النص المفهرس
صفحات 521-540
٥٢١ كتاب الصيام المنافية للمقصود من الصوم، والإقبال على الله تعالى؛ فقد قال تعالى في الحديث القدسي: (يدع طعامه وشهوته من أجلي)) [رواه البخاري (١٧٧١) ومسلم (١٩٤٢)]. ولأنَّه لا يتصور وقوع النسيان والإكراه في الجماع، فإنَّ شهوته إذا تحرکت ذهب معنى الإكراه وصار مختارًا . أما الذين يرون عدم الإفطار والكفارة من جماع الناسي والمكره: فيسدلون بأدلة منها : ١ - قال تعالى: ﴿رَبَّنَالَا تُؤَاخِذْنَآ إِن نَّسِينَآ أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]. ج ٢- وقال ◌َله: ((عفي لأمتي عن: الخطأ، والنسيان، وما استكرهوا عليه)) [رواه ابن ماجه (٢٢٠٤٥)]. ٣- الحديث الوارد في الجماع في حق الواحد، ولا يتناول الناسي، وهو العمدة في هذه المسألة. ٤- بالإجماع لا يلحق إثمٌ، ولا عقابٌ، دنيوي ولا أخروي، على الواطىء نسيانًا، فكذا الكفارة. ٥- الناسي والمكره ليس لهما فعل، ولا يصح نسبة الفعل إليهما؛ لأنَّ الفعل المنسوب للفاعل هو ما كان يقصده، وهنا لا يوجد قصد، ولا إرادة. ٦- قال الشيخ عبدالرحمن السعدي: الصحيح أنَّ المجامع ناسيًا أو مكرهًا لا فطر عليه، ولا كفارة؛ لأنَّ الله عفا عن الناسي والمخطىء. ٧- أما المرأة فإن طاوعت على الوطء، فعند الأئمة الثلاثة عليها الكفارة، وعند الشافعي لا كفارة عليها . وقول الجمهور هو الصحيح، فقد جاء في بعض روايات الحديث: ((هلكت وأهلكت))، قال المجد في ((المنتقى)): ظاهر هذا أنَّها كانت مكرهة. واختلف العلماء: هل تسقط الكفارة بالإعسار والعجز عنها؟ على قولين: حسن ٥٢٢ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ذهب الإمام أحمد إلى: أنَّها تسقط؛ لأنَّ النبيِ وَّ رخّص للرجل أن يطعم التمر أهله، ولو كانت كفارة عنه لما حلت له، ولا لأهله. وذهب الجمهور إلى: أنَّها لا تسقط بالإعسار؛ لأنَّه ليس في الحديث ما يدل على ذلك، بل ظاهره عدم سقوطها؛ لأنَّ النَّبيَّ وَّ لما سأل الواطىء عن أنزل درجات الكفارة، وهي الإطعام، وقال: لا أجد، سكت ولم يبرىء ذمته منها، والأصل أنَّها باقية، وقياسًا لهذه الكفارة على سائر الكفارات والدیون التي لا تسقط بالإعسار. أما الترخيص له بإطعام الكفارة لأهله، فإنَّ من وجب عليه كفارة إذا کفر عنه غيره، جاز أن يأكل منها، وأن يطعمها أهله . ٥٢٣ كتاب الصيام ٥٦٣ - وَعَنْ عَائِشَةَ وَأُمّ سَلَمَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا -: ((أَنَّ النَّبِيَّ ﴿﴿ كَانَ يُصْبِحُ جُنُبًا مِن جِمَاعٍ، ثُمَّ يَغْتَسِلُ وَيَصُومُ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَزَادَ مُسْلِمٌ فِي حَدِيثٍ أُمِّ سَلَمَةَ: ((وَلاَ يَقْضِي))(١). * مفردات الحديث: - يصبح جنبًا: يدخل في الصباح، ويطلع عليه الفجر، وهو في حال الجنابة لم يغتسل منها . - جنبًا: سميت الجنابةُ: ((جنابةٌ))؛ لكونها سببًا لاجتناب العبادة، أو لأنَّ الماء باعد وجانب محله . - من جماع: ((من)) سببية، والمعنى بسبب جماع. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - كان النبي وَل يجامع من الليل، وربما أدركه الفجر، وهو جنب لم يغتسل، فيصوم ثم يغتسل بعد طلوع الفجر، ويتم صومه، ولا يقضيه. ٢ - هذا عامٌّ في رمضان وفي غيره، قال ابن كثير: وهذا مذهب الأئمة الأربعة، وجمهور العلماء سلفًا وخلفًا، وحكاه الوزير إجماعًا؛ فإنَّ الآثار في ذلك متواترة . ٣- صحة صوم من أصبح جنبًا من جماع، أو غيره من الليل. ٤- إذا جاز في الجنابة من الجماع، فمن غير الجماع أولى. ٥ - لا فرق بين الصوم الواجب والنفل، ولا بين رمضان وغيره. ٦ - جواز الجماع في ليالي رمضان، ولو كان قبيل طلوع الصبح. (١) البخاري (١٩٢٥)، مسلم (١١٠٩). ٥٢٤ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ٧- لو طلع عليه الفجر وهو يجامع فنزع، فالمشهور من مذهب الإمام أحمد أنَّ عليه القضاء والكفارة؛ لأنَّ النزاع جماع . وجمهور العلماء - ومنهم الأئمة الثلاثة -: أنَّ النزع ليس بجماع، وأنه يجب عليه النزع، ولا قضاء عليه ولا كفارة. ٨- يؤخذ من جواز طلوع الفجر على الصائم وهو جنب، جواز طلوع الفجر على الحائض والنفساء بعد انقطاع الدم، وقبل الاغتسال. ٩- فضل نساء النبي وَلّ؛ فقد نقلن للأمة من العلم الشيء الكثير، لا سيَّما الأحكام التي لا يطلع عليها إلاَّ هنَّ من أعمال النبي ◌َّ، فرضي الله عنهن. ٥٢٥ كتاب الصيام ٥٦٤ - وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - أَنَّ النَّبِيَّ نَلِ قَالَ: (مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ، صَامَ عَنْهُ وَلِيُ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ(١). مفردات الحديث: - وليه: من: ولي الشيء يليه ولاية بالفتح والكسر، والولي فعيل بمعنى فاعل، من وليه إذا قام به، والجمع: أولياء، ويطلق على القريب والناصر، ذكرًا كان أو أنثى، وسيأتي في ما يؤخذ من الحديث أنَّ المراد به الوارث. · ما يؤخذ من الحديث: ١- الديون التي على الميت يجب قضاؤها؛ سواء كانت لله تعالى، كالزكاة والصيام، أو للآدميين. ٢ - أنَّ أولى من يتولى أداء ذلك عنه هو وارثه، الذي له عليه حق البر، فهذا من أعظم البر والإحسان. ٣- ظاهر الحديث وجوب قضاء الصيام عن الميت؛ سواء كان واجبًا بأصل الشرع، أو نذرًا، فالصيام في الحديث نكرة تشمل كل صوم. ٤- أنَّ الذي يتولى أداء الصيام عن الميت هو وارثه، الذي انتفع بما خلفه من مال، فيقتضي ذلك القيام بأداء الديون التي لله تعالى، أو لخلقه؛ تطبيقًا للقاعدة الشرعية: ((مَن غَنِمَ غَرِمَ))، و((الخَراج بالضمان)). ٥- إذا كان للميت عدد من الأولياء، فيجوز أن يتقاسموا أيام الصيام التي على مورثهم، ويصوم كل واحد منهم قسمًا منها؛ سواء كانوا رجالاً، أو نساءً، أو من الصنفين، ولو قاموا بالصيام في يوم واحد. (١) البخاري (١٩٥٢)، مسلم (١١٤٧). ٥٢٦ توضيح الأحكام من بلوغ المرام هذا ما لم يكن يشترط فيه التتابع كالكفارة، فإنَّه لا يجوز أن يصوموه جميعًا، وإنما يصوم أحدهم بعضه، ثم يكمله الآخر . خلاف العلماء: اختلف في حكم قضاء صيام من مات وعليه صيام، على ثلاثة أقوال: الأول: أنَّه لا يقضى عنه بحال، لا النذر، ولا الواجب بأصل الشرع، وهذا مذهب الأئمة الثلاثة. الثاني: يصام عنه النذر، دون الواجب بأصل الشرع، وهذا مذهب الإمام أحمد، والليث، وإسحاق، وأبي عبيد، ونصره ابن القيم. الثالث: يصام عن الميت النذر الذي تمكن من أدائه ولم يصمه، كما يصام عنه الواجب بأصل الشرع، وهذا قول أبي ثور، وأهل الحديث، ونصره ابن حزم، وجماعة من محدثي الشافعية، وعلَّق الإمام الشافعي القول به على صحة الحديث. قال البيهقي: لو وقف الشافعي على جميع طرق الأحاديث لم يخالفها إن شاء الله، واختار هذا القول الشيخ عبدالرحمن السعدي، وقال: إنَّه اختيار شيخ الإسلام في جميع الديون التي على الميت لله، أو للآدميين، أوجبها على نفسه، أو وجبت عليه بأصل الشرع. واستدل المانعون بأدلة : منها قوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَّيْسَ لِلّإِنسَنِ إِلََّ مَا سَعَى ٣٩ [النجم: ٣٩]. وما روي عن ابن عباس: ((لا يصل أحد عن أحد، ولا يصم أحد عن أحد)) [رواه النسائي في الكبير (٢٩١٨)]، وروي عن عائشة مثل ما روي عن ابن عباس، وهما راويان لحديثي الصيام عن الميت، ومع هذا خالفاه، فاتباع رأيهما في ذلك أولى؛ لأنَّهما أعلم بمعنى الحديث. واستدل المجوزن للقضاء - مطلقًا -: بحديث الباب؛ فإنَّه عامٌّ في ٥٢٧ كتاب الصيام الواجب بأصل الشرع، والواجب بالنذر. كما استدلوا: بحديث ابن عباس الذي في البخاري (١٩٥٣)، ومسلم (١١٤٨)، قال: ((جاء رجل إلى النبي وَل فقال: يا رسول الله، إنَّ أمي ماتت وعليها صوم شهر، أفأقضيه عنها؟ فقال: نعم، دين الله أحق أن يقضى)). وأما المفصلون: فيرون أنَّ حديث الباب وحديث ابن عباس خاصان بالنذر، ونصر هذا القول ابن القيم، وقال: لا يصم أحد عن أحد، مراده في الفرض، وأما النذر فيصام عنه، وبهذا يظهر الاتفاق بين الروايات، وزاد ابن القيم بقوله: النذر ليس واجبًا بأصل الشرع، وإنما أوجبه الإنسان على نفسه، فصار بمنزلة الدين الذي استدانه . وسر الفرق بينهما: أنَّ النذر هو التزام المكلف بما شغل به ذمته، لا أنَّ الشرع ألزمه به ابتداءً، فهو أخف حكمًا مما أوجبه الشارع أصلاً، شاء أم أبى، والذمة تسع المقدور عليه، والمعجوز عنه، بخلاف واجبات الشرع الأصلية، فهي على قدر طاقة الإنسان. والراجح أنَّ الحديث عامٌّ في الواجب بأصل الشرع، والواجب بالنذر. والأحاديث والآثار المعارضة لههذا الحديث لا تقاوم هذا الحديث، ولا تصلح لمعارضته. وتوجد النصوص الصحيحة الكثيرة من السنة تسند معنى هذا الحديث، فقد قالت المرأة الخثعمية للنبي وَلير: ((إذن أحج عن أبي، فقال: نعم)) [رواه البخاري (١٤١٧)، ومسلم (٢٣٧٥)]، ومثلها المرأة الجهنية لما قالت: ((إنَّ أمي نذرت أن تحج حتى ماتت، أفأحج عنها؟ فقال: نعم، حجي عنها، اقضوا الله؛ فالله أحق بالوفاء)) [رواه البخاري (٦٧٧١) ومسلم (١٩٣٩)]، وأفتى سعد ابن عبادة: أن يتصدق عن أمه لما ماتت، ولم تتصدق، ومن نيتها أن تتصدق، وهذه أحاديث في الصحيحين. ٥٢٨ توضيح الأحكام من بلوغ المرام التطوع وما نهي عن صومه باب صوم مقدمة التطوع: فعل الطاعة مطلقًا، وأطلقه الفقهاء على نوافل العبادات من صلاةٍ، وصدقٍ، وصیامٍ، وحجّ. وفيه فضل عظيم لما يحصل به من الثواب، وتكفير السيئات، وكثرة الحسنات، وترقيع الواجبات، قال تعالى: ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ﴾ [البقرة: ١٨٤] أي: من زاد عن الواجب بنوافل العبادات فهو أعظم؛ لأنَّ الخير اسم جامع لكل أمر نافع . وقال تعالى في الحديث القدسي: ((ولا يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل، حتى أحبه)) [رواه البخاري (٢٦٠٢١)]. قال الإمام أحمد: الصيام أفضل ما تطوع به؛ لأنَّه لا يدخله الرياء. وقد ورد في فضله أحاديث شريفة، منها ما جاء في البخاري (١٧٧١) ومسلم (١٩٤٢) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَليّ: (كل عمل ابن آدم له، الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، قال الله تعالى: إلاَّ الصوم؛ فإنَّه لي، وأنا أجزي به، يدع طعامه وشرابه وشهوته من أجلي)». فالله جل وعلا خصَّ نفسه بالصيام بإضافته إليه دون سائر الأعمال، تنويهًا وتشريفًا وتفخيمًا له، ثم تولى عزَّوجل جزاء صاحبه بلا عدد ولا حساب، ذلك أنَّ الصيام سرٍّ بين الله تعالى، وبين عبده، لا يطلع عليه سواه. فنسأل الله تعالى أن يجعل أعمالنا خالصة لوجهه الكريم. ٥٢٩ كتاب الصيام - باب صيام التطوع وما نهي عن صومه ٥٦٥ - عَنْ أَبِي قَتَادَةَ الأَنْصَارِيِّ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - ((أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَّهِ سُئِلَ عَنْ صَوْمٍ يَوْمٍ عَرَفَةَ، فَقَال: يُكَفِّرُ السَّنَّةَ الماضِيَةَ وَالبَاقِيةَ، وَسُئِلَ عَنْ صَوْمٍ يَوْمَ عَاشُورَاءَ، فَقَال: يُكَفِّرُ السَّنَةَ المَاضِيَةَ، وَسُئِلَ عَنْ صَوْمٍ يَوْمِ اَلَاثْنَيَّنِ، فَقَالَ: ذَلِكَ يَوْمٌ وُلِّدْتُ فِيهِ، وَبُعِثْتُ فِيهِ، وَأُنْزِلَ عَلَيَّ فِيهِ)). رَوَاهُ مُسْلِمُ(١). * مفردات الحديث: - عاشوراء: فيه ألف التأنيث الممدودة، وهو أفصح من القصر، وعاشوراء من باب الصفة التي لم يرد لها فعل، والتقدير: يوم مدته عاشوراء، أو صفته عاشوراء، وهو مأخوذ من لفظ: ((العاشر)) عند جماهير العلماء، فإنَّه اليوم العاشر من شهر محرم، وقيل: إنَّه التاسع من محرم مأخوذ من إظماء الإبل، فإنَّ العرب تسمي اليوم الخامس من أيام الورد: ربعًا، وكذا باقي الأيام على هذه النسبة، فيكون التاسع عاشرًا، والقول الأول أرجح وأشهر عند العلماء وجمهور المسلمين، وهو اسم إسلامي لا يعرف بهذا الاسم في الجاهلية. - بعثتُ فيه، وأنزل عليَّ فيه: هما معنيان مترادفان، والدليل الرواية الأخرى في مسلم: ((يوم بعثت فيه، وأنزل عليَّ فیه)). * ما يؤخذ من الحديث: ١- في الحديث استحباب صوم يوم عرفة، وهو اليوم التاسع من ذي الحجة، وأنَّه يكفر ذنوب السنة الماضية، أما السنة الآتية فإنَّ تكفير السيئات في المستقبل من العمر، لم يكن إلاَّ للنبي وَله؛ لقوله تعالى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا (١) مسلم (١١٦٢). ٥٣٠ توضيح الأحكام من بلوغ المرام تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: ٢]. وكذلك لأهل بدر، فقد جاء في الحديث القدسي: ((اعملوا ما شئتم، فقد غفرتُ لكم)). قال العلماء: معنى هذا الحديث: أن يوفق صائمه ويعصمه، فلا يأتي بذنب، أو يوفقه لأعمال صالحة تكفر ما يقع فيها من الذنوب. ٢ - صوم يوم عرفة هو أفضل صيام التطوع، بإجماع العلماء. ٣- صيامه مستحب لغير الحاج الواقف بعرفة؛ لما روى الخمسة عن أبي هريرة: ((أَنَّ النَّبِيَّ ◌َّل نهى عن صوم يوم عرفة بعرفة)) وكراهة صوم عرفة بعرفة مذهب جمهور العلماء، ومنهم الأئمة الثلاثة: مالك والشافعي وأحمد وغيرهم. ٤- يدل الحدیث على استحباب صوم يوم عاشوراء، وهو اليوم العاشر من شهر محرم؛ فقد جاء في صحيح مسلم (١٩١١) عن ابن عباس: ((أَنَّ النَّبِيَّ ◌َل صامه، وأمر بصيامه)). ٥- صيام عاشوراء يكفر سيئات السنة التي قبله؛ ذلك أنَّ فضله أقل من فضل يوم عرفة، وفضل صيامه أقل من فضل صيام يوم عرفة . ٦- جاء في صحيح مسلم (١٩١٧)؛ أنَّ النَّبِيَّ وََّ قال: ((لئن بقيت إلى قابل، لأصومنَّ التاسع)) ولذا استحب جمهور العلماء - ومنهم الإمام الشافعي والإمام أحمد - الجمع بالصيام بين التاسع والعاشر. ظاهر الحديث: أنَّ صوم يوم عرفة يكفر الصغائر والكبائر من الذنوب، به قال بعض العلماء، والجمهور على أنَّه لا يكفر الكبائر، وقالوا: إنَّ صوم يوم عرفة ليس أفضل من الصلوات الخمس، وقد جاء في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة أنَّ النَّبِيَّ وََّ قال: ((الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة كفارة لما بینهن، مالم تغش الكبائر)). وقال النووي: المراد بالذنوب التي يكفرها الصيام هي: الصغائر، فإن لم ٥٣١ كتاب الصيام - باب صيام التطوع وما نهي عن صومه یوجد صغائر، رجي أن يخفف من الكبائر، فإن لم تکن رفعت له درجات. قال إمام الحرمين: وكل ما يراد في الأخبار من تكفير الذنوب، فهو عندي محمول على الصغائر، دون الموبقات. قال النووي: وقد ثبت ما يؤيده: فمن ذلك حديث عثمان - رضي الله عنه - قال: ((سمعت رسول الله ◌َل﴾ يقول: ما من امرىء مسلم تحضره صلاة مكتوبة، فيحسن وضوءها، وخشوعها، وركوعها، إلاَّ كانت له كفارة لما قبلها من الذنوب، ما لم تؤت كبيرة، وذلك الدهر كله)) [رواه مسلم (٣٣٥)]. وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - أنَّ رسول الله وَ له قال: ((الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة كفارة لما بينهنَّ، ما لم تغش الكبائر)) [رواه مسلم]. ٧- قال شيخ الإسلام: أيام ذي الحجة أفضل من أيام العشر من رمضان، وليالي العشر الأواخر من رمضان من ليالي عشر ذي الحجة. قال ابن القيم: ذلك أنَّه ليس من أيام العمل أحب إلى الله من أيام عشر ذي الحجة، وأما ليالي عشر رمضان ففيها ليلة القدر، وهي خير من ألف شهر. ٨- يدل الحديث على استحباب صوم الاثنين من كل أسبوع؛ ذلك أنَّ هذا اليوم المبارك امتنَّ الله فيه على المسلمين بثلاث منن عظام، هي: ولادة النبي وَّر، وبعثته وَله رسولاً بشيرًا ونذيرًا إلى هذه الأمة، والنعمة الثالثة إنزال القرآن الكريم في هذا اليوم، ولا شكَّ أنَّ هذه نعم عظام، وآلاء جسام خصَّ الله تعالى بهنَّ يوم الاثنين، فصار كأنَّه يوم فرح وسرور ينبغي منَّا الشكر فیه، وشكر الله هو القيام بعبادته. ٩- كما جاء الفضل بصوم يوم الخميس من كل أسبوع، فقد روى الإمام أحمد ٥٣٢ توضيح الأحكام من بلوغ المرام (٧٣١٨)، والترمذي (٦٧٨)، وابن ماجه (١٧٣٠) أنَّ النَّبِيَّ وَّه قال: ((تعرض الأعمال كل اثنين وخميس، فأحب أن يعرض عملي وأنا صائم)). ١٠ - لا دليل في الحديث على مشروعية إقامة الموالد، فإنَّ العبادات توقيفية ولا تكون إلاّ من الشارع، والشارع عين العبادة التي تؤتى في يوم الاثنين، وهي فضيلة صيامه، فنقتصر على الوارد ولا نتعداه. ١١- معنى عرض الأعمال - والله أعلم -: إظهارها، والإخبار عنها، وجزاؤها عند الله تعالى، فالأفضل أن يعرض عمله في يوم هو صائم فيه؛ ليظهر تجمله في هذا اليوم، فكل مناسبة لها زينتها ومظهرها اللائق بها . ٥٣٣ كتاب الصيام - باب صيام التطوع وما نهي عن صومه ٥٦٦ - وَعَنْ أَبِي أَيُّوَبَ الأَنْصَارِيِّ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((مَنْ صَامَ رَمَضَانَ، ثُمَّ أَتْبَعَهُ سِتَّا مِنْ شَوَّالٍ، كَانَ كَصِيَامِ الدَّهْرِ)). رَوَاهُ مُسْلِمُ(١). * مفردات الحديث: - أتبعه: يقال: تبعه يتبعه تبعًا وتباعًا، من باب تعب، وأتبعه: ألحقه به، وجعله تابعًا له. - شوال :- بفتح الشين المعجمة وتشديد الواو -: هو الشهر العاشر من السنة القمرية الهجرية، وهو أول أشهر الحج، قيل: سمي: شوالاً؛ لأنَّه وقت تسمية الشهور صادف تشويل الإبل، جمعه: شوالات. - الدهر: بفتح الدال وإسكان الهاء، ويطلق على أزمنة كثيرة متفاوتة، ولكن المراد هنا هو: السنة القمرية، كما سيأتي بيانه في ما يؤخذ من الحديث. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - فيه استحباب صيام ست من شوال؛ لهذا الحديث الصريح الصحيح، الذي جاء من ثلاث طرق غير هذا الطريق: فرواه أحمد (٢٢٤٣٣)، وأبوداود (٢٠٧٨)، والترمذي (٦٩٠)، من ثلاثة أوجه حتى قيل: إنَّه حديث متوات؛ ذلك أنَّ الدمياطي جمع طرق الحديث، فأسنده عن بضعة وعشرين رجلاً، أكثرهم حفاظ ثقات. ٢- استحباب صيام الست هو مذهب السلف والخلف، وجمهور العلماء، ومنهم الأئمة الثلاثة: أبو حنيفة، والشافعي، وأحمد. (١) مسلم (١١٦٤). ٥٣٤ توضيح الأحكام من بلوغ المرام أما مالك: فيرى كراهة صيامها؛ لئلا يظن العامة وجوبها؛ لقربها من رمضان، وهذا تعليل واه جدًّا في مقابل السنة الصحيحة الصريحة، فهو تعليل لا يستقيم، ولا يبقى أمام البحث والنظر، وأحسن ما اعتذر به عن الإمام مالك ما قاله محقق مذهبه، وشارح ((موطئه))، أبوعمر بن عبدالبر: أنَّ هذا الحديث لم يبلغ مالكًا، ولو بلغه لقال به. ٣- قال في ((الإقناع وشرحه)): يسن صوم ستة أيام من شوال، ولو متفرقة، ولا تحصل الفضيلة بصيامها في غير شوال. ٤- من صامها مع رمضان، فكأنما صام الدهر فرضًا؛ ذلك أنَّ الحسنة بعشر أمثالها، فرمضان بعشرة أشهر، والستة الأيام عن شهرين، فذلك سنة كاملة، فحصل ثواب عبادة الدهر على وجه لا مشقة فيه، فضلاً من الله، ونعمةً على عباده. ٥- استحب العلماء أن يكون صيام الست بعد يوم العيد مباشرة؛ لمراعاة أمور عامة، منها: المسارعة إلى فعل الخير، ومنها المسارعة إليها دليلٌ على الرغبة في الصيام والطاعة، وعدم السأم منها، ومنها ألا يعرض له من الأمور ما يمنعه من صيامها إذا أخرها، ومنها أنَّ صيام ستة أيام بعد رمضان كالراتبة بعد فريضة الصلاة، فتكون بعدها، وغير ذلك من الاعتبارات، والله الموفق. وأما فضلها: فيحصل في أي ستة أيام صيمت من شوال، مجتمعةً أو متفرقة . * خلاف العلماء: اختلف العلماء في جواز صيام التطوع - ومنها أيام الست - وعليه صيام واجب : فذهب الأئمة الثلاثة إلى: جوازه، وقاسوه على صلاة التطوع قبل صلاة ٥٣٥ كتاب الصيام - باب صيام التطوع وما نهي عن صومه الفرض في وقتها . والمشهور من مذهب الإمام أحمد: أنَّه يحرم صيام التطوع، ولا يصح، ما دام عليه صوم واجب. قال في ((شرح الإقناع)): ويحرم التطوع بالصوم قبل قضاء رمضان، ولا يصح، نصَّ عليه، بل يبدأ بالفرض حتى يقضيه؛ لحديث: ((إنَّ الله لا يقبل تطوعًا، حتى تؤدى فريضته)) [رواه ابن أبي شيبة (٣٤٤٣٣) موقوفًا على أبي بكر - رضي الله عنهما -]. أما من صام الستة الأيام من شوال، وعليه قضاء -: فإنَّه بذلك صامها قبل أن يكمل رمضان، والحديث: ((من صام رمضان ... )). واختلفوا: هل تقضى الأيام الستة إذا خرج شوال؟ فيه قولان لأهل العلم: الأرجح: أنَّها لا تقضى؛ لأنَّها سنة فات محلها . * فائدة: قال الشيخ: ويسمي بعضهم الثامن من شوال: ((عيد الأبرار))، ولا يجوز اعتقاده عيدًا؛ فإنَّه ليس بعيد إجماعًا، وليست له شعائر العيد. ٥٣٦ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ٥٦٧ - وَعَنْ أَبِي سَعِيْدِ الخُدْرِيِّ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ بَّهِ: ((مَا مِنْ عَبْدٍ يَصُومُ يَوْمًا فِي سَبِيلِ اللهِ، إِلاَّ بَاعَدَ اللهُ بِذْلِكَ اليَوْمِ عَنْ وَجْهِهِ النََّرَ سَبْعِيْنَ خَرِيْفًا)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ (١) لِمُسْلِمُ : مفردات الحديث: - خريفًا: الخريف: أحد فصول السنة، واقع بين الصيف والشتاء، وبروجه ثلاثة، وهي: ((الميزان، والعقرب، والقوس))، والمراد هنا: السنة كلها، من باب تسمية الكل باسم بعضه، وإنما خص بالذكر من دون بقية الفصول؛ لأنَّ فيه تنضج الثمار، وتحصل سعة العيش. * ما يؤخذ من الحديث: ١- الصيام من العبادات البدنية الشاقة، والجهاد من العبادات المالية والبدنية الصعبة، فمن قوي عليهما جميعًا، وقام بهما، فقد بلغ القمة في بذل الوسع والطاقة في عبادة الله تعالى، وآثر محبة الله تعالى على راحته، فجزاؤه كبير على قدر نصَبَه الشاق، وذلك بأن يبعد من جهنم وعذابها، مسافة سبعين سنة . ٢ - أنَّ العدد لا مفهوم له، وإنما تذكر الأعداد على سبيل التكثير والتوضيح، كما أنَّ من زحزح عن النار، فقد أدخل الجنة، بموجب وعد الله تعالی؛ إذ ليس هناك جهة غير الجنة، أو النار. ٣- وفي الحديث فضل الجهاد في سبيل الله، ومقام الجهاد من الإسلام معلوم، (١) البخاري (٢٨٤٠)، مسلم (١١٥٣). ٥٣٧ كتاب الصيام - باب صيام التطوع وما نهي عن صومه فقد قال ◌َالـ: ((وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله)). ٤- يقيد الصيام في سبيل الله بعدم إضعاف بدنه عن الجهاد، فإذا أضعفه فالمستحب له تركه؛ لأنَّ الجهاد مصلحة عامة متعدية، والصوم عبادة خاصة قاصرة على صاحبها، وكلما عمت مصلحة العبادة كانت أنفع وأولى. ٥ - قوله: ((ما من عبد)» عبودية الخلق لله تعالى قسمان: عبودية عامة، وعبودية خاصة، فالعبودية العامة تشمل جميع المخلوقات، ويدخل فيها الكفار والعصاة، قال تعالى: ﴿إِن كُلُّ مَن فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ إِلَّ ءَاتِ الرَّحْمَنِ عَبْدًا لَـ ﴾ [مريم]. فهي عبودية كونية يخضع لها الجميع، فهو المتصرف فيهم بالإحياء والإماتة والنعم والنقم، فهم في قهره وسلطانه وهم عبيده المسخرون بخلقه وأمره. والعبودية الخاصة: هي التي تكون للمؤمنين، فهم متعبدون لله بطاعته، ممتثلون لشرعه، منفذون لحكمه في قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَفْتُ اَلِنَّ وَاُلْإِنِسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾ [الذاريات: ٥٦]. ٥٣٨ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ٥٦٨ - وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: ((كَانَ رَسُولُ اللهَِّهِ يَصُومُ: حَتَّى نَقُولَ: لاَ يُفْطِرُ، وَيُفْطِرُ، حَتَّى نَقُولَ: لاَ يَصُومُ، وَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِنَّهِ اسْتَكْمَلَ صِيَامَ شَهْرٍ قَطُّ إِلَّ رَمَضَانَ، وَمَا رَأَيْتُهُ فِي شَهْرٍ أَكْثَرَ مِنْهُ صِيَامًا فِي شَعْبَانَ)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ (١). * مفردات الحديث: - حتى: هي الجارة التي بمعنى: ((إلى))، والفعل بعدها منصوب بـ((أن)) مضمرة وجوبًا، و((أنَّ)) والفعل المضارع في تأويل مصدر مجرور بـ((حتى))، تقديره: ((حتى قولنا)). * ما يؤخذ من الحديث: ١ - كان النَّبِي وَّهِ يسرد الصيام أيامًا كثيرة متوالية، حتى يُظن أنَّه لن يفطر، إلاَّ أنَّه لا يكمل صيام شهر غير رمضان، ويفطر الأيام المتواصلة حتى يُظن أن لن يصوم. ٢ - لعلَّ عذره في موالاة الصيام تارةً، وموالاة الإفطار أخرى -: أنَّه وَلّهِ يراعي المصلحة في ذلك، فإن وجد فرصةً أيام خفَّت أعمالُه فيها صام، وإذا زحمت أوقاته بأعمال المسلمين العامة فَضَّل الإفطار، والتفرغ لها على الصيام، ودليل ذلك أنَّ صيامه، أو فطره لم يكن بوقت خاص، أو شهر خاص. ٣- أما شهر شعبان: فكان يكثر فيه وَّله من الصيام؛ وذلك إما تعظيمًا لشهر رمضان وصومه، وجعل الصيام فيه كالراتبة قبل الفريضة في الصلاة، ولعلَّ (١) البخاري (١٩٦٩)، مسلم (١١٥٦). ٥٣٩ كتاب الصيام - باب صيام التطوع وما نهي عن صومه من الحكمة في ذلك التمرن والاستعداد لصيام رمضان، فلا يأتي والنفس لم تعتد الصيام، وبعضهم قال: لأنَّ شهر شعبان يغفل عنه الناس؛ لوقوعه بين شهرین عظیمین : رجب، ورمضان. قال في ((سبل السلام)): ويحتمل أنَّه كان يصومه لهذه الحِكَم كلها . ٤ - وفيه دليل على أنَّه لا يخص بصيامه وقتًا دون وقت، فينبغي للمسلم مراعاة المصلحة في عباداته، فيقدم منها الأهم فما بعده، ويقدم منها ما يتعلّق بالمصالح العامة، ولا يغفل عن غيرها، فتوزيع الوقت وتنسيق الأعمال مما يحث عليه الشرع الشريف. ٥- وفيه أنّه ينبغي للمسلم أن یسوس نفسه، ویمرنها على طاعة الله تعالى، حتى تعتاد ذُلك وتألفه، وتصبح العبادة سهلة عليها، بعد أن كانت شاقة وثقيلة. ٥٤٠ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ٥٦٩ - وَعَنْ أَبِي ذَرِّ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: ((أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ وَجَرِ أَنْ نَصُومَ مِنَ الشَّهْرِ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ: ثَلاَثَ عَشَرَةَ، وَأَرْبَعَ عَشْرَةَ، وَخَمْسَ عَشَرَةَ)). رَوَاهُ النَّسَائِيُّ، والتِّرْمِذِيُّ، وصَخَّحَهُ ابنُ حِبَّانَ(١) * درجة الحديث: الحدیث حسنٌ. قال في ((التلخيص)): رواه النسائي، والترمذي، وابن حبان، من حديث أبي ذر، ورواه ابن حبان أيضًا من حديث أبي هريرة، ورواه ابن أبي حاتم عن جریر مرفوعًا، وصحّح أبوزرعة وقفه علی جریر. قال الترمذي: حديث حسنٌ، وللحديث طرقٌ أُخر. * مفردات الحديث: - ثلاث عشرة ... إلخ: وتسمَّى الأيام البيض؛ وذلك لبياض لياليها بطلوع القمر في جميعها، من أولها إلى آخرها. ثلاث عشرة: بدل من المفعول به، وهو مركب مزجي مبني على فتح جزأيه، ومحله النصب، وذُكِّر ((ثلاث)) موافقة ليوم المذكر، وأَنِّث ((عشرة)) مخالفة ليوم، وهكذا باقي هذه الأعداد المركبة. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - الحديث يدل على استحباب صيام ثلاثة أيام من كل شهر من شهور السنة الهلالية، وأجر الأيام الثلاثة بقدر أجر صيام الشهر كله؛ إذ الحسنة بعشر أمثالها، ويدل لهذا التقدير ما جاء في السنن الأربع من حديث قتادة بن (١) النسائي (٢٢٢/٤)، الترمذي (٧٦١)، ابن حبان (٣٦٤٧).