النص المفهرس
صفحات 441-460
٤٤١ كتاب الصيام ٥٣٩ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهُ: ((لاَ تَقَدَّمُوا رَمَضَانَ بِصَوْمٍ يَوْمٍ وَلاَ يَوْمَيْنِ، إلاَّ رَجُلٌ كَانَ يَصُومُ صَوْمًا فَلْيَصُمْهُ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). * مفردات الحديث: - لا تقدموا: ((لا)) ناهية، ولذلك جُزِمَ الفعل بعدها. - تُقدّموا: أصله: ((تتقدموا)) فحذفت إحدى التاءين، أي: لا تصوموا قبل رمضان يومًا أو یومین، استقبالاً لرمضان. - رمضان: قال الزمخشري: رمضان مصدر ((رمض)): إذا احترق من: الرمضاء، فأضيف إليه الشهر، وجعل علَمًا عليه، ومنع الصرف فيه للعلمية وزيادة الألف والنون، وسمّوه بذلك؛ لارتماضهم فيه من حر الجوع، ومقاساة شدته، وقيل: لما نقلوا أسماء الشهور عن اللغة القديمة، سموها بالأزمنة التي وقعت فيها، فوافق هذا الشهر أيام رمض الحر. - يصوم: الصوم لغة: الإمساك، فكل ممسك عن طعام أو كلام أو غيرهما، فهو صائم لغة، وأما في الشرع: فهو الإمساك عن الأكل والشرب والجماع وسائر المفطرات، من طلوع الفجر الثاني إلى غروب الشمس مع نية الصيام. - كان يصوم صومًا: أي: كان قد اعتاد صيام أيام معلومة، ووافق ذلك آخر یوم، أو یومین من شعبان. - إلاَّ رجل: لفظ مسلم ((إلاَّ رجلاً))، وهو قياس اللغة العربية؛ لأنَّه استثناء متصل من مذكور، وبعض روايات البخاري: ((إلاَّ أن يكون رجل))، و((يكون)» هنا تامة (١) البخاري (١٩١٤)، مسلم (١٠٨٢). ٤٤٢ توضيح الأحكام من بلوغ المرام لا ناقصة، ومعناه: إلاَّ أن يوجد رجل يصوم صومًا. * ما يؤخذ من الحديث: ١- النَّهي عن تقدم شهر رمضان بصيام يوم أو يومين، وظاهر النيه التحريم، وَحَمله كثير من العلماء على الكراهة، فمن حرَّمه نظر إلى النَّهي، ومن كَرِهه نظر إلى الاستثناء. قال الترمذي: كرهوا أن يتعجل الرجل الصيام قبل دخول رمضان، لمعنى رمضان. ٢- الرخصة في الصيام لمن صادف قبل رمضان له عادة صيام؛ كصيام يوم الخميس أو الإثنين، وهذه الرخصة بإجماع العلماء. ٣- الحكمة في ذلك - والله أعلم -: تمييز فرائض العبادات عن نوافلها، والاستعداد لصوم رمضان بنشاط ورغبة، ورجَّح ابن حجر أنَّ الحكمة هي أنَّ حُكم الصيام معلق برؤية الهلال، فمن تقدمه بيوم أو يومين، فقد حاول الطعن في ذلك الحكم، ولعلَّ من الحكمة كراهة التنطع في الدين، وتجاوز الحدود التي فرضها الله تعالى. ٤ - أما إذا كان على الإنسان صوم واجب كقضاء رمضان أو نذر، فإنَّ الصيام قبيل رمضان ليس رخصة، وإنما هو عزيمة، فيجب عليه الصيام؛ لأنَّ أداء الواجب مقدم على المكروهات. ٥- إنَّما اقتصر الحديث على يوم أو يومين؛ لأنَّه الغالب فيمن يقصد ذلك، وقد قطع كثير من الشافعية بأنَّ ابتداء المنع من أول السادس عشر من شعبان، واستدلوا بحديث أبي هريرة مرفوعًا: ((إذا انتصف شعبان، فلا تصوموا)) [أخرجه أبوداود(٢٣٣٧)، والترمذي (٧٣٨) وابن ماجه (١٦٥١)، وصححه ابن حبان (٣٥٩١) وغيره]. وللكن جمهور العلماء: جوزوا صوم التطوع بعد النصف من شعبان، ٤٤٣ كتاب الصيام وضعَّفوا هذا الحديث، واستدلوا على استحبابه بما جاء من الحث على صيام شعبان . وقال الشيخ تقي الدين: لا يكره صوم العشر الأخير من شعبان عند أكثر العلماء . * فائدة: قُرِض الصيام على ثلاث مراحل: الأولى: فُرض صيام عاشوراء، فقد أمر النَّبي ◌َّ بصيام عاشوراء. الثاني: فرض صوم رمضان على التخيير بين الصيام أو الفدية، قال تعالى: ﴿ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّمْ وَأَنْ تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٤]. الثالثة: التأکید على فرض صوم رمضان بدون تخيير . قال تعالى: ﴿ شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِىّ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْءَانُ هُدِى لِلنَّاسِ وَبَيْنَتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهَرَ فَلْيَصُمّْةٌ﴾ [البقرة: ١٨٥]. والحكمة في هذا التدرج بالتشريع: أنَّ الصوم فيه نوع مشقة على النفوس، فأخذت به شيئًا فشيئًا . ٤٤٤ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ٥٤٠ - وَعَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - قَالَ: (مَنْ صَامَ اليَوْمَ الَّذِي يُشَكُّ فِيهِ، فَقَدْ عَصَىْ أَبَ القَاسِمََِّ)). ذَكَرَهُ البُخَارِيُّ تَعْلِيقًا، وَوَصَلَهُ الخَمْسَةُ، وَصَخَحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَابْنُ حِبَّانَ(١). * درجة الحديث: الحدیث صحیح. أخرجه أبوداود والترمذي والنسائي، وقال الترمذي: حديث عمَّار حديث صحيح، والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي وَلا- ومن بعدهم من التابعين، وقال الدارقطني: إسناده صحيح، ورواته كلهم ثقات، وصحَّحه البيهقي والعراقي والحاكم، ووافقه الذَّهبي. قال ابن عبدالبر: هو مسند عند المحدثين مرفوع، لا يختلفون في ذلك. * مفردات الحديث: - الذي يُشك فيه: إنَّما أتى باسم الموصول، ولم يقل: ((يوم الشك))؛ مبالغة في أنَّ صوم يوم يشك فيه أدنى شك سبب لعصيان أبي القاسم وَلّ. - الذي يشك فيه: مبني للمجهول، أي: الیوم الذي لا يعلم هل يكون اليوم الأول من رمضان أو اليوم الآخر من شعبان، وهو يوم الثلاثين من شعبان إذا حال دون رؤية الهلال ما يمنع الرؤية . - أبا القاسم: هو النبي وَلّ يكنى بأكبر أبنائه. (١) البخاري (١١٩/٤)، أبوداود (٢٣٣٤)، الترمذي (٦٨٦)، النسائي (٢١٨٩)، ابن ماجه (١٦٤٥)، ابن خزيمة (١٩١٤)، ابن حبان (٣٥٧٧)، وهو في المسند من حديث أبي هريرة (٨٩١٩). ٤٤٥ كتاب الصيام * ما يؤخذ من الحديث: ١- النَّهي عن صيام يوم الشك من شهر رمضان، ويوم الشك من رمضان هو اليوم الواقع في أوله بلا يقين، لا يدرى هل هو منه أو ليس منه، وهو ليلة الثلاثين من شعبان إذا حال دون منظر الهلال ما يمنع الرؤية. ٢ - تحريم صيام ذلك اليوم، ما دام أنَّه معصية للنبي وَّل. قال تعالى: ﴿ وَمَآ ءَانَنَكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَنَكُمْ عَنْهُ فَأَنْنَهُواْ﴾ [الحشر: ٧]. ٣- الحديث يدل على القاعدة الشرعية، وهي: ((أنَّ الأصل بقاء ما كان على ما كان))، ومثال القاعدة في هذه المسألة هي أنَّ الأصل بقاء شعبان، وعدم دخول شهر رمضان، ما دمنا شاکین في انتهاء شعبان، ودخول رمضان ما لم نتحقق انتهاء الأول، ودخول الثاني. ٤- أبا القاسم: هي كنية النبي ◌َ ◌ّ كُني أبنائه، والقاسم ابن رسول الله وَله من خديجة، قيل: توفي قبل النبوة، وقيل: بعدها، وأنه لما مات قال بعض المشركين: أصبح محمد أبتر، فأنزل الله سورة الكوثر، والقصد أنَّ عمارًا كنى النبي ◌َّر على وجه التعظيم والتوقير، فهو غير داخل في قوله تعالى: لَا تَجْعَلُواْدُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور: ٦٣]. كما أنَّ من أوصافه وَّهِ القاسم، فقد قال ◌َّ: ((إنما أنا قاسم، والله معطٍ)) والقصد جواز ذكر النبي ◌َّلو بغير صفة الرسالة والنبوة؛ لأنَّ باب الخَبر أوسع من باب الطلب، فلا ينادى إلاَّ بصفة الرسالة أو النبوة، وللكنه يجوز أن ◌ُتحدَّث عنه بغیرهما من أسمائه. خلاف العلماء: اختلف العلماء في تعيين يوم الشك: فذهب الحنابلة إلى: أنَّ يوم الشك من شهر رمضان هو يوم الثلاثين من شعبان، إذا لم يكن على مطلع الهلال غيمٌ، أو قترٌ، أو دخانٌ، ونحوها مما يمنع الرؤية، فهذا هو يوم الشك الذي ٤٤٦ توضيح الأحكام من بلوغ المرام نهي عن صيامه، فيكره صيامه، وأما إن حال دون مطلع الهلال تلك الليلة غيمٌ، أو غبارٌ، أو دخانٌ، أو نحو ذلك - فيجب صيامه حكمًا ظنيًّا احتياطيًّا . وذكر أصحابنا - أنَّ هذا هو قول عمر، وابنه عبدالله، وعائشة وأسماء بنتي أبي بكر، وأنس، وأبي هريرة، ومعاوية، وعمرو بن العاص، ومن التابعين میمون بن مهران، وطاووس، ومجاهد. واستدلوا على ذلك: بما رواه أبوداود (٢٣٢٠) عن ابن عمر؛ أنَّ النَّبيَّ حَلّ قَال: ((إنَّما الشهر تسع وعشرون، فلا تصوموا حتى تروا الهلال، ولا تفطروا حتى تروه، فإن غمَّ عليه فاقدروا له)) ومعنى ((اقدروا له))، أي: ضيّقوا، من قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ [الطلاق: ٧] أي ضیق. قال في ((الإنصاف)): وهو المذهب عند الأصحاب، ونصروه، وصنَّفوا فیه التصانيف، وردوا حجج المخالف، وقالوا: نصوص أحمد تدل عليه، وهو من مفردات المذهب. وذهب الأئمة الثلاثة وجمهور العلماء إلى: أنَّ اليوم الذي ليس في منظر هلاله ما يمنع الرؤية لا يسمى يوم شك، وإنما يوم الشك هو ليلة الثلاثين من شعبان إذا حال دون رؤية الهلال ما يمنع الرؤية من سحابٍ، أو ضبابٍ، أو قتام، أو دخانٍ، أو نحوها، فهذا هو يوم الشك المنهي عن صيامه في حديث عمَّار وغيره. قال الترمذي: والعمل على هذا عند أهل العلم من الصحابة والتابعين، وبه قال سفيان الثوري، وابن المبارك، وإسحاق. قال في ((المغني)): إنَّ المنع من صومه وعدم إجزائه إذا تبيَّن أنَّه رمضان - هو رواية عن الإمام أحمد، وقول أكثر أهل العلم، منهم أبو حنيفة ومالك والشافعي وأتباعهم. وقال شيخ الإسلام: إذا حال دون منظره ليلة الثلاثين حائل، فهو يوم ٤٤٧ كتاب الصيام شك يُنهى عن صومه بلا توقف؛ لأنَّ الأصل والظاهر عدم الهلال، فصومه تقدمٌ لرمضان بيوم، وقد نهى النبي وَل عنه، وأصول الشريعة أدل على هذا القول منها على غيره. وقال ابن القيم: وكان من هديه ويّ ألا يدخل في صوم رمضان إلاَّ برؤية محققة، أو شهادة شاهد واحد، كما صام بشهادة ابن عمر، [رواه أبوداود (٢٣٤٢)]، وكان إذا حال ليلة الثلاثين دون منظره غيمٌ، أو سحابٌ، أكمل عدة شعبان ثلاثين يومًا، ثم صامه ولم يكن يصوم يوم الغيم ولا أمر به، بل أمر بأن تكمل عدة شعبان ثلاثين إذا غم، وكان يفعل ذلك، فهذا فعله، وهذا أمره. وهذه الطريقة أقرب إلى موافقة النصوص وقواعد الشرع، وهذا القول هو اختيار علماء الدعوة السلفية، قال الشيخ عبدالرحمن بن حسن: إنَّ المنع من الصيام هو اختيار شيخ الإسلام محمَّد بن عبدالوهاب. وقال الشيخ عبداللطيف بن عبدالرحمن: ومع من منع صومه من الأحاديث الصحيحة النبوية التي تعددت طرقها ما لا يدفعه دافع، ولا يعارضه معارض . وقال الشيخ محمَّد بن إبراهيم: لا يجوز صيام يوم الشك. وقال الشيخ عبدالرحمن السعدي: الصواب إذا كان ليلة الثلاثين من شعبان غيمٌ، أو قترٌ أنه لا يجب صيام ذلك اليوم، ولا يستحب، بل فطره هو المشروع . وقال الشيخ عبدالرحمن بن قاسم: واختار عدم صوم يوم الشك إمام هذه الدعوة، ومن أخذ عنه، ونهوا عن صيامه؛ لوجوه منها : ١ - أنَّ تلك الليلة من شعبان بحسب الأصل. ٢- النَّهي الصحيح الصريح عن تقدم رمضان بيوم أو يومين. ٣- الأحاديث الصحيحة الصريحة بالنَّهي عن صيامه. ٤٤٨ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ٤ - أنَّ رواية المروزي عن أحمد أنَّ ليلة الشك هي ليلة الثلاثين من شعبان إذا غمَّ الهلال . وهو قول جمهور العلماء والأئمة الأربعة، وغيرهم، وجزم به شيخ الإسلام وغيره. وأدلة هذا القول كثيرة جدًّا منها: ما جاء في البخاري (١٨١٠)، ومسلم (١٠٨١) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَّاليه: ((صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غمَّ عليكم، فأكملوا عدّة شعبان ثلاثين)) . ٤٤٩ كتاب الصيام ٥٤١ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ إِ لّه يَقُولُ: ((إِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَصُومُوا، وإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَأَفْطِرُوا، فَإِنْ ثُمَّ عَلَيْكُمْ، فَاقْدِرُوا لَهُ)). مُتَّفَقٌ علَيْهِ. وَلِمُسْلِمٍ: ((فَإِنْ أُعْمِيَ عَلَيْكُمْ، فَاقْدِرُوا لَهُ ثَلاَئِينَ)). وَلِلْبُخَارِيِّ: ((فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ ثَلاَثِيْنَ))(١). ولَهُ في حَدِيثٍ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ -: ((فَأَكْمِلُوا عِدَّةً شَعْبَانَ ثَلاَثِيْنَ))(٢) . * مفردات الحديث: - إذا رأيتموه فصوموا: أي: الهلال، والمراد: إذا رآه منكم من يثْبُت برؤيته وجوب الصوم. - أُغْمِي عليكم :- بسكون الغين المعجمة وكسر الميم، بالبناء للمجهول - أي: غطي الهلال وسُتِرِ عنكم، من: الإغماء يقال: أغمي عليه الخبر إذا استعجم؛ وذلك باستتار مغيب الهلال بغيمٍ، أو قترٍ فأكملوا العدة. وبعض الروايات: ((فإن غُمَّ) بضم الغين وتشديد الميم، بالبناء للمجهول؛ و أي: أخفي، وصار مستورًا بغیم ونحوه. - فاقدروا له :- بضم الدال وكسرها - قال في ((المصباح)): أي: قدِّروا عدد الشهر، وأكملوا شعبان ثلاثين يومًا . (١) البخاري (١٩٠٠، ١٩٠٧)، مسلم (١٠٨٠). (٢) البخاري (١٩٠٩). ٤٥٠ توضيح الأحكام من بلوغ المرام - فاقدروا له، وأكملوا العدة ثلاثين: قال شريح: الأول خطاب لمن خصَّه الله بههذا العلم، والثاني خطاب للعامة. مايؤخذ من الحديث: * هلال شوال. ١ - وجوب صيام شهر رمضان إذا ثبت رؤية هلاله، ووجوب الفطر إذا ثبت رؤية ٢- استحباب إشاعة خبر دخول شهر رمضان، وخروجه بأوسع وسيلة، وأسرعها. ٣- أنَّ الحكم بالصوم والفطر معلق برؤية الهلال، فلا يصام إلاَّ بالرؤية، ولا يفطر إلاَّ بالرؤية المجردة، ولو بواسطة المراصد والآلات التي تكبر المرئيات؛ فإنَّه يعتبر ذلك رؤية بالعين المشاهدة. ٤ - إذا حال دون مغيب الهلال ما يمنع الرؤية من سحابٍ، أو غبارٍ، أو نحوهما ليلة الثلاثين من شعبان، فتكمل عدة شعبان ثلاثين يومًا، ولا يصام يوم تلك الليلة، بل يصبح الناس مفطرين على القول الراجح. ذلك أنَّ الأصل واليقين هو بقاء شعبان، وخروجه شك، ولا يصار من اليقين إلاَّ إلى مثله، أما الشكوك والاحتمالات فلا تقدم على اليقين. ٥- الرؤية هي المستند الشرعي في أحكام الصيام والإفطار، وأنَّه لا عبرة بالحساب، ولا يصح الاعتماد عليه بحال من الأحوال. قال شيخ الإسلام: ولا ريب أنَّه ثبت بالسنة الصحيحة وآثار الصحابة، أنَّه لا يجوز الاعتماد على حساب النجوم، والمعتمد عليه كما أنَّه ضال في الشريعة مبتدع في الدين، فهو مخطىء في العقل، وعلم الحساب، فإنَّ علماء الهيئة يعرفون أنَّ الرؤية لا تنضبط بأمر حسابي، فإنَّها تختلف باختلاف ارتفاع المكان، وانخفاضه، وغير ذلك. ٤٥١ كتاب الصيام خلاف العلماء: اختلف العلماء في حكم الصيام ليلة الثلاثين من شعبان: إذا حال دون منظر الهلال غيمٌ، أو قترٌ، ونحو ذلك: فذهب الإمام أحمد في المشهور عنه إلى: وجوب الصيام. قال في ((الإنصاف)): وهو المذهب عند الأصحاب، ونصروه، وصنَّفوا فيه التصانيف، وردوا حُجَجَ المخالف، ونصوص أحمد تدل عليه، وهو من المفردات. واستدلوا: بما في البخاري (١٩٠٠)، ومسلم (١٠٨٠) من حديث ابن عمر؛ أنَّ النَّبِيَّ وَِّ قال: ((إذا رأيتموه فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا، فإن غمَّ عليكم فاقدروا له))، وفسَّروا ((اقدروا له))؛ أي: ضيّقوا على شعبان، فاجعلوه تسعة وعشرين يومًا . وذهب الأئمة الثلاثة إلى : عدم مشروعية صيام ذلك اليوم، واعتباره هو يوم الشك المنهي عنه؛ بما رواه أبوداود (٢٣٣٤) والترمذي (٦٨٦) من حديث عمَّار قال: ((من صام اليوم الذي يشك فيه، فقد عصى أبا القاسم وَّت)). وهو رواية عن الإمام أحمد، قال في ((المغني)): وعن أحمد: لا يجب صيامه، ولا يجزئه عن رمضان إن صامه، وهو قول أكثر أهل العلم. قال شيخ الإسلام: عدم صيامه هو مذهب أحمد المنصوص عليه، والأصل عدم الوجوب في كلام الإمام أحمد. وقال الشیخ أيضًا: صوم يوم الشك تقدمٌ لرمضان بيوم، وقد نهى النبي وَله عنه، وأصول الشريعة أدل على هذا القول منها على غيره، فإنَّ المشكوك في وجوبه لا يجب فعله، بل المستحب تركه. وقال الشيخ: لو قيل بجواز الأمرین واستحباب الفطر، لكان أولى. قال في ((الفروع)): لم أجد عن أحمد أنَّه صرَّح بالوجوب ، ولا أمر به، ٤٥٢ توضيح الأحكام من بلوغ المرام فلا تتوجه إضافته إلیه، واحتجَّ الأصحاب بحديث ابن عمر وفعله، وليس بظاهر الوجوب، وإنما هو احتياط عورض بنھي . واختار الشيخ محمَّد بن عبدالوهاب وأتباعه النهي عن صيامه . قال الشيخ عبدالرحمن بن حسن: لا شكَّ أنَّ المحققين من العلماء في مذهب أحمد من الحنابلة وغيرهم ذهبوا إلى أنَّه لا يجب الصوم بل يكره، أو يحرم. وقال الشيخ عبداللطيف بن عبدالرحمن: ومع من منع صومه من الأحاديث الصحيحة النبوية التي تعددت طرقها ما لا يدفعه دافع، ولا يعارضه معارض، وتقدم هاذا کله قريبًا . وقال الشيخ محمد بن إبراهيم: لا يجوز صوم الشك؛ لحديث عمّار. قال الترمذي: العمل على هذا عند أهل العلم من الصحابة والتابعين. وأصحابنا في وجوب الصيام ليلة الثلاثين من شعبان إن حال دون مغيب الهلال غيمٌ، أو قترٌ، أو جبالٌ، ونحو ذلك، صاموه بحكم ظني احتياطي، والاحتياط ليس بالفعل فقط، وإنما يكون بالترك أيضًا، فالمسلم يحتاط لنفسه بالاتباع، فعلاً أو تركًا، لأنَّ الاحتياط الحقيقي هو اتباع ما كان أقرب إلى الشرع، وقد تكرر ذكر هذا الخلاف مع ما قبله، وللكنه لا يخلو من زيادة فائدة . واختلف العلماء فيما: إذا رؤي الهلال ببلد من البلدان، فهل يجب الصيام، أو الإفطار على عموم المسلمين؟ أو أنَّ كل قطر له حُكمه في الصيام والإفطار، حسب مطلع قطره الذي هو فيه؟ هذا موضع خلاف بين العلماء: ذهب جمهور العلماء - ومنهم الإمامان أبو حنيفة وأحمد - إلى: أنَّه إذا رؤي في بلد، لزم حُكْمه جميع الناس؛ عملاً بقوله وقالفيه: ((إذا رأيتموه فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا))، والخطاب للمسلمين عامة . ٤٥٣ كتاب الصيام ولا عبرة باتفاق المطالع واختلافها . وذهب الإمام الشافعي، وجماعة من السلف إلى القول بالحكم باختلاف المطالع، وقالوا: إنَّ الخطاب في الحديث نسبي؛ فإنَّ الأمر بالصوم والفطر موجه إلى من وُجد عندهم الهلال، أما من لم يوجد عندهم هلال، فإنَّ الخطاب لا يتناولهم إلاَّ حين يوجد عندهم، وهذا قول له اعتبار من حيث الدليل النقلي، والنظر الفلكي. قال شيخ الإسلام: تختلف المطالع باتفاق أهل المعرفة، فإن اتَّفقت لزم الصوم، وإلاّ فلا، وهو القول الأصح للشافعية، وقول في مذهب أحمد. وقال الشيخ نجيب المطيعي: القول بعدم اعتبار اختلاف المطالع يخالف المعقول والمنقول، أما مخالفته للمعقول فلِمَا علم من مخالفته لما هو ثابت بالضرورة من اختلاف الأوقات، وأما مخالفته للمنقول فلأنَّه مخالف لحديث کریب في صحيح مسلم. قال كريب: قدمتُ الشام، فرأيتُ الهلال ليلة الجمعة، ثم عدتُ إلى المدينة في آخر الشهر، فسألني ابنُ عباس متى رأيتم الهلال، فقلتُ: ليلة الجمعة وصاموا، فقال: لكنا رأيناه ليلة السبت، فلا نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين أو نراه، هكذا أمر رسول الله بهله [رواه مسلم (١٠٨٧) والترمذي (٦٩٣) وقال: العمل على هذا الحديث عند أهل العلم]. قال مؤلف كتاب الزلال: اعلم يقينًا أنَّ القول الصحيح الذي انفصل عليه المحققون من علماء الأثر، وأهل النظر، وعلماء الهيئة، هو أن ينظر بين الرؤية وغيرها، فإن كان بينهما: ألفان ومئتان وستة وعشرون (٢٢٢٦) كيلاً فأقل، صار الحكم واحدًا في الصوم والفطر لاتحاد المطالع. وإن كان أكثر من ذلك فلا يصح، وصار لكل بلد حُكمه لاختلاف مطالعها؛ سواء كان البعد شرقًا، أو غربًا، أو شمالاً، أو جنوبًا، تحت ولاية ٤٥٤ توضيح الأحكام من بلوغ المرام واحدة أم لا، في إقليم واحد أم لا . وهذا هو المطابق للنصوص الشرعية والفلكية، وبهذا القول تنتفي جميع الإشكالات، والله أعلم. * قرار هيئة كبار العلماء بشأن اختلاف المطالع: أما مجلس هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعوية، فقرَّروا بقرارهم رقم (٢) في تاريخ ١٣٩٢/٨/١٣هـ بالإجماع ما خلاصته: بعد دراسة المجلس للموضوع، وتداول الرأي فیه، تقرر ما يلي: أولاً: اختلاف مطالع الأهلة من الأمور التي علمت بالضرورة حسًا وعقلاً، ولم يختلف فيها أحد، وإنما وقع الاختلاف بين العلماء في اعتبار المطالع من عدمه . ثانيًا: مسألة اعتبار اختلاف المطالع من عدمه من المسائل النظرية التي للاجتهاد فيها مجال، والاختلاف فيها واقع ممن لهم الشأن في العلم والدین، وهو من الاختلاف السائغ، وقد اختلف أهل العلم في هذه المسألة على قولین : فمنهم من رأى اعتبار اختلاف المطالع. ومنهم من لم ير اعتباره، واستدل كل فريق بأدلته . وعند بحث هذه المسألة في مجلس الهيئة، ونظرًا لاعتبارات قدَّرتها الهيئة، وقد مضى على ظهور هذا الدين مدة أربعة عشر قرنًا، ولا نعلم فيها فترة جرى فيها توحيد أعياد إسلامية على رؤية واحدة، فإنَّ أعضاء الهيئة يقررون بقاء الأمر على ما كان عليه، وأن يكون لكل بلد إسلامي حق اختيار ما تراه بواسطة علمائها من الرأيين المشار إليهما. أما ما يتعلَّق بإثبات الأهلة بالحساب: فقد أجمع أعضاء الهيئة على عدم اعتباره، وبالله التوفيق. اهـ القرار. ٤٥٥ كتاب الصيام * قرار المجمع الفقهي الإسلامي بشأن توحيد الأهلة: الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، أما بعد: لقد درس المجمع الفقهي الإسلامي مسألة اختلاف المطالع في بناء الرؤية عليها، فرأى أنَّ الإسلام بنى على أنَّه دين يسر وسماحة، تقبله الفطرة السليمة، والعقول المستقيمة؛ لموافقته للمصالح، ففي مسألة الأهلة ذهب إلى إثباتها بالرؤية البصرية، لا على اعتمادها على الحساب، كما تشهد به الأدلة الشرعية القاطعة، كما ذهب إلى اعتبار اختلاف المطالع؛ لما في ذلك من التخفيف على المكلفين، مع كونه هو الذي يقتضيه النظر الصحيح، فما يدعيه القائلون من وجوب الاتحاد في يومي الصوم والإفطار مخالف لما جاء شرعًا، وعقلاً: أما شرعًا: فقد أورد أئمة الحديث حديث كُريب، وهو أنَّ أم الفضل بنت الحارث بعثته إلى معاوية بالشام، قال: فقدمتُ الشام، فقضيتُ حاجتها، فاستهل عليَّ شهر رمضان وأنا بالشام، فرأيتُ الهلال ليلة الجمعة، ثم قدمت المدينة في آخر الشهر، فسألني عبدالله بن عباس - رضي الله عنهما - ثم ذكر الهلال، فقال: متى رأيتم الهلال؟ فقلتُ: رأيناه ليلة الجمعة، فقال: أنت رأيته؟ فقلتُ: نعم، ورآه الناس، وصاموا، وصام معاوية، فقال: للكنا رأيناه ليلة السبت، فلا نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين، أو نراه، فقلتُ: أَوَلا نكتفي برؤية معاوية وصيامه، فقال: لا، هكذا أمرنا رسول الله وَلفور. [رواه مسلم في صحيحه] . وقد ترجم الإمام النووي على هذا الحديث في ((شرحه على مسلم)) بقوله: ((باب بيان أنَّ لكل بلد رؤيتهم، وأنَّهم إذا رأوا الهلال ببلد، لا يثبت حكمه لما بعد عنهم))، ولم يخرج عن هذا المنهج من أخرج هذا الحديث من أصحاب الكتب الستة أبي داود والترمذي والنسائي في تراجمهم له. وناط الإسلام الصوم والإفطار بالرؤية البصرية دون غيرها؛ لما جاء في ٤٥٦ توضيح الأحكام من بلوغ المرام حديث ابن عمر - رضي الله عنهما - قال: قال رسول الله وتلي: «لا تصوموا حتى تروا الهلال، ولا تفطروا حتى تروه، فإن غمّ عليكم فاقدروا له)) [رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما]، فهذا الحديث علق الحكم بالسبب، الذي هو الرؤية، وقد توجد في بلد كمكة والمدينة، ولا توجد في بلد آخر، فقد يكون زمانها نهارًا عند آخرين، فكيف يؤمرون بالصيام أو الإفطار، أفاده في بيان الأدلة في إثبات الأهلة، وقد قرر العلماء من كل المذاهب أنَّ اختلاف المطالع هو المعتبر عند كثير؛ فقد روى ابن عبدالبر الإجماع على ألا تراعى الرؤية فيما تباعد من البلدان كخراسان من الأندلس، أو لكل بلد حكم يخصه، وكثير من كتب أهل المذاهب الأربعة طافحة بذكر اعتبار اختلاف المطالع؛ للأدلة القائمة من الشريعة بذلك، وتطالعك الكتب الفقهية بما يشفي الغليل. وأما عقلاً: فاختلاف المطالع لا اختلاف لأحد من العلماء فيه؛ لأنَّه من الأمور المشاهدة التي يحكم بها العقل، فقد توافق الشرع والعقل على ذلك، فهما متفقان على بناء كثير من الأحكام على ذلك، التي منها أوقات الصلاة، ومراجعة الواقع تطالعنا بأنَّ اختلاف المطالع من الأمور الواقعية، وعلى ضوء ذلك، قرر مجلس المجمع الفقهي الإسلامي أنَّه لا حاجة إلى الدعوة إلى توحيد الأهلة، والأعياد في العالم الإسلامي؛ لأنَّ توحيدها لا يكفل وحدتهم، كما يتوهمه كثير من المقترحين لتوحيد الأهلة والأعياد، وأن تترك قضية إثبات الهلال إلى دور الإفتاء والقضاء في الدول الإسلامية؛ لأنَّ ذلك أولى وأجدر بالمصلحة الإسلامية العامة، وأنَّ الذي يكفل توحيد الأمة وجمع كلمتها هو اتفاقهم على العمل بكتاب الله، وسنة رسوله وثيقة، في جميع شؤونهم، والله ولي التوفيق. وصلى الله على نبينا محمَّد وآله وصحبه وسلم. ٤٥٧ كتاب الصيام واختلف العلماء في نصاب البينة بدخول شهر رمضان على ثلاثة أقوال: أحدهما: أنَّه کبقية الشهور، لا بد فيه من شاهدین عدلین. الثاني: أنَّه لا يقبل إلاّ بشاهدين إلاَّ في حالة الغيم، وما يحجب الرؤية، فحينئذٍ یقبل شاهد واحد. الثالث: أنَّه يقبل شاهد واحد مطلقًا، وهذا هو القول الراجح الذي يدل علیه حدیث الباب وغيره. * فوائد: * الفائدة الأولى: يجب صوم رمضان بواحد من ثلاثة أمور : ١ - رؤية الهلال. ٢ - الشهادة على الرؤية والإخبار بها . ٣-إکمال عدة شعبان ثلاثين يومًا . * قرار المجمع الفقهي الإسلامي بشأن العمل بالرؤية في إثبات الأهلة الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، أما بعد: إنَّ مجلس المجمع الفقهي الإسلامي قد اطلع في دورته الرابعة المنعقدة بمقر الأمانة العامة لرابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة، في الفترة ما بين السابع، والسابع عشر من شهر ربيع الآخر سنة ١٤٠١ هـ على صورة خطاب الدعوة الإسلامية في سنغافورة، المؤرخ في ١٦ شوال ١٣٩٩ هـ الموافق ٨ أغسطس ١٩٧٩م، الموجه لسعادة القائم بأعمال سفارة المملكة العربية السعودية هناك، والذي يتضمن أنَّه حصل خلاف بين هذه الجمعية، وبين المجلس الإسلامي في سنغافورة، في بداية شهر رمضان ونهايته، سنة ١٣٩٩ هـ، الموافق ١٩٧٩م؛ حيث رأت الجمعية ابتداء شهر رمضان وانتهاءه على أساس الرؤية الشرعية؛ وفقًا لعموم الأدلة الشرعية، بينما رأى المجلس ٤٥٨ توضيح الأحكام من بلوغ المرام الإسلامي في سنغافورة ابتداء ونهاية رمضان المذكور بالحساب الفلكي؛ معللاً ذلك بقوله: ((بالنسبة لدول منطقة آسيا؛ حيث كانت سماؤها محجبة بالغمام - وعلى وجه الخصوص سنغافورة - فالأماكن لرؤية الهلال أكثرها محجوبة عن الرؤية، وهذا يعتبر من المعذورات التي لابد منها، لذا يجب التقدير عن طريق الحساب)). وبعد أن قام أعضاء مجلس الفقهي الإسلامي بدراسة وافية لهذا الموضوع، على ضوء النصوص الشرعية - قرر مجلس المجمع الفقهي الإسلامي تأييده لجمعية الدعوة الإسلامية فيما ذهبت إليه؛ لوضوح الأدلة الشرعية في ذلك. كما يقرر أنَّه بالنسبة لهلذ الوضع الذي يوجد في أماكن مثل سنغافورة وبعض مناطق آسيا وغيرها؛ حيث تكون سماؤها محجوبة بما يمنع الرؤية، فإنَّ للمسلمين في تلك المناطق وما شابهها أن يأخذوا بمن يثقون به من البلاد الإسلامية، التي تعتمد على الرؤية البصرية للهلال، دون الحساب، بأي شكل من الأشكال؛ عملاً بقوله وَعليه: ((صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غمَّ عليكم، فأكملوا العدة ثلاثين))، وقوله وَّيه: ((لا تصوموا حتى تروا الهلال، أو تكملوا العدة، ولا تفطروا حتى تروا الهلال، أو تكملوا العدة))، وما جاء في معناهما من الأحاديث. الفائدة الثانية: جاء في ((جامع الترمذي)) (٦٣٣) من حديث أبي هريرة؛ أنَّ النَّبِىَّ وَهـ قال: «صومکم یوم تصومون، وفطر کم یوم تفطرون)). قال الشيخ: من رأى وحده هلال رمضان، فلا يلزمه الصوم، ولا جميع أحكام الشهر، وإنما يصوم مع الناسٍ، ويفطر مع الناس، وهذا أظهر الأقوال. وأصل المسألة: أنَّ الله علَّق أحكامًا شرعية بمسمى الهلال والشهر، ٤٥٩ كتاب الصيام كالصوم والفطر والنحر، فشرط كونه هلالاً وشهرًا، فلو طلع في السماء، ولم يعرفه الناس لم يكن هلالاً، فلا يسمى هلالاً إلاَّ بالظهور والاشتهار، كما دلَّ عليه الكتاب والسنة. أما المشهور من مذهب الإمام أحمد والأئمة الثلاثة -: فإنَّ من رأى الهلال وحده، فإنَّه يلزمه الصوم، وجميع أحكام الشهر المتعلقة به؛ لعلمه أنَّ هذا اليوم من رمضان. * الفائدة الثالثة: خلاصة الأقوال في الصوم والفطر ثلاثة: الأول: أنَّه إذا رؤي في بلد، لزم الناس كلهم الصوم؛ نظرًا إلى أنَّ الخطاب لكل المسلمين، بقوله: ((إذا رأيتموه)). الثاني: اعتبار اختلاف المطالع، وتقدم تحديده بالكيلومترات، وهذا ملاحظ فيه أنَّ الخطاب خاص لمن يمكن رؤيته في قطرهم. الثالث: لزوم الصوم والفطر إذا كانوا تحت ولاية واحدة، فالصحيح من حيث الدليل هو الثاني، والعمل الآن على الثالث. * الفائدة الرابعة: بناء على ما جاء في ((سنن الترمذي)) من حديث أبي هريرة؛ أنَّ النَّبِيَّ لَله قال: ((صومكم يوم تصومون، وفطركم يوم تفطرون)) فإنَّ من أدركه الصوم، أو الفطر في بلد، لزمه أن يصوم، أو يفطر ذلك اليوم، ولو لم يكن من أهل تلك البلاد؛ لأنَّ حكمهم لزمه، فإذا عاد إلى بلده وقد صام أقل من ((تسعة وعشرين)) یومًا، أکمله بعد عید بلاده. ٤٦٠ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ٥٤٢ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - قَالَ: ((تَرَاءَىُ النَّاسُ الهِلَاَلَ، فَأَخْبَرْتُ النَّبِيَّ نَّهِ أَنِّي رَأَيْتُهُ، فَصَامَ، وَأَمَرَ النَّاسَ بِصِيَامِهِ)). رَوَاهُ أَبُودَاوُدَ، وصَخَّحَهُ الحَاكِمُ وابْنُ حِبَّانَ(١). * درجة الحديث: الحدیث صحیح. قال في ((التلخيص)): رواه أبوداود والدارقطني وابن حبَّان والحاكم والبيهقي، وصححه ابن حزم، كلهم من طريق أبي بكر بن نافع عنه، وأخرجه الدار قطني والطبراني من طريق طاوس، وقال الحاكم: إنَّه على شرط مسلم، ووافقه الذهبي. * مفردات الحديث: - تراءى: هو تفاعل من: الرؤية، والمفاعلة تكون من اثنين فأكثر، أي: جعل بعضهم يقول: أنا أراه، وبعضهم يقول: لا، أنا أراه، واجتمعوا، أو تصدوا لرؤيته . - الهلال :- بكسر الهاء وتخفيف اللام - جمعه: أهلة، ويسمى: هلالاً لثلاث لیال من أول الشهر، ثم بعد ذلك یسمّى: قمرًا. وسمي هلالاً؛ لأنَّ الناس يرفعون أصواتهم بالذكر عند رؤيته. (١) أبوداود (٢٣٤٢)، الحاكم (١٥٤١)، ابن حبان (٣٤٣٨).