النص المفهرس
صفحات 421-440
٤٢١) كتاب البيوع - باب الربا ٤- أما الحديث رقم (٧٢٢) فيدل على أنَّه لا يجوز بيع أحد نوعي جنس بالآخر، إلاَّ أن يكونا في مستوى واحدٍ، من حيث الييس، أو الرطوبة، أو النعومة، أو الخشونة، أو الطبخ، والنيء، ذلك أنَّ النوعين إن لم يكونا في مستوَى واحدٍ من الصفة لم يحصل التساوي بينهما في القدر، فالرطب ينقص إذا جفّ، والحب يربو إذا أنعم بالطحن، والمطبوخ تعقِد النارُ أجزاءَه فينقص، فلا يحصل التساوي بين النوعين فيحصل التفاضل المحرَّم. ٥- قوله وَّله: ((أينقص الرطب إذا يبس؟)) ليس سؤالاً يقصد منه المعرفة، فإنَّه وَ له يعرف أنَّ الرطب ينقص إذا ييس، وإنما يقصد وَّل بيان مناط الحكم ووجه العلة بتحريم البيع . ٤٢٢ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ٧٢٣ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عِنْهُمَا - أَنَّ النَّبِيَّ ◌َلِّى: (نَهَى عِنْ بَيَّعِ الكَالِىءِ بِالكَالِىءِ، يَعْنِي الدَيْنِ بِالدَّيْنِ)) رَوَاهُ إِسْحَاقُ وَالْبَزَّارُ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ (١). * درجة الحديث: الحديث ضعيف . للكنه داخل في الحديث الثابت في الثَّهي عن بيع الغرر، وضعفه؛ لأنَّ موسى بن عبيدة تفرد به عن نافع، وهو ضعيف، قال أحمد: لا تحل الرواية عن موسى بن عبيدة، ولا أعلم هذا الحديث لغيره، وقد ضعفه الإمام الشافعي، والبيهقي. قال الذَّهبي: ضعفوه، وقال الحافظ: ضعيف. وهذا الحديث وإن كان في سنده ضعف، فقد تلقته الأمة بالقبول، كما قال ابن عرفة، وتلقي الأئمة هذا الحديث بالقبول يغني عن طلب الإسناد فيه، وأيضًا قد أجمع العلماء على أنَّه لايجوز بيع الدین بالدين. كما قال الإمام أحمد: ليس في هذا حديث يصح، لكن إجماع الناس على أنَّه لا يجوز بيع الدَّين بالدّين . * مفردات الحديث: - الكالىء بالگالىء: بفتح الكاف ثم لام مكسورة ثم همزة على ياء ، من كلا الدَّينُ كَلؤ فهو كالىء، إذ تأخّر، وكلأه: إذا أنساه. وقال في النهاية: النسيئة بالنسيئة، والنسيئة هو التأخير. (١) كشف الأستار (١٢٨٠). ٤٢٣ کتاب البيوع - باب الربا قال في شرح الإقناع: هو بيع دينٍ بدينٍ مطلقًا . * ما يؤخذ من الحديث: ١ - بیع الکالیء هو بیع الدین بالدین. قال ابن المنذر: ولا يجوز بيع الدين بالدين إجماعًا. وقال الوزير: اتَّفقوا على أنَّ بيع الدين بالدين باطل. ٢- بیع الدین له صور: - منها: بيع ما في الذمة لمن هو عليه بثمن مؤجل، أو بحالٍّ لم يُقبض. - ومنها: بيع ما في الذمة لغير مَن هو عليه بمؤجل، أو بحالٍّ لم يُقبض. - ومنها: جعل ما في الذمة رأس مال سَلمٍ. - ومنها: لو كان لكل واحد من الاثنين دين على الآخر من غير جنس دينه، كالذَّهب والفضة، فتصارفا، ولم يُحضِرًا أحد العوضين. - ومنها: أن يشتري الرجل شيئًا إلى أجل، فإذا حلَّ الأجل لم يجد وفاءه، فيقول: بِعْنيه إلى أجل آخر بزيادة، فيبيعه، و لا يجري بينهما تقابض . · خلاف العلماء: قال شيخ الإسلام: الاعتیاض عن الدين بغيره - ولو كان دین سَلَم - جائز عند مالك ، ورواية عن أحمد، وهي أشبه بأصوله، وهو الصحيح. فالصواب الذي علیه جمهور العلماء أنَّه یجوز بیع الدین ممن هو عليه، للكن إن باعه بما لا يباع به نسيئة اشترط الحلول والقبض. وقال الشيخ عبدالرحمن بن سعدي: الصحيح أنَّ جميع الديون التي في الذمم يجوز التعويض عنها، سواء كانت دين سَلم أو غيره، ولكن بشرط قبض العوض قبل مفارقة المجلس، لعموم حديث ابن عمر: ((كنّاً نبيع الإبل بالدنانير، ونأخذ عنها الدارهم، وبالدارهم نأخذ عنها الدنانير، فسألنا رسول الله ٤٢٤ توضيح الأحكام من بلوغ المرام وَ لّ فقال: لا بأس أن تأخذها بسعر يومها، ما لم تتفرقا وبينكما شيء)) [رواه أحمد (٥٩٥٩)]. خلافاً لما منعه الأصحاب في دين السَّلم. * قرار المجمع الفقهي الإسلامي بشأن صور القبض: إنَّ مجلس المجمع الفقهي الإسلامي لرابطة العالم الإسلامي في دورته الحادية عشرة، المنعقدة بمكة المكرمة، في الفترة يوم الأحد ١٣ رجب ١٤٠٩ هـ إلى يوم الأحد ٢٠ رجب ١٤٠٩ هـ، قد نظر فيما يلي: ١- صرف النقود في المصارف، هل يستغنى فيه عن القبض بالشيك، الذي یتسلمه مرید التحویل؟ ٢- هل يُكتفى بالقيد في دفاتر المصرف عن القبض، لمن يريد استبدال عملة بعملة أخرى مودعة في المصرف؟ وبعد البحث والدراسة قرَّر المجلس بالإجماع ما يلي: أولاً: يقوم تسلم الشيك مقام القبض عند توفر شروطه في مسألة صرف النقود بالتحويل في المصارف. ثانيًا: يعتبر القيد في دفاتر المصرف في حكم القبض لمن يريد استبدال عملة بعملة أخرى، سواء كان الصرف بعملة يعطيها الشخص للمصرف أو بعملة مودعة فیه، وصلى الله وسلم على سيدنا محمَّد. أعضاء المجلس قرار المجمع الفقهي بشأن قضايا العملة: قرار رقم (٧٥): بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الحمدلله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمَّد خاتم النبیین، وعلى آله وصحبه. إنَّ مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره الثامن بيندر ٤٢٥ کتاب البيوع - باب الربا سيري باجوان، بروناي دار السلام، من ١ إلى ٧ محرم ١٤١٤ هـ، الموافق ٢١ - ٢٧ يونيو ١٩٩٣ م. بعد اطلاعه على البحوث الواردة إلى المجمع بخصوص موضوع: ((قضايا العملة)) وبعد استماعه إلى المناقشات التي دارت حوله. قرّر ما يلي: ١ - يجوز أن تتضمن أنظمة العمل واللوائح والترتيبات الخاصة بعقود العمل التي تتحدَّد فيها الأجور بالنقود شرط الربط القياسي للأجور، على ألا ينشأ عن ذلك ضرر للاقتصاد العام. والمقصود هنا بالربط القياسي للأجور تعديل الأجور بصورة دورية، تبعًا للتغير في مستوى الأسعار، وفقًا لما تقدره جهة الخبرة والاختصاص، والغرض من هذا التعديل حماية الأجر النقدي للعاملين من انخفاض القدرة الشرائية لمقدار الأجر بفعل التضخم النقدي، وما ينتج عنه من الارتفاع المتزايد في المستوى العام لأسعار السلع والخدمات. وذلك لأنَّ الأصل في الشروط الجواز، إلاَّ الشرط الذي يحل حرامًا، أو يحرم حلالاً . على أنَّه إذا تراكمت الأجرة، وصارت دينًا تطبّق عليها أحكام الديون المبينة في قرار المجمع رقم (٤/ ٥٥). ٢ - يجوز أن يتفق الدائن والمدين يوم السداد لا قبله على أداء الدين بعملة مغايرة لعملة الدين إذا كان ذلك بسعر صرفها يوم السداد، وكذلك يجوز في الدين على أقساط بعملة معيَّنة الاتفاق يوم سداد أي قسط أيضًا على أدائه كاملاً بعملة مغايرة بسعر صرفها في ذلك اليوم. ويشترط في جميع الأحوال أن لا يبقى في ذمة المدين شيء مما تمت عليه المصارفة في الذمة، مع مراعاة القرار الصادر عن المجمع برقم (١/٥٥/ ٦٥) بشأن القبض. ٤٢٦ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ٣- يجوز أن يتّفق المتعاقدان عند العقد على تعيين الثمن الآجل، أو الأجرة المؤجلة بعملة تدفع مرة واحدة، أو على أقساط محددة من عملات متعددة، أو بكمية من الذَّهب، وأن يتم السداد حسب الاتفاق، كما يجوز أن يتم حسب ما جاء في البند السابق . ٤- الدين الحاصل بعملة معيَّنة لا يجوز الاتفاق على تسجيله في ذمة المدين بما يعادل قيمة تلك العملة من الذَّهب أو من عملة أخرى، على معنى أن يلتزم المدين بأداء الدين بالذَّهب، أو العملة الأخرى المتفق على الأداء بها . ٥ - تأكيد القرار رقم (٥٥/٤) الصادر عن المجمع بشأن تغير قيمة العملة. ٦- يدعو مجلس المجمع الأمانة العامة لتكليف ذوي الكفاءة من الباحثين الشرعيين، والاقتصاديين من الملتزمين بالفكر الإسلامي بإعداد الدراسات المعمقة للموضوعات الأخرى المتعلقة بقضايا العملة، لتناقش في دورات المجمع القادمة إن شاء الله، ومن هذه الموضوعات ما يلي: ( أ) إمكان استعمال عملة اعتبارية مثل الدينار الإسلامي، وبخاصة في معاملات البنك الإسلامي للتنمية؛ ليتم على أساسها تقديم القروض واستيفاؤها، وكذلك تثبيت الديون الآجلة ليتم سدادها بحسب سعر التعادل القائم بين تلك العملة الاعتبارية بحسب قيمتها، وبين العملة الأجنبية المختارة للوفاء كالدولار الأمريكي. (ب) السبل الشرعية البديلة عن الربط للديون الآجلة بمستوى المتوسط القياسي للأسعار. (ج) مفهوم كساد النقود الورقية، وأثره في تعيين الحقوق والالتزامات الآجلة . (د) حدود التضخم التي يمكن أن تعتبر معه النقود الورقية نقودًا كاسدة. وصلى الله على سيدنا محمّد، وعلى آله وصحبه. ٤٢٧ كتاب البيوع - باب الرخصة في العرايا باب الرخصة في العرايا مقدمة الرخصة لغة: السهولة والتيسير. وشرعًا: ما يثبت على خلاف دليل شرعيٍّ لمعارضٍ راجحٍ . والعرايا: بفتح العين والراء، بعدها ألف، ثم ياء، ثم ألف، والكلمة إذا زادت عن ثلاثة أحرف تكتب بالياء، إلاّ إذا لزم في كتابتها اجتماع ياءين فتكتب بالألف، مثل استحيا وزوايا وعرايا، ومفردها عرية، سميت بذلك؛ لأنَّها عريت من البيع المحرَّم، أي خرجت منه. وصورتها: أن يباع الرُّطب في رؤوس النخل بقدر ما يؤول إليه تمرًا يابسًا، فيباع بمثله من التمر فيما دون خمسة أوسق، بشرط التقابض في مجلس العقد، فالتمر على رأس النخلة بتخليته، وعوضه من التمر بكيله، وسيأتي بيانه بأوضح من هذا إن شاء الله تعالى. ٤٢٨ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ٧٢٤ - عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ - رَضِيَ اللهُ عنْهُ - ((أَنَّ رَسُولَ اللهِن ◌َّه رَخَّصَ فِي العَرَايَا: أَنْ تُبَاعَ بِخَرْصِهَا كَيْلاً)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَلِمُسْلِمٍ: ((رَخَّصَ فِي العَرِبَّةِ، يَأْخُذُهَا أَهْلُ البَيْتِ بِخَرْصِهَا تَمْرًا، يَأْكُلُونَهَا رُطَبًا))(١) . * مفردات الحديث: - رخّص: الرخصة لغة: اليسر والسهولة. واصطلاحًا: ما ثبت على خلاف دليل شرعيٍّ لمعارضٍ راجح، والترخيص بعد المنع من بيع التمر بالتمر إلاَّ مثلاً بمثل. - بِخَرْصِهَا: بفتح الخاء مصدر، وبكسرها اسم للشيء المخروص. خرص الشيء يخرصه خرصًا فهو خارص، حزره وقدَّره بالظن . يقال: خرص النخل والكرم: قدَّر ما عليه من الرطب تمرًا، ومن العنب زبیبًا . - العربية: فعيلة بمعنى مفعولة، والتاء فيها لنقل اللفظ من الوصفية إلى الإسمية، فنقل منها العقد الوارد عليها المتضمن لإعرائها، وسميت عرية؛ لأنَّها عريت من جملة التحریم، وجمعها عرايا. - تمرًّا: يحتمل أن يكون تمييزًا، ويجوز أن يكون حالاً مقدرة. - رطباً: منصوب على الحال، فالحال مشتقة، أو مؤولة بمشتق. (١) البخاري (٢١٩٢)، مسلم (١٥٣٩). ٤٢٩ كتاب البيوع - باب الرخصة في العرايا ٧٢٥ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - ((أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَّل رَخَّصَ فِي بَيَّعِ العَرَابَا بِخَرْصِهَا مِنَ النَّمْرِ، فِيْمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ، أَوْ فِي خَمْسَةٍ أَوْسُقٍ)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). * مفردات الحديث: - أو فيما دون خمسة أوسق: فيه شك، والشك وقع من أحد رواة الحديث، وهو داود بن الحصين، فاحتاط الإمام الشافعي وأحمد وجعلا الحد الأعلى لجواز بيع العرايا فيما دون خمسة أوسق. - أوسق: جمع وَسْق، والوَسق بفتح الواو وسكون السين المهملة: هو مكيال قدْره ستون صاعًا نبويًّا وخمسة أوسق تكون ثلاثمائة صاع، وهو تسعمائة کیلو، وحكى بعضهم کسر الواو، وجمعه أوساق مثل حمل وأحمال، ولكن الفتح أفصح. - بخرصها: الباء للمعاوضة، فالشجر الجاف ثمن، والرطب على رؤوس النخل ثمن. - من التمر: متعلق بخرصها، و((من)) بيان الجنس. * ما يؤخذ من الحديثين: ١ - سبب العرية أنَّ رجالاً احتاجوا إلى الرطب، وليس بأيديهم نقود يشترون بها الرطب، وعندهم تمر جاف، فشكوا إلى رسول الله وَل﴾ أمرهم، فرخّص لهم أن يشتروا العرايا بخرصها من التمر الذي بأيديهم؛ ليأكلوا رطبًا، وستأتي شروط صحة هذه المعاملة حسبما فهمه العلماء من أحاديثها . (١) البخاري (٢١٩٠)، مسلم (١٥٤١). ٤٣٠ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ٢- الأصل تحريم شراء ما على رؤوس النخل بتمر، سواء كان كيلاً أو جزافًا؛ لأنَّهما نوعا جنس واحد، يحرم بينهما التفاضل، وإذا جهلنا ما على رؤوس النخل لم نتمكن من معرفة التساوي بينهما، والجهل بالتساوي كالعلم بالتفاضل في الحكم بالتحريم، وهذا من بيع المزابنة الذي مرَّ النَّهي عنه . ٣- رخّص من بيع المزابنة بيع العرية، فأجازها الشرع للحاجة إليها بشروط خمسة، استنبطها العلماء من النصوص الشرعية، وهي: - حاجة المشتري إلى أكل الرطب. - أن لا يكون عنده نقد يشتري به نخلة أو رطبًا، ولو كان غنيًّا، فلا يشترط الفقر في أصح قولي العلماء. - أن يكون المبيع من العرية فيما دون خمسة أوسق، والوسق ستون صاعًا نبويًّا . - يخرص الرطب بقدر ما يؤول إليه جافًا تمرًا، فالخرص قائم هنا مقام الکیل. - أن يحصل التقابض بمجلس العقد، فالنخلة بالتخلية، والتمر بالكيل، فإن اختلت هذه الشروط أو بعضها لم يصح، لأنَّه يفضي إلى الربا، وإنما رخّص في هذه الصورة لأجل الحاجة . ٤- الضرورة والحاجة تقدران بقدرهما، فلا تجوز الزيادة عما تندفع به الحاجة أو الضرورة؛ لأنَّ هذا جاء على خلاف الأصل وهو الحظر والمنع . ٥ - سماح الشريعة ويسرها، وتلبيتها الرغبات والشهوات المباحة، وأنه لا عَنَت فيها، ولا مشقة. ٦- أنَّ المحرَّمات ليست على درجة واحدة في التحريم، فبعضها أشد من بعض، فلما كان ربا الفضل حُرِّم تحريم الوسائل، سومح في بعض صوره للحاجة . ٤٣١ كتاب البيوع - باب الرخصة في العرايا ٧- أنَّ غلبة الظن تقوم مقام اليقين إذا تعذر اليقين أو تعسر، فإنه لما تعذر علينا معرفة قدر ما على رأس النخلة بمعياره الشرعي وهو الكيل، اكتفينا بعلة الظن بتقدیره خرصًا. ٨- إباحة الترفه والتنعم في المأكل والمشرب والملبس، ما دام أنَّ ذلك لم يصل إلى درجة السرف والتبذير. ٤٣٢ توضيح الأحكام من بلوغ المرام باب بيع الأصول والثمار مقدمة الأصول: جمع أصل، وهو ما يتفرع عنه غيره. والمراد هنا: الدُّور، والأرض، والدكاكين، والطواحين، والمعاصر، ونحوها، وكذلك الشجر. والثمار: جمع ثمرة، ويجمع على أثمار، وهو حمل الشجر، وهو أعم مما يؤكل. ٤٣٣ كتاب البيوع - باب بيع الأصول والثمار ٧٢٦ - وَعَنِ ابنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - قَالَ: ((نَهَىْ رَسُولُ اللهِ عَنْ بَيَّعِ الثَّمَارِ حَتَّى يَبْدُو صَلاَحِهَا، نَهَى البَائِعَ وَالمُبْتَاعِ)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ . وَفِي رِوَايَةٍ: («كَانَ إِذَا سُئِلَ عَنْ صَلاَحِهَا، قَالَ: حَتَّى تَذْهَبَ عَاهَتُهَا))(١) . * مفردات الحديث: - الثمار: بكسر الثاء المثلثة، جمع ثمرة بفتح الميم، وهو يتناول ثمار النخيل وغيره. - حتى يبدو: بدا بدون همزة يبدو بُدُوًّا: ظهر بعد أن لم يكن، وأما بدأت الشيء أو بالشيء بالهمزة فيهما، فمعناه ابتدأت به وقدمته. قال العيني: ومما ينبغي أن ينبه عليه أن يقع في كثير من كتب المحدِّثين وغيرهم: ((حتى يبدوا)) هكذا بالألف بعد الواو، وهو خطأ، والصواب حذفها . - عاهتها: يُقال: عاه المال يعوه عُووُهًا: أصابته العاهة، وأصل العاهة عوهة جمعها عاهات . والعاهة: هي آفة التي تصيب الزرع أو الثمرة فتتلفها، أو تعيبها . (١) البخاري (١٤٨٦، ٢١٩٤)، مسلم (١٥٣٤). ٤٣٤ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ٧٢٧ - وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - ((أَنَّ النَِّيَّ ◌َ نَهَى عَنْ بَيَّع الثَّمَارِ حَتَّى تُزْهِي، قِيلَ: وما زَهْوُهَا؟ قَالَ: تَحْمَارُ وَتَصْفَارُ)) مُتَّفَّقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ(١). * مفردات الحديث: - تُزهِيَ: من الرباعي، يقال: أزهى، ومعناه: بدأ نضجه بالاحمرار أو الاصفرار، ويقال: زهي النخل يزهو: إذا طال واكتمل، وأزهى من يزهي: إذا احمرَّ أو اصفرً، وذلك علامة الصلاح منها، ودليل خلاصها من الآفة . والزهو: البسر إذا ظهرت فيه الحمرة أو الصفرة. - تحمارّ وتصفارّ: بفتح التاء فيهما وسكون ثانيهما، آخرهما راء مشددة. قال الخطابي: قوله ((تحمار وتصفار)) لم يرد بذلك اللون الخالص من الحمرة والصفرة، وإنما أراد بذلك حمرةً أو صفرةً بكمودة، والكمودة تغيَّر اللون وذهاب صفاته . وقال ابن التين: أراد ظهور أول الحمرة أو الصفرة عليها قبل أن تنضج. قال في الوسيط : الکُمْدة، بضم فسکون: تغير اللون وذهاب صفائه. (١) البخاري (١٤٨٨)، مسلم (١٥٥٥). ٤٣٥ كتاب البيوع - باب بيع الأصول والثمار ٧٢٨ - وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - ((أَنَّ النَّبِيَّ لَهـ نَهَى عَنْ بَيَعِ العِنَبِ حَتَّى يَسْوَدَّ، وَعَنْ بَيَّعِ الحَبِّ حَتَّى يَشْتَكَ)) رَوَاهُ الخَمْسةُ إِلَّ النَّسَائِيَّ، وَصَخَّحَهُ ابنُ حِبَّنَ وَالحَاكِمُ(١). * درجة الحديث: الحدیث صحیح. صححه ابن حبان، وقال في التلخيص: رواه أحمد، وأبوداود، والترمذي، وابن ماجة، وصححه الحاكم من حديث حماد بن سلمة عن حميد عن أنس، وقال الترمذي والبيهقي: تفرد به حماد بن سلمة عن حميد. اهـ. ولكن حمادًا ثقة، ولذا حسّن الحديث الترمذي، وقال الحاكم والذَّهبي: إنَّه على شرط مسلم. (١) أحمد (٢٢١/٣)، أبوداود (٣٣٧١)، الترمذي (١٢٢٨)، ابن ماجه (٢٢١٧)، ابن حبان (٤٩٧٢)، الحاكم (١٩/٢). ٤٣٦ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ٧٢٩ - وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: (لَوْ بِعْتَ مِنْ أَخِيْكَ ثَمِرًا، فَأَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ، فَلاَ يَحِلُّ لَكَ أَنْ تَأْخُذَ مِنْهُ شَيْئًا، بِمَ تَأْخُذُ مَالَ أَخِيكَ بِغَيْرِ حَقٍّ؟)) رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ: ((أَنَّ النَّبِيَّ ◌َّهِ أَمْرَ بوَضْعِ الجَوَائِحِ))(١). * مفردات الحديث: - جائحة: يقال: جاحتهم السنة، تجوحهم جوحًا وإجاحة. فالجائحة لغة: هي الآفة التي تسبب المصيبة العظيمة في مال الرجل، فتجتاحه كله، كالمطر الشديد، والبرد، والريح والحريق، والجراد. وشرعًا: ما أذهب الثمر أو بعضه، من آفة سماويةٍ أو أرضية، لا صنع لآدمي فيها. - بم يأخذ: حذف الألف عند دخول حرف الجر على ((ما)) الاستفهامية، ولما كانت ((ما)) الاستفهامية متضمنة معنى الهمزة، وللهمزة صدر الكلام، فينبغي أن يقدر: أبم يأخذ، والهمزة للإنكار، ومثل ((بم يأخذ»، «فبمَ، وعلامَ، وحتامَ)) في حذف الألف عند دخول حرف الجر على ((ما) الاستفهامية. - لو بعت .. فلا يحل لك: يجوز في ذلك إعرابان: أحدهما أنَّ ((لو)) شرطية، و((فلا يحل)) هو جواب الشرط. الثاني : أنَّ ((لو)» بمعنى إِنْ. * ما يؤخذ من هذه الأحاديث: ١ - الأحاديث تدل على النَّهي عن بيع الثمار حتى تزهي، وزهوها أن تحمار أو (١) مسلم (١٥٥٤). ٤٣٧ كتاب البيوع - باب بيع الأصول والثمار تصفار، فإنَّها حينئذ تبدأ في النضج ويطيب أكلها . ٢ - وتنهى عن بيع العنب في شجره حتى يسود، وإذا اسود بعض أنواعه دخل النضج، وطاب أكله. ٣- وتنهى عن بيع الحب في سنبله حتى يشتد، ويحين حصاده، والاستفادة منه. ٤ - حكمة النَّهي عن بيعها قبل أن تطيب ، ويبدأ فيها النضج ثلاثة أمور: الأول: أنَّها قبل النضج لا منفعة فيها، فبيعها لا يعود على المشتري بفائدة. الثاني: إنَّ تمام الملك بعد الشراء هو القبض، وقبض الثمار في شجره، والحب في زرعه وسنبله بالتخلية، قبض ناقص، وتوقف صحة البيع على نضج الثمار، واشتداد الحب تقليل لمدة بقاء الثمرة بعد بيعها إلى زمن أخذها، وحيازتها . الثالث: إنَّ التمر والزرع إذا بدا فيه النضج خفت عنه العاهات والآفات السماوية، فلوحظ بيعها في وقت تقل فيه إصابة الثمرة بالجوائح السماوية . ٥- قال الفقهاء: وصلاح بعض ثمرة شجرة صلاح لجميع نوعها، الذي في البستان إذا بيع صفقةً واحدةً. ولا يصح بيع الجنس الذي لم يبد صلاحه تبعًا للنوع الذي بدا صلاحه، هذا هو المشهور من المذهب. والرواية الثانية: يكون بدو الصلاح في بعضها صلاح للجنس كله، وهو اختيار كثير من أصحاب الإمام أحمد ، وهو قول مالك والشافعي. ٦- وإن تلفت الثمرة بآفة سماوية، وهو ما لا صنع الآدمي فيها، كالريح، والبرد، والحر، فضمانها على بائعها؛ لأنَّ التخلية ليست قبضًا تامًّا. ٧- قال فقهاء الحنابلة واللفظ للشيخ منصور البهوتي: زرع البر ونحوه إذا تلف بجائحة فهو من ضمان مشترٍ، ولیس کالثمرة. للكن قال الشيخ عبدالرحمن السعدي: الصحيح أنَّ الجائحة موضوعة ٤٣٨ توضيح الأحكام من بلوغ المرام عن المشتري في جميع الثمار والحبوب لعموم العلة، وهو اختيار المجد وحفيده شيخ الإسلام. ٨- أما إذا تلفت الثمرة أو الزرع بفعل آدمي، فإنَّ المشتري مخيّرٌ بين فسخ البيع وأخذ الثمن، وبين إمضاء البيع ومطالبة متلفه ببدله، والله أعلم. ٩ - قوله: ((نهى البائع والمبتاع)): نهى البائع لئلا يأخذ مال المشتري بدون مقابلة شيء، ونهى المشتري عن هذه المخاطرة والتغرير بماله. ١٠ - المنع من بيع الثمار قبل بدو صلاحها، والزرع قبل اشتداد حبه، هو مذهب جمهور العلماء من الصحابة والتابعين، والأئمة المثَّبعين، ذلك أنَّه لا يؤمن من هلاك الثمرة والحب، لورود العاهة عليها مع صغرها وضعفها، وإذا تلفت لا يبقى للمشتري في مقابلة ما دفع من الثمن شيء، وهذا معنى قوله: ((نهى عن بيع النخيل حتى يزهو وعن السنبل حتى يبيض ويأمن من العاهة)) [رواه مسلم (١٥٣٥)]. ٤٣٩ كتاب البيوع - باب بيع الأصول والثمار ٧٣٠ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ- رَضِيَ اللهُ عِنْهُمَا - عَنِ النَّبِيِّ وَلِ أَنَّهُ قَالَ: ((مَنِ ابْتَاعَ نَخْلاً بَعْدَ أَنْ تُؤَبََّ، فَثَمَرَتُهَا لِلْبَائِعِ الَّذِي بَاعَهَا، إِلاَّ أَنْ يَشْتَرِطَ المُبْتَاعُ)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). * مفردات الحديث: - من ابتاع نخلاً: أي اشترى أصل النخل. النخل: اسم جنس يذكر ويؤنث، والجمع : نخيل. ويقول علماء الأحياء: النَّخلة شجرة من الفصيلة النخلية، كثيرة في بلاد العرب، لاسيما في العراق. - تؤبَّر: بضم التاء وفتح الواو المهموزة وتشديد الباء آخره راء. يقال: نخلة مؤبرة ومأبورة، والاسم منه الآبار، أما التأبير فهو التلقيح، وذلك بأن يشق طلع النخلة؛ ليوضع فيها شيء من طلع الفحال ((ذكر النخل))، وفي ذكر النخل الذي يلقح به لغتان الأكثر ((فُخَال)) وزان تفاح، والجمع فحاحيل، والثانية: ((فحل)) مثل غير، وجمعه فحول، مثل فلس وفُلوس . - إلاّ أن يشترطه المُبتَاع: أي المشتري، ولفظ ((المبتاع)) وإن كان عامًا للبائع والمشتري إلاَّ أنَّ الاستثناء يخصصه للمشتري، وأيضًا لفظ الافتعال يدل عليه . * ما يؤخذ من الحديث: ١ - منطوق الحديث أنَّ من باع نخلاً قد أُبِّر فثمرته لبائعه. ٢- ومفهوم الحديث أنَّ من باع نخلاً لم يؤبره، فثمره لمشتريه. (١) البخاري (٢٣٧٩)، مسلم (١٥٤٣). ٤٤٠ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ٣- أن استثنى البائع الثمرة التي لم تؤبر أو بعضها، فهي له بشرطه. ٤ - أن اشترط المشتري دخول الثمرة المؤبرة بالعقد، فهي له بشرطه . ٥- أن كان بعض الثمرة مؤبرًا وبعضه لم يؤبر، فلكلِّ حكمه؛ لأنَّ الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا، وهذا هو القول الراجح. ٦ - صحة اشتراط بعض الثمرة مأخوذ من حذف المفعول به من قوله: ((إلاَّ أن یشترط المبتاع))؛ لأنَّه صادق علیه کله وعلى بعضه. ٧- أن كان بعض التأبير في نخلة واحدة، فتكون كل ثمرتها للبائع؛ لأنَّ باقيها تبع لها . ٨- ألْحَق الفقهاء بالبيع جميع العقود الناقلة للملك، من جعل النخل المؤبر عوض صلح، أو جُعلاً، أو صداقًا، أو عوض خلع، أو جعَلَه صاحبه أجرة أجيرٍ، أو وهبه، أو غير ذلك مما فيه نقل الملك. ٩- دخول الثمرة في البيع إذا اشتريت قبل التأبير، أو اشترطها المشتري وهي مؤبرة، يُعد بيعًا للثمرة قبل بدو صلاحها، لكن رُخِّص فيه؛ لأنَّه تابع لأصله وليس مستقلاً، والقاعدة: ((يثبت تبعًا ما لا يثبت استقلالاً))، وهذه الصورة منها . قال شيخ الإسلام: بيع الزرع بشرط التبقية لا يجوز باتفاق العلماء، وإن اشتراه بشرط القطع جاز بالاتفاق. وإن باعه مطلقًا لم يجز عند جماهير العلماء، فإنَّ النَّبِيَّ وَّ نهى عن بيع الحب حتی یشتد. ١٠- اعتبار الشروط في البيع التي يشترطها البائع أو المشتري ونفوذها، فالمسلمون على شروطهم، ومقاطع الحقوق عند الشروط.