النص المفهرس
صفحات 321-340
٣٢١ كتاب الزكاة ٤٩٩ - وَلِلتِّرْ مِذِيِّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا -: ((مَن اسْتَفَادَ مَالاً، فَلاَ زَكَاةَ عَلَيْهِ حَتَّى يَحُوْلَ الحَوْلُ)). وَالرَّاحِحُ وَقْفُهُ(١). * درجة الحديث: الحدیث ضعيف مرفوعًا. قال في ((التلخيص)): رواه الترمذي والدارقطني (٩٢/٢)، والبيهقي عن ابن عمر، وصحّح الترمذي وقفه على ابن عمر، وكذا البيهقي وابن الجوزي وغيرهما، وضعَّفه السيوطي في ((الجامع الصغير)). * ما يؤخذ من الحديث: ١ - الزكاة لا تجب إلاَّ بعد مضي عام كاملٍ عليها، والحول هو اثنا عشر شهرًا هلاليًّا، هذا هو أحد شروط وجوب الزكاة. ٢- قال البيهقي: المعتمد في اشتراط الحول على الآثار الصحيحة عن أبي بكر، وعمر، وعثمان، وابن عمر، وغيرهم. وقال شيخ الإسلام: الحول شرطً في وجوب الزكاة في العين والماشية، كما كان النبي ◌َّ يبعث عمَّاله على الصدقة كل عام، وعَمِل بذلك الخلفاء؛ لما علموه من سنته . قال ابن عبدالبر؛ وعليه جماعة الفقهاء قديمًا وحديثًا، ولأن النماء لا يتكامل قبل الحول، ولأن الزكاة تتكرر في الأموال فلابد لها من ضابط؛ لئلا يفضي إلى تعاقب الوجوب في الزمن المتقارب، فيفنى المال، والمقصود المواساة . (١) الترمذي (٦٣١). ٣٢٢) توضيح الأحكام من بلوغ المرام ٣- فمن استفاد مالاً من غير ربح التجارة التي يديرها، ومن غير نتاج السائمة التي أعدها للدرّ والنسل، وإنما استفاده من طريق آخر كميراث، أو هدية، أو أجر عقار، أو راتب على وظيفة - وهو المراد بهذا الحديث - فحوله مستقل، ولا دخل له بما لديه من مال؛ لأنه ليس تابعًا له، فلم يربط به. ٤ - أما من استفاد مالاً من ربح التجارة، ولو قبيل حلول الأصل بشيء يسير -وجبت فيه الزكاة كأصله، أو لم تنتج بهيمة الأنعام قبل الحول إلاَّ بوقت یسیر، وجبت فيه الزكاة کأصله، فحوله حول أصله. ٥- إذا كان المال المكتسب لا علاقة له بتجارته وسائمته، فكل مال يزكيه وحده، إذا حال عليه حوله. وإذا أراد أن يجعل له شهرًا معلومًا - كرمضان - لإخراج زكاته كلها، فيخرج عما حال عليه الحول، ويجوز إخراج الزكاة عما لم يحل حوله، من باب تعجیل الزكاة عنه فجائز، وهذا فيه راحة له، وتیسیر لأمره. ٣٢٣ سـ كتاب الزكاة ٥٠٠ ۔ وَعَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: ((لَيْسَ فِي البَقَرِ العَوَامِلِ صَدَقَةٌ)). رَوَاهُ أَبُودَاوُدَ، وَالدَّارِقُطْنِيُّ، والرَّاحِحُ وَقْفُهُ أَيْضًا(١). * درجة الحديث: الحديث صحَّحه ابن القطان، وقال: كل من يرويه ثقة معروف، والحديث روي من طريق أبي إسحاق عن الحارث الأعور، وعاصم بن ضمرة عن علي مرفوعًا وموقوفًا: ((ليس في البقر العوامل شيءٍ)). قال البيهقي : رواه النفيلي عن زهير بالشك في رفعه ووقفه. وقال الحافظ في ((التخليص)): ورواه الدارقطني من حديث ابن عباس، وفيه سوار بن مصعب، وهو متروك عن ليث بن أبي سليم وهو ضعيف، ورواه ابن ماجه عن ابن عباس أيضًا، وفيه الصقر بن حبيب وهو ضعيف. ورواه البيهقي عن جابر موقوفًا، وضعَّف إسناده. * مفردات الحديث: - البقر العوامل: جمع: ((عاملة)): التي تعمل للحرث، والدوس، ونزع الماء، وجر الأثقال، وأمثال ذلك. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - تقدم أنَّ الزكاة مبنية على المساواة بين الأغنياء والفقراء، وبناء على هذا المبدأ العادل، فإنَّها لا تجب إلاَّ في أموال نامية، أما الأموال المعدة للاستعمال، فلا زكاة فيها . ٢ - من الأموال المعدة للاستعمال البقر العوامل في حرث الزرع أو سقيه، فهلذه (١) أبوداود (١٥٧٣)، الدار قطني (١٠٣/٢). ٣٢٤ توضيح الأحكام من بلوغ المرام لا زكاة فيها؛ لأنَّها آلة عمل، وإنما الزكاة في ثمرة عملها وإنتاجه وهو الخارج من الأرض. ٣- يقاس على ذلك جميع الأموال التي أعدت للاشتغال والبقاء، ولم تجعل للنماء التجاري، وإنما نماؤها فيما ينتج منها، مثل سيارات النقل، ومثل مواتير الزراعة، ومثل أدوات الحراثة، ونحو ذلك، فكلها لا زكاة فيها. ٤- ومثل ذلك ما تقدم من أدوات القنية، والاستعمالات الشخصية، والمنزلية: من مراكبٍ، وفرشٍ، وأوانٍ، وأثاث منزلٍ، ونحو ذلك؛ فإنَّها أموال مجمدة عن النماء لإعدادها للاستعمال؛ فلا زكاة فيها . وتقدم أنَّ هذا هو مأخذ عدم وجوب زكاة الحلي المعد للاستعمال، كما تقدمت كلمة شيخ الإسلام التي قال فيها: إنَّ الشارع إنَّما عني ببيان ما تجب فيه الزكاة، أما الذي لا تجب فيه فلم يبيِّن، بناء على العفو فيما سكت عنه . ٥ - الأثر وإن لم يكن له حكم الرفع، إلاَّ أنَّه حجة؛ لكونه قول صحابي من الخلفاء الراشدين، ويؤيده قوله وَ لقر: ((ليس على المسلم في عبده، ولا فرسه صدقة)) [رواه مسلم (١٦٣١)]. ٣٢٥ كتاب الزكاة ٥٠١ - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِهِ عَنْ جَدِّهِ عَبْدِ الله بْن عَمْرٍو - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ - أنَّ رَسُولَ اللهِ بَّهِ قَالَ: ((مَنْ وَلِيَ يَتِيمًا لَهُ مَالٌ، فَلْيَتَّجِرْ لَهُ، وَلاَ يَتْرُكْهُ حَتَّى تَأْكُلَهُ الصَّدَقَةُ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالدَّارَ قُطْنِيُّ، وإِسْنَادُهُ ضَعِيْفٌ (١)، وَلَهُ شَاهِدٌ مُرْسَلٌ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ(٢) * درجة الحديث: الحديث ضعيف، فقد سئل عنه الإمام أحمد، فقال: ليس بصحيح. قال الترمذي: في إسناده مقال؛ لأنَّ المثنى بن الصباح يضعف في الحديث. وقد تابعه محمد بن عبدالله بن عمر، أخرجه الدار قطني، وتابعه أيضًا عبدالله بن علي الإفريقي أخرجه الجرجاني، وهو ضعيف، وتابعه أبو إسحاق الشيباني، وهو ثقة لكن الراوي عنه مندل، وهو ضعيف أيضًا، فالحديث بجميع طرقه هلذه ضعيف . وللحديث شاهد عن عمر موقوفًا، صححه البيهقي. * مفردات الحديث: - من ولي يتيمًا: مِنْ: وليت على الصبي أليه ولاية، والفاعل يقال له: والٍ، والجمع: ولاة، والصبي مولى عليه. - يتيمًا: اليتيم هو من مات والده ولم يبلغ، والجمع: يتامى وأيتام، والصغيرة يتيمة، وجمعها : يتامى، فإن ماتت أمه فقط، قيل له: عجي، فإن مات أبواه سمي: لطیمًا . (١) الترمذي (٦٤١)، الدار قطني (١٠٩/٢). (٢) الشافعي (٩٢/١). ٣٢٦ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ما يؤخذ من الحديث: ١ - وجوب الزكاة في مال اليتيم، ومثله المجنون والسفيه؛ ذلك أنَّ الزكاة منوطة بسببها، فتتعلَّق بعين المال، وإن كان لها تعلق بالذمة، ولتعلقها بعين المال وإناطتها بسببها فإنَّه لا يشترط لوجوبها تكليف المزكي، فهي عبادة مالية، بخلاف الصلاة والصيام، فهما عبادتان بدنيتان محضة. ٢- يُخرج الزكاةَ عنه وليُّه في المال؛ لأنَّ التصرفات المالية منوطة به. ٣- أما الجنين: فلا تجب الزكاة في المال المنسوب إليه؛ لأنَّه مال له ما دام حملاً. ٤- استحباب تنمية مال اليتيم بالتجارة وغيرها، مما يظن الولي أنَّه يحقق له ربحًا وفائدة، وزيادة في ماله، وإنَّ هذا من الإصلاح المأمور به لليتيم. ٥- الحرص على أموال اليتامى بعدم إنفاقها، إلاَّ فيما هو خير لهم، وصلاح لأحوالهم، عملاً بقوله تعالى: ﴿وَلَا نَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِأَلَّتِ هِىَ أَحْسَنُ﴾ [المائدة: ١٥٢] والشارع هنا احتاط من نقص مال اليتيم من الصدقة الواجبة، وهي الزكاة، فكيف إنفاقه فيما لا صلاح له في دينه، ولا دنياه؟ ! . ٦- ثبوت الولاية على اليتيم، وأنَّها ولاية شرعية تقتضي عمل الأصلح في شؤونهم وأموالهم، وقد وعد الله تعالى بالخير في الإصلاح لهم، وتوعد على الإساءة إليهم، وأكل أموالهم بأشد عقوبات الآخرة. ٧- رحمة الله تعالى ولطفه باليتامى؛ حيث وصى عليهم، وجعل عليهم ولاية أميتة، تحفظ أموالهم وتنمیها، وتصلح شؤونهم. خلاف العلماء: أجمع العلماء على وجوب الزكاة في مال المسلم البالغ العاقل، واختلفوا في وجوبها في مال الصبي والمجنون: فذهب الإمام أبو حنيفة إلى: عدم وجوبها في مال الصبي والمجنون، إلاَّ ٣٢٧ كتاب الزكاة في زرعه وثمره، فتجب فيه؛ لأنَّه من الأموال الظاهرة. وذهب الأئمة الثلاثة إلى: وجوبها في مال الصبي والمجنون مطلقًا: الظاهر والباطن، وهو مذهب جمهور العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم. استدل القائلون بعدم وجوبها بأدلة، منها : ١ - قال تعالى: ﴿خُذّ مِنْ أَمْوَلِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِبِم ◌ِبِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣]، والصبي والمجنون لا ذنوب عليهما، حتى يحتاجا إلى التطهير والتزكية. ٢- جاء في سنن أبي داود (٤٤٠٢)، والنسائي بإسناد صحيح عن علي بن أبي طالب؛ أَنَّ النَّبِيَّ وَِّ قَالَ: ((رُفِعَ القَلَمُ عن ثلاثة: عن الصبي حتى يبلغ، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يفيق))، والذي رفع عنه القلم غير مكلف بالشرائع، ولا يتناوله خطاب الشارع بالأمر والنهي. ٣- إنَّ الزكاة عبادة محضة؛ كالصلاة والعبادات، يناط الأمر بها بالمكلفين، أما غير المكلفين فلا تجب عليهم التكاليف الشرعية. ٤- الإسلام يراعي أموال الضعفاء، ويحرص على نمائها، وعدم مسها، إلاَّ بالتي هي أحسن، وأخذ الزكاة منها عامًا بعد عام، يعرضها للانقراض، فيتعرضان للحاجة والفقر. أما أدلة القائلين بالوجوب فما يأتي: ١- عموم النصوص من الآيات والأحاديث الصحيحة التي دلَّت على وجوب الزكاة في مال الأغنياء وجوبًا مطلقًا، لم تستثن صبيًّا ولا مجنونًا؛ فالصغار والمجانين داخلون تحت قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَلِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: ١٠٣]، وقوله: ((افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم))؛ فعموم هذه النصوص وأمثالها تشمل الصغار والمجانين إذا كانوا أغنياء. ٢ - ما رواه الترمذي (٦٤١) من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن ٣٢٨ توضيح الأحكام من بلوغ المرام النبي وَّ قال: ((من ولي يتيمًا له مال، فليتجر له، ولا يتركه؛ حتى تأكله الصدقة)» وهو حدیث الباب. ٣- ما رواه الشافعي (٩٢/١)؛ أنَّ رسول الله بَّه قال: ((ابتغوا في مال اليتيم، لا تُذهبه الصدقة». ٤ - ما رواه الطبراني في ((الأوسط)) (٤١٥٢) عن أنس قال: قال رسُولُ الله ◌ِّه: ((أنَّجروا في أموال اليتامى، لا تأكلها الزكاة))، وإسناده صحيح. وذهب إلى وجوبها في مال الصبي: عمر، وعلي، وابن عمر، وعائشة، وجابر - رضي الله عنهم - ولم يعرف لهم مخالف من الصحابة، فكان كالإجماع. ٥- المقصود من الزكاة هو سد خلة الفقراء من مال الأغنياء، ومال الصبي والمجنون قابل لذلك. ٦ - الصبي والمجنون أهل لأداء حقوق العباد من مالهما بالاتفاق، فتجب الزكاة في مالهما كسائر الحقوق. الجواب على أدلة الذين لم يوجبوها : ( أ ) التطهير في الآية ليس خاصًا بالذنوب لينحصر في المكلفين، وإنما هو عام في تربية الخُلق، وتزكية النفس، وتعويدها على الفضائل. (ب) أما حديث: ((رفع القلم عن ثلاثة)) فالمراد به: رفع الإثم، والوجوب عليهما، والزكاة لا تجب عليهما، وإنما تجب في مالهما. ولذا فإنَّ رفع القلم لا يشمل ما يجب عليهما من الحقوق المالية للعباد. (ج) أما أنَّ الزكاة عبادة محضة كالصلاة، فالجواب: أنَّها عبادة مالية لها طابعها الخاص، وتجري فيها النيابة . والخلاصة: أنَّ الزكاة عبادة مالية تجري فيها النيابة، والولي نائب الصغير فيها، فيقوم مقامه في أداء هذا الواجب، بخلاف العبادات البدنية، كالصلاة والصيام، فإنَّها عبادات بدنية، لا تدخلها النيابة. ٣٢٩ كتاب الزكاة ٥٠٢ - وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ أَبِي أَوْفَى - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: ((كَانَ رَسُولُ اللهِ ◌َّ إِذَا أَتَاهُ قَوْمٌ بِصَدَقَتِهِمْ، قَالَ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَيْهِمْ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ(١) * مفردات الحديث: - اللَّهمَّ: هي بمعنى: ((يا الله))، فالميم عوض عن ياء النداء، ولهذا لا يجمع بينهما؛ فإنَّه لا يجمع بين العوض والمعوّض. - صلِّ عليهم: أصل الصلاة في اللغة: الدعاء، إلاَّ أنَّ الدعاء يختلف بحسب حال المدعو له، فلا يتعيَّن لفظ خاص، بل يكون الدعاء بلفظ يؤدي معنى الثناء، ويناسب المقام. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - أمر الله تعالى نبيه ورسوله محمَّدًا بَّله أن يقبض الزكاة من المسلمين، وأن يصلي عليهم حين يقبضها منهم، فقال تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَلِهِمْ صَدَقَةٌ تُطَهِّرُهُمْ وَتَزْكِبِهِم بِهَا وَصَلّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَوْتَكَ سَكَنٌّ لَهُمْ وَاَللَّهُ سَمِيُ عَلِیهُ [التوبة]، فكان وَل* امتثالاً لأمر ربه إذا أتاه قوم بصدقتهم، قال: ((اللّهمَّ صل عليهم)). ٢- ينبغي لقابض الزكاة - سواء قبضها للمسلمين كالسعاة والجباة، أو قبضها لنفسه كالفقير - أن يدعو لمُخْرجها، فكان مما ورد من الدعاء: ((آجرك الله فيما أعطيت، وبارك لك فيما أبقيت، وجعله لك طهورًا)). ٣- استحباب مكافأة المحسن على إحسانه، ولو بالدعاء؛ لحديث: ((من صنع إليكم معروفًا فكافئوه، فإن لم تجدوا ما تكافئونه، فادعوا له حتى تظنوا أنَّكم (١) البخاري (١٤٩٧)، مسلم (١٠٧٨). ٣٣٠ توضيح الأحكام من بلوغ المرام قد كافأتموه)) ففي الدعاء مع مكافأته تشجيعه، وتشجيع غيره على البذل. ٤- قال البخاري: قال أبو العالية: الصلاة من الله تعالى على عبده ثناؤه عليه في الملأ الأعلى. قال الأزهري: الصلاة من الله الرحمة، ومن الملائكة الاستغفار، ومن الآدميين التضرع والدعاء. ٥- أنَّ دَفْعَ الزكاة إلى ولي أمر المسلمين تارةً يكون ببعثه الجباة إلى أصحاب الأموال في میاههم وحقولهم، وتارةً يأتون بها إليه، وكل ذلك جائز. ٣٣١) كتاب الزكاة ٥٠٣ - وَعِنْ عَلِيِّ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - ((أَنَّ العَبَّاسَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - سَأَلَ النَّبِيَّ وَّهِ فِي تَعْجِيلٍ صَدَقَتِهِ قَبْلَ أَنْ تَحِلَّ، فَرَخَّصَ لَهُ في ذْلِكَ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالحَاكِمُ(١). : درجة الحديث: الحدیث حسن. قال في ((التلخيص)): رواه أحمد (٧٨١) وأصحاب السنن والحاكم والدار قطني (١٢٣/٢)، والبيهقي (٧١٥٧) عن علي - رضي الله عنه - ويعضده حديث أبي البحتري عن علي، ورجاله ثقات إلاَّ أنَّ فيه انقطاعًا. قال الحاكم: صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي. وذکر الحافظ طرقًا متعددة لهذا الحديث في «فتح الباري))، وقال: ليس ثبوت قصة العباس في تعجيل صدقته ببعيد؛ لمجموع هذه الطرق . * مفردات الحديث: - تعجيل صدقته: تعجيل الصدقة هو: إخراجها قبل تمام حولها، وسيأتي إن شاء الله. - صدقته: المراد بها: زكاة ماله، فالصدقة تطلق شرعًا وعرفًا على الزكاة. - فرخّص له: بالتشديد من: الترخيص، والرخصة معناها: اليسر والسهولة، وشرعًا: ما ثبت على خلاف دليلٍ شرعيٍّ لمعارضٍ راجحٍ. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - العباس بن عبد المطلب - رضي الله عنه - عم النبي وَّ، سأل النَّبِي ◌َّ في تعجيل صدقته قبل أن تحل، فرخَّص له في ذلك، فعجَّل صدقته عامين. (١) الترمذي (٦٧٨)، الحاكم (٥٤٣١). ٣٣٢ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ٢- فيجوز تعجيل إخراج الزكاة لعامين فقط؛ اقتصارًا على الوارد، ولا يجوز أکثر من هذا. ٣- أجمع العلماء على أنَّه لا يعجلها، إلاَّ إذا كمل النصاب؛ لأنَّ النصاب هو سبب وجوبها، فلا يجوز تقديمها علیه . قال شيخ الإسلام: يجوز تعجيل الزكاة قبل وجوبها سبب الوجوب عند جمهور العلماء، ومنهم الأئمة: أبو حنيفة والشافعي وأحمد، فيجوز تعجيل زكاة الماشية، والنقدين، وعروض التجارة إذا ملك النصاب، ويجوز تعجيل المعشَّرات قبل وجوبها، إذا كان قد طلع الثمر قبل بدو صلاحه، ونبت الزرع قبل اشتداد حبه. ٤- لا يستحب تعجيل الزكاة، إلاّ إذا كان هناك مصلحة؛ كأن يوجد مجاعة، أو يحدث للمسلمين حاجة إلى تعجيل الزكاة. خلاف العلماء: أجمع العلماء على أنَّه لا يجوز تعجيل الزكاة قبل تمام النصاب؛ لأنَّه لم یوجد سبب الوجوب، فلم يجز تقديمها عليه. وذهب جمهور العلماء ومنهم الأئمة الثلاثة إلى: جواز تعجيلها بعد انعقاد سبب وجوبها بملك النصاب، وحديث العباس صحيح صريح في جواز التعجيل . وذهب المالكية وداود إلى: عدم جواز تقديمها قبل حلول الحول؛ سواء ملك النصاب أو لا، وحجتهم: أنَّ الحول أحد شرطي وجوب الزكاة، فلم يجز تقديمه عليه، كما لا يجوز قبل ملك النصاب إجماعًا . قال ابن رشد في ((بداية المجتهد)): وسبب الخلاف: أنَّ الزكاة هل هي عبادة، أو حق واجب للمساكين؟ فمن قال: إنَّها عبادة، لم يُجِز إخراجها قبل الوقت، ومن شبهها بالحقوق الواجبة المؤجلة أجاز إخراجها قبل الأجل على كتاب الزكاة ٣٣٣) جهة التطوع، والصحيح ما ذهب إليه الجمهور. * فائدة: ذهب الحنفية إلى: جواز تأخير إخراج الزكاة بعد وجوبها بحلول الحول، وقالوا: إنَّها تجب وجوبًا موسعًا. وذهب جمهور العلماء - ومنهم الأئمة الثلاثة - إلى: عدم جواز تأخيرها بعد حلول حولها . قال في ((المغني)): إنَّ الأمر يقتضي الفورية على الصحيح، كما في الأصول، ولذلك يستحق المؤخر للامتثال العقاب. والمبادرة بإخراجها مبادرة إلى الطاعة، ومسارعة إلى أدائها، قال تعالى: ﴿فَاسْتَبِقُواْ الْخَيْرَتِ﴾ [البقرة: ١٤٨]. ٣٣٤ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ٥٠٤ _ وَعَنْ جَابِرِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - عَنْ رَسُولِ اللهِ وَالِهِ قَالَ: (َيْسَ فِيْمَا دُونَ خَمْسٍ أَوَاقٍ مِنَ الوَرِقِ صَدَقَةٌ، وَلَيْسَ فِيْمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ مِنَ الإِبِلِ صَدَقَّةٌ، وَلَيْسَ فِيْمَا دُونَ خَمْسَةٍ أَوْسُقٍ مِن الَّمْرِ صَدَقَةٌ)). رَوَاهُ مُسْلِمُ(١). * مفردات الحديث: - أواقٍ: بدون الياء، برواية أبي داود (١٥٥٨)، ووقع في مسلم بالياء المخففة، وبدونها. قال النووي: وكلاهما صحيح، وهي جمع: ((أوقية)) بتشديد الياء، وجمعها: (أواقي)) بتشديد الياء. قال العيني: والجمهور يقولون في الواحدة: ((وقية)) بحذف الهمزة، وجمعها: ((وقايا))، مثل: ضحية وضحايا، وأجمع أهل الحديث والفقه واللغة على أنَّ الأوقية الشرعية أربعون درهمًا، فخمس أواق هي مئتا درهم، وهذا نصاب الفضة، ونصاب الفضة في المعايير الحاضرة هو (٥٩٥) غرامًا من الفضة . - الورق: بفتح الواو وكسر الراء المخففة، قال العيني وغيره: هي الدراهم المضروبة، فما كان من الفضة غير مضروب، فلا يسمى: ورِقًا. - ذَود : - بفتح الذال المعجمة وسكون الواو - هي ما بين الثلاث إلى العشر من الإبل، لا واحد له من لفظه، ويجمع على: ((أذواد))، وهو اسم جمع يطلق على المذكر والمؤنث، والقليل والكثير، ولذا صحَّ إضافة ((الخمس)» إليه. - دون: في المواضع الأربعة كلها، هي بمعنى ((أقل))؛ أي لا تجب الزكاة في (١) مسلم (٩٨٠). ٣٣٥ كتاب الزكاة أقل من هذه المقادير لهذه الأشياء. - الإبل: اسم جمع، لا واحد له من لفظه، وهي مؤنث. - أوسق: مفرده: ((وسْق))، بفتح الواو وسکون السین، وحکي کسر الواو، والفتح أوضح، وبعد السين قاف، والوسق: ستون صاعًا، فيكون نصاب الحبوب والثمار ثلاثمائة صاع، والصاع في الموازين الحاضرة هي (٣ کیلو))، وهذا تقدير تقريبي احتياطي بالحنطة الرزينة، فيكون الثلاثمائة الصاع هي (٩٠٠ تسعمائة كيلوغرام)). وقد بحث مجلس هيئة كبار العلماء في قدر الصاع النبوي بالنسبة للمكاييل الحديثة، فلم يصلوا إلى تحديد متيقن حاسم؛ وذلك لعدم وجود صاع نبوي متيقن، فكان رأي غالب الأعضاء تقديره بثلاثة آلاف غرام، وهذا احتياط لصدقة الفطر ونحوها. ٣٣٦ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ٥٠٥ - وَلَهُ مِنْ حَدِيثٍ أَبِي سَعِيدٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ -: ((لَيْسَ فِيْمَا دُونَ خَمْسَةٍ أَوْسَاقٍ مِنْ تَمْرٍ، وَلا حَبِّ صَدَقَةٌ)) وَأَصْلُ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ(١). * مفردات الحديث: - أوساق: جمع: ((وسق))، قال في ((المصباح)): حكى بعضهم ((الوسق)) بكسر الواو لغةً، وجمعه ((أوساق)) مثل: حمل وأحمال، وأصل الوسق: الحمل لكل شيء، يقال: وسقته؛ أي: حملته. - حب : - بفتح الحاء، وتشديد الباء -: البذر؛ مثل: القمح، أو الشعير. * ما يؤخذ من الحديثين: ١- الزكاة مبناها المواساة؛ لذا فإنَّها لا تجب في المال القليل الذي لا يفي بضرورات صاحبه، فهو أحق بهذا القليل من غيره. ٢- فليس فيما دون خمس أواق من الورق صدقة، وليس فيما دون خمس ذود من الإبل صدقة، وليس فيما دون خمسة أوسق من التمر، أو الحب صدقة، فهذه مكاسب قليلة، ومحصول ضئيل، لا تجب فيها الزكاة . ٣- فنصاب الفضة مئتا درهم، وقدرها: (٥٩٥) غرامًا، ونصاب الإبل خمس، وما دونها ليس فيه زكاة، ونصاب الثمار والحبوب هو (٣٠٠) صاع نبوي، والصاع النبوي هو (٣٠٠٠) ثلاثة آلاف غرام. ٤- هذا كله من العدل الرباني بين عباده؛ فإنَّ الزكاة هي مواساة ومساواة، فلا تجب إلاَّ في أموال الأغنياء، أما الفقراء فلا تجب عليهم. (١) البخاري (١٤٤٧)، مسلم (٩٧٩). ٣٣٧ كتاب الزكاة فالبدوي الذي لا يملك إلاَّ أربعة أبعرة، والفلاح الذي لا يحصل إلاّ أقل من ثلاثمائة صاع، والتاجر الذي تقل أثمانه وعروضه عن مئتي درهم - هؤلاء هم مستحقون لإعطائهم من الزكاة لتكميل نفقاتهم. ٥- قال ابن عبدالبر والخطابي والنووي وغيرهم: هذا الحديث أصل في مقادير ما تتحمله الأموال من المواساة، وإيجاب الصدقة فيها، وإسقاطها عن القليل الذي لا يتحملها؛ لئلا يجحف بأرباب الأموال، ولا يبخس الفقراء حقوقهم، فإذا بلغه النصاب وجب الحق، ولا يجب فيما دونه، وهو مذهب جماهير العلماء، ومنهم الأئمة: مالك والشافعي وأحمد. ٦- في الحديث أنَّ تقدير النصاب والمخرج مردّه إلى الشرع، لا إلى العرف، ولو رد إلى العرف لانفرط زمام الأمر؛ نظرًا لاختلاف الناس، من بخيل يمنع القليل من الكثير. ٧- قال الخطابي وغيره: يستدل بحديث: ((ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة)) -: أنَّها لا تجب في شيء من الخضراوات، وعليه عامة أهل العلم، وتركها وسلم وخلفاؤه من بعده، وهي تزرع بجوارهم، يدل على عدم وجوبها فيها، وأنَّ تركها هي السنة المتبعة. ٨- قوله: ((ليس دون خمس أواق من الورق صدقة)) قال شيخ الإسلام وغيره: هو نصٌّ على العفو فيما دونها، وإيجاب لها في الخمس فما فوقها، وعليه أكثر العلماء. وفي الصحيح: ((فإن لم يكن إلاَّ تسعين ومائة، فليس فيها شيء))، وفي رواية: ((وليس فيما دون المئتين زكاة)) قال البخاري : كلاهما عندي صحيح، والزيادة فيهما بحسابه. ٣٣٨) توضيح الأحكام من بلوغ المرام ٥٠٦ - وَعَنْ سَالِمٍ بْنِ عَبْدِ الله عَنْ أَبِيهِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - عَنِ النَّبِّ وَِّ قَالَ: ((فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ وَالعُيُونُ، أَوْ كَانَ عَثَرِيًّا العُشْرُ، وَفِيمَا سُقِيَ بِالنَّضْحِ نِصْفُ العُشْرِ)). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَلْأَبِي دَاوُدَّ: ((إِذَا كَانَ بَعْلاً العُشْرُ، وَفِيْمَا سُقِيَ بِالسَّوَانِي أَوِ النَّضْحِ نِصْفُ العُشْرِ))(١). * مفردات الحديث: - سقتِ السماء: أي: ((المطر))، لأنَّه ينزل من السماء، وتطلق السماء على كل ما علاك. - العيون: جمع: ((عين))، هي الينابيع التي تنبع من الأرض، أو من سفوح الجبال. - عثريًا : - بفتح العين المهملة وفتح المثلثة وكسر الراء وتشديد الياء المثناة التحتية - هو الذي يشرب بعروقه من غير سقي، فهو من: عثر على الشيء عثورًا؛ لأنّه تهجم على الماء، فتعثر عليه بلا عمل من صاحبه. - العُشْر: بضم العين مبتدأ، وخبره ((فيما سقت السماء))، وتقديره: العشر واجب فيما سقت السماء. - النَّضح: بفتح النون وسكون الضاد المعجمة فحاء مهملة، وأصل النضح: رش الماء وإساحته، وأريد به السقي، والدابة الناضحة هي التي تسقي الزرع، قال في ((المصباح)): ونضح البعير الماء: حمله من نهرٍ، أو بئرٍ؛ لسقي الزرع، فهو ناضح، والأنثى: ناضحة بالهاء، والجمع: نواضح، سمي: ناضحًا؛ لأنَّه ينضح العطش، أي: يبله بالماء الذي يحمله، هذا أصله، ثم (١) البخاري (١٤٨٣)، أبوداود (١٥٩٦). ٣٣٩ كتاب الزكاة استعمل في كل بعير، وإن لم يحمل الماء؛ كحديث: ((أطعِمه ناضِحَك))؛ أي: بعيرك. - أو كان: الضمير فيه يرجع إلى لفظ ((مسقي))، وتقديره: أو كان المسقي عثَرِيًّا. - بَعْلاً : - بفتح فسكون - هو الشجر، أو الزرع الذي ينبت بماء السماء من غير سقي، وهو مقاربٌ لمعنى العثري، أو مرادفٌ له. - السواني: جمع ((سانية))، هي الدابة من الإبل، والبقر، أو الحمر، ذاهبة وآيبة، تخرج الماء من البئر بالغربِ وأدواته، فالسانية التي يسقى بها، سميت سانية؛ لرفعها الماء ليسقي به الشجر والنبات * ما يؤخذ من الحديث: ١ - قال شيخ الإسلام ابن تيمية والإمام النووي: قد اتَّفق العلماء على المقدار المأخوذ من المعشرات ، للخبر الصحيح عن ابن عمر مرفوعًا . ٢- أنَّ الواجب في الحبوب والثمار التي سقيت بلا مؤنة، وإنما سقتها الأمطار، أو العيون الجارية، أو البعل الشارب بعروقه العُشر، وهو الواحد من عشرة، ذلك أنَّه حصلت ثمرته بلا كلفة، ولا مؤنة؛ لأنَّ أهم الكلفة والمؤنة هي الماء. ٣- أنَّ ما سقي بكلفة ومؤنة؛ كالنواضح والدولاب تديره البقر، أو الخيل، أو البغال، وكل آلة يحتاج إليها في إخراج الماء من بطن الأرض إلى ظاهرها، كالمواتير التي ترفع الماء من باطن الأرض إلى ظاهرها بالبنزين، أو الديزيل، أو الكهرباء - فيه نصف العشر، وذلك إجماع أهل العلم؛ للخبر الصحيح في ذلك. ٤- ما سُقِي بالطريقتين إحداهما: بكلفة ومؤنة، والأخرى: بلا كلفة ولا مؤنة، ففيه ثلاثة أرباع العُشر، حكى الإجماع على ذلك غير واحد، ولأنَّ كل واحد منهما لو وجد في جميع السنة لأوجب مقتضاه، فإذا وجد نصفه أوجب نصفه. ٥- هذا التقسيم في الأحكام مراعى فيها حالة المزكي، وهو أساس العدل ٣٤٠ توضيح الأحكام من بلوغ المرام والمساواة، في أحكام الله تعالى. ٦- ظاهر الحديث وجوب الزكاة في القليل والكثير، في الخارج من الأرض، وللكن الحديث مخصص بالحديث السابق في البخاري عن ابن عمر مرفوعًا، فإنَّه إذا تعارض العمل بالعام والخاص، كان العمل بالخاص في أظهر أقوال الأصولیین. ٧- ظاهر الحديث أنَّ الدَّين لا يمنع وجوب الزكاة في الأموال الظاهرة، وهي المواشي والحبوب والثمار؛ لأمرين: الأول: أنَّ النَّبيَّ وَّه لم يأمر السُّعاة والجباة أن يسألوا صاحب المال، هل هو مدين أو لا؟ والغالب أنَّهم مدينون. الثاني: أنَّ الأموال الظاهرة يشاهدها الفقراء والمستحقون ، فأنفسهم متعلقة بها، فمِن المواساة ألا يُحرموا منها، وهذا القول أعدل الأقوال الثلاثة: في منع الدين من وجوب الزكاة، أو عدمه.