النص المفهرس

صفحات 581-600

٥٨١
كتاب الصيام - باب الاعتكاف
وممن أخذ به علي، وابن عباس، وعطاء، وطاوس، والحسن،
ومسروق، وبه قال أبو حنيفة وهو رواية عن أحمد، اختارها شيخ الإسلام ابن
تيمية .
والذين يرون القُبلة بشهوة ناقضة، حملوا الحديث على أنَّه تقبيل رحمةٍ
ومودةٍ، لا شهوة، والله أعلم.

٥٨٢
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
٥٨٦ - وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتِ: ((الشُّنَّةُ عَلَى
المُعْتَكِفِ أَلاَّ يَعُودَ مَرِيْضًا، وَلاَ يَشْهَدَ جَنَازَةً، وَلاَ يَمَسَّ امْرَأَةً، وَلاَ
يُبَاشِرَهَا، وَلاَ يَخْرُجَ لِحَاجَةٍ، إِلاَّ لِمَا لَاَبْدَّ لَهُ مِنْهُ، وَلاَ اعْتِكَافَ إِلاَّ
بِصَوْمٍ، وَلاَ اعْتِكَافَ إِلَّ فِي مَسْجِدٍ جَامِعٍ)). رَوَاهُ أَبُودَاوُدَ، وَلاَ بَأْسَ
بِ جَالِهِ، إِلَّ أنَّ الرَّاجِحَ وَقْفُ آخِرِهِ(١).
* درجة الحديث:
أصل الحديث في البخاري (٢٠٢٥)، ومسلم (١١٧٢) من حديث
عائشة: ((أنَّ النَّبيَّ ◌َلّ كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان، حتى توفاه الله)).
زاد البيهقي: (٨٣٧٧) وقالت: ((السنَّةً للمعتكف ألا يعود مريضًا ... ))
إلخ الحديث، وإسناده صحيح، وأخرج أبوداود هذه الزيادة بإسناد جيد على
شرط مسلم .
* مفردات الحديث:
- السنة: يعني: الدين والشرع، فعائشة - رضي الله عنها - أرادت إضافة هذه
الأمور إلى النَّبِي وَّهِ، قولاً وفعلاً.
- يعود: عاد يعود عودًا، فهو عائد، جمعه: عُوَّد وعُوَّاد؛ أي: زار المريض،
فزيارة المريض، تسمى عيادة.
- يشهد: شهد يشهد شهودًا؛ أي: حضر، والمراد بذلك: اتباع الجنازة حتى
تدفن .
- جنازة: بفتح الجيم وكسرها، والكسر أفصح، وتخفيف النون، جمعه:
(١) أبوداود (٢٤٧٣).

٥٨٣
كتاب الصيام - باب الاعتكاف
جنائز، اسم للنعش عليه الميت.
- يمس: بفتح الياء، وتشديد السين، يقال: مس يمس مسًّا، من باب نصر:
لمسه، وأفضی بیدیه إلى جسمه بلا حائل.
ومس امرأته: جامعها، وهو المراد هنا.
- يباشر: يقال: باشر الرجل زوجه: لامس بشرتها بإلصاق بشرته ببشرتها،
مأخوذة من البشرة، وهي ظاهر الجلد.
- لابد: أي: لا محيص، ولا معدل، ولامناص، وليس لك من ذلك بُدُّ،
يريدون به الإطلاق على أي وجه كان، فـ((بُد)) لا يعرف استعمالها إلاَّ مقرونةً
بالنفي.

٥٨٤
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
٥٨٧ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - أَنَّ النَّبيَّ ◌َهل
قَالَ: (لَيْسَ عَلَى المُعْتَكِفِ صِيَامٌ، إِلاَّ أَنْ يَجْعَلَهُ عَلَى نَفْسِهِ)). رَوَاهُ
الدَّارَ قُطْنِيُّ وَالحَاكِمُ، وَالرَّاجِحُ وَقْفُهُ أَيْضًا (١).
: درجة الحديث:
الحدیث موقوف.
قال المؤلف: الراجح وقفه على ابن عباس، قال البيهقي: الصحيح أنَّه
موقوف، ورَفْعه وَهْمٌ.
* ما يؤخذ من الحديثين:
١ - تقدم أنَّ معنى الاعتكاف هو: قطع العلائق عن الخلائق، ومناجاة الخالق،
فيجب على المعتكف ملازمة معتكفه، ولا يجوز له الخروج منه، إلاّ لما
لابد له منه، من مأكلٍ، ومشربٍ، وطهارةٍ، ونحو ذلك، فإن خرج بطل
اعتكافه .
٢- لا يجوز للمعتكف أن يعود مريضًا، ولا يشهد جنازة، ولا يزور قريبًا، ولا
يخرج لأية قُربة لا تتعيَّن عليه، وذلك بإجماع العلماء.
٣- قال أصحابنا: إذا شرط في ابتداء الاعتكاف الخروج إلى مثل هذه القرب
من عيادة المريض، وشهود الجنازة، ونحو ذلك، فله شرطه، وهو مروي
عن جماعة من الصحابة، ولأنَّ الاشتراط يصير المشتَرط كالمستثنى، قال
ابن هبيرة: وهو الصحيح عندي، قال إبراهيم النَّخعي: كانوا يستحبون
للمعتكف هذه الخصال، وجزم بذلك الموفق، وهو المشهور من المذهب.
(١) الدار قطني (١٩٩/٢)، الحاكم (١٦٠٣).

٥٨٥)
كتاب الصيام - باب الاعتكاف
٤- يدل الحديث على أنَّه يشترط أن يكون الاعتكاف في مسجد تصلى فيه
الجماعة، ولقوله تعالى: ﴿وَلَا تُبَشِرُوهُنَ وَأَنْتُمْ عَلَكِفُونَ فِى الْمَسَجِدِّ ﴾
[البقرة: ١٨٧].
٥- قوله: ((ولا اعتكاف إلاَّ بصوم)) هذا دليل الحنفية والمالكية، أما جمهور
العلماء والمشهور عن الإمام الشافعي، والإمام أحمد -: فلا يشترط الصوم،
وقد تقدم دليله، وهذا الحديث الموقوف لا يعارض ما تقدم من الأدلة من
عدم اشتراط الصوم.
٦- الحديث رقم (٥٨٧): صريح بعدم اشتراط الصوم، وهو مؤيد للأدلة السابقة.
٧- إذا نذر المسلم الصوم مع الاعتكاف، وجب الوفاء من أجل النذر، لا من
أجل لزوم الصوم مع الاعتكاف، فمن نذر أن يطيع الله فليُطعه.
٨- قال العلماء: يستحب اشتغال المعتكف بالقُرب؛ من صلاةٍ، وقراءةٍ،
وذكرٍ، وصدقةٍ، وصيام، وليس له ذكرٌ مخصوص، ولا فعلٌ، سوى اللبث
في المسجد، وأفضل الذكر تلاوة القرآن بتدبر، فهذا لا يعدله شيء.
٩- الاعتكاف حبس النفس، وجمع الهمة على نفوذ البصيرة في تدبر القرآن،
ومعاني التسبيح، والتحميد، والتهليل، وذكر الله.
١٠ - وعلى المعتكف اجتناب ما لا يعنيه من جدال، ومراء، وكثرة كلام؛ لأنَّه
مكروه لقوله وقال: ((من حُسنٍ إسلام المرء تركه ما لا يعنيه)) [رواه الترمذي
(٤٢٢٣٩)].
* ليلة القدر وفضلها:
القدر: ينطق بفتح القاف والدال لا غير، بمعنى: قضاء الله في خلقه من
آجال وأرزاق، وغير ذلك.
ويُنطق بفتح القاف والدال وسكونها، وهذا معناه: الشرف والحرمة،
وكلا المعنيين حاصلان في ليلة القدر، فهي جليلة القدر، قال تعالى: ﴿إِنَّا

٥٨٦
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
أَنْزَلْنَهُ فِى لَيْلَةِ الْقَدْرِ !
لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ
٢
٣
ج وَمَآ أَدْرَئِكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ
١
[القدر] وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَهُ فِ لَيْلَةٍ مُّبَرَكَةٍ﴾ [الدخان: ٣].
وهي ليلة تُقدَّر فيها الأشياء، وتقضي فيها الأمور التي ستكون في السنة،
قال تعالى: ﴿فِيَهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ ﴿ أَمْرًا مِنْ عِندِنَاً﴾ [الدخان: ٤-٥].
ففيها يفصل الأمر المقدر من اللوح المحفوظ إلى الكتبة، في كل ما هو
كائن من أمر الله تعالى في تلك السنة، من الأرزاق، والآجال، والخير، والشر،
وغير ذلك، من كل أمر حكيم، أحكمه الله وأتقنه.
قال الطيبي: إنما جاء ((القدر)) بسكون الدال، وإن كان الشائع بالفتح،
ليعلم أنَّه لم يرد به ذلك، فإنَّ القضاء قديم، وإنما أريد به ما جرى به القضاء
وتبيينه وتجديده في المدة التي بعدها إلى مثلها من القابل؛ ليحصل ما يلقى
إليهم فيها مقدارًا بمقدار.
فهي ليلة عظيمة شريفة جليلة عند الله تعالى، لها مزايا عظيمة، نلخص
فيما يلي بعضها:
أولاً: يُنزل الله تعالى فيها الملائكة من السماء إلى الأرض، وينزلون
ومعهم الخير والبركة والرحمة والأمان، ويتقدمهم الروح الأمين: جبريل عليه
السلام .
ثانيًا: ابتدأ في هذه الليلة الشريفة نزول القرآن، الذي هو أعظم منَّة
ورحمة على المسلمین .
ثالثًا: يحل فيها السلام والأمان، من أول تلك الليلة المباركة حتى
الصباح، قال تعالى: ﴿سَلَمَّ هِىَ حَتَّى مَطْلَعِ اَلْفَجْرِ ﴾﴾ [القدر].
رابعًا: تُقدَّر فيها الأمور للعام القابل، فتُفْصل تلك الأمور من الآجال،
والأرزاق، والحوادث، وغير ذلك، تُفصل من اللوح المحفوظ، وتتلقاها
الملائكة الكتبة، ليجري تنفيذها بأمر الله تعالى، قال تعالى: ﴿ فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ

٥٨٧
كتاب الصيام - باب الاعتكاف
حَكِيمٍ
٤
[الدخان].
خامسًا: العبادة فيها خير من ألف شهر فيما سواها من الأوقات، قال
٣
تعالى: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ
سادسًا: جاء في البخاري (٢٠١٤) ومسلم (٧٦٠)؛ أنَّ النَّبِيَّ وَِّ قال:
((من قام ليلة القدر؛ إيمانًا واحتسابًا، غُفِرِ له ما تقدّم من ذنبه))
سابعًا: الدعاء فيها مستجاب، فقد روى الترمذي (٢٤٣٥) عن عائشة
أنَّها قالت: ((قُلتُ: يا رسول الله، أرَأَيتَ إن علمتُ أيَّ ليلة ليلة القدر، ما أقول
فيها؟ قال: قولي: اللَّهمَّ إِنَّك عفوٌ تُحب العفو فاعف عنّي)).
وستأتي بقية أحكامها إن شاء الله تعالى.

٥٨٨
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
٥٨٨ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا -: ((أَنَّ رِجَالاً مِنْ
أَصْحَابِ النَِّّوَّهِ أُرُوا لَيْلَةَ القَدْرِ فِي المَنَامِ فِي السَّبْعِ الأَوَاخِرِ، فَقَالَ
رَسُولُ اللهِّهِ: أَرَىُ رُؤْيَاكُمْ قَدْ تَوَاطَأَتْ فِيَ السَّبْعِ الأَوَاخِرِ، فَمَنْ كَانَ
مُتَحرِّيهَا، فَلْيَتَحرَّهَا فِي السَّبْعِ الأَوَاخِرِ)). مُتَّفَقٌ عَلَّيْهِ (١).
* مفردات الحديث:
- أُروا: أصلها: ((أريوا)) من: الرؤيا؛ أي: خيل لهم في المنام.
- ليلة القدر: بفتح الدال وسكونها، سمِّيت بذلك؛ لعظم قدرها وشرفها، أو
لأنَّ الأمور تقدر فيها، من الآجال والأرزاق، وحوادث العام كلها فيها، كما
قال تعالى: ﴿فِيَهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ
۔ رؤیاکم: الرؤیا علی وزن: فُعلى، کحبلى، فيقال: رأى رؤيا بلا تنوين،
وجمعها: رؤَى بالتنوين، والمراد بها: الرؤيا المنامية.
- تواطأت: بتاء ثم واو ثم طاء ثم ألف مهموزة ثم تاء، قال تعالى: ﴿لَُّوَارِقُواْ
عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللّهُ﴾ [التوبة: ٣٧]
فأصله أن يطأ الرجل برجله مكان وطء من قبله، فنقلت إلى هنا بجامع
موافقة رؤيا الرجل لرؤيا الآخر، فتواطأت؛ أي: توافقت لفظًا ومعنّى.
- فليتحرَّها: التحري هو: القصد والاجتهاد في الطلب، والعزم على تخصيص
الشيء بالفعل والقول.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - كان الصحابة - رضي الله عنهم - من حرصهم على الخير ورغبتهم فيما عند
(١) البخاري (٢٠١٥)، مسلم (١١٦٥).

٥٨٩
كتاب الصيام - باب الاعتكاف
الله يتحرون ليلة القدر، ويلحون بالسؤال عنها؛ لِما في هذه الليلة من
المزايا العظيمة، وما يتنزَّل فيها من الخيرات والبركات، وما يحل فيها من
الرحمة، والنعمة، والأمن، والأمان، والسلام.
٢- كان بعض الصحابة يرون ليلة القدر: إما بعلامتها وأماراتها، وإما يرونها
منامًا، قال الشيخ تقي الدين: وقد يكشف الله لبعض الناس في المنام، أو
اليقظة، فيرى أنوارها، أو يرى من يقول له: هذه ليلة القدر، فقد رآها
بعض الصحابة، فجاءوا وأخبروا الرسول وَله بما رأوا، فقال ◌َله: ((أرى))
- بفتح الهمزة بمعنى: أعلم - ((رؤياكم قد تواطأت)) أي: توافقت على وقت
متقارب، وهو ((في السبع الأواخر، فمن كان متحريها فليتحرها في السبع
الأواخر)).
٣- السبع الأواخر من شهر رمضان هي أرجى ما تكون تلك الليلة.
٤- فضل ليلة القدر وشرفها، وما جعل الله تعالى فيها من الخير والبركة، حتى
صارت العبادة فيها خيرًا من ألف شهر، مما سواها من الأيام والليالي.
٥- أنَّ الله تعالى من رحمته بخلقه، وحكمته بأمره، أخفى هذه الليلة، ليجدًّ
المسلمون في العبادة في تلك الليالي، فيكثر ثوابهم، ولو علموا بها في ليلة
معيَّنة، لقَصَروا اجتهادهم عليها، إلاّ من شاء الله تعالى.
٦ - استحباب طلبها والتعرض فيها لنفحات الله تعالى، فهي ليلة مباركة تضاعف
فيها الأعمال، ويستجاب فيها الدعاء، ويسمع فيها النداء، وتقال فيها
العثرات، فالمحروم من حُرِمَ خيرها، وحرم التماس خيرها، والله الموفق.

٥٩٠
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
٥٨٩ - وَعَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - ((عَنِ
النَّبِّ وَ لِ قَالَ فِي لَيْلَةِ القَدْرِ: لَّيْلَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِيْنَ)). رَوَاهُ أَبُودَاوُدَ(١)،
والرَّاجِحُ وَقْفُهُ، وَقَدْ اخْتُلِفَ فِي تَعْيِيْنِهَا عَلَىْ أَرْبَعِينَ قَوْلاً، أَوْرَدْتُهَا
فِي ((فَتْحِ البَارِي».
* درجة الحديث:
الحدیث موقوف.
وله حكم الرفع، قال الحافظ: رواه أبوداود مرفوعًا، وسكت عنه هو
والمنذري، وصححه النووي في ((المجموع))، والراجح وقفه على معاوية، وله
حكم الرفع، لأنَّه لا يقال بالرأي، وإنما يتلقى بالسماع.
* مفردات الحديث:
- في ليلة القدر: القدر مصدر، من قولهم: قدَّر الله الشي قدرًا وَقدْرًا لغتان،
وقدره تقديرًا بمعنَّى واحدٍ، ومعنى ليلة القدر: ليلة تقدير الأمور وقضائها
فيها، وقيل سميت بذلك؛ لعظمها وشرفها.
قال الأزهري: هي ليلة العظمة والشرف، ومنه قول الناس: لفلان عند
الأمير قدْرَ؛ أي: جاه ومنزلة.
* ما يؤخذ من الحديث:
١- الحديث يدل على أنَّ ليلة القدر هي ليلة سبع وعشرين، فقد سيق مساق
الجزم والحتم .
٢- المؤلف ابن حجر ذكر فيها في ((فتح الباري)) أربعين قولاً، ويمكن تصنيف
(١) أبو داود (١٣٨٦).

٥٩١
كتاب الصيام - باب الاعتكاف
هذه الأقوال إلى أربع فئات:
الأولى: مرفوضة، كالقول بإنكارها في أصلها، أو رفعها.
الثانية: ضعيفة، كالقول بأنّها ليلة النصف من شعبان.
الثالثة: مرجوحة، كالقول بأنَّها في رمضان في غير العشر الأخير منه.
الرابعة: هي الراجحة، وهي كونها في العشر الأخير من شهر رمضان
وأرجاها أوتارها، وأرجح الأوتار ليلة سبع وعشرين.
وهذه الأدلة تؤيدها:
أولاً: ما أخرجه الإمام أحمد (٤٥٧٧) عن ابن عمر قال: قال رسول الله
وَل: ((من كان متحريها، فليتحرها ليلة سبع وعشرين))، وللحديث شواهد.
ثانيًا: كان عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - ((المحدث المُلْهم))، وحذيفة
ابن اليمان ((أمين السر النبوي))، وغيرهما من الصحابة لا يشكون أنَّها ليلة
سبع وعشرين.
ثالثًا: ما رواه مسلم (١٩٩٩) عن شيخ القرَّاء أبي بن كعب، أنَّه كان يحلف
أنَّها ليلة سبع وعشرين.
رابعًا: كونها ليلة سبع وعشرين، هو مذهب واختيار إمام أهل السنة الإمام
أحمد، وأصحابه من فقهاء المحدثین؛ کإسحاق بن راهويه.
خامسًا: قال ابن رجب - رحمه الله -: ومما استدل به من رجَّح أنَّها ليلة سبع
وعشرين الآيات والعلامات، التي رؤيت فيها قديمًا وحديثًا.
سادسًا: هذا الشعور العام الجماعي عند المسلمين في مشارق الأرض
ومغاربها، وعبر قرونها الطويلة أنَّها هذه الليلة، وإقبالهم على العبادة
والاجتهاد فيها، ولا تجتمع أمة محمّد ہے على ضلالة.

٥٩٢
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
٥٩٠ - وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: ((قُلْتُ: يَا
رَسُولَ اللهِ، أَرَأَيْتَ إِنْ عَلِمْتُ أَيَّ لَيْلَةٍ لَيْلَةُ القَدْرِ، مَا أَقُولُ فِيْهَا؟ قَالَ:
قُولِي: اللَّهُمَّ إِنَّكَ عَفُوٌّ تُحِبُّ العَفْوَ، فَاعْفُ عَنِّي)). رَوَاهُ الخَمْسَةُ غَيْرَ
أَبِي دَاوُدَ، وَصَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالحَاكِمُ(١).
* درجة الحديث:
الحدیث صحیح.
قال المؤلف: صححَّه الترمذي والحاكم، ووافقه الذَّهبي.
وقال الشيخ صديق بن حسن في ((نزل الأبرار)): رويناه بالأسانيد
الصحيحة في كتب الترمذي والنسائي وابن ماجه وغيرهم عن عائشة - رضي الله
عنها - قالت: ((قلت: يا رسول الله وَلَه!، أرأيتَ إن علمت ليلة القدر، ما أقول
فيها؟ قال: قُولِي: اللَّهمَّ إنك عفو تحب العفو، فاعف عنِي))، قال الترمذي:
حديث حسن صحيح.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - أم المؤمنين - رضي الله عنها - من حرصها على أفضل الدعاء في تلك الليلة،
التي علمت أنَّ الدعاء مستجاب فيها، وأنَّ النِّداء مسموع فيها، تسترشد من
النبي وال عن أفضل دعاء تقوله في ليلة القدر إن علمتها، فأخبرها وَله
بأحسن وأفضل ما تقول.
٢ - هذا الدعاء سأله عنه وق لقه أحب الناس إليه، وأرشده إليه بطريق إعطاء النصح
(١) أحمد (٢٤٢١٥)، الترمذي (٣٥١٣)، النسائي في الكبرى (٧٧١٢)، ابن ماجه (٣٨٥٠)،
الحاكم (١٩٤٢).

٥٩٣
كتاب الصيام - باب الاعتكاف
في المشورة.
والذي اختاره هو أعلم الناس بمعناه، فيكون لههذا الدعاء مزايا القبول
كلها .
٣- الدعاء المذكور هو أفضل مسؤول من الله تعالى، فعفو الله عن عباده معناه
الصفح عن الذنوب، ومحو السيئات، وترك المجازاة عن الهفوات الكبيرة
والصغيرة، وليس بعد هذا إلاَّ الرضا عن المعفو عنه، وإحلاله دار كرامته،
وهذا هو غاية المطلوب.
٤ - هذا الدعاء جَمَع آداب الدعاء، فقد ابتدىء بلفظ: ((اللهمَّ))، وهي عوض
عن «یا الله))، فالمیم بدل من الياء.
وأصح الأقوال: أنَّ لفظ ((الله)) هو الاسم الأعظم، الذي إذا دُعِي الله به
أجاب؛ لتضمنه معنى الإلهية والعبادة.
ثم إنَّ جملة ((إنَّك عفو)) فيها تأكيدات لإثبات صفة العفو لله تعالى.
((تحب العفو)) فيه إثبات محبته اللائقة بجلال الله تعالى للعفو عن
المستعين .
((فاعف عني)) فيه إثبات حكم العفو، ومقتضاه لله تعالى.
ففي هذه الجمل التوسل إلى الله بصفته المناسبة للمطلوب، ومحبته
للعفو، وقربه منه بأن يعفو عن الداعي، فإذا صادف هذا الاسترحام والتذلل
من قلبٍ خاشع، وفي ليلةٍ مباركةٍ، ومن عبدٍ مخلصٍ منيبٍ، فهو حري ألا
يُرد، وأن يستجّاب لصاحبه؛ لأنَّ قبول الدعاء له أسباب وآداب، هذه من
أهمها .
٥- من فقه عائشة - رضي الله عنها - أنَّها اختارت لهذا الوقت الفاضل الدعاء
بأفضل مطلوب، حتى إذا حصلت الإجابة، وإذا الهبة والعطية جزلة .
٦- وللنسائي من حديث أبي هريرة؛ أنَّ النَّبيَّ وَّه قال: ((سلوا الله العفو،

٥٩٤
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
والعافية، والمعافاة الدائمة، فما أوتي أحد بعد يقين خيرًا من معافاة)).
قال في ((الروض وحاشيته)): فالشر الماضي يزول بالعفو، والحاضر
بالعافية، والمستقبل بالمعافاة؛ لتضمنها دوام العافية، فهذا من أجمع
الدعاء .
وينبغي الإكثار في ليلة القدر من الدعاء والاستغفار؛ لأنَّ الدعاء فيها
مستجاب، ويذكر حاجته في دعائه، الذي يدعو به تلك الليلة.

٥٩٥
كتاب الصيام - باب الاعتكاف
٥٩١ - عَنْ أَبِي سَعيدِ الخُدْرِيِّ - رَضِيَ اللهُ عنْهُ - قَالَ: قال
رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((لاَ تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلاَّ إِلَى ثَلاَثَةِ مسَاجِدَ: المَسْجِدِ
الحَرَامِ، وَمَسْجِدِي هَذَا، وَالمَسْجِدِ الأَقْصَى)). مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ (١).
* مفردات الحديث:
- لا تشد الرحال إلاَّ إلى ثلاثة مساجد: ((تُشد)) بضم الدال المهملة على أنَّ ((لا))
نافية، ويروى بسكونها على أنَّها ناهية، وهو مبني للمجهول، جاء بلفظ النفي
بمعنىُ النَّهي؛ بمعنى: لا تشدوا الرحال، ونكتة العدول عن النَّهي إلى النفي
حمل السامع على ترك الفعل، فيكون أبلغ بألطف وجه.
قال الطبري: النفي أبلغ من صريح النَّهي، كأنه لا يستقيم أن يقصد بالزيارة
إلاّ هذه البقاع، لاختصاصها بما اختصَّت به.
- الرحال: جمع ((رحل))، وهو للبعير كالسرج للفرس، وشده كناية عن السفر؛
لأنَّه يلازمه غالبًا، وهذا من باب الحصر عند علماء البلاغة، ومن أدواته
عندهم النفي والاستثناء كهذا الحديث، فإنَّه أفاد تخصيص جواز السفر إلى
المساجد الثلاثة دون غيرها من البقاع.
- المسجد الحرام: أي: المحرَّم، وفي إعراب المسجد الحرام وجهان:
الأول: الجر على أنَّه بدل من الثلاثة .
الثاني: الرفع على الاستئناف.
- ومسجدي هذا: اسم الإشارة للتعظيم، ومن أجل الإشارة خصَّ النووي
مضاعفة الثواب في المسجد الذي على عهده وَّر، والذين يغلبون الاسم
(١) البخاري (١١٩٧)، مسلم (٨٢٧).

٥٩٦
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
عمَّموا المضاعفة لكل الزيادات التي ألحقت به.
- المسجد الأقصى: بإضافة الموصوف إلى الصفة، وهو جائز عند الكوفيين،
وقول عند البصريين بإضمار المكان، وسمِّي ((الأقصى) لبعده عن المسجد
الحرام في المسافة.
وقال الزمخشري: سمي: أقصى؛ لأنَّه لم یکن حينئذٍ وراءه مسجد، وقیل
غير ذلك.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - ساق المؤلف - رحمه الله تعالى - هذا الحديث ليبيِّن للقارىء أنَّه لا يصح أن
يقصد بالزيارة، وشد الرحال، والسفر إلاّ هذه المساجد الثلاثة، فهذه
المساجد الثلاثة لها مزايا وخصائص، ليست لغيرها من البقاع:
أولاً: مضاعفة ثواب الأعمال فيها؛ فقد روى الطبراني في ((الأوسط)) (٧٠٠٨)
عن أنسٍ قال: قال رسول الله وُليقول: ((الصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف
صلاة، والصلاة في بيت المقدس بخمسمائة صلاة))، قال ابن عبدالبر:
إسناده حسن، كما روى مسلم من حديث أبي هريرة: أنَّ النَّبيَّ وَّه قال: ((صلاة
في مسجدي خير من ألف صلاة في غيره من المساجد، إلاَّ المسجد الحرام)).
ثانيًا: أنَّ هذه المساجد الثلاثة بناها أنبياء صلوات الله وسلامه عليهم
أجمعين، فالكعبة المشرفة بناها إبراهيم وإسماعيل، والمسجد الأقصى بناها
يعقوب، ومسجد المدينة بناه النَّبي محمد ◌َّ، وهذه المزية لا يلحقها
غيرها من المساجد والبقاع، فالمكي قبلة الناس، وإليه حجهم، والمدني
أُسِّس على التقوى، والأقصى قبلة الأنبياء السابقين، وأولى قبلتي المسلمين.
٢ - بيَّن هذا الحديث الشريف أنَّ السفر لا يُنشأ لأية بقعة من بقاع الأرض، إلاَّ
لهذه المساجد الثلاثة، كما في حديث الباب؛ لما لها من المزية على
غيرها، ولورود شرع الله تعالى بالإذن بشد الرحال إليها .

٥٩٧
كتاب الصيام - باب الاعتكاف
٣- مفهوم الحديث أنَّ غيرها من البقاع لا يجوز شد الرحل إليه للعبادة، والسفر
إليه؛ لأنَّ النَّبِيَّ وَل قصر ذلك على هذه المساجد، وأعظم ما يكون، وأشده
فتنة هو شد الرحال والسفر إلى القبور، سواء كانت قبور الأنبياء، أو
صالحين، أو غيرها، فإنَّ شدَّ الرحل إليها غلو في أصحابها، ووسيلة قريبة
إلى الفتنة التي قد تصل إلى عبادة أهلها ودعائهم من دون الله.
٤- ما زيد في هذه المساجد الثلاثة، فهو تابع لها بالمضاعفة، وحصول الثواب
الأصلي منها.
٥- قال في ((الفروع)): ظاهر كلام أصحاب الإمام أحمد، في المسجد الحرام أنَّه
نفس المسجد، ومع هذا فالحرم أفضل من الحل، فالصلاة فيه أفضل، وذکر
القاضي وغيره: مرادهم في التسمية لا في الأحكام، وقد يتوجه من هذا
حصول المضاعفة في الحرم کنفس المسجد، وجزم به صاحب «الهدي)) من
أصحابنا .
وقال الشيخ عبدالعزيز بن باز: إنَّ المضاعفة والثواب تعم الحرم كله،
وهو ما أدخلت الأميال.
وذكر ابن الجوزي: أنَّ الإسراء كان من بيت أم هانىء عند أكثر
المفسرين، فعلى هذا المعنى فالمراد بالمسجد: الحرم كله.
انتهى الجزء الثالث
ويليه الجزء الرابع
وأوله
(كتاب الحج)

.

٥٩٩
فهرس الموضوعات
فهرس موضوعات الجزء الثالث
باب صلاة الخوف
- مقدمة عن صلاة الخوف
٣
۔ حدیث فيه صورة من صور أداء صلاة الخوف
٥
- حديث ابن عمر وفيه صورة ثانية من صور أداء صلاة الخوف
٩
- حديث جابر وفيه صورة ثالثة من صور أداء صلاة الخوف
١١
- حديث فيه صورة رابعة من صور أداء صلاة الخوف
١٤
- حديث حذيفة وفيه صورة من صور صلاة الخوف
٦.
- حديث ابن عمر: ((صلاة الخوف ركعة على أي وجه كان))
١٧
- فوائد تتعلق بصلاة الخوف
١٨
۔حديث ابن عمر: «لیس في صلاة الخوف سھو))
٢٠
باب صلاة العيدين
- مقدمة في تعريف العيد، والحكمة من الاجتماع لصلاة العيد
٢١
- حديث: ((الفطر يوم يفطر الناس))
٢٣
- كلمة في وجوب اتحاد المسلمین
٢٤
- حديث: ((أنَّ ركبًا جاءوا، فشهدوا أنَّهم رأوا الهلال)»
٢٥
- خلاف العلماء في مسألة: هل تصلى العيد في نظير وقتها قضاء، أم أداء؟ ٢٧
٢٧
- فائدة في الصلوات إذا فات وقتها
- حديث: ((كان ◌َّل و لا يغدو يوم الفطر حتى يأكل تمرات»
٢٩

٦٠٠
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
- حديث: ((كان ◌َّ لا يخرج يوم الفطر حتى يَطْعم، ولا يطعم يوم الأضحى)) ....
٣٨٥
- فوائد الأكل قبل الخروج لصلاة عيد الفطر ..
٣١
- حديث أم عطية: ((أمرنا أن نخرج العواتق والحيَّض في العيدين))
٣٣
- حكم خروج النساء والحيَّض لصلاة العيد
٣٠
- خلاف العلماء في حكم صلاة العيد
٣٥
- حديث ابن عمر: ((كان ◌َّ﴾ وأبوبكر يصلون العيدين قبل الخطبة)»
٣٧
- حديث: ((أنَّه ◌َيّ صلى يوم العيد ركعتين، لم يصل قبلهما ولا بعدهما)).
٣٩
- حكم التنفل قبل صلاة العيد
٤٠
- حديث: ((أَنَّه وَ لَّهِ صلَّى العيد بلا أذان ولا إقامة))
٤١
- استحباب بقاء الناس على صفوفهم لاستماع خطبتي العيد
٤٢
- أحوال استقبال القبلة
٤٤
- حديث: ((التكبير في الفطر سبع في الأولى))
٤٢
- الكلام عن التكبيرات الزوائد في صلاة العيد
٤٥
- حديث: ((كان ◌َّلو يقرأ في الأضحى والفطر ب﴿ق﴾ و﴿اقتربت﴾
٤٧
- الحكمة: من قراءة سورة ﴿ق﴾، وسورة ﴿القمر﴾ في صلاة العيدين
٤٧
- حديث ((كان ◌َل# إذا كان يوم العيد، خالف الطريق))
٤٨
- الحكمة من استحباب مخالفة الطريق في الذهاب والإياب في صلاة العيد
٤٩
- حديث: ((قدم المدينة ولهم يومان يلعبون فيهما، فقال: قد أبدلكم الله ... )) ٥٠
- يجب على المسلمين أن يتجنبوا أعياد الكفار، وألاَّ يتشبهوا بهم
٥١
- إباحة التوسع بالمباحات في العيد
٥٢
- الكلام عن الغناء، وتحريم آلات اللهو والطرب
٥٣
- حديث: ((من السنة أن يخرج إلى العيد ماشيًا))
٥٤
- حديث: أنَّهَوَلّ صلَّى بهم العيد في المسجد حين أصابهم المطر
٥٥