النص المفهرس
صفحات 401-420
٤٠١ كتاب البيوع - باب الربا ١٥ - الحديث يدل على جواز الترفيه على النفس بشراء المأكل والمشرب الطيب ونحو ذلك من متاع الدنيا وطيباتها المباحة، ما لم يصل إلى حد السرف، فله نصوص تنهى عنه. ١٦ - يدل الحديث على أنَّ من كان يتعاطى عقودًا غير صحيحة أو أعمالاً محرَّمة عن جهل بها، ثم عَلِمَ بحرمتها وفسادها أنَّه لا يجب عليه أن يرجع إلى تصحيح العقود الماضية، وإنما عليه الامتثال من جديد، وأن لايُقدِم عليها بعد ذلك، فظاهر الحديث أنَّ النَّبيَّ ◌َّ أقرَّه على عمله، وعَذَرَهُ بجهله عن الماضي، وإنما أعلمه للمستقبل حينما قال: ((لا تفعل))، وهذه قاعدة الشريعة المحمديَّة السمحة: أنَّ المؤاخذة لا تكون إلاَّ بعد البلاغ والإعلام. ١٧ - أنَّ العالِم إذا سُئل عن مسألة محرَّمة، ونهى المستفتي عنها، فعليه أن يفتح أمامه أبواب الطرق المباحة التي تغنيه عنها . ١٨ - عظم معصية الربا وكيف بلغت من نفس النبي ◌َّ- هذا المبلغ. ٤٠٢ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ٧١٥ - وَعَنْ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَال: ((اشْتَرَيْتُ يَوْمَ خَيْرَ قِلَادَةً بِاثْنَيْ عَشَرَ دِيْنَارًا، فِيهَا ذَهَبٌ وَخَرَزٌ، فَفَصَلْتُهَا، فَوَجَدْتُ فِيهَا أَكْثَرَ مِنْ اثْنَيْ عَشَرَ دِيْنَارًا، فَذَكَرْتُ ذلِكَ لِلنَّبِيِّ نَّهـ فَقَالَ: لاَ تُبَاعُ حَتَّى تُفْصَلَ)) رَوَاهُ مُسلِمُ(١). * مفردات الحديث: - قِلَادَةَ: بكسر القاف وفتح اللام والدال المهملة آخره تاء، هي ما يُجعل في العنق من حلي ونحوه. - دينار: الدينار يزن من الذهب مثقالاً، وفي الميزان المعاصر المثقال وزنه (٤,٢٥) غرامات، وقد تكرر هذا التقدير. - خرز: بفتح الخاء والراء، جمع خرزة، هي حبات مثقوبة تصنع من أي نوع وتنظم في سلك یُتَزیَّن بها . - ففصلتها: أي فرطت عقدها، ومیزت خرزها عن ذهبها . * ما يؤخذ من الحديث: ١- عدم جواز بيع الذهب بالذَّهب إلاّ مثلاً بمثل، كما جاء في حديث عبادة بن الصامت النَّهي عن بيع الذَّهب بالذَّهب إلاَّ مثلاً بمثل، فمن زاد أو استزاد فقد أربى. ٢ - النَّبِي وَّل منع بيع القلادة التي فيها ذهب لم يفصل، ولم يُعلم مقداره بذهب؛ لأنَّ التساوي بين اثني عشر دينارًا، وبيَّن ما في القلادة من ذهب مجهول، والجهل بالتساوي كالعلم بالتفاضل في الحكم والتحريم. (١) مسلم (١٥٩١). ٤٠٣ كتاب البيوع - باب الربا ٣- أنَّ بيع نوعي الجنس أحدهما بالآخر، ومعهما أو مع أحدهما صنف آخر من غير جنسه، وهي ما يسميها الفقهاء «مُدّ عجوة ودرهم)) وهو أقسام ثلاثة : الأول: أن يكون المقصود بيع ربوي بجنسه متفاضلاً، أو يضم إلى الأقل غير جنسه حيلة، فالصواب الجزم بالتحريم. الثاني: أن يكون المقصود بيع غير الربوي، كبيع شاة ذات لبن بشاة ذات لبن، فالصحيح الجواز، وهو مذهب مالك والشافعي. الثالث: أن يكون كلاهما مقصودًا مثل مُدّ عجوة ودرهم بمثلها، فهذا فيه نزاع مشهور. فأبو حنيفة يجوزه، وحرَّمه مالك والشافعي وأحمد. ٤- عدم جواز بيع الشيء المجهول حتى يميز، ويفصل، ويعرف أفراده. ٥- قال الشيخ محمد بن إبراهيم: العقد الفاسد لا ينقلب صحيحًا بحال، ومتى أراد تصحيحه فلا بد من إعادته بشروطه المعروفة . وفي هذا الحديث النبي وَّيل لم يعتبر البيع الأول، بل قال: ((لا تباع حتى تفصل)) وبعد التفصيل يجري عقد جديد غير الأول. ٤٠٤ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ٧١٦ - وَعَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ -: ((أَنَّ النَّبِيَّ ـلات نَهَى عَنْ بَيِّعِ الحَيوَانِ بِالحَيَوَانِ نَسِيئَةً)) رَوَاهُ الخَمْسَةَ وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ الجَارُودِ .(١ : درجة الحديث: الحدیث حسن. قال في التلخيص : رواه مالك وعن مالك روى الشافعي من حديث سعيد بن المسيب مرسلاً، وهو عند أبي داود في المراسيل، ووصله الدار قطني عن مالك عن الزهري عن سهل بن سعد، وحكم بضعفه وصوَّب الرواية المرسلة التي في الموطأ، وتبعه ابن عبدالبر وابن الجوزي، وله شاهد من حديث ابن عمر رواه البزار، وفيه ثابت بن زهير وهوضعيف، وأخرجه من رواية أبي أمية بن یعلى عن نافع، وأبو أمية ضعيف. وله شاهد أقوى منه من رواية الحسن عن سمرة، أخرجه الحاكم والبيهقي وابن خزيمة . وقال الترمذي: حديث حسن صحيح، وسماع الحسن من سمرة صحيح . وقال ابن حجر في الفتح: رجاله ثقات، إلاَّ أنَّه اختلف في سماع الحسن، ثم ذكر له عدة طرق يقوي بعضها بعضًا. وجملة القول: أنَّ الحديث بهذه الطرق حسن على أقل الدرجات، لذلك احتجَّ به الإمام أحمد، والله أعلم. (١) أبوداود (٣٣٥٦)، الترمذي (١٢٣٧)، النسائي (٢٩٢/٧)، ابن ماجه (٢٢٧٠)، أحمد (١٢/٥)، ابن الجارود (٦١١). عَدبى وستام ٤٠٥ كتاب البيوع - باب الربا * مفردات الحديث: - نسيئة: بإثبات الهمزة بعد الياء على وزن كريمة، أو بالإدغام فهي على وزن عطية، منصوب على الحال. والنسيئة لغة التأخير، والمراد هنا بيع حيوان بحيوان آخر، مؤخرًا قبضه عن وقت البيع. ٤٠٦ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ٧١٧ - وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بنِ العَاصِ - رَضِيَ اللهُ عنْهُمَا - ((أَنَّ النَّبِيَّ ◌َّ أَمَرَهُ أَن يُجَهِّزَ جَيْئًا فَنَقِدَتِ الإِلُ، فَأَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ عَلَى فَلاَئِصِ الصَّدَقَةِ، قَالَ: فَكُنْتُ آخُذُ البَعِيرَ بِالبَعِيرِينِ إِلَى إِلِ الصَّدَقَةَ)) رَوَاهُ الحَاكِمُ وَالبَيْهَفِيُّ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ(١). * درجة الحديث: إسناده قوي، فقد صحَّحه الحاكم، ووافقه الذَّهبي، وصححه البيهقي والنووي. قال الشوكاني: حديث عبدالله بن عمرو في إسناده محمد بن إسحاق، وفيه مقال معروف، قال الخطابي: في إسناده مقال، ولكن قوَّى الحافظ في الفتح إسناده. اهـ. قال في التلخيص: للكن أورده البيهقي من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وصحَّحه. * مفردات الحديث: - أن يجهز: فجهّز المسافرَ أو الغازيَ هيَّأْ له أدواته، جهاز المسافر أو الغازي ما یحتاج إلیه. - جيشًا: الجيش هو الجند، جمعه جيوش، وأقله أربعمائة، وقيل: أربعة آلاف. - قلائص: على وزن مَفاعل جمع قلوص، وهي الناقة الشابة المجتمعة الخلق. وذلك السن من حين تُركب حتى السنة التاسعة، ثم تسمى بعد التاسعة ناقة. (١) الحاكم (٥٦/٢)، البيهقي (٢٨٧/٥). ٤٠٧ كتاب البيوع - باب الربا - البعير: من الإبل بمنزلة الإنسان، يقع على الذكر والأنثى. - الصدقة: المراد بها هنا الزكاة التي من مصارفها الشرعية التجهيز في سبيل الله . * ما يؤخذ من الحديثين: ١ - تقدم لنا أنَّ الراجح في ضابط الربا أنَّه يقع بين المكيل والموزون إذا كانا مطعومين، فإذا فَقِد منه الكيل أو الوزن مع الطعم، فليس فيه ربا فضل ولا ربا نسيئة . ٢ - وبناء عليه فلا ربا بين الحيوانات بعضها ببعض، ولا هي مع غيرها لفقد شرط الربا في ذلك. ٣- أما اللحم ففيه الربا؛ لأنَّه موزون ومطعوم، فلا يجوز بيع بعضه ببعض متفاضلاً إذا کانا من جنس واحد. ٤- مشروعية الاستعداد للجهاد في سبيل الله، وأخذ العُدَّة له. ٥ - صحة التوكيل فيما تدخله النيابة من الأعمال. ٦- الصدقة هنا الزكاة المفروضة، والجهاد في سبيل الله أحد مصارفها، فهو وَل ينفق عليه منها . ٧- جواز ادخار الزكاة لوقت الحاجة إليها، وهي مسألة خلافية، أجاز ذلك أبو حنيفة، ومنعه الأئمة الثلاثة. ٨- إباحة الاقتراض للحاجة، وأنّه ليس من سؤال الناس أموالهم المذموم. ٩- جواز التأجيل في أدائه، ولو لم يكن الأجل محددًا بيوم معلوم. ١٠۔أنَّ بیع الحیوان الحي بالحیوان الحي الآخر - نسیئةً - لا یعد من باب الربا، ذُلك أنَّ الربا في المكيلات والموزونات المطعومة، وهذا هو الشاهد من الحديث . : ١١ - أن الشراء بالثمن المؤجل له وقع في زيادة الثمن على المثمن. ٤٠٨ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ١٢ - أنَّ الربح في التجارة ليس له حد يُحد به، وإنما هو أمر خاضع لباب العَرْض والطلب . ١٣ - يعارض هذا الحديث ما تقدم من حديث سمرة من أنَّ النبيَّ وَّ: ((نهى عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة)) [رواه أحمد (١٢/٥)]. فأجاب العلماء عن هذا التعارض بترجيح أحدهما على الآخر فإنَّ هذا الحديث أرجح من حديث سمرة، فقد قال الإمام الشافعي: إنَّ حديث سمرة غير ثابت عن رسول الله وَ الله . فراوي حديث سمُرة هو الحسن، وهو لم يسمع منه إلاّ حديث العقيقة، وحديث عبدالله بن عمرو بن العاص، رجاله ثقات، كما أنَّ معه الأصل وهو صحة المعاملات وجوازها . : خلاف العلماء: اختلف العلماء في جواز قرض الحیوان على قولين: الأول: أنَّه جائز، وهذا هو مذهب الأئمة، مالك والشافعي وأحمد وجماهير العلماء من السلف والخلف؛ عملاً بهذا الحديث، وبأنَّ الأصل جواز ذلك، فلا يعدل عن هذا الأصل إلاّ بدليل صريح صحيح، ولم يوجد ذلك. الثاني: أنه لا يجوز، وهو مذهب الإمام أبي حنيفة، وهو قول يعارِض هذا الحديث، ويعارض أصل الإباحة، ولذا فإنَّ الراجح هو القول الأول، والله أعلم. ٤٠٩ كتاب البيوع - باب الربا ٧١٨ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَّهَ يَقُولُ: ((إِذَا تَبَيَعْتُمْ بِالعِينَةِ، وَأَخَذْتُمْ أَذْنَابَ البَقَرِ، وَرَضِيْتُمْ بِالزَّرْعِ، وَتَرْكْتُمْ الجِهَادَ، سَلَّطَ الله عَلَيْكُمْ ذُلاَ، لاَ يَنْزَعُهُ، حَتَّى تَرْجِعُوا إِلَىْ دِينِكُمْ)) رَوَاهُ أَبُودَاوُدَ مِنْ رِوَايَةٍ نَافِعِ عَنْهُ، وَفِي وَرِجَّالُهُ ثِقَاتٌ، إِسْنَادِهِ مِقَالٌ، وَلَأَحْمَدَ نَحْوُهُ مِنْ رِوَايَةِ عَطَاءٍ، وَصَخَّحَهُ ابنُ القَطَّانِ(١). * درجة الحديث: الحدیث حسن . قال المؤلف: الحديث في إسناده مقال؛ لأنَّ في إسناده عطاء الخراساني. قال الذَّهبي : هذا من مناكيره. وأما الذي صححه ابن القطان فمعلول، لأنَّه لا يلزم من كون رجاله ثقات أن يكون صحيحًا، والحديث له طرق عديدة، بيَّن عللها البيهقي. وقال ابن حجر في التلخيص الحبير: أصح ما ورد في ذم بيع العينة ما رواه أحمد والطبراني، وله طرق، وحسَّنه السيوطي في الجامع الصغير، وقال ابن عبدالهادي في المحرر: رجال إسناده رجال الصحيح. وقال الشوكاني في نيل الأوطار: له طرق يشد بعضها بعضًا. * مفردات الحديث: - العينة: بكسر العين المهملة وسكون المثناة التحتية وبعضهم ضبطها بفتح (١) أبوداود (٣٤٦٢)، أحمد (٤٨٢٥). ٤١٠ توضيح الأحكام من بلوغ المرام العين وسكون الياء، وفتح النون، وهي على الضبطين مأخوذة من العين، وهو النقد الحاضر؛ لأنَّ المشتري إلى أجل يأخذ بدلها نقدًا حاضرًا، وصورتها: أن يبيع سلعة بنسيئة أو بثمن حالّ لم يقبضه، ثم إنَّ البائع يشتريها ممن اشتراها منه بنقد حالّ أقل مما باعها به، ويبقى الكثير في ذمة المشتري الأول . - أذناب البقر: مفرده ذنب بفتحتين، عضو من الحيوان في مؤخره يقابل رأسه، والمراد الكناية عن الانشغال - بالحرث والزرع - عن أمور الدين، والجهاد في سبيل الله تعالى. قلتُ: ومناسبة ذكر أذناب البقر مع ذكر الزرع، أنَّ الحارث يكون خلف البقر حال السواني، وساعة حرث الأرض بها. - ذُلاً: ذل الرَّجل يَذل ذُلاً بضم الذال المعجمة، هو الضعف والمهانة، فالذليل هو الضعيف المهين. - لا ينزعه: بكسر الزاي من باب ضرب، أي لا يرفعه ولا يزيله عنكم، حتى ترجعوا إلى دينكم. * ما يؤخذ من الحديث: ١- الحديث فيه تحريم الركون إلى الدنيا، والاشتغال بها عن أمور الدين، التي من أعظمها الجهاد في سبيل الله تعالى، الذي هو ذروة سنام الإسلام. ٢ - فيه أنَّ المسلمين إذا اشتغلوا بالحراثة ورضوا بها، وبجمع الأموال عن الجهاد في سبيل الله، فإنَّ الله يجازيهم بالذل والهوان من أعدائهم، فيكونون مستحَمرين مهانين أذلاء، جزاءً لهم على إعراضهم عن دينهم، الذي فيه عِزُّهم، وفيه مَنَعَتُهم، وفيه سعادتهم في الدنيا والآخرة. ٣- أنَّ هذا الوعيد تحقق، فالمسلمون الآن يمثلون ثلث المعمورة كثرةً، فعندهم الثروة البشرية، والثروة الاقتصادية، والمساحات الزراعية، والعمرانية، والمواقع المسيطرة، وبلادهم وثروتهم أفضل وأحسن بلاد ٤١١ كتاب البيوع - باب الربا العالم، ومع هذا لما أعرضوا عن دينهم سلّط الله عليهم أعداءهم، فأهانوهم، وأذلوهم، وصاروا لعبة في أيديهم، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِرُواْمَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: ١١]. فمن ترك هذا الدين تجبرًا قَصَمَهُ الله ، ومن ابتغى الهدى في غير كتابه أضلَّه الله، وقد تحقق وعيد الله تعالى في هذه الأمم التائهة ممن يدعون الإسلام، فهم في متاهات عما ينفعهم في أمر دينهم ودنياهم. ٤ - أنَّه ليس للمسلمين طريق إلى عزهم، ولا إلى سيادتهم، ولا إلى سعادتهم في دنياهم وأخراهم، إلاَّ بهذا الدين المتين، وإنَّه لا يصلح أمر آخر هذه الأمة إلاَّ ما صلح به أولها، ﴿ مَن كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾ [فاطر: ١٠]، ﴿ وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنْصُرُهُ، إِنَّ اللَّهَ لَقَوِىُّ عَزِيزٌ ﴾﴾ [الحج]. * نصيحة للشاب: إن كان شباب المسلمين جادين في التوجه إلى الله تعالى والإقبال عليه، ويريدون السعادة في الدنيا والرفعة فيها، كما يريدون في الآخرة جنة عرضها السموات والأرض أعدت للمثَّقين، فعليهم اتباع هذه النصيحة التي أوجزها بهذه الفقرات : أولاً: عليهم بالصدق والإخلاص لله تعالى في أقوالهم وأعمالهم؛ ليكون الله تعالى في عونهم، فيسدد خُطاهم، ويهديهم سبل الخير والنجاح. ثانيًا: عليهم باتباع كتاب الله تعالى، وما صحَّ من سنة محمَّد بََّ، فهذا هو الصراط المستقيم، الذي سلكه عباد الله الصالحون، وهذا هو النَّهج الصحيح، الذي يقلل الخلاف فيهم، ويقرب وجهة النظر بينهم، ويوحد كلمتهم واتجاههم. ثالثًا: أن ينبذوا الخلافات بينهم، فلا تكون المسائل العلمية الفرعية مثار جدل بينهم، يترتب عليها عداوة وبغضاء، وتخاصم وتهاجر، فالخلاف في ٤١٢ توضيح الأحكام من بلوغ المرام هذه المسائل الفرعية موجود زمن الصحابة، وزمن التابعين والأئمة المهديين، ولم يحدث بينهم عداوةٌ وبغضاءٌ. رابعًا: أن يدعوا إلى الله تعالى بالحكمة والموعظة الحسنة، والجدال بالطريقة التي هي أحسن وأفضل، وأن لا يبتعدوا عن الجماعة، أو عن الأشخاص الذين يخالفونهم في بعض المسائل، وإنما يوالونهم، ويحاولون تقريب شقة الخلاف بينهم. خامسًا: أن يُحِذِّرُوا أصحابَ المباديء والأفكار المعادية للإسلام من يوم تشخص فيه القلوب والأبصار، ويُذكِّروهم بهذه الآية الكريمة: لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةٌ يَوْمَ الْقِيَمَةٌ وَ مِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَسَاءَ مَا يَزِرُونَ لَّ [النحل]. وليحذر هؤلاء من عاقبة دعواتهم المضللة، وافتراءاتهم المزوَّرة، فالوعيد صادق، والأمد قريب: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَنْقَالَهُمْ وَأَنْقَالًا مَّعَ أَنْقَالِهِمْ [العنكبوت] . ١٣ وَلَيُسْئَلُنَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ * العينة: صورتها: هي أن يبيع الرجل بألف ريال - مثلاً - مؤجلاً الثمن، ثم إنَّ البائع يشتري المبيع نفسه ممن باعها عليه بأقل من ثمنها اشتراها به نقدًا؛ ليبقى الثمن الكثير في ذمة المشتري، فهذا ليس بيعًا ولا شراءً حقيقةً، وإنما هو قرض ربوي، جاء بصورة البيع والشراء، فهو من الحِيل الظاهرة التي يلجأ إليها المرابون . قال ابن القيم: إنَّ هذا ينطبق عليه ما روي عن النبي ◌َّر: ((يأتي على الناس زمان يستحلون الربا بالبيع)). وقال أيضًا: إنَّ نهي النبي وَّ: ((عن بيعتين في بيعة)) هو الشرطان في البيعة، فإذا باعه السلعة بمائة مؤجلة، ثم اشتراها منه بثمانين حالَّة، فقد باع ٤١٣ كتاب البيوع - باب الربا بيعتين في بيعة، فإن أخذ بالثمن الزائد أخذ ربا، وإن أخذ بالناقص أخَذ بأوكسهما، وهذان أعظم الذرائع. وقال الشيخ عبدالرحمن بن سعدي: الذي يدخل في النَّهي عن بيعتين في بيعة هي مسألة العينة . خلاف العلماء: ذهب الأئمة الثلاثة إلى تحريم العينة لحديث: ((إذا تبايعتم بالعينة)) ولأنَّها صريح الربا. وأجازها الشافعي لعموم حديث خيبر المتقدم، (بع الجَمع بالدراهم ثم اشتر بالدارهم جنیباً». فعمومه يدل على أنَّه لا بأس أن يكون الذي اشترى منه التمر الرديء بدراهمه التي باع علیه بها التمر الطيب، فعادت دراهمه إليه. والجواب: أنَّ أحاديث النَّهي عن بيع العينة مخصّصة لهذا العموم، وهذا هو الطريق بين العام والخاص، ولأنَّ حيلة الربا فيها واضحة مكشوفة والحيل إلى المحرمات محرَّمةٌ ممنوعةٌ باطلةٌ، والله أعلم. ٤١٤ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ٧١٩ - وَعنْ أَبِي أُمَامَةَ - رَضِيَ اللهُ عِنْهُ - عَنِ النَّبِيِنَّهِ قَالَ: (مَن شَفَعَ لأَخِيه شَفَاعَةً، فَأَهْدَى لَهُ هَدِيَّةٌ، فَقَبِلَهَا فَقَدْ أَتَى بَابًا عَظِيمًا مِنْ أَبْوَابِ الرِّبَا)) رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُوداود وَفِي إِسْنَادِهِ مَقَالٌ (١). * درجة الحديث: في إسناده مقال؛ للكنه محتج به، فقد رواه القاسم بن عبدالرحمن الشامي مولى بني أمية عن أبي أمامة، وفيه مقال. قال المنذري: قال الإمام أحمد: روى عنه علي بن زيد أعاجيب، وما أراها إلاَّ من قِبل القاسم، قال ابن حبان: كان ممن يروي عن أصحاب النبي وَّل المُعضلات، ووثقه ابن معين، وصحح الترمذي حديثه، وقال الحافظ في تقریب التهذيب: صدوق یغرب کثیرًا، وسکت عن الحدیث أبوداود. * مفردات الحديث: - شفع له: يشفع شفاعة: سعى له وأعانه. - بابًا: أصله بوب، فالألف منقلبة عن واو، ويجمع على أبواب وبيبان، والأصل في الباب المدخل، ثم سمى به ما يتوصل به إلى شيء، والمراد هنا ما يتوصل به إلى أكل مالٍ بالباطل. - الربا: مقصور، وأصل ألفه واو، وهو لغة الزيادة، فيقال ربا يربو أي: زاد، ومنه قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَّهَا الْمَآءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾ [الحج: ٥]. وشرعًا : زيادة محرَّمة في مال مخصوص. (١) أحمد (٢٦١/٥)، أبوداود (٣٥٤١). ٤١٥ کتاب البيوع - باب الربا ٧٢٠ - وَعَنْ عبدالله بنِ عَمْرِو بن العَاصِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - قَالَ: (لَعَنَ رَسُولُ اللهِ بَهَ الرَّاشِي والمُرْتَشِي)) رَوَاهُ أَبُودَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ(١). * درجة الحديث: الحدیث صحیح. قال في التلخيص: رواه الطبراني، وقد قوَّاه النسائي، ورواه الحاكم مرفوعًا من طريق عطاء عن ابن عباس، وقال الحاكم: صحيح الإسناد ووافقه الذّهبي، كما حسَّنه الترمذي، وقال الهيثمي: رجاله ثقات. زاد الإمام أحمد في مسنده: ((والرائش)». قال الحافظ: وله شواهد عن عبدالرحمن بن عوف، وأبي هريرة، وثوبان، وعائشة، وأم سلمة. * مفردات الحديث: - الراشي: هو الذي يبذل المال؛ ليتوصل به إلى إبطال حق، أو الوصول إلى باطل، وهو مأخوذٌ من الرشا، وهو الحبل الذي يتوصل به إلى الماء في البئر. - الرشوة: بكسر الراء وضمها، يقال: رشا يرشوا رشوًا: أعطاه الرشوة، هي بذل المال ليتوصل به إلى باطل . - المرتشي: آخذ الرشوة، وهو الحاكم. - الرائش: هو الذي يتوسط بإيصال الرشوة من معطيها إلى آخذها. (١) أبوداود (٣٥٨٠)، الترمذي (١٣٣٧). ٤١٦ توضيح الأحكام من بلوغ المرام * ما يؤخذ من الحديثين: ١ - إذا شفع الإنسان لغيره في أمر من الأمور فلا يخلو من حالات: الأولى: أن يشفع لغيره في إنقاذه وتخليصه من مظلمة وقعت عليه، فهذه شفاعة واجبة من القادر عليها، فيحرم أخذ شيء عليها . الثانية: أن يشفع لغيره في الحصول على أمر لا يستحقه، من وظيفة أو عمل، بل حصوله عليها وتوليه عليها ظلم له، وظلم لمن شفع عنده، وظلم للعمل، والمنتفعين به، فهذه شفاعة محرَّمة، وما أخذ عليها فهو حرام. الثالثة: أن تكون لحصول أمر مباح، ويحصل للمشفوع له فائدة منه، فالأولى أن يبذل الشافع ذلك بلا مقابل ولا عوض، إنما يجعله إحسانًا فإن أخذ فلا يظهر أنَّه حرام عليه، ويكون من باب قوله بَّ: ((مَن صَنَعَ إليكم معروفًا فكافئوه)». الرابعة: الشفاعة في حدود الله فهي محرَّمة، وذلك بعد أن تبلغ ولاة الأمور أو نوابهم. قال شيخ الإسلام: وتحرم الشفاعة في حد من حدود الله لقوله وَ له: ((من حالت شفاعته دون حد من حدود الله فقد ضاد الله في أمره)) وكذا يحرم قبولها في حد من حدود الله؛ لقوله وَاليه: ((فهلاً قَبْل أن تأتيني به)). الخامسة: قال الشيخ عبدالرحمن سعدي: من أهدي إليه ليكف شره فقبول الهدية حرام عليه؛ لأنَّه يجب عليه كف شره، أُهدي له أو لا . السادسة: قال الشيخ عبدالرحمن السعدي: ويوجد مسائل أخر لا يحرم قبول الهدية فيها، كمن أحسن إلى آخر فكافأه المحسَن إليه على ذلك، فإنَّه لا بأس بالمكافأة ولا بأس بقبولها . ٢ - أما الرشوة فهي بذل المال؛ ليتوصل بذلك إلى إبطال حق، أو الوصول إلى باطل. ٤١٧ كتاب البيوع - باب الربا ٣- آخذ الرشوة، ومعطيها، والوسيط بينهما، كلهم ملعونون؛ لما روى الترمذي (١٣٣٧) بسند صحيح عن ابن عمرو: «أنَّ النبيَّ وَّ لَعن الراشي والمرتشي - زاد أبوبكر -: والرائش وهو السفير بينهما)). ٤ - يدل الحديث على أنَّ ذلك من كبائر الذنوب؛ لأنَّ اللعن لا يكون إلاَّ على كبيرة . ٥- قال في شرح الإقناع: ويحرم بذلها من الراشي ليحكم بباطل، أو يدفع عنه حقًّا، کما يحرم قبول القاضي هدية إلاّ ممن کان یهدي إلیه قبل ولا یته إن لم یکن له حکومة . قال شيخ الإسلام: أجمع العلماء على أنَّ الحاكم ليس له أن يقبل الرشوة، سواء حكم بحق أو بباطل، فإن قبل الرشوة أو الهدية حيث حرم القبول، وجب ردها إلى صاحبها، قال الشيخ تقي الدين: فإن لم يعلم صاحبها، دفعها في مصالح المسلمين. ٦- في الحديث دليل على جواز لعن العصاة من أهل القبلة، وأما حديث: ((المؤمن ليس باللعان)) فالمراد: من لا يستحق اللعن. ٤١٨ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ٧٢١ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - قَالَ: ((نَهَىْ رَسُولُ الله وَّ عَنْ المُزَابَةِ: أَن يَبِيْعَ ثَمَرَ خَائِطِهِ، إِنْ كَانَ نَخْلاً، بِتَمْرٍ كَيْلاً، وَإِنْ كَانَ كَرْمًا، أَنْ يَبِيِعَهُ بِزَبِيِبٍ كَيْلاً، وَإِنْ كَانَ زَرْعًا، أَنْ يَبِيعَهُ بِكَيْلٍ طَعَامٍ، نَهَىْ عَنْ ذُلِكَ كُلِِّ) مُتَفَقٌّ عَلَيْهِ(١). * مفردات الحديث: - المزابنة: يُقال: زبنه بزبنة زبنًا: دفعه، فالزبن هو الدفع، فتزابن المتبايعان تدافعا، کأنَّ كل واحد منهما یزبن صاحبه عن حقه . وشرعًا: بيعُ ربوبيّ معلوم بمجهولٍ من جنسه، ومثالها بیع التمر في رؤوس النخل بالتمر مكيلاً. - حائطه: قال في النهاية: الحائط هاهنا البستان من النخيل، إذا كان عليه حائط : وهو الجدار، وجمعه حوائط . - كَرْمًا: بفتح الكاف وسكون الراء آخره ميم، شجر العنب، وأريد به هنا العنب نفسه . - زبيب: ما جفف من العنب. (١) البخاري (٢٢٠٥)، مسلم (١٥٤٢). ٤١٩ كتاب البيوع - باب الربا ٧٢٢ - وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ - رَضِيَ اللهُ عنْهُ - قَالَ: ((سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ بَّهِ يُسْأَّلُ عَنِ اشْتِرَاءِ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ، فَقَال: أَيَنْقُصُ الرُّطَبُ إِذَا يَبِسَ: قَالُوا: نَعَمْ، فَنَهَى عَنْ ذُلِكَ)) رَوَاهُ الخَّمْسَةُ، وَصَخَّحَهُ ابنُ المَدِينِيِّ، وَابْنُ حِبَّانَ، وَالحَاكِمُ(١). * درجة الحديث: الحديث صحيح . قال في التلخيص: رواه مالك، والشافعي، وأحمد، وأصحاب السنن، وابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم، والدارقطني، والبيهقي، كلهم من حديث زيد بن عياش، أنَّه سأل سعد بن أبي وقاص، وذكر الحديث. وقد أعلَّه جماعة، منهم الطحاوي، والطبري، وابن حزم، وعبدالحق، بجهالة حال زيد بن عياش، وللكن الإمام مالكًا اعتمده، وقال الدار قطني: إنَّه ثقة ثبت، كما صححه ابن المديني، والترمذي، والحاكم، وابن حبان، والمنذري، وابن الجوزي، وقال الحافظ: إنَّ المنذري قال: رواه عن زيد ثقتان. قد اعتمده مالك مع شدة نقده، وصححه الترمذي والحاكم وقال: لا أعلم أحدًا طعن فيه، فهو حديث صحيح، بإجماع أئمة النقل على إمامة مالك، وأنَّه محكم في كل ما يرويه، إذ لم يوجد في رواياته إلاَّ الصحيح، خصوصًا في حديث أهل المدينة، وله شاهد رواه البيهقي من حديث عبدالله بن أبي سلمة مرسلاً، وهو مرسل قوي، يعضد هذا الحديث المسند. (١) أحمد (١٧٥/١)، أبوداود (٣٣٥٩)، الترمذي (١٢٢٥)، النسائي (٢٦٨/٧)، ابن ماجة (٢٢٦٤)، ابن حبان (٤٩٨٢)، الحاكم (٣٨/٢). ٤٢٠ توضيح الأحكام من بلوغ المرام * مفردات الحديث: - الرُّطب: بالضم ثمر النخل إذا أدرك ونضج قبل أن يتتمر، واحده رُطبة، والجمع أرطاب. - التمر: ثمر النخل إذا جفَّ، كالزبيب من العنب، وهو اليابس بإجماع أهل اللغة؛ لأنَّ يُترك على النَّخل بعد إرطابه حتى يجف أو يقارب، ثم يقطع ويترك في الشمس حتى ييبس، الواحدة تمرة، والجمع تمور . ما يؤخذ من الحديثين: ١ - المزابنة: أن يبيع تمر حائطه إن كان نخلاً بتمر كيلاً. وإن کان کرمًا أن يبيعه بزبیب کیلاً. وإن كان زرعًا أن يبيعه بطعام كيلاً . فهذا كله المزابنة المنهي عنها . قال ابن عبدالبر: لا مخالف أنَّ هذا كله مزابنة، وإنما اختلفوا هل يلحق بذلك كل ما لا يجوز بيعه إلاَّ مثلاً بمثل؟، فالجمهور على الإلحاق في الحكم؛ للمشاركة في العلة، وهو عدم العلم بالتساوي مع الاتفاق في الجنس والتقدير. ٢- علة النَّهي ربا الفضل، فإنَّه إذا بيع أحد نوعي جنس بالآخر، فلابد من التماثل كما جاء في الحديث: «مثلاً بمثل)). وهنا لم يتحقق التماثل، فإننا إذا بعنا التمر على رؤوس النخل بتمر كيلاً، أو بعنا العنب بشجره بزبيب كيلاً، أو بعنا الحب في سنبله بحبِّ كيلاً، فإنَّها لم تتحقق المماثلة بينهما، وبقي الأمر مجهولاً، فلا يصح البيع، وقد قال الفقهاء: ((الجهل بالتساوي كالعلم بالتفاضل في الحكم)). ٣- هذا الحديث مما يؤيد القول من أنَّ الربوي هو ما جمع الكيل أو الوزن مع الطعم، فإن لم يوجد هذان الشرطان فلا ربا .