاَ يَجُوزُ لامْرَأَةٍ عَطِيَّةٌ إِلاَّ بإِذْنِ
زَوْجِهَا)).
وفِي لَفْظِ: ((لا يَجُوزُ لِلْمَرأَةِ أَمْرٌ فِي مَالِهَا إِذا مَلَكَ زَوْجُهَا
عِصْمَتَهَا)) رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ إِلَّ التِّرْمِذِيَّ، وَصَخَّحَهُ
الحَاكِمُ(١).
* درجة الحديث:
الحديث حسن بلفظيه، وقد صحَّحه الحاكم ووافقه الذَّهبي.
* مفردات الحديث:
- عصمتها: قال ابن فارس: العين والصاد والمیم أصل واحد صحيح يدل على
إمساك وملازمة .
وقال في المصباح: الاسم العصمة، والجميع عِصم، والمراد: بذلك عقد
النكاح.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - قال تعالى: ﴿اَلِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾
[النساء: ٣٤] فالرجل هو زعيم الأسرة، وهو سيد البيت، لما فضله الله به من
سعةٍ في الفكر، وبُعْدٍ في النظر، وبصرٍ في العواقب، وهو صاحب الكد
(١) أحمد (١٧٩/٢)، أبوداود (٣٥٤٧)، النسائي (٦٥/٥)، ابن ماجه (٢٣٨٨)، الحاكم
(٢/ ٤٧).

٤٩٦
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
والكدح، والكسب.
٢ - المرأة في المنزل هي المدبرة؛ لِمَا لَها من المعرفة والخبرة، وهي المتولية
شؤون منزلها، ومن ذلك تدبير مال زوجها الذي بين يديها .
٣- لا يجوز لها عطيةٌ، أو صدقةٌ، من مال زوجها إلاَّ بإذنه؛ لأنَّه صاحب الحق،
فإن أذن أو علمت من حاله رضاه، فلها الصدقة بما جرت به العادة من
الشيء القليل، من طعام البيت كالرغيف، وبقية الطعام والشراب، لما في
الصحيحين عن عائشة أنَّ النَّبيَّ وَّه قال: ((إذا أنفقت المرأة من طعام زوجها،
غير مفسدة، كان لها أجرها بما أنفقت، ولزوجها أجر ما كسب، وللخازن
مثل ذلك، لا ينقص بعضهم من أجر بعض شيئًا)).
فإن منعها من ذلك، أو علمت منه البخل، فيحرم عليها الصدقة بشيءٍ من
ماله، ولو قليلاً.
٤- شراكتهم في الأجر من غير أن ينقص أجر بعضهم من أجر الآخر، وذلك من
فضل الله تعالی وکرمه.
٥ - المرأة البالغة الرشيدة جائزة التصرف حرَّة في مالها .
وأما قوله وَليه: ((لا يجوز للمرأة أمر في مالها إذا ملك زوجها عصمتها)) فقد
حمله العلماء على أحد معنیین:
أحدهما: حسن عشرتها، وطيب نفسها، وتقديرها لزوجها، وتقديمه في
أمورها، فهي لا تتصرف إلاّ بعد مراجعته.
الثاني: أنَّ هذا خاصٌّ في الزوجة التي لم ترشد، فإذا كانت سفيهةً فيحرم
تصرفها في مالها، ويجب على ولي أمرها حفظه، وأهم رجالها المحافظين
على شؤونها هو زوجها الرَّشید.

٤٩٧
كتاب البيوع - باب التفليس والحجر
٧٤٦ - وَعَنْ قَبِيصَةَ بْنِ مُخَارِقٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((إِنَّ المِسْأَلَةَ لاَ تَحِلُّ إِلاَ لأَحدٍ ثَلاَثَةٍ: رَجُلٌ تَحَمَّلَ
حَمَالَةً، فَحَلَّتْ لَهُ المَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَهَا، ثُمَّ يُمْسِكُ، وَرَجُلٌ أَصَابَتْهُ
جَائِحَةٌ اجْتَحَتْ مَالَهُ، فَحَلَّتْ لَهُ المَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ،
وَرَجُلٌ أَصَابَتْهُ فَاقَةٌ، حَتَّى يَقُولَ ثَلاثَةٌ مِنْ ذَوِي الحِجَا مِن قَوْمِهِ: لَقَدْ
أَصَابَتْ فُلَانًا فَاقَةٌ، فَحَلَّتْ لَهُ المَسْأَلَةُ)) رَوَاهُ مُسْلِمُ(١).
* مفردات الحديث:
- قبيصة: بفتح القاف، فموحدة، فمثناة تحتية، فصاد مهملة.
- مخارق: بضم الميم، فخاء معجمة، فراء مسكورة.
- المسألة: سؤال الناس من أموالهم.
- حمالة: بفتح الحاء المهملة، وتخفيف الميم، جمعه حمالات، ما يحمل من
دين .
۔ ثم یمسك: یکف عنه، ويمتنع.
- جائحة: قال في النهاية: هي الآفة التي تهتك الثمار والأموال وتستأصلها،
والجمع جوائح.
- قوامًا: يقال: قام يقوم قومًا وقيامًا: ضد قعد، والقوام بكسر القاف: ما يقيم
الإنسان من القوت.
- عيش: يُقال: عاش يعيش عيشًا: صار ذا حياة، والعيش مصدر والمراد هنا ما
(١) البخاري (١١٩٧)، مسلم (٨٢٧).

٤٩٨
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
یعاش به .
- الفاقة: افتاق الرجل افتيافًا افتقر، ولا يقال فاق الرجلُ؛ لأنَّ ذُل من الرفعةِ
والعلو. فالفاقة هي الفقر والحاجة.
- الحِجَا: بكسر الحاء: العقل.
* ما يؤخذ من الحديث:
١- تحريم سؤال الناس أموالهم بدون حاجة، فقد جاء في صحيح مسلم
(١٠٤١) أنَّ النَّبيَّ وَّهِ قَال: ((من يسأل الناس أموالهم تكثرًا فإنَّما يسأل
جمرًا، فليستقل أو ليستكثر)).
٢- جواز السؤال للحاجة إليها، ومنها هذه الحالات الثلاث الملجئة إلى
السؤال.
٣- الأولى: أن يقوم الرجل لإصلاح ذات البين بين قبائل، أو قبيلتين، أو
عشيرتين، أو قريتين، فيتوسط بالصلح بينهما، ويلتزم في ذمته مالاً عوضًا
عما بينهم من دماء أو خسائر؛ ليطفيء نار الفتنة، فهذا قد فعل معروفًا
عظيمًا، فكان من المعروف حَمْله عنه من الصدقة؛ لئلا يجحف ذلك بالسادة
المصلحين، ويوهن من عزائمهم، فجاء الشرع بإباحة المسألة له فيها،
وجعل لهؤلاء السادة نصيبًا من الزكاة، ولو كانوا أغنياء.
٤ - القدر الذي يأخذه هذا المصالح الغارم هو قدر ما التزم به وتحمله، ثم
یمسك فلا یأخذ أكثر منه.
٥- الثاني: من أصابت ماله آفة سماوية أو أرضية، من بردٍ شديدٍ، أو حرِّ شديدٍ،
أو غرقٍ، أو حريقٍ، أو نحو ذلك من الآفات التي لا صنع لآدمي فيها، حتى
لم يبق له ما يسد حاجته، فهذا تحل له المسألة حتى يصيب من العيش
سداده، ثم یمسك، فلا يأخذ أكثر من کفایته، وكفاية من یمونه.
٦- الثالث: من عُرفَ بالغنى والمال، فأصابه الفقر والحاجة، فههذا تحل له

٤٩٩
كتاب البيوع - باب التفليس والحجر
المسألة حتى يصيب قوامًا من عيش، يقوم بكفايته وكفاية من يمونه.
٧- القاعدة الشرعية تقول: ((الأصل بقاء ما كان على ما كان)) فالغني الذي
أصابته الفاقة لا تحل له المسألة، ولا يعطى من الزكاة حتى يشهد له ثلاثة
رجال عقلاء أمناء من قومه، الذين يعرفون حاله وصدق ما آل إليه أمره،
فيشهدون بقولهم: لقد أصابت فلانًا فاقة، فحلت له المسألة.
وبدون هذه الشهادة فالأصل أنَّه غنيٌّ غير مستحق للزكاة .
٨- أما الذي لم يُعرف بسابق غنى، فلا يحتاج في جواز إعطائه من الزكاة إلى
هذه الشهادة .
٩- فهؤلاء هم الذين تحل لهم المسألة، ويجوز دفع الزكاة إليهم ، وأما من
عداهم ممَّن يسألها جمعًا وتكثرًا ، فهذا يأخذها سحتًا تسحته وتسحت ماله
معه، نسأل الله العافية.
١٠ - استثنى العلماء: سؤال ولي أمر المسلمين، فهذا لا بأس بسؤاله مع الغنى
والحاجة؛ لأنَّ للسائل نصيبًا من بيت مال المسلمين.

٥٠
٠
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
باب الصلح
مقدمة
الصُّلح: اسم مصدر صالحه مصالحة وصِلاحًا - بالكسر.
الصلح لغة: قطع المنازعة .
وشرعًا: معاقدة يتوصل بها إلى موافقة بين متخاصمين قطعًا للنزاع.
وهو جائزٌ بالكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس.
قال تعالى: ﴿وَاَلْصُلْحُ خَيْرٌ﴾ [النساء] وقال ◌َله: ((الصلح جائز بين
ج
المسلمين، إلاَّ صلحًا أحلَّ حرامًا، أو حرم حلالاً)) [رواه الترمذي (١٣٥٢)]،
وجاء في الترمذي من حديث أبي الدرداء أنَّ النَّبيَّ وَّرِ قَال: ((ألا أخبركم بأفضل
من درجة الصيام والصلاة والصدقة، قلنا: بلى، قال: إصلاح ذات البين)).
وأجمع المسلمون على جوازه، وتقتضيه المصلحة، فإنَّه من مساعي
جلب الخير، ودفع الشر.
وهو من أكبر العقود فائدة، لما فيه من قطع النزاع والشقاق، ولذا حسُن
وأبيح فيه الكذب، فقد جاء في البخاري (٢٦٩٢) ومسلم (٢٦٠٥) من حديث
أم كلثوم أنَّها قالت: سمعت رسول الله وَليه يقول: ((ليس الكذاب الذي يصلح
بین الناس، فینمي خیرًا، أو يقول خیرًا)).
والصلح أقسام: منه الصلح بين المسلمين وأهل الحرب بعقد الذمة، أو
الهدنة، أو الأمان .