النص المفهرس
صفحات 481-500
٤٨١ كتاب الصيام في بعض ألفاظ الحديث. والتفصيل الذي ذهب إليه أحمد وبعض السلف: قال عنه ابن القيم: إنَّه أعدل الأقوال؛ لما في البخاري (١٨٢٧) من حديث أبي سعيد: ((لا تواصلوا، وأيكم أراد أن يواصل، فليواصل إلى السحر)). ٤٨٢ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ٥٥١ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَهِ: ((مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ، وَالعَمَلَ بِهِ وَالجَهْلَ - فَلَيْسَ لهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ)). رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَأَبُودَاوُدَ، وَاللَّفْظُ لَهُ(١). * مفردات الحديث: - من لم يدع: توارد على الفعل جازمان، والعامل في الفعل هو الثاني المباشر، أما الأول فيكون عاملاً في المحل. - يدع: من ودعته أدعه ودعًا: تركته، وأصل المضارع الكسر، ومن ثم حذفت الواو، ثم فتح لمكان حرف الحلق. قال بعض المتقدمين: إن ((ودع)) من الأفعال التي أماتت العرب ماضيه، فلا يأتي إلاّ أمرًا ومضارعًا، والمعنى: لم يترك، والحق أنَّ ماضيه لم يمت، وإنما هو كما قال في ((المصباح)): قليل الاستعمال، وإلاّ فقد قرىء قوله تعالى: ﴿ مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ﴾ [الضحى: ٣] بالتخفيف. وقال الشاعر: «غالبه في الحب حتى ودعه)) بالتخفيف. وجاء مصدرًا في قوله ◌َّ: (لينتهين أقوام عن ودعهم الجُمُعَات)) [رواه مسلم (٨٦٥)]. - الزور :- بضم الزاي وسكون الواو آخره راء مهملة -: هو كل كلام مائل عن الحق، ومنه الكذب والبهتان، ومن أعظمه الشهادة الكاذبة في أخذ باطل، أو إبطال حق. - والعمل به: أي: العمل بمقتضى ما نهى الله عنه من شهادة الزور، وما نهى الله عنه. (١) البخاري (٦٠٥٧)، أبوداود (٢٣٦٢). ٤٨٣ كتاب الصيام - الجهل: السفه، من شتم وسب وقذف، وهو ضد الحلم. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - قول الزور هو القول المائل عن الحق إلى الباطل، فيدخل فيه كل كلام محرَّم: من الكذب، والغيبة، والنميمة، وشهادة الزور، والسب والشتم وغير ذلك. ٢ - فكل قول زور فهو محرَّم في كل زمان ومكان، ولكن يعظم ويشتد إثمه إذا كان في زمان فاضل کرمضان، ومكان فاضل كالحرمين، وحالة فاضلة كالصيام. ٣- أما الجهل فهو ضد الحلم من السفه بالكلام الفاحش، فهو أيضًا محرَّم على كل حال، وحرمته من الصائم أعظم وأشد. ٤- أنَّ الصيام مع قول الزور والجهل والسفه ناقص المعنى، قليل الأجر؛ لأنَّه ليس صومًا تامًا كاملاً، ولو كان كذلك لصان صاحبَه عن الأقوال المحرَّمة، وفضول الكلام. ٥- قوله: ((فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه)) - يراد به: بيان عظم ارتكاب قول الزور والجهل في حال الصيام، وإلاّ فالله تعالى غني عن العالمين وأعمالهم. ٦- الصيام مع الكلام المحرم ظاهره الصحة، وأداء الواجب عن صاحبه؛ إذ أنَّه ليس من المفطرات الحسية. قال في ((الإقناع)): ولا يفطر بغيبةٍ ونحوها. قال الوزير: اتَّفقوا على أنَّ الكذب والغيبة يكرهان للصائم، ولا يفطرانه، فصومه صحيح في الحكم، وهذا مبنيٌّ على قاعدة هي: أنَّ التحريم إذا كان عامًّا لا يختص بالعبادة، فإنَّه لا يبطلها، بخلاف التحريم الخاص. ٧- من آداب الصائم ما قاله في ((الإقناع)): ويجب اجتناب كذبٍ، وغيبةٍ، ونميمةٍ، وشتمٍ، وفحش، ونحوه، كل وقت، وفي رمضان، ومكان فاضل آکد، وألا یعمل عملاً یجرح به صومه، فیکف لسانه عما يحرم ویکره، وإن ٤٨٤ توضيح الأحكام من بلوغ المرام شُتِمَ سن له جهرًا في رمضان أن يقول: إني صائم، وفي غير رمضان يقولها سرًّا، يزجر نفسه بذلك خوف الرياء. ويستحب الإكثار من قراءة القرآن، والذكر، والصدقة، لتضاعف الحسنات به . ٨- قوله: ((فليس لله حاجة ... )) فيه إثبات الحكمة من الشرائع، وأنَّ منها تهذيب النفوس، وتقويم الأخلاق، واستقامة الطباع، كما قال تعالى: ﴿﴿ إِنَ الضَّلَوةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَآءِ وَالْمُنْكِّرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥]. ٩ - المقصود من شرعية الصيام ليس نفس الامتناع عن المفطرات، والجوع والعطش، بل ما يتبع ذلك من كسر الشهوات، وإطفاء ثائرة الغضب، وتطويع النفس الأمارة حتى تصير مطمئنة، فإن لم يحصل له شيء من ذلك لم يبال الله بصومه، ولا ينظر إليه نظر قبول. * فوائد: الأولى: قال إبراهيم النخعي: تسبيحة في رمضان خير من ألف تسبيحة فيما سواه، وأخبار مضاعفة الأعمال الصالحة في رمضان متظاهرة. الثانية: جاء في البخاري (٥٦٧٢)، ومسلم (٤٧) من حديث أبي هريرة؛ أنَّ الشَّيَّ وَالر قال: ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليقل خيرًا، أو ليصمت)). فيسن للصائم أن يسعى في حفظ لسانه عن جميع الكلام، إلاّ ما ظهرت مصلحته . الثالثة: جاء في البخاري (١٨٠٥)، ومسلم (١١٥١) من حديث أبي هريرة؛ أنَّ النَّبي ◌َّ قال: ((إذا كان يوم صوم أحدكم، فلا يرفث، ولا يصخب، فإن شاتمه أحد أو قاتله، فليقل: إني امرؤ صائم)). وظاهر الحديث أنَّه يجهر بذلك، واختاره الشيخ، وليس مختصًّا بالصائم، للکنه في حقه آكد. ٤٨٥ كتاب الصيام ٥٥٢ - وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: ((كَانَ النَّبِيُّ ◌َه يُقَبِلُ وَهُوَ صَائِمٌ، وَيُبَاشِرُ وَهُوَ صَائِمٌ، وَلَكِنَّةً كَانَ أَمْلَكَكُمْ لإِرْبِهِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ، وَزَادَ فِي رِوَايَةٍ: ((فِي رَمَضَانَ)(١). * مفردات الحديث: - يباشر: المباشرة مأخوذة من: البشرة، وهو ظاهر الجلد، ويراد بها هنا: القُبلة، واللمس لشهوة، وهو من عطف العام على الخاص، فالخاص القبلة، والعام المباشرة. - إربه: بكسر الهمزة وسكون الراء المهملة وكسر الباء الموحدة التحتية، المراد به هنا: الذكر خاصة، والمعنى: أنَّه كان غالبًا لشهوته. قال النووي: رويت هذه اللفظة بكسر الهمزة وإسكان الراء، وبفتح الهمزة والراء، ومعناها بالكسر: الحاجة، وكذا بالفتح، ولكنه أيضًا يطلق على العضو، وأريد به الذكر من الأعضاء خاصة. - أملككم: من ملك يملك مُلكًا وملَكَة، وأملك اسم تفضيل، قال في (المحيط)): ملك نفسه عند شهوتها؛ أي: قدر على حبسها . * ما يؤخذ من الحديث: ١- الحديث يدل على جواز تقبيل الرجل زوجته، وهو صائم في رمضان، ولكنه يقيد بما إذا كان الإنسان يعلم من نفسه أنَّ القبلة لا تحرك شهوته. ٢- كما يدل على جواز مباشرة الرجل زوجته، وهو صائم، بقید ثقته من نفسه، بعدم ثوران شهوة واحد منهما . (١) البخاري (١٩٢٧)، مسلم (١١٠٦). ٤٨٦ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ٣- قال في ((الإقناع وشرحه)): وتكره القبلة ممن تحرك شهوته فقط؛ لحديث عائشة، فإن ظنَّ الإنزال مع القبلة حرم بغير خلاف. ولا يكره ممن لا تحرك شهوته، وكذا دواعي الوطء كلها: من اللمس، وتكرار النظر، حكمها حكم القبلة. ويؤيد هذا التفصيل: ما جاء في أبي داود (٢٣٨٧) من أنَّه ◌َ لِّ نهى عنها شابًّا، ورخّص فيها لشيخ، وقد قال الإمام الشافعي: لا بأس بها إذا لم تحرك شهوته. ٤ - النبي ◌َّي يقبل ويباشر وهو صائم، وللكنه أملك الناس لنفسه من أن يحصل من قبلته إنزال، أو هيجان نفس، فقد قالت عائشة - رضي الله عنها -: «وللكنه كان أملککم لإربه)). ٥- جواز الحديث والإخبار عن الأشياء التي يستحيى منها؛ وذلك لإظهار الحق فيها، أو بيان للطبيب المعالج، أو ذكر ذلك في مجال القضاء، وفصل الخصومات، والتعلیم. ٦ - فائدة زوجات النبي وَله وبركتهن على الأمة، فقد نقلن من الأحكام الشرعية ما لا يطلع عليه إلاَّ هنَّ. ٧- لو قبّل أو باشر فأنزل، فمذهب الأئمة الأربعة أنَّه يفطر، وحكى الإجماع في ذلك ابنُ المنذر والموفق ابن قدامة وغيرهما، وهو الصواب؛ لما جاء في الحديث القدسي: ((يدع طعامه وشرابه وشهوته من أجلي)). ٨- أما خروج المذي من المباشرة، فالمشهور من المذهب أنه يفطر، وعليه أكثر الأصحاب، والرواية الأخرى عن الإمام أحمد أنه لا يفطر بالإمذاء، وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي، واختاره الشيخ تقي الدين، واستظهره في ((الفروع))، وصوبه في ((الإنصاف))، وذلك عملاً بالأصل، وأما قياسه على المني، فلا يصح لظهور الفروق بينهما، فالأقسام ثلاثة إذن : ٤٨٧ كتاب الصيام ( أ ) المباشرة أو التقبيل بدون إنزال مني، ولا مذي، لا تفسد الصوم بالإجماع. (ب) المباشرة والتقبيل مع إنزال المني تفسد الصوم، حُكي في ذلك الإجماع. (ج) المباشرة أو التقبيل مع إنزال المذي دون المني، فيه خلاف، والراجح أنَّه لا يفسد الصوم. ٩- قولها: ((كان أملككم لإربه)) تشير به إلى أنَّ الذي لا يملك إربه، ولا يستطيع أن يملك شهوته عند القبلة أو المباشرة، أنه لا يحل له أن يقبل أو يباشر، وهو صائم صومًا واجبًا . ١٠- في الحديث دليل على جواز ذكر الأحوال الجنسية عند الحاجة إلى ذكرها، من إظهار حق، وفقه في الدين، ومن وصف لطبيب ونحو ذلك، وأنه لا يعاب ذاكر ذُلك للمصلحة. ١١ - الصديقة بنت الصديق - رضي الله عنهما - ذكرت أنواع الشهوة مترقية من الأدنى إلى الأعلى، فبدأت بالقُبلة ثم ثنت بالمباشرة. ٠ ٤٨٨ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ٥٥٣ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا -: ((أَنَّ النَّبِيَّ احْتَجَمَ وَهُوَ مُحْرِمٌ، وَاحْتَجَمَ وَهُوَ صَائِمٌ)). رَوَاهُ البُخَارِيُّ(١). صَلى الله وستا ٥٥٤ - وَعَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ -: (أَنَّ النَّبِيَّ ◌َ أَنَى عَلَى رَجُلٍ بِالبَقِيعِ، وَهُوَ يَخْتَجِمُ فِي رَمَضَانَ، فَقَالَ: أَفْطَرَ الحَاجِمُ وَالمَحْجُومُ)). رَوَاهُ الخَمْسَةُ إِلَّ التِّرْمِذِيَّ، وَصََحَهُ أَحْمَدُ وَابْنُ خُزَيْمَةَ وَابْنُ حِبَّانَ(٢) . * مفردات الحديث: - البقيع :- بفتح الباء وكسر القاف بعدها ياء مثناة تحتية ثم عين مهملة - وهو مقبرة أهل المدينة. (١) البخاري (١٩٣٨). (٢) أحمد (١٦٤٨٩)، أبوداود (٢٣٦٩)، النسائي في الكبرى (٣١٤٤)، ابن ماجه (١٦٨١)، ابن خزيمة (١٩٦٤)، ابن حبان(٣٥٣٣). ٤٨٩ كتاب الصيام ٥٥٥ - وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: ((أَوَّلُ مَا كُرِهَتِ الحِجَامَةُ لِلصَّائِمِ؛ أَنَّ جَعْفَرَ بْنَ أَبِي طَالِبٍ احْتَجَمَ وَهُوَ صَائِمٌ، فَمَرَّ بِهِ الشَِّيُّ ◌َهِ، فَقَالَ: أَفْطَرَ هَاذَانٍ، ثُمَّ رَخَّصَ النَّبِيُّ ◌َّهِ بَعْدُ فِي الحِجَامَةِ لِلصَّائِمِ، وَكَانَ أَنَسرٌ يَحْتَجِمُ وَهُوَ صَائِمٌ)). رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَقَوَّاهُ(١) * درجة الحديثين: الحديثان (٥٥٤، ٥٥٥) صحيحان. قال الإمام أحمد والبخاري عن حديث: ((أفطر الحاجم والمحجوم)): إنَّه أصح حديث في الباب، وقال الإمام أحمد: أحاديث ((أفطر الحاجم والمحجوم)) يشد بعضها بعضًا، وقال الطحاوي وغيره: هي أحاديث متواترة عن عدة من الصحابة، وقال شيخ الإسلام: الأحاديث الواردة كثيرة قد بيَّنها الأئمة الحفاظ ، وقال ابن القيم في ((شرح سنن أبي داود)): الثابت أنَّ النَّبِيَّ وَلّ احتجم وهو محرم، وأما قوله: ((وهو صائم)) فإنَّ الإمام أحمد قال: لا تصح هذه اللفظة وبيَّن أنَّها وهمٌّ، ووافقه غيره في ذلك، والذي في الصحيحين: ((احتجم وهو محرم)). اهـ. وقال في ((المغني)): حديث: ((أفطر الحاجم والمحجوم)) - رواه عن النبي والر أحد عشر نفسًا. أما حديث شداد بن أوس: فصحّحه غير من ذكر، مثل إسحاق وابن المديني وابن خزيمة والحاكم وعثمان الدارمي، وقال الزيلعي: إنَّه روي عن (١) الدار قطني (١٨٢/٢). ٤٩٠ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ثمانية عشر صحابيًّا، وممن صححه ابن عبدالبر وابن حزم. وقال الذهبي: قوله: ((بالبقيع)) خطأ فاحش؛ فإنَّ النَّبِيَّ وَّ كان يوم التاريخ المذكور في مكة، اللَّهمَّ إلاَّ أن يريد بالبقيع: السوق. وأما حديث أنس: فقال الدارقطني: رجاله كلهم ثقات، ولا أعلم له علة، وقال الحافظ: رجاله كلهم رجال البخاري. وأما من ردَّه: فمنهم صاحب ((التنقيح))، فقد قال: هذا حديث منكر لا يصح الاحتجاج به؛ لأنَّه شاذُّ المتن والإسناد، وضعفه ابن القيم، ففيه نكارة حيث جاء فيه: أنَّه ◌َلَِّ مرَّ بجعفر يوم الفتح وهو يحتجم، وجعفر قد استشهد قبل الفتح يوم مؤتة . * مفردات الحديث: - بَعْدُ: مبني على الضم؛ لقطعه عن الإضافة مع نية المضاف إليه؛ أي: بعد ذلك. - الحجامة: يقال: حجم حجمًا من باب قتل، والحِجامَة بالكسر: اسم الصناعة . قال في ((المحيط)): وهي أن يشرط الجلد بالمشراط، ثم يلقي في المحجمة قرطاس ملتهب أو قطن ونحوه، ويلزم بها مكان الشرط فيجب الدم بقوة، وفائدتها جذب المادّة إلى جهتها، واستفراغ الدم بقوة الامتصاص. * ما يؤخذ من الحديث: ١- ظاهر الحديث رقم (٥٥٣) جواز الحجامة للمحرم بحج أو عمرة، وجواز الحجامة للصائم فرضًا، أو نفلاً. ٢- الإمام أحمد وغيره من رجال الفقه والحديث طعنوا في زيادة: ((وهو صائم))، وقالوا: الثابت: ((احتجم وهو محرم)). قال ابن القيم في ((شرح السنن)): الثابت: ((أَنَّ النَّبِيَّ وَّ احتجم وهو محرم))، أما وهو صائم فإنَّ الإمام أحمد قال: لا تصح هذه اللفظة، ووافقه غيره في ذلك، والذي في الصحيحين: ((وهو محرم)). ٤٩١ كتاب الصيام ٣- أما الحديث رقم (٥٥٤): فإنَّه صريح في أنَّ الحجامة تفسد صوم الحاجم والمحجوم. ٤- أما الحديث رقم (٥٥٥): فيدل على كراهة الحجامة للصائم، وعلى أنَّها تفطر الحاجم والمحجوم في أول الأمر، ثم رخّص فيها في آخر الأمر. ٥- الكراهية عند السلف يراد بها: كراهة التحريم. ٦- الحكمة في إفطار المحجوم : أنَّ الحجامة تسحب الدم الذي في بدن الصائم، مما يسبب له إنهاكًا وضعفًا، مع ضعف الصيام، فمن رحمة الله تعالى بعباده أن صارت الحجامة تفطر؛ لئلا يجتمع على المسلم الصائم عاملا ضعف في آنٍ واحد. وأما سبب إفطار الحاجم: فقد كانت الحجامة بأن يمص الحاجم الدم بواسطة محاجمه، فيصل إلى جوفه من دم الحجامة، مما يسبب له الإفطار. ٧- مثل الحجامة في الإفطار فصد العرق، وسحب الدم الكثير بواسطة الإبر المستعملة في المستشفيات، بجامع أنَّ كل هذا إخراج للدم من البدن، وإخراجه يسبب الإنهاك والضعف للصائم، مما يسبب إفطار الصائم. والإفطار بالفصد، وسحب الدم ــ على القول الراجح، الذي اختاره شيخ الإسلام - مقتضى القیاس. ٨- خروج الدم اليسير من خلع ضرس، أو سحب عينة دم لتحليل، أو جرح، ونحو ذلك ـــ لا يفطر الصائم. خلاف العلماء: اختلف العلماء في الحجامة: هل تفطر الصائم، أم لا؟ ذهب الأئمة الثلاثة إلى: أنَّها لا تفطر؛ لما روى البخاري عن ابن عباس: ((أنَّ النَّبِيَّ ◌َّ احتجم وهو صائم محرم)) . ورخّص في الحجامة: أبوسعيد، وابن مسعود، وأم سلمة، والحسين بن ٤٩٢ توضيح الأحكام من بلوغ المرام علي، وعروة بن الزبير، وسعيد بن جبير . وذهب الإمام أحمد إلى: أنَّ الحجامة تفطر؛ لما في المسند والترمذي من حديث رافع بن خديج أنَّ النَّبِيَّ وَّه قال: ((أفطر الحاجم والمحجوم)). قال أحمد والبخاري: إنَّه أصح حديث في الباب. ولأبي داود عن ثوبان عن النبي ◌َّ قال: ((أفطر الحاجم والمحجوم))، قال الإمام أحمد: أحاديث ((أفطر الحاجم والمحجوم)) يشد بعضها بعضًا، وأنا أذهب إليها . قال الطحاوي وغيره: هي أحاديث متواترة عن عدة من الصحابة. قال شيخ الإسلام: الأحاديث الواردة كثيرة قد بيَّنها الأئمة الحفاظ، والقول بأنَّها تفطر مذهب أكثر فقهاء الحديث، كأحمد، وإسحاق، وابن خزيمة، وابن المنذر، وهو الموافق للقياس، والذين لم يروا إفطار المحجوم احتجوا بما في صحيح البخاري (١٨٣٦): ((أَنَّ النَّبِيَّ ◌َّرِ احتجم وهو صائم محرّم)). ولكن أحمد وغيره طعنوا في هذه الزيادة، وهي قوله: ((وهو صائم))، وقالوا: الثابت ((أنّه احتجم وهو محرم))، قال أحمد: ((وهو صائم)) خطأ من قبيصة . قال شيخ الإسلام: وما ذكره أحمد هو الذي اتَّفق عليه الشيخان. وأحاديث الفطر صريحة صحيحة متعددة الطرق، رواها عن النبي رَليق أربعة عشر نفسًا، وساق الإمام أحمد أحاديثهم كلها، فكيف يقدم عليها أحاديث هي بين أمرين: صحيحٌ لا دلالة فيه، أو فيه دلالةٌ، ولكن غير صحيح . والصواب الفطر بالحجامة والفصد والتشريط، وسحب الدم الكثير من البدن الموجود في الحجامة موجودٌ في هذه الأشياء طبعًا وشرعًا. ٤٩٣ كتاب الصيام وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم، وغيرهما من المحققین، رحمهم الله تعالی. * فوائد: الأولى: أجمع العلماء على أنَّ الأكل والشرب والجماع مفطرات. واختلفوا في الحجامة، والكحل، والإنزال بدون جماع، والإمذاء، ونحو ذلك، وقد تقدم تفصيل ذلك. الثانية: تقدم لنا أنَّ سحب الدم الكثير يفطر الصائم، كالحجامة - على القول الراجح - فلو فرضنا أنَّ مريضًا مضطرًا إلى إسعافه بالدم قبل المغرب، فإنَّه يباح لمن يراد سحب الدم منه الفطر بالسحب؛ لأجل إنقاذ المعصوم . الثالثة: إذا جيء بالعبادة على المقتضى الشرعي، فادَّعى أحد فسادها أو بطلانها، فإنَّ عليه الدليل على ذلك، وإلاّ فقوله لا يقبل بنقص عبادة، أو بطلانها ظاهرها الصحة إلاّ بدلیل. الرابعة: إنَّ الشارع إذا شرع عبادة بيَّن أركانها وشروطها وواجباتها، حسبما اصطلح عليه علماء الأصول، كما بين مبطلاتها ومفسداتها، فإنَّ الأشياء لا تتم إلاَّ ببيان ما يكملها، وما يفسدها، وما يبطلها . إذن فلا يحل لأحد أن يدَّعي بطلان أو فساد عبادات الناس من تلقاء نفسه، أو بحكم يفرضه من عنده، فإنَّ هذا اعتداء على الخلق في عبادتهم، وعدوان في حق الخالق في شرعه. ٤٩٤ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ٥٥٦ - وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عِنْهَا -: ((أَنَّ النَّبِيَّ ◌َّ اكْتَخَلَ فِي رَمَضَانَ، وَهُوَ صَائِمٌ)). رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: لاَ يَصِحُّ فِي هَذَا الْبَابِ شَيْءٍ(١). أحاديث الاكتحال: وردت أحاديث تجيز الاكتحال للصائم، وأحاديث تمنع الصائم منه، وبناءً على هذا التعارض، فقد رخَّص فيه بعض العلماء، ومنهم الإمام الشافعي، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم وغيرهم. ومنعه بعضهم، ومنهم الإمام أحمد، وإسحاق، وسفيان، وابن المبارك. والأحاديث التي تجيز الاكتحال للصائم، والأحاديث التي تمنع منه - كلها أحاديث ضعيفة لا تقوم بها حجة للطرفين، وهذا طرف منها: ١- حديث عائشة: ((أنَّ النَّبِيَّ ◌َ ل﴿اكتحل وهو صائم)). قال الترمذي: لا يصح في هذا الباب شيء، وقال ابن القيم في «الهدي)): روي عنه: (أنه اکتحل وهو صائم))، ولا يصح. ٢ - حديث ابن عمر: ((أنَّه وَيُ خرج عليهم في رمضان، وعيناه مملوءتان من الإثمد». رواه الترمذي، وقال: ولا يصح عن النبي ◌ّ في هذا الباب شيء، قال ابن القيم في الهدي: لا يصح. ٣- حديث معبد بن هوذة: ((أنَّ النَّبِيَّ ◌َله أمر بالإثمد المروح عند النوم، وقال: ليتقه الصائم)) [رواه أبوداود(٢٣٧٧)]، قال أحمد: حديث منكر، وقال ابن (١) ابن ماجه (١٦٧٨). ٤٩٥ كتاب الصيام معين: هذا حديث منكر، وقال ابن عدي: هذا حديث موقوف، وقال البيهقي: لا يثبت مرفوعًا، وقال ابن القيم: لا يصح. وإذا لم تثبت الأحاديث المجيزة، ولا الأحاديث المانعة - فالصحيح ما ذهب إليه جمهور العلماء من استصحاب البراءة الأصلية، التي لا ننتقل عنها إلاَّ بدليل، وليس في الباب دليلٌ على الإفطار بالكحل، والله أعلم. * فائدة: المفطرات قسمان : الأول: مُجمع عليه بين العلماء وهو : ١ - الردة عن الإسلام؛ قال تعالى: ﴿لَبِنْ أَشْرَّكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥]. ٢ - الأكل والشرب عمدًا، ومنه الدخان؛ قال تعالى: ﴿وَكُلُواْ وَأَشْرَبُواْ حَقِّ يَتَبَيَّنَ لَكُمْ اُلْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِّمُواْ الْضِيَامَ إِلَى أَلَيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧]. ٣- الجماع؛ وهو تغييب حشفة الذكر في فرج، قبلاً كان أو دبرًا، ولو في بهيمة، فيفطر كل من الواطىء والموطوء المطاوع؛ لما في البخاري (١٨٣٤) ومسلم (١١١١) من حديث أبي هريرة قال: ((جاء رجل إلى النبي وَله فقال: هلكتُ، قال: وما أهلكك؟ قال: وقعت على امرأتي في رمضان. قال: هل تجد رقبة؟ قال: لا ، قال: فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ قال: لا، قال: فهل تجد ما تطعم ستين مسكيناً؟ قال: لا ... )) الحديث. ٤- إنزال المني باختياره بمباشرة بما دون الفرج كاللمس، أو القُبلة، أو الغمزة، ونحوها، أو المساحقة، أو الاستمناء؛ لأنَّ نزول الشهوة منافية للصوم وحكمته . ٥- خروج دم الحيض والنفاس. ٦- الحقنة المغذية التي يُسْتغنى بها عن الطعام والشراب، فهذا نوع من الغذاء، ومثل ذلك حقن الصائم بالدم؛ فإنَّه يمد الجسم بعناصر الغذاء المغنية عن ٤٩٦ توضيح الأحكام من بلوغ المرام الطعام والشراب. ٧- القيء إذا أخرجه متعمدًا؛ لما روى أبوداود (٢٣٨٠) والترمذي (٧٢٠) من حديث أبي هريرة؛ أنَّ النَّبيَّ وٍَّ قال: ((من استقاء عمدًا، فليقض)). هذه هي الأشياء المجمَع على أنَّها من مفسدات الصوم، ومفطرات الصائم، وتقدم صحة القول بالفطر من الحجامة، وما شابهها من تعمد إخراج الدم الکثیر من البدن . النوع الثاني: أشياء اختلف العلماء فيها: فبعضهم يرى أنَّها تصل إلى الجوف، وأنها مفطرةٌ، ومفسدةٌ للصوم، وبعضهم يرى أنَّها ليست من الطعام والشراب والغذاء، وأنَّه ليس لها تأثير في التغذية، وإعطاء الجسم نصيبًا من الغذاء، وأنَّه لا يوجد ما يدل على أنَّها من أنواع المفطرات، فلا تفطر، ذلك مثل: الكحل، قطرة العين، قطرة الأذن، قطرة الأنف، الحقنة الشرجية، التقطير في الإحليل، إبرة الدواء، دواء الربو الذي يستنشقه المريض، دواء الجائفة والمأمومة، وبلع النخامة من أي موضع خرجت من البدن. اختلف العلماء في الإفطار بهذه الأشياء، وفساد الصوم بها: فبعضهم يراها كلها مفطرةً للصائم؛ لما لها من نفوذ في البدن، ووصول إلى الجوف، وبعضهم يرى أنَّ بعضها يفطر، ويفسد الصوم. وهذا الاختلاف راجع إلى اجتهادهم فيها، وتصورهم فيما تحدثه في بدن الصائم، واعتبارهم كل ما وصل إلى الجوف فهو مفطر مفسد الصوم، فممن يرى الإفطار بهذه الأشياء كلها القول المشهور في مذهب الإمام أحمد، فأصحابه مشوا في إجراء كل ما وصل إلى الجوف من أي موضع نفذ مجرى المفطرات. أما شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم، وكثير من رجال الحديث ممن تمسكوا بالآثار -: فلا يرون الفطر من هذه الأشياء وأمثالها . ٤٩٧ كتاب الصيام استدل القائلون بالإفطار بهذه الأمور على قولهم بأمرين : الأول: ما رواه أبوداود (١٤٢)، والترمذي (٧٨٨) من حديث لقيط بن صبرة؛ أنَّ النَّبيَّ وَِّ قال: ((وبالغ في الاستنشاق، إلاَّ أن تكون صائمًا)). الثاني: القياس، فقد قاسوا هذه الأمور على الأكل والشرب، بجامع وصولها إلى الجوف، فإنَّما حصل بالأكل والشرب لوصوله إلى الجوف، وهذه الأمور لها نفوذ وقوة تصل بهما إلى الجوف، وكل ما وصل إلى الجوف فهو مفطر للصائم. الجواب عن هذا: أولاً: أنَّه لا يوجد عن رسول الله وَال حديث صحيح، ولا ضعيف، ولا مسند، ولا مرسل، يدل على أنَّ هذه الأمور من المفطرات. ثانيًا: إنَّ الأحكام التي تحتاج الأمة إلى معرفتها لا بد أن يبينها النبي وليه بيانًا عامًّا، ولا بد أن تنقله الأمة، فإذا انتفى هذا، عُلِم أنَّ هذا ليس من دينه، فالقياس وإن كان حجة، فالأحكام الشرعية التي الأمة بحاجة ماسة إلى بيانها لا تترك للقياس، وإنما تبينها النصوص الشرعية. ثالثًا: النص والإجماع أثبت الفطر بالأكل والشرب والجماع والحيض، فأما الكحل والحقنة والدواء والقطرة، ونحو ذلك فليست طعامًا ولا شرابًا، وإنما هي أدوية لمكافحة الأمراض، ومقاومة الجراثيم، فهي أشياء مبيدة لا أشياء مغذية مفيدة، والعلة الشرعية في الإفطار ليست هي مجرد وصول أية مادّة إلى الجوف لتكون مناط الحكم، فتلحق هذه الأمور بما يصل إلى الجوف من الطعام والشراب، وإنما يكون الإفطار من أحد الأمرين: ١- إما وصول طعام أو شراب إلى المعدة ليمد الجسم بالتغذية، ويحصل به الأكل والشرب، فيتولد الدم الكثير الجاري في الأوراد والشرايين، التي يجد الشيطان مجاله فيها واسعًا، فيجري معها بإغواء بني آدم ووسوسته لهم، فمناط ٤٩٨ توضيح الأحكام من بلوغ المرام الإفطار ليس وصول الشيء إلى الجوف أو الحلق، إنما مناط الحكم أن يصل الشيء إلى المعدة، ویستحیل إلى ما يتغذى به الإنسان، فیکون أكلاً وشربًا . ٢- وإما خروج أشياء منكهة للجسم ومضغفة له، فتزيده ضعفًا إلى ضعف الصيام؛ وذلك كالجماع، والحجامة والحيض والنفاس، والقيء، فمنع الشارع الصائم منها رحمةً به، وشفقةً على قواه؛ لئلا یزید ضعفه إلى ضعف آخر . فههذان العنصران هما أساس الإفطار، وهذه الأمور ليست واحدًا منهما، ولا يمكن قياسها عليهما؛ إذ لا يجمع بين متفرق. رابعًا: حديث لقيط بن صبرة لا دلالة فيه، فإنَّ المحذور من المبالغة في الاستنشاق هو وصول الماء إلى الحلق، ثم إلى المعدة؛ فإنَّ الأنف ينفذ إلى المعدة، ولذا فإنَّ كثيرًا من المرضى يطعم من أنفه إلى معدته، والماء من المجمع عليه أنَّه من المفطرات، فالتحذير من الماء واقع موقعه، والماء ليس مثل هذه الأمور، ولا تقاس عليه كما تقدم، والله أعلم. ٤٩٩ كتاب الصيام ٥٥٧ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَيُّهِ: (مَنْ نَسِيَ وَهُوَ صَائِمٌ، فَأَكَلَ أَوْ شَرِبَ، فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ؛ فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ اللهُ وَسَقَاهُ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وللحاكم: ((مَنْ أَقْطَرَ فِي رَمَضَانَ نَاسِيًّا، فَلاَ قَضَاءَ عَلَيْهِ، وَلاَ كَفَّارَةً)). وَهُوَ صَحِيحٌ(١). * درجة الحديث: الحديث صحيح. فقد رواه الحاكم وصححه. قال المؤلف: وهو صحيح، قال الشيخ الألباني: الرواية الرابعة عن أبي سلمة بن عبدالرحمن عن أبي هريرة بلفظ؛ ((من: أفطر في شهر رمضان ناسيًا فلا قضاء عليه ولا كفارة)) أخرجه ابن حبان (٣٥٢١) والحاكم وصححه على شرط مسلم، ووافقه الذهبي، وأخرجه الدارقطني (١٧٨/٢) والبيهقي (٧٨٦٣) وقالا: كلهم ثقات، قلتُ: وإسناده حسن. * مفردات الحديث: - فليتم صومه: ((اللام)) لام الأمر، والميم مفتوحة؛ لأنَّه مضاعف. ۔ فإنما : تعلیل لکون الناسي لا يفطر، ووجه ذلك: أنَّ الرزق لما کان من الله لیس فيه للعبد تحيل، فلا ينسب إليه، شبّه الأكل ناسيًا به؛ لأنَّه لا صنع للعبد فيه. - إنما: أداة حصر، ومعناها: ما أطعمه، ولا سقاه إلاَّ الله؛ ليدل على أنَّ النسيان من الله، وأنّه من لطفه بعباده. (١) البخاري (١٩٣٣)، مسلم (١١٥٥)، الحاكم (١٥٦٩). ٥ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ٥٥٨ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَهُ: ((مَنْ ذَرَعَهُ القَيْءُ، فَلاَ قَضَاءَ عَلَيْهِ، وَمَنِ اسْتَقَاءَ، فَعَلَيْهِ القَضَاءُ)). رَوَاهُ الخَمْسَةُ، وَأَعلَّهُ أَحْمَدُ، وقَوَّاهُ الدَّارَ قُطْنِيُ (١). * درجة الحديث: الحديث حسن، حسنه الترمذي، وقد صححه ابن حبان والحاكم، ووافقه الذهبي، وقال الدارقطني وعبدالحق: رجاله كلهم ثقات، وضعفه بعضهم، فقال البخاري: لا أراه محفوظًا، وأنكره الإمام أحمد، وقال الترمذي: لا يصح في هذا الباب شيء. * مفردات الحديث: - ذَرَعَهُ القيء: بفتحات ثلاث، أي: سبقه وغلبه وقهره، ومثله قولهم: ضاق ذرعي عن كذا، أي: ضعفت قوتي، والقيء: ما قذفته المعدة. - استقاء: طلب إخراج القيء من جوفه باختياره. * ما يؤخذ من الحديثين: ١- الحديثان يدلان على أنَّ الأكل والشرب القيء من العامد الذاكر المختار يفطر الصائم، ويفسد الصيام، وهو إجماع علماء المسلمين؛ لأنَّ الصيام هو الإمساك عن المفطرات زمنًا مخصوصًا. ٢ - أنَّ الأكل أو الشرب من الناس لا يفسد الصوم، ولا يفطر به الصائم، فقوله: ((فليتم صومه)) دليل على أنَّ هناك صومًا يتم، ويدل على هذا المعنى قوله (١) أحمد (١٠٠٥٨)، أبوداود (٢٣٨٠)، الترمذي (٧٢٠)، النسائي في الكبرى (٢١٥/٢)، ابن ماجه (١٦٧٦)، الدار قطني (٢/ ١٨٤).