النص المفهرس
صفحات 541-560
٥٤١ كتاب الصيام - باب صيام التطوع وما نهي عن صومه ملحان أن النبي وَل قال: ((هي كهيئة الدهر))، فالمديم على صيام الأيام الثلاثة من کل شهر کأنه صام الدهر كله. ٢- الأفضل أن تكون من الشهر: الثالث عشر، والرابع عشر، والخامس عشر؛ لحديث الباب، ولما أخرجه النسائي بإسنادٍ صحيحٍ عن جابرٍ؛ أن النبي ◌َّ قال: ((صيام ثلاثة أيام من كل شهر كصيام الدهرَ، وأيَّام البيض صبيحة: ثلاث عشرة، وأربع عشرة، وخمس عشرة)) . ٣- واستحباب صيام أيام البيض الثلاثة هو قول جمهور أهل العلم، بل حكى الوزير الاتفاق على فضيلته. ٤- تخصيص فضيلة الصيام بأيام البيض الثلاثة - كما جاء في السنة المطهرة - فيه إعجازٌ علميٌّ، فقد ذكر الأطباء أن رطوبة الأجسام تزيد فيها مع زيادة نور القمر واكتماله، والصوم يساعد على التخفيف من هذه الفضلات وإفراغها من البدن، كما أن الصوم حينما يلاقي البدن ممتلئًا من هذه الرطوبة تخف مشقته، ويسهل تحمّله على الصائم، ولله في شرعه حِكم وأسرار. ٥٤٢ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ٥٧٠ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَله قَالَ: ((لاَ يَحِلُّ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَصُومَ، وَزَوْجُهَا شَاهِدٌ، إِلاَّ بِإِذْنِهِ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ. زَادَ أَبُو دَاوُدَ : ((غَيْرَ رَمَضَانَ» (١). * درجة الحديث: زيادة أبي داود قال عنها النووي في ((المجموع)): إسنادها صحيح على شرط الشيخين . * مفردات الحديث: - شاهد: أي : حاضر عندها غير غائب، قال تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْةٌ﴾ [البقرة: ١٨٥] أي: من كان منكم مقيمًا غير مسافر. - بإذنه: من أذن يأذن إذنًا، بمعنى: أباح له وأجازه، ومنه إذن الزوج لزوجته. * ما يؤخذ من الحديث: ١- حقوق الزوج على زوجته كبيرة؛ وذلك لوجوب طاعته، وامتثال أمره بالمعروف، وإجابة مطالبه العادلة، ورغباته الممكنة. ٢- قال شيخ الإسلام: إذا تزوجت المرأة، كان زوجها أملك بها من أبيها، وطاعة زوجها عليها أوجب؛ لما روى الترمذي (١٠٧٩) عن النبي ◌َّ قال: (لو كنتُ آمرًا أحدًا أن يسجد لأحدٍ، لأمرتُ المرأة أن تسجد لزوجها)). ٣- من هذا أنَّه لا يحل لها أن تصوم صوم تطوع وزوجها حاضر، إلاَّ بإذنه وموافقته، وأما إن كان غائبًا عنها، فيجوز أن تصوم، ولا تحتاج إلى إذنه؛ إذ (١) البخاري (١٩٩١)، مسلم (١٩٢١). ٥٤٣ كتاب الصيام - باب صيام التطوع وما نهي عن صومه صيامها لا يضيع عليه حقًّا من حقوقه، وجواز صيامها هو مفهوم حديث الباب، ولأنَّ المعنى المراد من المنع لا يوجد. أما الصوم الواجب كرمضان أداءً كان أو قضاءً، فمقدم على طاعته، ويجب عليها صيامه ولو كره الزوج؛ إذ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. ٤- فلو صامت نفلاً بغير إذنه، صحَّ صيامها، مع أنَّ صيامها محرَّم عليها؛ ذلك أنَّ حق زوجها عليها مقدم على صوم التطوع. ٥- للكن ينبغي أن يكون بين الزوجين عِشرة حسنة، ومعاملة طيبة، فكل منهما يعاشر صاحبه بالإحسان والمعروف؛ لتدوم الصحبة، وتستمر العِشرة. ٦ - الإذن من الزوج لا يشترط فيه التصريح، بل إذا علمت من قرائن الحال ما يدل على الرضا بذلك، فإنَّه يكفي، فإنَّ الإذن العرفي كالإذن اللفظي. ٥٤٤ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ٥٧١ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدِ الخُذْرِيِّ - رَضِي اللهُ عَنْهُ: ((أَنَّ رَسُولَ اللهِبَّ نَهَى عَنْ صِيَامٍ يَوْمَيْنِ: يَوْمِ الفِطْرِ، وَيَوْمِ النَّحْرِ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ(١). * ما يؤخذ من الحديث: ١- عيد الفطر وعيد الأضحى هما عيدا المسلمين، اللذان يظهر المسلمون فيهما السرور والفرح والبهجة، فهما یوما شكر لله تعالی علی صیام شهر رمضان، وعلى القيام بمناسك الحج، وذبح الهدي والأضاحي. وهما يوما فرح للمسلمين يتوسعون فيهما بالمباحات والطيبات، ولعلَّ من الحكمة في تحريم صومهما، ووجوب فطرهما: تمييز شهر الصيام عن شهر الفطر في عيد الفطر، والتمتع في الأكل من الأضاحي والهدي، التي أمر الله تعالى بالأكل منها بقوله: ﴿فَإِذَا وَجَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُواْ مِنْهَا﴾ [الحج: ٣٦] والصيام عزوف عن هذه السُّنّة. ٢ - صيام هذين اليومين هو أمر مخالف ومناف لما شرعه الله وأباحه فيهما، لذا نهى الشارع الحكيم عن صيامهما، وأمر بالفطر فيهما. ٣- صيام يومي عيد الفطر والأضحى حرامٌ بالإجماع، ولا يصح، أي: لا ينعقد صيامًا شرعيًّا، فلو صامهما الإنسان عن قضاءٍ، أو نذرٍ، أو نفل، أو غير ذلك - لم يصح صومه، ولم يجزئه عن شيء. ٤- يوم العيد هو ما اتَّفق عليه المسلمون، وتحقق لديهم ثبوته، ولا عبرة بكبر الأهلة وصغرها، كما لا عبرة بتعيين الدخول والخروج بالحساب، وإنما العبرة بالشهادة الصادقة على الرؤية البصرية المجردة؛ فقد جاء في البخاري (١٧٦٧) ومسلم (١٧٩٩)، أنَّ النَّبِيَّ وَّه قال: ((إذا رأيتموه فصوموا، وإذا (١) البخاري (١٩٩١)، مسلم (١٩٢١). ٥٤٥ كتاب الصيام - باب صيام التطوع وما نهي عن صومه رأيتموه فأفطروا)). فإذا تحققت رؤيته، اعتبروا هذا يوم عيدهم، فيحرم صومه، فصيامه شذوذ عن جماعة المسلمين؛ لما روى الدارقطني (٢٢٤/٢)، عن أبي هريرة أنَّ رسول الله بَّه قال: ((فطركم يوم تفطرون، وأضحاكم يوم تضحون)) . قال شيخ الإسلام: الهلال اسم لما يراه الناس، ويتعاملون بينهم، فالفطر یوم یفطر الناس، والأضحى يوم يضحي الناس. ٥- المشهور في مذهب الإمامين: أبي حنيفة وأحمد -: أنَّه إذا ثبت رؤية الهلال في بلد لزم الناس كلهم الصوم، ولو اختلفت المطالع. وذهب الإمام الشافعي إلى: اعتبار اختلاف المطالع. قال شيخ الإسلام: تختلف المطالع باتفاق أهل المعرفة، فإذا اتفقت لزم الصوم، وإلاّ فلا. وهو قول في مذهب أحمد، واختار هذا القول كثير من المحققين. واختلاف المطالع قدَّرها أهل الهيئة بـ(٢٢٢٦) كيلو (ألفين ومئتين وستة وعشرين). ٦ - قال شيخ الإسلام: لا يجوز الاعتماد على حساب النجوم، والمعتمد عليه كما أنَّه منافٍ للشريعة مبتدعٌ في الدين، فهو أيضًا مخطىء في العقل وعلم الحساب، فإنَّ علماء الهيئة يقولون: إنَّ الرؤية لا تنضبط بأمر حسابي، فإنَّها تختلف باختلاف ارتفاع المكان وانخفاضه، وغير ذلك . ٥٤٦ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ٥٧٢ - وَعَنْ نُبَيْشَةَ الهُذَلِيِّ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((أَيَّامُ التَّشْرِيقِ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ، وَذِكْرِ اللهِ عَزَّوَجلَّ). رَوَاهُ و(١) مُسْلِمُ(١). ٥٧٣ - وَعَنْ عَائِشَةَ وَابْنِ عَمَرَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ - قَالاَ: ((لَمْ يُرَخَّصْ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ أَنْ يُصَمْنَ، إِلاَّ لِمَنْ لَمْ يَجِدِ الهَدْيَ)). رَوَاهُ البُخَارِيُّ(٢) . * مفردات الحديث: - لم يرخص: بالبناء للمجهول، والرخصة لغة: التسهيل في الأمر والتيسير؛ يقال: رخّص الشرع لنا في كذا ترخيصًا، وأرخص إرخاصًا إذا يسَّرهُ وسهَّله، والمراد هنا: لم يرخص؛ يعني: لم يبح صيامها إلاَّ لما ذكر. - أيَّام التشريق: هي ثلاثة أيام: الحادي عشر، والثاني عشر، والثالث عشر، من شهر ذي الحجة، سميت بذلك؛ لتشريق الناس لحوم الأضاحي والهدي فيها، ونشرها في الشمس لتجف، وذلك بعد تقديدها، وجعلها شرائح. * ما يؤخذ من الحديثين: - أيَّام التشريق ثلاثة: هي الحادي عشر، والثاني عشر، والثالث عشر، من شهر ذي الحجة، وهي أيام أكلٍ وشربٍ، وذكر الله عزَّ وجل، فهي أيام فرح تابعات ليوم عيد الأضحى بالأكل من لحوم الأضاحي، والتبسط في (١) مسلم (١١٤١). (٢) البخاري (١٨٥٩). ٥٤٧ كتاب الصيام - باب صيام التطوع وما نهي عن صومه المباحات، وهي أيام ذكر الله تعالى؛ حيث يشرع فيهن تكبير الله تعالى، فهي الأيام المعدودات، التي قال الله تعالى عنها: ﴿﴿ وَأَذْكُرُواْ اللَّهَ فِيّ أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٠٣] وسميت أيام التشريق؛ لأنَّ الناس يقددون لحوم الهدي والأضاحي، ويشرقونها في الشمس لتجف، ليدخروها لعدة أيام. ٢- لهذه الوظائف الدينية والتقوِّي على أدائها، ولكون المسلمين فيها في أعقاب فرح العيد، والأكل مما تقربوا به إلى الله تعالى من الهدي والأضاحي، فهم في ضيافة الله تعالى، لهذا كله، ولامتثال أمر الله تعالى، حرَّم صيامها، ولا يصح لا فرضًا، ولا نفلاً، ولا نذرًا، ولا غير ذلك، وإن صامها عن شيء من ذلك لم يجزئه؛ لأنَّه لم يقع موقعه ولم يصح صيامه فیھن. خلاف العلماء: اختلف العلماء في صيام أيام التشريق، على ثلاثة أقوال: الأول: أنَّه لا يصح صومهن، إلاَّ عن صوم التمتع والقِران لعادم الهدي. الثاني: لا يصح صومهنَّ مطلقًا، لا عن تمتع، ولا قِران، ولا غيره. الثالث: جواز صومهن للتمتع والقران، وکل صوم له سبب كنذر وكفارة، دون ما لا سبب له، فلا يصح. والصحيح من هذه الأقوال: أنَّ صومهن محرَّم، لا يصح إلاَّ للتمتع والقِران إذا عدم الهدي، فإنَّه يجوز له صوم أيام التشريق الثلاثة؛ لحديث الباب الذي معنا . قال النووي: والأرجح في الدليل صحتها للتمتع، وجوازها له؛ لأنَّ الحدیث في الترخیص له صحیح، وهو صريح في ذلك، فلا عدول عنه. ٥٤٨ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ٥٧٤ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - عَنِ الشَِّّ ◌َّهِ قَالَ: ((لا تَخْصُّوا لَيْلَةَ الجُمُعَةِ بِقِيَامٍ مِنْ بَيِّنِ اللَّيَالِي، وَلاَ تَخْصُوا يَوْمَ الجُمُعَةِ بِصِيَّامٍ مِنْ بَيِّنِ الأَيَّامِ، إِلَّ أَنَّ يَكُونَ فِي صَوْمٍ يَصُومُهُ أَحَدُكُمْ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ(١). ٥٧٥ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله وَّه: ((لاَ يَصُومَنَّ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الجُمُعَةِ، إِلاَّ أَنْ يَصُومَ يَوْمًا قَبْلَهُ، أَوْ يَوْمًا بَعْدَهُ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٢). * مفردات الحديث: - لا تخصوا: لا تفردوه دون غيره من الأيام والليالي. * ما يؤخذ من الحديثين: ١- يوم الجمعة هو أفضل أيام الأسبوع؛ لما رواه أبو داود (٨٨٣) أنَّ النَّبِيَّ وَل قَالَ: ((أفضل أيامكم يوم الجمعة))، وفي البخاري (٨٤٧) ومسلم (١٤١٢) أَنَّهِ وَلِّ قالَ: ((ما طلعت الشمس ولا غربت على يوم خير من يوم الجمعة، هدانا الله له، وضلّ الناس عنه)). فيوم الجمعة هو عيد المسلمين الأسبوعي، ومجتمعه أفضل مجامع المسلمين سوى مجمع عرفة، لذا كُرِهَ صيامه؛ لأنَّ يوم زينة وبهجة، يُظْهر فيه المسلم عزَّ الإسلام وقوته ونشاطه، ويؤدي فيه شعائره الدينية بهمة وقوَّة (١) مسلم (١١٤٤). (٢) البخاري (١٩٨٥)، مسلم (١١٤٤). ٥٤٩ كتاب الصيام - باب صيام التطوع وما نهي عن صومه ونشاط، والصيام يضعف الصائم عن القيام بهذه الأمور، وإذا تزاحمت المصالح قدم أنفعها وأولاها بما يعود على المصلحة الإسلامية العامة. قال النووي: الحكمة في كراهة صومه أنَّه يوم دعاءٍ، وذكرٍ، وعبادةٍ، فاستحب الفطر فيه؛ ليكون أعون عليها، ولأنَّه عيد الأسبوع الذي هدى الله إليه هذه الأمة، حينما أضل عنه اليهود الذين عظموا السبت، وأضل عنه النصارى الذين عظموا يوم الأحد، فالحمد لله على نعمته وهدايته. وقال أيضًا: في الحديث نهي صريح عن تخصيص ليلة الجمعة بصلاة من دون الليالي، فهذا متفق على كراهته. ٢- يدل الحديثان على كراهة إفراد يوم الجمعة بصيام، وكراهة تخصيص ليلته بقيام؛ لئلا يتخذ الناس شعائر لم يأذن بها الله تعالى، أما صيامه أو قيامه بدون قصد لتخصيص هذه الليلة وذلك اليوم، فلا يدخل في النهي. ٣- يدل الحديثان على جواز الصيام، وزوال الكراهة بأحد أمرين: أحدهما: أن يوافق يوم الجمعة صيام معتاد، كأن يكون يصوم يومًا، ويفطر يومًا، فصادف يوم صيامه يوم الجمعة. الثاني: إذا لم يفرده بالصيام بل جمع معه غيره، بأن صام يومًا قبله، أو يومًا بعده . ففي هاتين الحالين تزول الكراهة؛ لأنَّه لم يوجد للجمعة تخصيص. ٤- ظاهر الحديثين تحريم الصيام؛ لأنَّ النَّهي يفيد التحريم، كما أنَّه توجد أدلة أخر صحيحة تفيد وجوب الفطر، وتحريم الصيام؛ كحديث جويرية في البخاري، ومع هذا ذهب جمهور العلماء إلى أن النَّهي للتنزيه لا للتحريم؛ لأنَّ الثَّهي منصب على تخصيصه بصيام أو قيام، ولم يكن النَّهي على نفس الصيام والقيام. ولعلَّ مأخذ الجمهور في الكراهة دون التحريم -: أنَّهم لما رأوا إباحة -- ٥٥٠ توضيح الأحكام من بلوغ المرام صيامه بقرنه بيوم قبله أو بعده، وإباحته إذا صادف صومًا للمسلم - استقرَّ لديهم أنَّ النَّهي ليس للحتم، كما هو لعيدي الفطر والأضحى، اللذين لا يجوز صيامهما بحال، والله أعلم. * فائدتان: الأولى: قال الشيخ عبدالرحمن بن حسن: العبادات مبناها على الأمر، والنّهي، والاتباع، فصيام يوم المولد، وسبع وعشرين من رجب، ونحو ذلك من البدع، لم يأمر بها رسول الله وَله، وقد ثبت أنَّه قال: ((من عمل عملاً ليس عليه أمرنا، فهو رد)) [رواه مسلم (٣٢٤٣)] وتكون هذه الأمور وأمثالها مردودة. الثاني: قال الشيخ تقي الدين: صوم رجب أحاديثه كلها موضوعة، لا يعتمد أهل العلم على شيء منها، وليست من الضعيف الذي يروى في فضائل الأعمال، بل عامتها من المكذوبات الموضوعات. ٥٥١ كتاب الصيام - باب صيام التطوع وما نهي عن صومه ٥٧٦ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَّةُ قَالَ: ((إِذَا انْتَصَفَ شَعْبَانُ، فَلاَ تَصُومُوا)). رَوَاهُ الخَمْسَةُ، واسْتَنْكَرَهُ أَحْمَدُ(١) . * درجة الحديث: الحدیث ضعيف. الحديث استنكره الإمام أحمد؛ لأنَّه تفرد به العلاء بن عبدالرحمن، قال بعضهم: هو من رجال مسلم، وقال الحافظ في ((التقريب)): إنَّه صدوق، وربَّما وهِم. قال أحمد وابن معين: إنَّه منكر، وقد استدلَّ البيهقي والطحاوي على ضعفه بحديث أبي هريرة في الصحيحين: ((لا يتقدمن أحدكم رمضان بصوم یوم، أو یومین)). قال الشوكاني: جمهور العلماء ضعَّفوا هذا الحديث. * مفردات الحديث: - إذا انتصف شعبان: أي: إذا مضى نصفه، وبقي نصفه . - لا تصوموا: ((لا)) ناهية، والفعل بعدها مجزوم بحذف النون. * ما يؤخذ من الحديث: ١- من مقاصد الشرع الشريف تمييز العبادات بعضها عن بعض، ولذا جاء في صحيح مسلم: ((أنَّ النَّبِيَّ وَلِّ أمر ألا نوصل صلاة بصلاة حتى نتكلم، أو (١) أحمد (٩٣٣٣)، أبوداود (٢٣٣٧)، الترمذي (٧٣٨)، النسائي في الكبرى (١٧٢/٢)، ابن ماجه(١٦٥١). ٥٥٢ توضيح الأحكام من بلوغ المرام نخرج)) وهذه هي حكمة النية التي تميز العادة عن العبادة، وتميز العبادات بعضها عن بعض . ٢ - من هذا الهدف - والله أعلم - نُهِيَ عن الصيام إذا انتصف شعبان؛ ليكون صيام شهر رمضان منفصلاً مستقلاً وحده. ولعلَّ من الحكمة أيضًا: حصول الاستجمام لصوم رمضان، فلا يأتي صومه والمسلم في حال ملل وكسل عن الصيام، وإنما يقبل عليه برغبة وشوق إليه، وهذا التعليل لا ينافي حديثي عائشة وأم سلمة في صيام شعبان كله أو أكثره، فالنفوس على الامتثال على العبادة ليست واحدة، والحكم يكون للغالب. ٣- النَّهي عن هذا الصيام مقيد بما في الصحيحين عن أبي هريرة قال: قال رسُولُ الله ◌َلي: ((لا تقدموا رمضان بصوم يوم ولا يومين، إلاَّ رجل كان يصوم صومًا فليصمه))، فمن كان له صوم معتاد فصادف ما بعد النصف من شعبان فليصمه، فإنَّه لم يدخل في النَّهي. ٤- النَّهي عن صيام النصف الأخير من شعبان، هذا في حال إذا ابتدأ بالنصف فما بعده، أما إذا كان يصوم قبل النصف، ثم استمر إلى آخر الشهر، فإن النهي لا يشمله؛ لئلا يتعارض مع ما جاء في البخاري (١٨٣٤)، ومسلم (١٩٥٧) من حديث عائشة قالت: ((لم يكن النبي 84َّ* يصوم شهرًا أكثر من شعبان؛ فإنَّه کان یصومه کله)). خلاف العلماء: اختلف العلماء: هل النَّهي للتنزيه، أو للتحريم؟ فذهب كثير من الشافعية إلى: أنَّ النَّهي للتحريم. وذهب بعضهم إلى: أنَّه للتنزيه، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد؛ وذلك لما جاء في ((المسند)) (٢٥٤٣٤) من حديث أم سلمة: ((أَنَّ النَّبِّيَّ ٥٥٣ كتاب الصيام - باب صيام التطوع وما نهي عن صومه : لم يكن يصوم من السنة شهرًا تامًا، إلاّ شعبان، يَصِلُ به رمضان)) . وحديث أم سلمة لا ينافي حديث أبي هريرة، الذي رواه البخاري (١٧٨١) ومسلم (١٨١٢) أنَّ النَّبيَّ نَّه قال: ((لا تقدموا رمضان بصوم يوم، ولا يومين، إلاَّ رجل كان يصوم صومًا فليصمه))؛ فهذا من الصوم الذي لم يقصد به تقدم رمضان بالیوم، أو الیومین. ٥٥٤ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ٥٧٧ - وَعَنِ الصَّمَّاءِ بِنْتِ بُسْرٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - أَنَّ رَسُولَ الله ◌ََّ قَالَ: ((لاَ تَصُومُوا يَوْمَ السَّبْتِ، إِلاَّ فِيمَا افْتُرِضَ عَلَيْكُمْ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ أَحَدُكُمْ إِلَّ لِحَاءَ عِنَبٍ، أَوْ عُودَ شَجَرَةٍ. فَلْيَمْضَغْهَا)). رَوَاهُ الخَمْسَةُ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ، إِلاَّ أَنَّهُ مُضْطَرِبٌ، وَقَدْ أَنْكَرَهُ مَالِكٌ، وَقَالَ (١) أَبُودَاوُدَ: هُوَ مَنْسُوخٌ (١) . * درجة الحديث: الحدیث حسن . أخرجه الإمام أحمد وأصحاب السنن الأربعة. وقال الحافظ: رجاله ثقات . وقد طعن في الحديث بالاضطراب؛ لأنَّه جاء من رواية عبدالله بن بسر عن أخته الصماء، وقيل: عن عبدالله بدون اخته. وأجيب: بأنَّ هذه علة غير قادحة، فإنَّه صحابيٌّ، ولا يضر ذلك في روايته، فكلهم عدول، وأما دعوى النسخ بالحديث الذي بعده، فلا يصح؛ لأنَّ هذا أقوى من الذي بعده، ولإمکان حمل الذي بعده على معنى آخر . وقد حسّن هذا الحديث الترمذي، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي، وصححه ابن السكن، وقال النووي: صححه الأئمة، كما صححه الدار قطني، وعبدالحق، والمباركفوري، وضعَّفه بعضهم ومنهم النسائي، والطحاوي، والحافظ . (١) أحمد (٢٥٨٢٨)، أبوداود (٢٤٢١)، الترمذي (٧٤٤)، النسائي في الكبرى (١٤٣/٢)، ابن ماجه (١٧٢٦). ٥٥٥ كتاب الصيام - باب صيام التطوع وما نهي عن صومه * مفردات الحديث: - بُشْر: بضم الباء، اسمها: بهية المازينية. - لِحاء عنب : - بفتح اللام وكسرها فحاء مهملة ممدودة - هو قشرة كل شيء، والمراد هنا: قشرة العنب ((الفاكهة المعروفة)). - فليمضغها: من باب نصر وفتح؛ أي: يطعمها للفطر بها . ٥٥٦ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ٥٧٨ - وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا -: ((أَنَّ رَسُولَ الله لَه كَانَ أَكْثَرَ مَا يَصُومُ مِنَ الأَيَّامِ يَوْمُ السَّبْتِ، وَيَوْمُ الأَحَدِ، وَكَانَ يَقُولُ: إِنَّهُمَا يَوْمَا عِيدٍ لِلْمُشْرِكِينَ، وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَهُمْ)). أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ، وَصَخَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ، وَهَذَا لفْظُهُ(١). * درجة الحديث: الحدیث ضعيف. أخرجه ابن حبان (٣٦١٦) والحاكم (١٥٩٣) وقال: إسناده صحيح ووافقه الذهبي، وقد ضعف هذا الإسناد عبدالحق الإشبيلي، لوجود مَن لا يعرف حاله في سنده، ولو صحَّ لم يصلح أن يعتبر ناسخًا لحديث الصماء بنت بسر، ولا يعارض به؛ لإمكان حمله على أنَّه صام مع السبت يوم الجمعة، وبذلك لا يكون قدخصَّ السبت، ولذلك قال ابن عبدالهادي عقب حديث ابن عباس: وهذا لا يخالف الانفراد بصوم السبت، وقال شيخنا - يعني: ابن تيمية -: ليس في الحديث دليل على إفراد يوم السبت بالصوم، والله أعلم. * ما يؤخذ من الحديثين: ١ - الحديث رقم: (٥٧٧): يدل على كراهية إفراد صوم يوم السبت، وذلك مقيد بما إذا لم يوافق عادة لصومه، أو يصومه عن قضاءٍ أو نذرٍ، أو كفارةٍ. ٢ - الحكمة في النَّهي عن صومه والله أعلم، أنَّه يوم تعظمه اليهود، ويمسكون فيه عن الأشغال والأعمال، ويتفرغون فيه للعبادة، فصيامه تشبه بتعظيمهم إيَّاه، ومشابهة الكفار محرَّمة، فمن تشبه بقوم فهو منهم . (١) النسائي في الكبرى (١٤٦/٢)، ابن خزيمة (٢١٦٧). ٥٥٧ كتاب الصيام - باب صيام التطوع وما نهي عن صومه ٣- أما إذا جمع صيام يوم السبت مع يوم الأحد، فإنَّ الكراهة تزول؛ إذ لا يوجد تشبه بإحدى الطائفتين، وهذا ما يدل عليه الحديث رقم (٥٧٨) فإنَّ صيام اليومين فيه مخالفة لأهل الملتين جميعًا؛ إذ كل أصحاب ملة يعظمون يومًا، ولا يعظمون اليومين كليهما . ٤ - قال شيخ الإسلام: دلّت الدلائل من الكتاب والسنة، والإجماع والاعتبار على أنَّ التشبه بالكفار منهي عنه، فلا يحل للمسلمين أن يتشبهوا بهم في شيء مما يختص بأعيادهم، لا من طعام ولا شرابٍ، ولا لباسٍ ولا اغتسالٍ ولا إيقاد نيران، ولا تبطيل عادة من معيّشة أو عبادة، أو غير ذلك، أو ترك الوظائف الراتبة من الصنائع، أو التجارة، أو اتخاذ يوم راحةٍ وفرحٍ ولعب على وجه يخالف ما قبله وما بعده من الأيام، كما لا يحل فيه إعداد وليمة ولا إهداءٌ، ولا إظهار زينة، والضابط أن يُجعل كسائر الأيام. ٥- قال ابن القيم: إنَّ العلماء اتَّفقوا على تحريم تقديم الهدايا في أعياد الكفار الدينية، وتهنئتهم بأعيادهم التي يتعبدون الله بها، ففيه خطورة تؤدي إلى الكفر، ولهذا فإنَّه ينبغي للمسلم مخالفة أهل الكتاب في أعيادهم وعباداتهم، وأن يقصد هذه المخالفة، كما كان النبي ◌ّ يصوم السبت والأحد؛ قصدًا ولمخالفة المشركين من أهل الكتاب. ٥٥٨ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ٥٧٩ _ وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ -: ((أَنَّ النَّبِيَّوَّ نَهَى عَنْ صَوْمٍ يَوْمٍ عَرَفَةَ بِعَرَفَةَ)). رَوَاهُ الخَمْسَةُ غَيْرَالتِّرمِذِيِّ، وَصَخَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَالحَاكِمُ، وَاسْتَنْكَرَهُ العُقَيْلِيُّ (١). : درجة الحديث: الحدیث ضعيف. قال في ((التلخيص)): رواه أحمد وأبوداود، والنسائي وابن ماجه والحاكم والبيهقي من حديث أبي هريرة، وفيه مهدي الهجري مجهول، ورواه العقيلي في ((الضعفاء)) من طريقه، وقال: لا يتابع عليه. قال العقيلي: وقد روي عن النَّبِي وَّ بأسانيد جياد أنَّه لم يصم عرفة بها، ولا يصح عنه النّهي عن صيامه . * ما يؤخذ من الحديث: ١ - يوم عرفة يوم عظيم وصيامه أفضل صيام التطوع؛ فقد جاء في صحيح مسلم (١٩٧٦) أنَّ النَّبيَّ بَّ قال: ((صيام يوم عرفة، أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله، والسنة التي بعده)) . إلاَّ أنَّ الحاج يوم عرفة مشغول بوظائف ذلك اليوم، من التلبية والتكبير، والذكر والدعاء، تلك الأذكار الخاصة بهذا اليوم، وهي وظائف تفوت ويفوت ثوابها بفوات ذلك اليوم، الذي قد لا يتكرر في حياة المسلم. ٢- من أجل هذا كُره صوم عرفة بعرفة؛ ليكون الحاج قويًّا مستعليًا للقيام (١) أحمد (١٧٧٣)، أبوداود (٢٤٤٠)، النسائي (٢٥٢/٣)، ابن ماجه (١٧٣٢)، ابن خزيمة (٢١٠١)، الحاكم (١٥٨٧)، العقيلي (٢٩٨/١). ٥٥٩ كتاب الصيام - باب صيام التطوع وما نهي عن صومه بوظائف هذا اليوم العظيم، من الذكر والدعاء. ٣- عدم استحباب صوم عرفة بعرفة هو مذهب جمهور العلماء، منهم الأئمة الثلاثة: مالك والشافعي وأحمد، ويؤكد هذا الحديث ما جاء في البخاري (١٨٥٣)، ومسلم (١٨٩٦): ((أنَّ أم الفضل أرسلت إلى النبي ◌َّ بلبن، فشرب، وهو يخطب بعرفة))، وقال ابن عمر: ((حججت مع النبي وَل، ثم مع أبي بكر، ثم مع عمر، ثم مع عثمان، فلم يصمه واحد منهم)). ٤ - قال شيخ الإسلام: إنَّه يوم عيد؛ لما روى الإمام أحمد (١٦٧٣٩)، عن عقبة ابن عامر؛ أنَّ النَّبِيَّ ◌َِّ قال: ((يوم عرفة ويوم النحر وأيام التشريق عيدنا أهل الإسلام))، ومظهر العيد فيه والاجتماع هو للحجاج أكثر منه لغيرهم. ولا يمنع أن يجتمع في الحكم الواحد عدة حِكَم وأسرار، فأحكام الله تعالى مبنية على جلب المصالح ودفع المفاسد، والحمد لله على نعمه التي لا تحصی . ٥٦٠ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ٥٨٠ - وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ﴿: ((لاَ صَامَ مَنْ صَامَ الأَبَدَ)). مُتَّفقٌ عَلَيْهِ (١). وَلِمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - بِلَفْظِ: (لا صَامَ، وَلاَ أَقْطَرَ))(٢) . * مفردات الحديث: - لا صام من صام الأبد: جملة إنشائية دعائية، جاءت على سبيل الإخبار، فهو دعاء عليه؛ لقصد الزجر عن هذا الصنيع، وقيل: إنَّها جملة خبرية، وأنَّ من صام الدهر، فقد ألِفَ نظام الأكل على هيئة الصيام، فلا يحس بألم الجوع والظمأ، فکأنه لم یصم. - الأبد: بفتح الهمزة والباء، والأبد هو: الدهر الطويل، الذي ليس بمحدود، وجمعه: آباد وأبود. * ما يؤخذ من الحديث: ١- اختلف العلماء في معنى قوله: ((لا صام من صام الأبد)). فقال بعضهم: هذا دعاء على الصائم؛ زجرًا له عن مواصلة الصيام المجهدة الشاقة، التي تمنع القائم بها عن كثير من أعمال البر والإحسان، و تعجزه عن القيام بالواجبات نحو نفسه ونحو أهله، ونحو من یمون، ونحو أصحاب الحقوق الواجبة، والمستحبة عليه. وقال بعضهم: إنَّ معناه الإخبار عن حال هذا الصائم الذي لم يصم (١) البخاري (١٩٧٧)، مسلم (١١٥٩). (٢) مسلم (١١٦٢).