النص المفهرس

صفحات 361-380

٣٦١)
كتاب الزكاة
وهو قول علماء السلف والخلف.
ثانيًا: الزكاة لا تجب إلاّ في الأموال النامية، أما أموال القنية فلا زكاة فيها؛
هذا هو ضابط الإسلام فيما تجب فيه الزكاة، وما لا تجب.
ثالثاً: ما رواه البيهقي (٧٣٢٨)، وابن الجوزي في ((التحقيق)) (٤٣/٢) من
حديث جابر؛ أنَّ النّبيّ ټڑ قال: «ليس في الحلي زکاة) صححه کثیر
من المحدثين المحققين، منهم: أبوزرعة، وابن الجوزي، والمنذري،
وابن دقيق العيد، وابن حجر العسقلاني.
رابعًا: كُتُب النبيِ وَّةِ التي اسْتُقْصِي بِهَا أحكام الزكاة، وبُيِّنَ فِيها الأموال التي
تجب فيها الزكاة، والتي بلّغها بعده خلفاؤه الراشدون وعملوا بها،
ليس فيها ذكر للحلي، ولا زكاته، وإنما فيها النقدان المضروبان،
اللذان هم العملتان في التجارة.
خامسًا: قال شيخ الإسلام: إنَّ الشارع عني ببيان ما تجب فيه الزكاة؛ لأنَّه
خارج عن الأصل، فيحتاج إلى بيان، بخلاف ما لا تجب فيه، فإنَّه لا
يحتاج إلى بيان بأصل عدم الوجوب.
سادسًا: كيف يصح عن عائشة حديث الوعيد بالنار من النبي وَّ في حديث
فتخاتها، ثم لا تخرج زكاة الحلي التي تحت يدها وتصرفها، مع أنَّها
تخرج زكاة غيره من المال؟ ! .
سابعًا: هذا قول جمهور العلماء من الصحابة والتابعين، وأئمة الحديث
والفقه؛ كمالك، والشافعي، وأحمد، وسفيان، وأبي عبيد، وابن
المنذر، وابن جرير، وأتباعهم من كبار علماء المسلمين سلفًا وخلفًا.
* الخلاصة :
أحسن الأقوال وأعدلها في هذه المسألة هو أنَّ الحلي المعد للاستعمال
أو العارية لا زكاة فيه، ما دام أنَّه حلي مباح، أما المحرم فتجب فيه الزكاة.

٣٦٢
-
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
والمحرم هو ما زاد عن العادة من تجميع الذهب والفضة وتكديسها،
بصورة خارجة عن العادة والمألوف، والحامل على ذلك قد يكون واحد من
هذه الأمور :
١ - الفخر والخيلاء.
٢- السرف والتبذير في النفقات.
٣- الهرب من الزكاة.
٤- الترف المفسد للأخلاق.
فهذه مقاصد محرمة، فإذا كان الحامل على جمع الذهب والفضة بصورة
حلي، واحدًا من هذه المقاصد المحرَّمة، فإنَّ هذا المصاغ محرَّم، وما كان
منه محرَّما تجب فيه الزكاة؛ لأنَّه ليس مأذونًا فيه، ولا مباح الاتخاذ.
أما الحلي الذي بقدر الحاجة، والناس يختلفون بين غني وفقير في ذلك،
فهذا حلي مباح الاتخاذ والاستعمال، وهو من أموال القنية المقطوعة عن
النماء؛ فإنَّه لا زكاة فيه بحال من الأحوال، والله أعلم، وصلى الله على نبينا
محمّد وعلى آله وصحبه وسلم.

٣٦٣)
كتاب الزكاة
٥١٣ - وَعَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: ((كَانَ
رَسُولُ اللهِوَهِ يَأْمُرُّنَا أَنْ نُخْرِجَ الصَّدَقَةَ مِنَ الذِي نَعُدُّهُ لِلْبَيِّعِ)). رَوَاهُ
أَبُو دَاوُدَ، وَإِسْنَادُهُ لَيِّنٌ (١).
* درجة الحديث:
الحدیث حسن.
رواه أبوداود بإسناد لين؛ لأنَّه من رواية سليمان بن سمرة، وهو مجهول.
قال في ((التلخيص)): رواه أبوداود والدار قطني والبزَّار من حديث سليمان
ابن سمرة عن أبيه، وفي إسناده جهالة.
وقال الذهبي: هذا إسنادٌ مظلمٌ لا ينهض بحكم.
للكن حسَّنه ابن عبدالبر وقال عبدالغني المقدسي : إسناده حسن غريب.
: ما يؤخذ من الحديث:
١ - وجوب الزكاة في الذي يُعد للبيع، يعني: عروض التجارة، والأصل فيها
عموم قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمَّوَلِهِمْ صَدَقَّةٌ﴾ [التوبة: ١٠٣]، وقوله تعالى:
﴾ [المعارج: ٢٤]، ومال التجارة أعم الأموال،
٢٤
﴿ وَلَّذِينَ فِيَ أَقْوَلِمْ حَقٌ مَّعْلُومٌ (!
فكانت أولى بالدخول، وأما النَّص فيها فحديث الباب: ((كان رسول الله
وَاليه : يأمرنا أن نخرج الزكاة من الذي نعده للبيع)).
وقوله: ((قد احتبس أدراعه وأعتاده)) قال النووي: فيه وجوب زكاة
التجارة .
٢ - قال ابن المنذر والوزير وغيرهما: أجمع أهل العلم أنَّ في العروض الزكاة،
(١) أبوداود (١٥٦٢).

٣٦٤)
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
وقال المجد: هو إجماع، وقال شَيْخُ الإسلام: الأئمةُ الأربعةُ، وسائر الأئمة
- إلاّ من شذَّ - متفقون على وجوبها في عروض التجارة.
٣- الحديث دليل على وجوب الزكاة في كل ما أعد للبيع والشراء، من أي نوع
من أنواع التجارة؛ سواء في الأطعمة، أو الألبسة، أو المجوهرات، أو
الأواني، أو العقار، أو الحيوانات، أو أسهم الشركات، أو في غير ذلك مما
أعدَّ للبيع والربح.
٤- مفهومه أنَّ الأشياء التي لا تعد للتجارة، وإنما أعدت للقنية والاستعمال: من
مَسْكِنٍ، ومركبٍ، وملبسٍ، وأثاثٍ، وحليٍّ - أنَّه لا زكاة فيه؛ لأنَّها قطعت
عن النماء .
٥- المؤلف لم يسق هذا الحديث بعد حديثي عمرو بن شعيب، وأم سلمة، إلاَّ
ليقيد به إطلاقهما في وجوب زكاة الحلي.
٦ - قدر زكاة العروض ربع العشر، كالنقدين.
٧- لا تجب في المال إلاّ إذا حال عليه الحول، ما لم يكن ربح عروض التجارة،
فحولها حول أصلها، فإنَّها تزكى، ولو لم يحل عليها الحول.
٨- تقدر عند الحول بالأحظ للفقراء من ذهب أو فضة، فإذا بلغت قيمتها نصابها
بأحد النقدين دون الآخر، اعتبر ما تبلغ به نصابًا.
٩ - جاء في البخاري (١٣٩٥)، ومسلم (٩٨٢) من حديث أبي هريرة؛ أنَّ النَّبيَّ
وَلي قال: ((ليس على المسلم في عبده، وفرسه صدقة)) قال النووي وغيره:
هذا الحديث أصل في أنَّ أموال القنية لا زكاة فيها، وهو قول العلماء.
١٠- قال في ((الروض وغيره)): ولا زكاة في قيمة ما أعد للكراء، من عقارٍ،
وحيوانٍ، وغيرهما؛ لأنَّه ليس بمال تجارة، وإنما الزكاة في غلته إذا بلغت
نصابًا، وهذا مذهب الأئمة الأربعة.

٣٦٥)
كتاب الزكاة
٥١٤ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - أَنَّ رَسُولَ الله وَله
قَالَ: ((وَفِي الرِّكَازِ الخُمُسُ)). مُتَّفَقٌ علَيْهِ (١).
٥١٥- وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جدِّهِ - رَضِيَ اللهُ
عَنْهُ - أَنَّ رَسُولَ اللهِ نَّهِ قَالَ: ((فِي كَنْزٍ وَجَدَهُ رَجُلٌ فِي خَرِبَةٍ: إِنْ
وَجَدْتَهُ فِي قَرْيَةٍ مَسْكُونَةٍ فَعَرِّفْهُ، وَإِنْ وَجَدْتَهُ فِي قَرْيَةٍ غَيْرٍ مَسْكُونَةٍ،
فَفِيهِ وَفِي الرِّكَازِ الخُمُسُ)). أَخْرَ جَهُ ابْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ (٢).
* درجة الحديث:
الحدیث حسن، فله شواهد صحیحةٌ، منها:
ما في الصحيحين وغيرهما من حديث أبي هريرة؛ أنَّ النَّبِيَّ وَِّ قالَ:
((وفي الركاز الخمس)).
قال الحافظ: رواته ثقات، وله شاهد قوي مرسل جاء من طريق علي بن
أبي طالب رضي الله عنه.
* مفردات الحديث:
- خَرِبة : - بفتح الخاء المعجمة وكسر الراء وتخفيفها ثم باء موحدة تحتية ثم تاء
التأنيث -: الدار الخراب التي غير عامرة، جمعها خرب.
- فعرِّفْهُ: أمر من : التعريف؛ أي: أعلن في الناس، وبين لهم حتى يجيء
مالكه، أو يمضي عليه سنة .
(١) البخاري (١٤٩٩)، مسلم (١٧١٠).
(٢) الشافعي (٢٤٨/١)، وفي عزوه لابن ماجه وهمٍّ.

٣٦٦)
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
- الرِّكاز : - بكسر الراء المهملة، وفتح الكاف المخففة ثم ألف وآخره زاي
معجمة -: هو الكنز الجاهلي، يوجد في بطن الأرض، فالركاز خاص لما
یکون مدفونا .
- وفي الركاز: خبر مقدم، والمبتدأ ((الخمس)).
- الخُمُس: بضمتين وإسكان الميم لغة، والجمع: أخماس، والخمس جزء
واحد من خمسة أجزاء من الشيء.

٣٦٧
كتاب الزكاة
٥١٦ - وَعَنْ بِلَاَلِ بْنِ الحَارِثِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ -: ((أَنَّ رَسُولَ
الله ◌ََّ أَخَذَ مِنَ المَعَادِنِ القَبَلِيَّةِ الصَّدَقَةَ)). رَوَاهُ أَبُودَاوُدَ(١).
* درجة الحديث:
الحدیث ضعيف.
قال في ((التلخيص)): رواه أبوداود والطبراني والحاكم (١٤٦٧) والبيهقي
(٧٤٢٥) موصولاً .
قال المنذري : إنّه مرسل.
وأما الزكاة في المعادن، فقد قال الشافعي: ليس هذا ما يثبته أهل
الحديث، ولم يكن فيه رواية عن النبي ◌َّ لانقطاعه.
وقد جاء في ((مستدرك الحاكم)) أنَّ رسول الله وَلل أخذ من المعادن القبلية
الصدقة. ولم يعقب عليه الذهبي بشيء.
* مفردات الحديث:
- بلال: هو ابن الحارث المزني من قبيلة مزينة، والآن تحولت مزينة، فصارت
منازلها في الشمال الغربي من القصيم، ودخلت مع قبيلة حرب، وشيوخهم
آل نحیت.
- المعادن: مفرده: ((معدِن)) بكسر الدال، وسمي ((معدنًا))؛ لإقامته الطويلة،
يقال: عدن بالمكان: إذا لزمه فلم يبرح، ومنه سميت: جنات عدن.
والمعدن: هو ما كان في الأرض من غير جنسها؛ كالذهب، والفضة،
والحديد، والبترول، وغير ذلك.
(١) أبوداود (٣٠٦١).

٣٦٨
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
وقال علماء الكيمياء الحديثة: المعادن مادة عضوية توجد في الطبيعة، لها
تركيب كيمائي معين، وخواص طبيعية معيَّنة، وتتكوَّن المعادن من العناصر
الکیمیائیة نفسها؛ کالذهب، والحدید، الزئبق.
- القَبَليّة - بفتح القاف والباء -: وهو موضع بناحية ساحل الأحمر، من منطقة
الفرع في بلاد مزينة، بين مكة والمدينة، وهو إلى المدينة أقرب.
* ما يؤخذ من الأحاديث:
١ - الركاز هو ما وجد من زمن الجاهلية، وهم مَن كانوا قبل الإسلام، أو ما
وجد من دَفْن مَنْ تقدَّم من الكفار، وإن لم يكونوا في الجاهلية، بأن كان
عليه، أو على بعضه علامة كفر، كأسمائهم وأسماء ملوكهم، أو صورهم،
أو صور أصنامهم، و کذا یملِکه واجده، وإن لم یکن علیه علامة کفار.
٢- الركاز ملك لواجده؛ لأنَّه أحق به، ولفعل عمر وعلي - رضي الله عنهما -
فإنَّهما دفعا باقي الركاز لواجده.
٣- يُخرج واجدُهُ خُمُسَه، قال ابن المنذر: لا نعلم أحدًا خالف في ذلك، ولأنَّه
حصل لصاحبه بلا كلفة ولا مشقة، فكان الواجب فيه أكثر مما فيه كلفة.
٤- ليس له نصاب، فيزكي قليله وكثيره، ويخرج زكاته الإمام، أو واجده.
٥- وقت إخراج زكاته من حين العثور عليه، فلا ينتظر دوران الحول عليه.
٦- يخرج زكاته منه، ولو كان غير نقد، بأن كان حديدًا أو رصاصًا، أو غير
ذلك، ويجوز إخراج زكاته من غيره.
٧- تجب زكاته ولو كان واجده ذميًّا، أو مستأمنًا إذا كان بدار الإسلام.
٨- مصرفه يكون لمصالح المسلمين العامة، ولا يخص به الأقسام الثمانية،
وبهذا فزكاة الركاز أشبه شيء بالفيء المطلق.
فتجب على الكافر، وتجب في قليل المال وکثیره، وليس له حول،
ويجب فيه الخمس، ويخرج من نوعه ولو كان عرضًا، ومصرفه مصرف

٣٦٩
كتاب الزكاة
الفيء، لا يخص به الأصناف الثمانية.
٩- وأما الحديث رقم (٥١٥) فيدل على ما يلي:
إن وجد الركاز في أرض موات، أو مشاعة، أو أرض لا يُعلم مالكها، أو
على وجه الأرض التي لا يعلم مالكها، أو على طريق غير مسلوك، أو قرية
خربة - فهو له في جميع هذه الصور، وكذا إن أعلم مالك الأرض، وكانت
منتقلة إليه؛ فله أيضًا إن لم يدّعه المالك، فإن ادَّعاه بلا بيِّنة تشهد له، ولا
وصفٍ يصفه - فالركاز لمالك الأرض مع يمينه؛ لأنَّ يد مالك الأرض على
الرکاز، فرجح بها.
وكذا لو ادَّعاه من انتقلت عنه الأرض؛ لأنَّ يده كانت عليها .
١٠ - أما الحديث رقم (٥١٦): فيدل على وجوب الزكاة في المعادن، والمعادن
هي مادة عضوية توجد في الطبيعة، لها تركيب كيميائي معين، وخواص
طبيعية معيَّنة، وتتكون المعادن من العناصر الكيميائية نفسها؛ كذهبٍ،
وحديدٍ، وصُفرٍ، وزئبقٍ، فهي مواد مولدة من الأرض من غير جنسها.
١١ - يدل الحديث على أنَّ الزكاة في المعادن لا تجب إلاّ إذا بلغ نصاب الزكاة
المعروف، فإذا بلغ نصابًا: عشرين مثقالاً من الذهب، أو من الفضة مائتي
درهم، أو قيمة ذلك من غيرها؛ كالحديد والنحاس والرصاص والبلور
والعقيق وغيرها - ففيه الزكاة فورًا؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَمِمَّآ أَخْرَجْنَا لَكُم
[البقرة: ٢٦٧].
مِنَ الْأَرْضِ
١٢ - فيه رُبع العُشر؛ لما في إخراجه من الكلفة والمؤنة.
١٣ - لا يضم جنس إلى آخر في تكميل النصاب، ولو كانت المعادن متقاربة؛
کقارٍ، ونفطٍ، وحديدٍ، ونحاسٍ .
١٤ - إخراج زكاته حين حصوله باتفاق الأئمة الأربعة؛ لأنَّه مال مستفاد من
الأرض، فلم یعتبر له حول، فإن استخرج أقل من نصاب، فلا زكاة فيه.

٣٧٠)
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
* خلاف العلماء:
ذهب الأئمة الثلاثة إلى: أنَّ المعدن شيء غير الركاز، كما تقدم.
وذهب الحنفية إلى: أنَّ المعدن هو الركاز.
واختلف الثلاثة في المعدن:
فذهب المالكية والشافعية إلى: أنَّ المعدن هو الذهب والفضة.
وذهب الحنابلة إلى: أنَّ المعدن كل متولد من الأرض من غير جنسها،
ليس نباتًا، سواء كان جاريًا؛ كالنفط والقار، أو جامدًا؛ كالحديد والنحاس
والذهب والفضة.
والحق ما ذهب إليه الحنابلة، كما تقدم تعريفه عن علماء الكيمياء، الذين
هم أصحاب الاختصاص والخبرة.
والمعادن ثلاثة أنواع:
١ - جامد: وينطبع بالنار؛ كالذهب، والفضة، والحديد، والنحاس، والرصاص،
والزئبق.
٢ - جامد: لا ينطبع ولا يذوب بالنار؛ كالجص، والنورة، والكحل، وسائر
الأحجار، کالياقوت والملح.
٣- مائع: كالنفط ((البترول))، وقار وهو الزفت.

٣٧١
كتاب الزكاة - باب صدقة الفطر
باب صدقة الفطر
مقدمة
أصل الفطر أن يقال: فطر ناب البعير: إذا انشق موضعه للطلوع، ومنه
[الانفطار] أي: انشقت، فكأن الصائم يشق
قوله تعالى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ أَنْفَطَرَتْ
١
صومه بالأكل.
وصدقة الفطر هي الزكاة التي سببها الفطر من صيام شهر رمضان، نسبت
إلى الفطر من باب تسمية المسبب بسببه .
والأصل في مشروعيتها: عموم الكتاب، والسنة، والإجماع، قال
[الأعلى].
١٥
تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزََّى: ﴿ وَذَّكَرَ أَسْمَ رَبِّهِ، فَصَلَّل
والأحاديث فيها صحيحة.
وأجمع المسلمون على وجوبها، وسند الإجماع ما جاء في الصحيحين
عن ابن عمر: ((أنَّ رسول الله وَّ﴾ فرض زكاة الفطر من رمضان)).
قال جمهور علماء السلف والخلف: معنى ((فرض)): ألزم وأوجب.
فُرضت في السنة التي فرض فيها صيام رمضان، وهو السنة الثانية
للهجرة، والحكمة في مشروعية هذه الزكاة ما جاء في سنن أبي داود (١٦٠٩)
عن ابن عباس قال: ((فرض رسول الله وَله زكاة الفطر طَهرةً للصائم من اللغو
والرفث، وطمعةً للمساكين))؛ فهي ترقع خلل الصيام، وهكذا كل عبادة تتعلَّق
بعبادة أخرى، فإنَّها تكون مكملة لها، ومتممة لما نقص منها.
ويوضحها حِكَم وأسرار، منها ما يتعلق بالصائمين، فتطهرهم مما أصاب
.

٣٧٢
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
صيامهم من نقص وخلل، وهي أيضًا شكر لله تعالى على أنْ منَّ على عباده
بتكميل صيام شهر رمضان، وشكر الله تعالى على أن متعهم بدوران الحول
عليهم، فدار عليهم بصحة في أبدانهم، وسلامة في أديانهم، وأمن في
أوطانهم.
ومنها ما يتعلَّق بتكافل المجتمع الإسلام بسد خلل المحتاجين، وإطعام
الجائعين في هذا اليوم - يوم العيد - وإشاعة السرور والفرح، وإدخال المحبة
والمودة في قلوب بعضهم بعضًا؛ ليكون المسلمون كلهم في مستوى واحد،
من الغنى والكفاف عن التعرض للسؤال، والحاجة إلي مد اليد في يوم كل
مسلم يحب أن يظهر فيه بمظهر الغنى، فحِكم الله وأسراره في شرعه كثيرة.

٣٧٣)
كتاب الزكاة - باب صدقة الفطر
٥١٧ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - قَالَ: ((فَرَضَ رَسُولُ
الله ◌َلُّ زَكَاةَ الفِطْرِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، عَلَى العَبْدِ
وَالحُرِّ، وَالذَّكَرِ وَالأُنْثَى، وَالصَّغِيرِ والكَبِيرِ مِنَ المُسْلِمِينَ، وَأَمَرَ بِهَا
أَنْ تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إِلَى الصَّلاَةِ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١).
وَلَاِبْنِ عَدِيٍّ وَالدَّارَقُطِيِّ بإسنَادٍ ضَعِيفٍ: ((أَعْنُوهُمْ عَنِ الطَّوَافِ
فِي هذا اليَوْمِ»(٢).
* درجة الحديث:
الزيادة ضعيفة .
قال المؤلف: ولابن عدي والدارقطني بإسناد ضعيف زيادة: ((أغنوهم
عن الطواف في هذا اليوم)).
وفيه محمّد بن عمر الواقدي.
كما أنه جاء من رواية نجيح السندي الملقَّب: أبا معشر.
قال ابن الملقن والحافظ: إنَّه ضعيف، وضعَّفه ابن المديني والنسائي، وقال
البخاري: منكر الحديث.
: مفردات الحديث:
- فرض: يحتمل وجهين : أحدهما - وهو الأظهر -: أوجب، والآخر بمعنى
قدر .
(١) البخاري (١٥٠٣)، مسلم (٩٨٤).
(٢) ابن عدي في الكامل (٢٥١٩/٧)، الدار قطني (١٥٢/٢).

٣٧٤
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
وقال ابن دقيق العيد: أصل معنى الفرض في اللغة: التقدير، ولكن
نقل في عرف الشرع إلى الوجوب، فالحمل عليه أولى من الحمل على معناه
الأصلي.
- زكاة الفطر: قال النووي: هي لفظة مولدة ليست عربية، بل اصطلاحية
للفقهاء؛ كأنها من الفطرة التي هي النفوس، والخِلقة؛ أي: زكاة الخلقة.
قال العيني: لو قيل: لفظة إسلامية لكان أوفى؛ لأنَّها ما عرفت إلاّ في
الإسلام، فهو اسمها على لسان صاحب الشرع، ويقال لها: صدقة الفطر،
وزكاة الفطر، وفي حديث ابن عباس: ((زكاة الصوم))، وحديث أبي هريرة:
«صدقة رمضان)).
- صاعًا: الصاع النبوي (٣ كيلوغرامات) من الحنطة الرزينة الجيدة.
- إلى الصلاة: المراد بها صلاة عيد الفطر.
- أغْنُوهُم: المراد هنا: أعطوهم ما يكفيهم ويغنيهم ذلك اليوم؛ ذلك أنَّ الغنى
أنواع، يفسر في كل بابٍ بما يناسبه، فالغني في باب أهل الزكاة: من عنده
كفاية سنة، وفي باب زكاة الفطر: من عنده ما يزيد عن قوت يومه، وفي باب
إخراج الزكاة: من عنده نصاب، وفي باب النفقات: من عنده ما ينفقه على مَن
عليه مؤنته.
- عن الطواف: من طاف الشيء يطوف طوفًا وطوافًا: استدار به، ومنه: الطوَّاف
الذي يدور على الناس لسؤالهم، وهو المراد هنا.
- في هذا اليوم: هو يوم عيد الفطر، وما يتبعه من أيام الزينة.
- من المسلمين: حال لـ((العبد)) وما عطف عليه، قال الطيبي: وتنزيلها على
المعاني المذكورة على ما يقتضيه علم البيان، أنَّ المذكورات جاءت مزدوجة
على التضاد للاستيعاب، لا للتخصيص؛ لئلا يلزم التداخل، فيكون فرض
رسول الله ودية على جميع الناس من المسلمين.

٣٧٥
كتاب الزكاة - باب صدقة الفطر
ما يؤخذ من الحديث:
١- أجمع العلماء على وجوب زكاة الفطر؛ أخذًا من قوله: ((فرض رسول الله
وَ ل - زكاة الفطر)) فالفرض: هو الواجب.
قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم أنَّ صدقة الفطر
واجبة .
٢ - أنَّها تجب على كل مسلم: ذكر أو أنثى، حرٍّ أو عبد، صغيرٍ أو كبيرٍ .
٣- أنها لا تجب على الجنين.
واستحب كثير من العلماء إخراجها عنه؛ فقد ورد عن الصحابة أنَّه كان
يعجبهم إخراجها عن الحمل، و کان عثمان - رضي الله عنه - يخرجها عنه.
٤- أنَّ الأفضل في وقت إخراجها أن تؤدى صبح العيد قبل خروج الناس لصلاة
العید، ويأتي توضیحه إن شاء الله تعالى.
٥- أنَّ من حِكَم هذه الزكاة إغناء الفقراء في يوم العيد؛ لئلا يبتذلوا أنفسهم
بالسؤال، في يوم يود كل مسلم أن يظهر فيه بمظهر الغنى، وهو يوم فرحٍ
وسرورٍ عامٌّ للمسلمين.
* خلاف العلماء:
اختلف العلماء في وقت إخراج زكاة الفطر :
فذهب أبو حنيفة إلى: جواز تقديمها لحول أو حولین، قياسًا على زكاة
المال.
وذهب الشافعية إلى: جواز تقديمها من أول شهر رمضان.
وذهب مالك إلى: أنَّه لا يجوز تقديمها مطلقًا، كالصلاة قبل وقتها .
وذهب الحنابلة إلى: جواز تقديمها قبل العيد بيومين، وبهذا حصل
اتفاق الأئمة الثلاثة وأتباعهم على جواز إخراجها معجلة قبل العيد بيومين فقط؛
لما روى البخاري (١٤١٥) قال: ((كانوا يعطونها قبل الفطر بيوم أو يومين)»

٣٧٦
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
يريد، الصحابة، ولأنَّه لا يحصل إعدادها إذا لم تقدم هذا التقديم، ولهذا
اختار شيخنا عبدالرحمن السعدي استحباب تقديمها بيوم أو يومين.
واختلف العلماء في زمن وجوبها :
فذهب الحنفية إلى: أنَّها تجب بطلوع فجر يوم عيد الفطر.
قالوا: لأنَّ الصدقة أضيفت إلى الفطر، والإضافة للاختصاص،
والاختصاص للفطر باليوم دون الليل، فمن مات قبل طلوع الفجر، لم تجب
فطرته، ومن أسلم أو ولد بعد طلوعه الفجر، لم تجب فطرته.
وذهب جمهور العلماء - ومنهم الأئمة الثلاثة - إلى: أنَّها تجب بغروب
شمس ليلة عيد الفطر؛ لأنَّه أول فطر يقع من جميع رمضان بمغيب الشمس في
ليلة الفطر، فمن مات بعد الغروب وجبت عليه، ومن ولد أو أسلم بعده، فلا
تجب عليه؛ لعدم وجود سبب الوجوب علیه .

٣٧٧
كتاب الزكاة - باب صدقة الفطر
سـ
٥١٨ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدِ الخُدْرِيِّ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: ((كُنَ
نُعْطِيهَا فِي زَمَنِ النَّبِّوَّهِ صَاعًا مِنْ طَعَامِ، أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا
مِنْ شَعِيرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ زَبِيبٍ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١).
وَفِي رِوَآيَةٍ: ((أَوْ صَاعًا مِنْ أَقِطٍ))(٢).
قَالَ أَبُوسَعِيدِ: ((أَمَّا أَنا، فَلاَ أَزَالُ أُخْرِجُهُ كَمَا كُنْتُ أُخْرِجُهُ فِي
زَمَنِ رَسُولِ اللهِ وَلِّ))(٣) .
وَلأَبِي دَاوُدَ: ((لاَ أُخْرِجُ أَبَدًا إِلَّ صَاعًا))(٤)
* مفردات الحديث:
- طعام: قال الجوهري: الطعام في اللغة: ما يؤكل، وربَّما خصَّ الطعام بالبُرِّ.
وقال الكرماني: لا نزاع في أنَّ الطعام بحسب اللغة عامٌّ بكل مطعوم،
والعطف على الطعام قرينة على إرادة المعنى العُرفي منه، وهو الّبُر
بخصوصه، وأيضًا فإنَّه لو لم يُرِد بالطعام هنا الحنطة، لذكرها عند التفصيل،
كذلك سائر أقواتهم.
- زبيب: وحداته ((زبيبة))، وهو اسم جمع، يذكر ويؤنث، وهو ما جف من العنب
- أقط : - بفتح الهمزة وكسر القاف بعدها طاء مهملة -: هو اللبن المحمض،
يطبخ حتى يتبخر ماؤه ويصبح كالعجينة، ثم يعمل منه أقراص تؤكل رطبةً
(١) البخاري (١٥٠٨)، مسلم (٩٨٥).
(٢)
البخاري (١٥٠٦).
البخاري (٩٨٥).
(٣):
أبوداود (١٦١٨).
(٤)

٣٧٨
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
ويابسةً، فإن أكل عجينة قبل أن يقرص، فتسميه البادية: لتيحا.
- أما أنا ... إلخ: قال أبو سعيد ذلك ردًّا على من قال: إنَّ مدَّيْن من حنطة الشام
تعادل صاعًا من التمر وغيره.
* ما يؤخذ من الحديث:
١- مشروعية إعطاء زكاة الفطر من هذه الأجناس الخمسة: الحنطة، والتمر،
والشعير، والزبيب، والأقط .
٢ - حكمة هذا التوزيع - والله أعلم -: التسهيل على المخرجين، فكل أهل قطر
يخرجون مما عندهم، فلا يكلفون مما ليس لديهم، كما أنَّ إغناء الفقراء
یکون من الطعام الذي یأکله جمهورهم.
٣- كانت زكاة الفطر تُخرجُ صاعًا من أحد هذه الأجناس الخمسة في عهد النبي
** ، فلما وردت الحنطة السمراء من الشام إلى المدينة زمن معاوية، وقدم
المدينة سنة حجته - قال: أرى أنَّ مدًّا من الحنطة عن مُدَّين من غيرها؛
لجودتها ونفعها، فقال أبوسعيد الخدري: أما أنا فلا أزال أخرجها كما كنت
أخرجها زمن النبي وَله، فلا أخرج أبدًا إلاَّ صاعًا. [رواه مسلم (٩٨٥)].
وهذا هو مذهب الأئمة الثلاثة: مالك، والشافعي، وأحمد،
والجمهور.
وذهب أبو حنيفة إلى: أنَّه يجزىء من الحنطة نصف الصاع، ومال ابن
القيم في ((الهدي)) إلى تقوية أدلة هذا الرأي.
واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية، وقال: هو قياس قول أحمد في
الكفارات، والأحوط هو مذهب الجمهور من إخراج الصاع مطلقًا .
* خلاف العلماء:
ذهب الإمام أحمد إلى: تحديد إخراج الفطرة من هذه الأجناس الخمسة
المنصوص عليها بهذا الحديث، إن لم تفقد هذه الأجناس، فإن عدمت، أجزأ

٣٧٩
كتاب الزكاة - باب صدقة الفطر
كل حب وتمر يقتات.
وذهب الإمامان: مالك والشافعي إلى: أنَّها تجزىء بكل حب وثمر
يقتات، ولو قدر على الأجناس الخمسة المذكورة في الحديث.
وهو قول أكثر العلماء ورواية عن الإمام أحمد، اختارها شيخ الإسلام
وابن القيم، وهو أصح القولين؛ لقوله تعالى: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾
[المائدة: ٨٩]، ولأنَّ الأصل في الصدقات أنَّها تجب على وجه المساواة
للفقراء، ولأنَّ هذه الخمسة المذكورة في الحديث قوت أهل المدينة، ولو لم
تكن عندهم قوتًا لم يكلفهم أن يخرجوا إلاَّ مما يقتاتونه.
قال ابن القيم لما ذكر الأنواع الخمسة: وهذه كانت غالب أقواتهم في
المدينة، أما إذا كان أهل بلد أو محلة قوتهم غير ذلك، فإنَّما عليهم صاع من
قوتهم، فإن كان قوتهم من غير الحبوب؛ كاللبن واللحم والسمك، أخرجوا
فطرتهم من قوتهم كائنًا ما كان، هذا قول جمهور العلماء، وهو الصواب الذي
لا يقال بغيره؛ إذ المقصود سد خلة المساكين يوم العيد، ومواساتهم من جنس
ما يقتات أهل بلدهم.
* فائدة:
أفضل هذه الأصناف الخمسة وغيرها من أجناس الأطعمة - أنفعها
للمتصدَّق عليه، الذي يحصل به الإغناء المطلوب في ذلك اليوم.

٣٨٠
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
٥١٩ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضي اللهُ عَنْهُمَا - قَالَ: ((فَرَضَ
رَسُولُ اللهِ وَِّ زَكَاةَ الفِطْرِ طُهْرَةً لِلصَّائِمِ مِنَ اللَّغْوِ والرَّفَثِ، وَطُعْمَةً
لِلْمَسَاكِينِ، فَمَنْ أَذَّاهَا قَبْلَ الصَّلاَةِ فَهِيَ،َ زَكَاةٌ مَقْبُولَةٌ، وَمَنْ أَذَاهَا بَعْدَ
الصَّلاَةِ، فَهِيَ صَدَقَةٌ مِنَ الصَّدَقَاتِ)). رَوَاهُ أَبُودَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ،
وَصَخَّحَهُ الخَاكِمُ(١) .
* درجة الحديث:
الحديث حسن .
أخرجه أبوداود وابن ماجه والدارقطني (١٣٨/٢) والحاكم والبيهقي
(٧٤٨١) من طريق مروان بن محمد قال: حدثنا أبويزيد الخولاني قال: حدثنا
سيَّار بن عبدالرحمن الصدفي عن عكرمة عن ابن عباس قال: ((فرض رسول الله
وَال - زكاة الفطر ... )) الحديث، قال الدارقطني: ليس فيهم مجروح، وسنده
حسن، فهم ثقات صادقون.
قال الحاكم: صحيح على شرط البخاري، ووافقه الذهبي وابن الملقن،
والسند قد حسَّنه النووي في ((المجموع))، كما حسَّنه ابن قدامة في ((المغني))،
وأبومحمَّد المقدسي
مفردات الحديث:
- طهرة للصائم: الطهر هو: النقاء من الدنس والنجس الحسي، وهنا طهرة من
الأدناس المعنوية؛ كالبخل والشح وغيرهما.
- اللغو: هو الكلام الذي لا يعتد به، قال الراغب: وقد يسمى كل كلام قبيح:
(١) أبوداود (١٦٠٩)، ابن ماجه (١٨٢٧)، الحاكم (١٤٨٨).