النص المفهرس

صفحات 501-520

٥٠١
كتاب الصيام
تعالى: ﴿ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥] والنسيان ليس من
کسب القلب.
٣- معنى إطعام الله تعالى وإسقائه: أنَّ الله تعالى من لطفه يسَّر له هذه الأكلة أو
الشربة، حينما أنساه صيامه وحاله، فصار هذا الرزق المباح مسوقًا من الله؛
كما جاء في رواية الترمذي (٧٢١): ((إنَّما هو رزق ساقه الله إليه، ولا قضاء
عليه))، فالنسيان والخطأ من الأفعال الضرورية التي لا تضاف مسؤولية
حكمها، وما يترتب عليها إلى فاعلها، إلاَّ أنَّها في إتلاف ما للعباد تغرم، من
باب سد الذريعة، ولأنَّ حقوق العباد مبنية على الشح والضمان.
٤- كما أنَّ من أكل أو شرب ناسيًا لا قضاء عليه، فإنَّه أيضًا لا کفارة عليه؛ ذلك
أنَّ الكفارة شرعت لتكفير الهفوات والذنوب، وترقيع النقص الذي حصل
في العبادة، ومن فعل ذلك ناسيًا، فإنَّه لا ذنب عليه، ولا نقص في عبادته،
لتحتاج إلى تكفير وترقيع، على أنَّ الكفارة عبادة من العبادات، ولا تشرع إلاّ
بنص من الشارع، ولم يوجد نص إلاَّ في الجماع في صيام شهر رمضان،
أداءً لحرمة الزمن نفسه .
٥- قوله: ((من ذرعه القيء، فلا قضاء عليه)) - دليل على أنَّ الإكراه على الفطر
لا يقع به إفطار؛ لأنَّه لا قصد منه ولا تعمد، فلا ينسب الفعل إليه، وقد جاء
في الحديث: ((عفي لأمتي عن: الخطأ، والنسيان، وما استكرهوا عليه)).
٦ - أما من استقاء وطلب خروجه، فعليه القضاء؛ لتعمده الفطر.
قال الشيخ: فقد نهى عن إخراج ما يقويه ويغذيه من الطعام والشراب
الذي يتغذى به، كما يوجب إخراجه نقصان بدنه أو ضعفه، فإذا خرج منه
ضرّه، وکان متعديًا في عبادته، لا عادلاً فيها.
٧- عدم الفطر بالأكل والشرب ناسيًا هو مذهب الأئمة الثلاثة، وجمهور
العلماء، واعتذر بعض المالكية عن الأخذ بالحديث؛ بأنه خبر واحد

٥٠٢
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
مخالف لقاعدة الإفطار.
وللكن قولهم مردود بالنص الصريح الصحيح الذي يؤيده قاعدة إسلامية
[البقرة: ٢٦٨]،
مستقلة، أرساها كثير من النصوص الكريمة: ﴿ عَلِيمٌ
وقوله: ﴿ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥] وحديث: ((عفي
لأمتي عن الخطأ والنسيان)).
وعدل الله تعالى أنه لا يؤاخذ إلاّ من قصد وتعمد.
* اختلاف العلماء:
اختلف العلماء فيمن جامع ناسيًا: فالمشهور من مذهب الإمام أحمد
وغيره: أنَّ عليه القضاء والكفارة؛ لأنَّه وَّيه لم يستفصل فيه الرجل الذي قال:
هلكتُ، أما الرواية الأخرى عن الإمام أحمد: فلا قضاء عليه ولا كفارة؛ لأنَّ
الكفارة ماحیة للذنب، ومع النسیان والإكراه والجهل لا إثم یمحی.
قال ابن عبدالبر: الصحيح أنَّ الجماع كالأكل في الإكراه والجهل،
واختاره الشيخ تقي الدين، وقال: هو قياس أصول أحمد وغيره.
وعليه فيكون قوله: ((من نسي فأكل أو شرب)) مثالان في الباب، ويؤيد
هذا القول: رواية الحاكم (١٥٥٧)، عن أبي هريرة: ((من أفطر في رمضان
ناسيًا، فلا قضاء عليه ولا كفارة)) فلفظ: ((أفطر)) عام في الجماع وغيره.
وقوله: ((ولا كفارة))، تفيد الجماع؛ لأنَّ الكفارة لا تكون إلاَّ في
الجماع، وإنما مثل بالأكل والشرب لكونهما الغالب في النسيان.
: فائدتان:
الأولى: المفطرات :
١ - الجماع: وهو نفس تغييب الحشفة في قُبل أو دُبُر، ولو لم يحصل إنزال،
وهو أعظم المفطرات؛ لأنَّه يوجب مع القضاء الكفارة في الجملة.
٢- إنزال المني باختياره، ولو بدون جماع.

٥٠٣
كتاب الصيام
٣- الأكل والشرب، ومنه شرب الدخان.
٤- الإبرة المغذية التي يقصد منها إيصال الغذاء إلى البدن؛ سواء كانت في
العضل، أو الوريد.
٥- إخراج الدم الكثير بالحجامة، أو الفصد، أو سحبه.
٦- خروج دم الحيض والنفاس.
٧- حقن الدم في البدن.
٨- تعمد القيء.
الثانية: غير المفطرات :
١ - الأكل والشرب والجماع وسائر المفطرات من الناسي.
٢- الكحل، وتقطير الأنف أو الأذن، ودواء الجروح في أي مكان من البدن.
٣- الإبرة التي يقصد بها إيصال الدواء إلى البدن؛ سواء في العضل؛ أو الوريد.
٤ - خروج المني أو المذي بغير اختياره.
٥- دواء الربو باستنشاقه.
ونحو هذه الأشياء، فهي أمور فيها خلاف بين الفقهاء، ولكن الأرجح
عدم الإفطار بها، فإنَّ شيخ الإسلام أرجع المفطرات كلها إلى نوعين:
أحدهما: أشياء تفيد البدن وتغذيه وتقويه، مثل الأكل والشرب، وما ناب
عنهما .
الثاني: أشياء يحصل من خروجها من البدن ضعف له وإنهاك، فمُنعت
رحمةً بالصائم؛ لئلا يجتمع علیه ضعف الصيام، وما ینهك بدنه، وذلکم مثل
الجماع والحجامة .
لما ذكر الشيخ الأشياء التي اختلف العلماء في الإفطار بها مثل الكحل
والحقنة - قال: إنَّ الصيام من دِين المسلمين الذي يحتاج إلى معرفته الخاص
والعام، فلو كانت هذه الأمور مما حرمها الله ورسوله في الصيام، ويفسد

٥٠٤
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
الصوم بها لبينها النبي ◌َّ﴾، ولعلمه الصحابة، ولبلغوه، كما تلقوا سائر شرعه،
فلما لما تبلغ، عُلِم أنَّه ◌َِّ لم يذكر شيئًا في ذلك.
* قرار مجمع الفقه الإسلامي بشأن المفطرات في مجال التداوي:
(رقم ٩٣):
إنَّ مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره العاشر بجدة
بالمملكة العربية السعودية خلال الفترة من ٢٨/٢٣ صفر ١٤١٨هـ الموافق
٢٨/ حزیران ((یونیو)) ٣/ تموز (يوليو)) ١٩٩٧ م.
بعد اطلاعه على البحوث المقدمة في موضوع المفطرات في مجال
التداوي، والدراسات والبحوث والتوصيات الصادرة عن الندوة الفقهية الطبية
التاسعة التي عقدتها المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية، بالتعاون مع المجمع
وجهات أخرى في الدار البيضاء بالمملكة المغربية في الفترة من (٩/ ١٢ صفر
١٤١٨ هـ الموافق ١٧/١٤ حزيران (يونيو)) ١٩٩٧م)، واستماعه للمناقشات
التي دارت حول الموضوع بمشاركة الفقهاء والأطباء، والنظر في الأدلة من
الكتاب والسنة، وفي كلام الفقهاء.
قرر ما يلي :
أولا: الأمور الآتية لا تعتبر من المفطرات:
١ - قطرة العين، أو قطرة الأذن، أو غسول الأذن، أو قطرة الأنف، أو بخاخ
الأنف، إذا اجتنب ابتلاع ما نفذ إلى الحلق.
٢- الأقراص العلاجية التي توضع تحت اللسان لعلاج الذبحة الصدرية وغيرها،
إذا اجتنب ابتلاع ما نفذ إلى الحلق.
٣- ما يدخل المهبل من تحاميل ((لبوس))، أو غسول، أو منظار مهبلي، أو
إصبع، للفحص الطبي.
٤- إدخال المنظار أو اللولب ونحوهما إلى الرحم.

٥٠٥
كتاب الصيام
٥ - ما يدخل الإحليل، أي: مجرى البول الظاهر للذكر والأنثى، من قسطرة
((أنبوب دقيق)) أو منظار، أو مادة ظليلة على الأشعة، أو دواء، أو محلول
لغسل المثانة .
٦- حفر السن، أو قلع الضرس، أو تنظيف الأسنان، أو السواك، وفرشاة
الأسنان، إذا اجتنب ابتلاع ما نفذ إلى الحلق.
٧- المضمضة، والغرغرة، وبخاخ العلاج الموضعي للفم، إذا اجتنب ابتلاع ما
نفذ إلى الحلق.
٨- الحقن العلاجية الجلدية، أو العضلية، أو الوريدية، باستثناء السوائل
والحقن المغذية .
٩- غاز الأكسجين.
١٠ - غازات التخدير ((البنج))، ما لم يعط المريض سوائل ((محاليل)) مغذية.
١١ - ما يدخل الجسم امتصاصًا من الجلد؛ كالدهونات، والمراهم، واللصقات
العلاجية الجلدية المحملة بالمواد الدوائية أو الكيميائية.
١٢- إدخال قسطرة ((أنبوب دقيق)) في الشرايين لتصوير، أو علاج أوعية القلب،
أو غيره من الأعضاء.
١٣- إدخال منظار من خلال جدار البطن لفحص الأحشاء، أو إجراء عملية
جراحية عليها .
١٤- أخذ عينات ((خزعات)) من الكبد، أو غيره من الأعضاء ما لم تكن مصحوبة
بإعطاء محاليل.
١٥ - منظار المعدة، إذا لم يصاحبه إدخال سوائل ((محاليل))، أو مواد أخرى.
١٦ - دخول أية أداة، أو مواد علاجية إلى الدماغ، أو النخاع الشوكي.
١٧ - القيء غير المتعمد بخلاف المتعمد ((الاستقاءة)).
ثانيًا: تأجيل إصدار قرار في الصور التالية، للحاجة إلى مزيد من البحث

٥٠٦
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
والدراسة في أثرها على الصوم، مع التركيز على ما ورد في حكمها من أحاديث
نبوية، وآثار عن الصحابة.
(أ) بخاخ الربو، واستنشاق أبخرة المواد.
(ب) الفصد، والحجامة.
(ج) أخذ عينة من الدم المخبر للفحص، أو نقل دم المتبرع به، أو تلقي الدم
المنقول .
(د) الحقن المستعملة في علاج الفشل الكلوي حقنًا في الصفاف ((الباريتون))،
أو في الكلية الاصطناعية .
(هـ) ما يدخل الشرج من حقنة شرجية، أو تحاميل ((لبوس))، أو منظار، أو
إصبع للفحص الطبي.
(و) العمليات الجراحية بالتخدير العام، إذا كان المريض قد بيت الصيام من
الليل، ولم يعط شيئًا من السوائل ((المحاليل)) المغذية. والله أعلم.

٥٠٧
كتاب الصيام
٥٥٩ - وَعَنْ جَابِرٍ بِنْ عَبْدِ الله - رَضِيَ اللهُ عنهُمَا -: ((أَنَّ رَسُولَ
اللهِ وَّهِ خَرَجَ عَامَ الفَتْحِ إِلَى مَكَّةَ فِي رَمَضَانَ، فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ كُرَّاعَ
الغَمِيمِ، فَضَامَ النَّاسُ، ثُمَّ دَعَا بِقَدَح مِنْ مَاءِ، فَرَفَعَهُ حَتَّى نَظَرَ النَّاسُ
إِلَيْهِ، فَشَرِبَ، ثُمَّ قِيلَ لَهُ بَعْدَ ذلكَ: " إِنَّ بَعْضَ النَّاسِ قَدْ صَامَ، فَقَالَ:
أُولَئِكَ العُصَاةُ، أُوْلَئِكَ الْعُصَاءُ)).
وَفِي لَفْظِ : ((فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ النَّاسَ قَدْ شَقَّ عَلَيْهِمُ الصِّيَامُ، وَإِنَّمَا
يَنْتَظِرُونَ فِيمَا فَعَلْتَ، فَدَعَا بِقَدَح مِنْ مَاءٍ بَعْدَ العَصْرِ، فَشَرِبَ)) رَوَاهُ
مُسْلِمُ(١).
* مفردات الحديث:
- عام الفتح: المراد به: فتح مكة المكرمة؛ وذلك في رمضان من السنة الثامنة
من الهجرة.
- كُراع: بضم الكاف وفتح الراء المهملة، ثم ألف آخره عين مهملة، کراع كل
شيء: طرفه، والكراع: ما سال مستطيلاً من أنف جبل أو حرة، جمعها:
کرعان .
- الغميم: بفتح الغين المعجمة وكسر الميم ثم ياء ساكنة آخره ميم، وكراع
الغميم: وادٍ على طريق مكة المكرمة إلى المدينة المنورة يبعد عن مكة بـ (٦٤)
كيلومتر، ويعرف عند أهل تلك الجهة ببرقاء الغيم، وهو وادي عسفان،
وينتهي مصبه في البحر الأحمر، في الشمال الغربي من جدة.
(١) مسلم (١١١٤).

٥٠٨
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
- أولئك العصاة: جمع: عاص، والعاصي هو المخالف للأمر الخارج عن
الطاعة، وسماهم عصاة؛ لأنهم شددوا على أنفسهم، ولم يقبلوا الرخصة .
- قدح: بفتحتین، هو إناء يشرب فيه الماء ونحوه.
- أولئك العصاة: كررها تأكيدًا لزجرهم عن مخالفة الحكم الذي بالغ في بيانه
برفع الإناء حتى يراه الناس، فيبادروا إلى الامتثال والأخذ بالرخصة.
- شق: بفتح الشين المعجمة، وتشديد القاف، يقال: شق يشق شقًا ومشقة، من
باب قتل: صعب عليه الأمر واشتد، والمعنى: تكلفوا من الصيام في الحر.

٠٩
كتاب الصيام
٥٦٠ - وَعَنْ حَمْزَةَ بْنِ عَمْرٍو الأَسْلَمِيِّ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - أَنَّهُ
قَالَ: ((يَا رَسُولَ الله، إنِّي أَجِدُ فِيَّ قُوَّةً عَلَىُ الصِّيَامِ فِي السَّفَرِ، فَهَلْ
عَلَيَّ جُنَاحٌ؟ فَقَالَ رَسُولُ الله ◌ِّهِ: هِيَ رُخْصَةٌ مِنَ اللهِ، فَمَنْ أَخَذَ بِهَا
فَحَسَنٌ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَصُومَ، فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَأَصْلُهُ
فِي المُتَّفَقِ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ أَنَّ حَمْزَةَ بْنَ عَمْرٍو سَأَلَ(١).
* مفردات الحديث:
- هي رخصة: الضمير عائد إلى معنى السؤال أتت باعتبار الخبر، والرخصة
لغة: التسهيل في الأمر والتيسير.
واصطلاحًا: ما جاء على خلاف دليل شرعيٍّ لعارضٍ راجحٍ.
- جُناح: بضم الجيم وتخفيف النون آخره حاء مهملة، قال في المحيط: قيل:
هو معرب (كناه)) بالفارسية وهو الإثم، قال تعالى: ﴿فَلَاجُنَاحَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة:
١٥٨] أي فلا حرج ولا إثم.
* ما يؤخذ من الحديثين:
١ - الحديثان يدلان على جواز الفطر من صيام شهر رمضان في السفر، وأنه
رخصة، كما تدل على ذلك الآية الكريمة: ﴿وَمَن كَانَ مَرِ يضَّا أَوْ عَلَى سَفَرٍ
فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرِّ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْمُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]
فاليسر والسهولة على العباد من مقاصد الرب تبارك وتعالى في أمور
الدین .
٢- كما يدلان على جواز الصيام في السفر، وصحته، وإجزائه عن صاحبه
(١) البخاري (١٨٤١)، مسلم (١١٢١).

٥١٠
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
إجماعًا، فقد رخّص لحمزة الأسلمي في الصيام والفطر.
٣- أما قوله: لمن لم يفطر: ((أولئك العصاة))؛ فلمخالفتهم وعدم امتثالهم أمره
بالإفطار، في حال يتعين عليهم؛ لما جاء في بعض ألفاظه: ((أنَّهم قد شقَّ
عليهم الصيام)).
٤- يستحب لمن هو قدوة في الأعمال الشرعية، وهم العلماء وأهل الدين أن
يبينوا للناس الأحكام الشرعية في أقوالهم وأعمالهم؛ ليكونوا قدوة في
ذلك، وليحصل بهم التأسي، وراحة الضمير عند العامة، فالنبي ◌ُّل دعا
بقدح من ماء، فرفعه حتى نظر الناس إليه، فشرب.
٥- يدخل وقت رخص السفر التي منها الفطر في نهار رمضان إذا شرع في
السفر، وفارق عامر بلده.
٦- وللعلماء تقييدات في السفر الذي تباح فيه الرخص بالمسافة والمدة
والإباحة، أما الشيخ تقي الدين فيقول: إنَّ الشارع ذكر السفر، وأطلقه بدون
ذكر مسافة ولا مدة، وجعل ذلك راجعًا إلى العرف ، فأي سفر في عرف
الناس فهو السفر الذي علَّق به الشارع الحكيم تلك الأحكام والرخص،
والتحديد لم يثبت به نصٌّ، ولا إجماعٌ، ولا قياسٌ، وليس مع المحددين
حجٌ.
٧- لا يشترط - على الصحيح - إباحة السفر، بل تؤتى الرخص في سفر الطاعة
والمعصية، وهو مذهب أبي حنيفة، واختيار الموفق، والشيخ تقي الدين.
٨- قال شيخ الإسلام: أجمع الأئمة على جواز الصيام والفطر في نهار رمضان
للمسافر، واختلفوا في الأفضل منهما .
فذهب الأئمة الثلاثة إلى: أنَّ الصوم لمن أطاقه بلا مشقة ظاهرة أفضل،
واستدلوا على ذلك بما رواه أبوداود عن سلمة بن المحبق عن النبي ◌َّ:
«من كانت له حمولة تأوي إلى شبع، فليصم رمضان حيث أدر كه)).

٥١١
كتاب الصيام
وذهب الإمام أحمد وأصحابه إلى: أنَّ الفطر في رمضان أفضل، ولو لم
يلحقه مشقة؛ لما في البخاري (١٨٤٤) ومسلم (١١١٥) أنَّه بِّهِ قال: ((ليسَ
من البر الصيام في السفر))، وحديث: ((إنَّ الله يحب أن تؤتى رخصه)) [رواه
أحمد (٥٦٠٠)].
خلاف العلماء:
اختلف العلماء في حكم صوم رمضان في السفر على ثلاثة أقوال:
فذهب الأئمة الثلاثة إلى: أنَّ الصوم أفضل، واستدلوا على ذلك: بأنَّه
فعل النبي ◌ََّ، وأنَّه أسرع في إبراء الذمة، وأنَّه أيسر أداء؛ إذْ صام والناس
صائمون .
وذهب الإمام أحمد إلى: أنَّ الفطر أولى، وأنَّ الصوم مكروه، وعلَّل
ذلك بأنّه رخصة من الله تعالى، يبنغي للمسلم أن يسارع إلى قبولها، والتمتع
بها، فقد قال ◌َله: ((صدقة تصدق بها الله عليكم فاقبلوا صدقته)) [رواه مسلم
(٦٨٦)].
وذهب بعض العلماء إلى: جواز الأمرين، واستدلوا على ذلك بما رواه
مسلم (١١١٦) من حديث جابر قال: ((سافرنا مع رسول الله وَليل، فيصوم
الصائم، ويفطر المفطر، فلا يعيب بعضهم على بعض)).
وقالت طائفة من العلماء: أفضل الأمرين أيسرهما عليه؛ لقوله تعالى:
﴿ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥].
وعدم كراهة أحدهما أرجح، ما لم يكن في الصوم مشقة كبيرة، أو كان
يمنع من القيام بأعمال فاضلة في السفر، فحينئذٍ الفطر يكون أفضل؛ فقد جاء
في الصحيحين من حديث أنس قال: ((كنا مع النبي وَ لّفي السفر، فمنا الصائم
ومنّاً المفطر، فنزلنا منزلاً في يوم حارٍ، فسقط الصائمون، وقام المفطرون
فضربوا الأبنية، وسقوا الركاب، فقال رسول الله وقيل: ذهب المفطرون اليوم

٥١٢
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
بالأجر)) [رواه البخاري (٢٧٣٣) ومسلم (١١١٩)].
* فوائد:
الأولى: جاءت هذه الشريعة بالأحكام الميسرة السمحة، فقد قال تعالى:
﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِ الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] وقال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ
بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]
ولما كان السفر - غالبًا - فيه مشقة، خفّف فيه، فرخص الله تعالى
الفطر في نهار رمضان، فهي رخصة يستحب التمتع بها؛ لأنَّها من
رخص الله التي أباحها فضلاً منه، وإحسانًا على خلقه، ويُحب أن
تؤتى.
الثانية: استحباب الفطر للمسافر في نهار رمضان، وأما صيام يوم عرفة في
السفر وعاشوراء فنص الإمام أحمد على استحباب صيامه، وهو قول
طائفة من السلف، ولعلَّ الفرق بين رمضان وهذين اليومين أنَّ رمضان
إذا فاتت أيامه قضى صومه، بخلاف عرفة وعاشوراء، فلا يقضى الصيام
بفوتهما .
الثالثة: قال الشيخ: ويفطر من عادته السفر كصاحب البريد والمكاري والملاح
إذا کان له بلد یأوي إليه.
وقال الشيخ عبدالعزيز بن باز: إذا كان الإنسان المسافر يحمل أهله
معه، أو ليس له أهل، فإنَّه يلزمه الصيام؛ لأنَّ سفره هذا غير منقطع،
وإن كان له أهل، ولكن لا يحملهم معه، فهو يخير بين الصيام
والإفطار.

٥١٣
كتاب الصيام
٥٦١ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - قَالَ: ((رُخِّصَ
لِلْشَّيْخِ الكَبِيرِ أَنْ يُفْطِرَ، وَيُطْعِمَ عَنْ كُلِّ يَوْم مِسْكِيْنَا، وَلاَ قَضَاءَ
عَلَيْهِ)). رَوَاهُ الدَّارَ قُطْنِيُّ، وَالحَاكِمُ، وَصَخَّحَاهُ(٢).
: درجة الحديث:
الحديث صحيحٌ.
أخرجه الحاكم وصحَّحه، وقال الدار قطني: إسناده صحيح، وقد أخرجه
البخاري (٤٢٣٥) بنحوه من طريق عطاء إلى ابن عباس، وله شواهد.
وقال الشيخ محمد ناصر الدين الألباني بعد أن استعرض هذا الأثر وأتى
بطرقه وبحثها وناقشها -: قال: حديث ابن عباس يدل على أن العاجز عن
الصیام۔ لکبرہ أو مرض مزمن ۔ یطعم عن کل یوم مسکینًا، وهذا صحیح یشهد
له حديث ابن عمر وأبي هريرة [رواه أحمد (٧٣٦٧)].
ما يؤخذ من الحديث:
أول ما نزل في شأن صيام رمضان: قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا كُتِبَ
عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ ... ﴾ [البقرة: ١٨٣] إلى قوله: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ
طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَكُمٌّ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ
٨٤
[البقرة: ١٨٤].
فصار المسلمون مخيرين في أول الأمر بين الصيام وبين الفطر مع الفدية،
وهي إطعام مسكين عن كل يوم؛ لما جاء في البخاري (٤٢٣٧) عن سلمة بن
الأكوع أنَّه قال: ((لما نزلت: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ كان
(١) الدار قطني (٢٠٥/٢)، الحاكم (١٦٠٧).

٥١٤
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
من أراد أن يفطر، يفتدي، حتى نزلت الآية التي بعدها: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ
فَلْيَصُمّْةٌ﴾ [البقرة: ١٨٥] فنسختها))، فالنسخ ثابت في حق الصحيح المقيم.
أما الشيخ الهرم الذي يشق عليه الصيام، ومثله العجوز الكبيرة التي يشق
عليها الصيام -: فلا يوجد نسخ في حقهما، وإنما لهما أن يفطرا، ولا قضاء
عليهما، وإنما عليهما الفدية، وهي إطعام مسكين عن كل يوم، وهذا هو ما
جاء مرويًّا عن ابن عباس بقوله: ((رخّص للشيخ الكبير أن يفطر، ويطعم عن كل
یوم مسکیناً، ولا قضاء علیه)).
ويشهد لههذا التفصيل ما أخرجه الإمام أحمد (٢١١٠٧) وأبوداود (٥٠٧)
وغيرهما عن معاذ بن جبل قال: ((أثبت الله صيامه على المقيم الصحيح،
ورشخَّص فيه للمريض والمسافر، وثبت الإطعام للكبير الذي لا يستطيع الصيام)).
والخلاصة: أنَّ الرخصة العامة بالإفطار والإطعام نسخت بالآية الثانية،
أما الرخصة للشيخ الكبير والشيخة الكبيرة فلم تنسخ في حقهما، وبيَّنت السنة
أنَّها مشروعة مستمرة إلى يوم القيامة .
ومثل الشيخ الكبير والعجوز الكبيرة - اللذين يشق عليهما الصيام -
المريضُ الميؤوس من برئه، ويشق عليه الصيام فله الفطر، وعليه إطعام مسكين
عن كل يوم، وقدْر إطعام المسكين هو مد من البر ((الحنطة))، ونصف صاع من
غيره، والصاع النبوي أربعة أمداد، كل مد هو (٦٢٥) غرامًا، فالصاع النبوي (٣
كيلو غرامات) هذا في حق الكبيرين العاجزين العاقلين، أما الذي أصابه الخرف
والتخليط، فلا صيام عليه ولا كفارة؛ لأنَّه ممن رفع عنهم القلم والتكليف.
خلاف العلماء:
اختلف العلماء في الحامل والمرضع إذا خافتا على الجنين أو الطفل
فقط، وأفطرتا، هل عليهما الكفارة؟ أو لا؟
ذهب الإمامان الشافعي وأحمد: إلى وجوب الكفارة؛ لما روي عن ابن

٥١٥
كتاب الصيام
عباس في تفسير قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾
[البقرة: ١٨٤] قال: كانت للشيخ الكبير والمرأة الكبيرة، وهما لا يطيقان
الصيام، أن يفطرا ويطعما مكان كل يوم مسكينًا، والحبلى والمرضع إذا خافتا،
قال أبوداود (٢٣١٨): ((يعني: على أولادهما)) قال الألباني: ((أثرٌ صحيحٌ)).
وذهب الحنفية والمالكية إلى: أنَّهما تقضيان ولا تطعمان، وهو قول الحسن،
وعطاء، والنخعي، والزهري، وإليه ذهب الأوزاعي، وسفيان، الثوري.
ولا يوجد ما يدل على الوجوب، والأصل براءة الذمة، ولكن صحَّ عن ابن
عباس، وابن عمر، في الحامل والمرضع إذا خافتا على أنفسهما أو ولديهما أن تفطرا
وتطعما؛ لدخولهما في الآية الكريمة، ولا يعرف لهما مخالف من الصحابة.
قال ابن القيم: أفتى به ابن عباس وغيره؛ إقامةً للإطعام مقام الصيام.
وقال الشيخ تقي الدين: تفطر، وتقضي، وتطعم عن كل يوم رطلاً من
خبز بأدمه، وهو مذهب جمهور العلماء فقد قالوا: حكم الإطعام باقٍ في حق
من لم يُطِقِ الصيام، قال الترمذي: والعمل عليه عند أهل العلم، تفطران،
وتطعمان، وتقضيان.
* فائدة:
الذين لا يجب عليهم صيام شهر رمضان أداءً أربعةُ أصنافٍ:
الأول: يفطر ويقضي، وهم:
١ - المريض الذي یرجی زوال مرضه، ويشق عليه الصيام.
٢- المسافر سفر قصر.
٣- المفطر لإنقاذ معصوم.
٤ - الحائض والنفساء.
٥- الحامل والمرضع إذا خافتا على نفسيهما فقط، أو خافتا مع نفسيهما على
الجنين أو الرضيع.

٥١٦
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
الثاني: يفطر ويقضي ويطعم مسكينًا عن كل يوم، وهم:
الحامل إذا خافت على جنينها، والمرضع إذا خافت على رضيعها، والمذهب
أنَّ الإطعام على من يمون الجنين والرضيع، وقال بعضم: عليهما كليهما.
الثالث: من لا يجب عليه الصيام أداء ولا القضاء، وإنما تجب عليه
الكفارة بدل الصيام؛ وهم الشيخ الكبير والشيخة الكبيرة، اللذان يشق عليهما
الصيام.
ففي البخاري (٤٢٣٧)، ومسلم (١١٤٥)، من حديث سلمة بن الأكوع
قال: ((لما نزلت هذه الآية ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة:
١٨٤] كان أراد أن يفطر ويفتدي، حتى نزلت التي بعدها فنسختها)) أما ابن عباس
فلا يرى النسخ، وإنما جاء عنه ما رواه أبوداود (٢٣١٨) وغيره قال: ((كانت
رخصة للشيخ الكبير والمرأة الكبيرة أن يفطرا، ويطعما مكان كل يوم مسكيناً،
والمرضع والحبلى، إذا خافتا على ولديهما، أفطرتا وأطعمتا)).
قال بعض المحققين: فتكون الآية محكمة غير منسوخة، وأنَّها إنما أريد
بها هؤلاء من باب إطلاق العام وإرادة الخاص، وهو أولى من ادعاء النسخ،
فإنّه خلاف الأصل، فالواجب عدمه، أو تقليله مهما أمكن.
والمريض الذي لا يرجى شفاؤه، حكمه حكم الكبير، يفطر ويطعم عنه .
الرابع: من لا يجب عليه أداءً ولا قضاءً، أو لا يصح منه، وهم:
١ - الكافر لا يصح منه، ولا يقضيه، لو أسلم، مع أنَّه إذا مات على كفره سئل
عنه وُذِّبَ على تركه.
٢ - الصغير والصغيرة، وهما من دون البلوغ، وهما مميزان، فيصح منهما، ولا
يجب عليهما، وينبغي أمرهما به ليعتادا عليه.
٣- المجنون لا يصح منه، ولا يقضيه بعد إفاقته، ولا يطعم عنه.
٤- المختلط في عقله لا يجب عليه، ولا يطعم عنه .

٥١٧
كتاب الصيام
٥٦٢ - وَعَنْ أبي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: ((جَاءَ رَجُلٌ
إِلَى النَّبِيِّ وَّةِ، فَقَالَ: هَلَكْتُ يَا رَسُولَ اللهِ قَالَ: وَمَا أَهْلَكَكَ؟ قَالَ:
وَقَعْتُ عَلَى امْرَأَتِي فِي رَمَضَانَ، فَقَالَ: هَلْ تَجِدُ مَا تُعْتِقُ رَقَبَةً؟ قَالَ:
لاَ، قَالَ: فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ؟ قَالَ: لا، قَالَ:
فَهَلْ تَجِدُ مَا تُطْعِمُ سِتِينَ مِسْكِينَا؟ قَالَ: لاَ. ثُمَّ جَلَّسَ، فَأُتِيَ النَّبِيُّ ◌َيه
بِعَرَقٍ فِيهِ تَمْرٌ، فَقَالَ: تَصَدَّقْ بَهَذَا، فَقَالَ: أَعَلَىْ أَفْقَرَ مِنَّا؟ فَمَا بَيِّنَ
لاَبَتَيَّهَا أَهْلُ بَيِّتٍ أَحْوَجُ إِلَيْهِ مِنَّا، فَضَحِكَ النَّبِيُّ ◌ِ حَتَّى بَدَتْ أَنْيَابُهُ،
ثُمَّ قَالَ: اذْهَبْ، فَأَطْعِمْهُ أَهْلَكَ)). رَوَاهُ السَّبْعَةَ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ (١).
* مفردات الحديث:
- رجل: هو سلمة بن صخر البياضي.
- هلكت: الهلاك العذاب، ومراده: فعلت ما هو سبب هلاكي .!
- وقعت على امرأتي: أي: جامعها مختارًا عالمًا، وفي إحدى الروايات:
((وطئت امرأتي، وأنا صائم)).
- تعتق رقبة: العتق: الخلوص، وهو تخليص الرقبة من الرق، والرقبة عبدٌ، أو
أمةٌ، وخصت الرقبة من جميع البدن؛ لأنَّ الرق كالغل في رقبته، المانع له من
التصرف، فإذا عتق صار كأنَّ رقبته أطلقت من ذلك الغل.
تعتق رقبة: المراد بها: النفس الكاملة، وقد عبَّر بالبعض عن الكل، وهو
(١) البخاري (١٩٣٦)، مسلم (١١١١)، أبوداود (٢٣٩٠)، الترمذي (٧٢٤)، النسائي في
الكبرى (٢١٢/٢)، ابن ماجه (١٦٧١)، أحمد (٦٩٨٩).
ا.

٥١٨
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
جائز، إذا كان فقد البعض فيه فقد الكل، ولذا يعبر عن الصلاة بالركوع
والسجود والقرآن؛ لأنَّ هذه الأشياء أركان فيها، إذا فقدت فقدت الصلاة.
- مسكيناً: من: السكون، وهو الذي أسكنته الحاجة والفقر، وهو من لا يجد
كفاية عامة من النفقة .
- عرق : - بفتحتين للعين والراء بعدهما قاف - وهو الزنبيل فيه عشرون صاعًا،
أو خمسة عشر صاعًا .
- لابتيها: تثينة لابة))؛ وهي الحرة، وهي الأرض التي تعلوها حجارة سود،
جمعه لابات، والمدينة المنورة بين لابتين: شرقية وغربية، فالحرة الشرقية
تسمى حرة الوبرة، والغربية حرة واقم.
- بدت أنيابه: جمع: ((ناب))؛ وهي الأسنان الملاصقة للرباعيات، وهي أربعة،
وبدو أنيابه وَّليل من حال الرجل، في كونه جاء خائفًا من الهلاك، فلما وجد
الرخصة طمع أن يأكل ما أعطيه من الكفارة.
* ما يؤخذ من الحديث:
١- الرجل الذي وطىء في نهار رمضان هو سلمة بن صخر البياضي من بني
بياضة، أحد بطون الأنصار.
٢ - أنَّ الوطء للصائم في نهار رمضان من الفواحش الكبار المهلكات، فالنبي
وَ لّ أقره على أنَّ فعله هذا مهلك.
٣- أنَّ الوطء عمدًا يوجب الكفار المغلظة، وهي على الترتيب: عتق رقبة
مؤمنة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ستين
مسکینًا .
٤- أنَّ العبرة بالشهور لا بعدد الأيام، فإذا ابتدأ الصوم في خمسة عشر من ربيع
الأول، فإنَّه ينتهي بنهاية خمسة عشر من جمادى الأولى.
٥- أنَّ الإنسان مؤتمن على عبادته البدنية والمالية، فإنَّ النَّبيَّ بَّهِ أقرَّه على

٥١٩
كتاب الصيام
عجزه عن الكفارة بأنواعها .
٦ - عدم تعنيف التائب على ما وقع منه من معصية.
٧- عظم خطر الجماع في الصيام الواجب، وهو في نهار رمضان أشد خطرًا؛
لقوله: ((هلكتُ)) ولوجوب الكفارة.
٨- الجماع في نهار رمضان هو الموجب للكفارة؛ لحرمة الزمن، أما قضاء
رمضان فحرام، وللكنه لا يوجب الكفارة، قال في الروض وحاشيته: ومن
جامع في نهار رمضان، فعليه القضاء والكفارة، وهو مذهب الأئمة الأربعة.
٩ - أنَّ الكفارة لا تسقط عمن وجبت بالإعسار والعجز عنها، فليس في الحديث
ما يدل على سقوطها، والأصل بقاؤها في ذمته.
١٠ - جواز التكفير من الغير، ولو من أجنبي بشرط علم المكفر عنه؛ لأنَّها عبادة
تحتاج إلى نية .
١١ - أنَّ للمكفر عنه الأكل منها هو وأهله ما دامت مخرجة من غيره، أما لو
أخرجها هو: فإنَّها لا تجزىء عنه إذا أنفقها على نفسه وأهله.
١٢ - أنَّ من ارتكب معصية لا حدَّ فيها، ثم جاء تائبًا نادمًا، فإنَّه لا يعزَّر.
١٣- حسن خلق النبي وَيّ، وكرم الوفادة عليه، فقد جاء هذا الرجل خائفًا
يشكو الهلاك، فراح من عنده فرحًا مغتبطًا، معه ما يطعمه أهله.
١٤ - الكفارة هي فدية تلزم المجامع في نهار رمضان من غير عذر، عقوبةً له،
وزجرًا له ولغيره، وتكفيرًا لجرمه، واستدراكًا لما فرط منه، فهي بمنزلة
الحدود المطهّرة، والجماع مفسد الصوم بالكتاب والسنة والإجماع
والقیاس.
١٥- الجماع الموجب للكفارة هو إيلاج الذكر في الفرج، قبلاً كان أو دبرًا، ولو
لم يحصل مع الإيلاج إنزال، فأما الإنزال بالمباشرة دون الفرج ، فإنَّه يفطر
الصائم، ويلحقه الإثم، وللكنه لا يوجب الكفارة.

٥٢٠
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
١٦ - المرأة الموطوءة إن كانت ذاكرةً مطاوعةً، فعليها ما على الرجل الواطىء،
من الكفارة والقضاء والإثم؛ لأنَّ الأصل تساويهما في الأحكام، وإن لم
تكن مطاوعة فصيامها صحيح، ولا قضاء عليها، لحديث: ((عفي لأمتي
عن الخطأ، والنسيان، وما استكرهوا عليه)).
١٧ - المشهور من مذهب أحمد : أنَّه إذا طلع الفجر على المجامع فنزع في
الحال، فعليه القضاء والكفارة، لأنَّ النزع جماع على المذهب، ومذهب
الأئمة الثلاثة أنَّ النزع ليس بجماع، فلو طلع عليه الفجر، وهو يجامع،
فنزع في الحال فلا قضاء ولا كفارة، وهو اختيار الشيخ تقي الدين.
١٨ - يجوز للإنسان أن يشكو حاله إلى من يقدر على مساعدته على بلواه، إذا لم
يكن على سبيل التسخط .
١٩ - يجوز للإنسان أن يخبر عما لا يحيط به علمًا، إذا غلب على ظنه ذلك،
فقوله: «ما بين لا بتيها أهل بيت أحوج إلیه منا» هو إخبار على حسب ظنه،
وإلاَّ فاليقين لا يوصل إليه إلاَّ بالبحث عن أهل المدينة بيتًا بيتًا.
* خلاف العلماء:
أجمع العلماء على وجوب الكفارة على من جامع عامدًا ذاكرًا في نهار
رمضان، واختلفوا في الناسي والمكره:
فذهب الإمام أبو حنيفة - رحمه الله - إلى: أنَّ عليه القضاء دون الكفارة.
وذهب الشافعي وجمهور العلماء إلى: أنَّ من جامع ناسيًا، فلا قضاء
عليه ولا كفارة، وهو رواية للإمام أحمد، واختارها جملة من أصحابه، منهم
الشيخ تقي الدين وابن القيم وغيرهما.
أما المشهور من مذهب الإمام أحمد، والذي مشى عليه أصحابه، وأهل
الظاهر -: فهو وجوب الكفارة، ووجود الفطر في الجماع من العامد والناسي،
والجاهل والمكره؛ لأنَّ الجماع أعظم المفطرات؛ لما فيه من الشهوة واللذة