النص المفهرس

صفحات 181-200

١٨١
كتاب الجنائز
٤٥٣ - وَعَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا -: ((أَنَّ
فَاطِمَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - أَوْصَتْ أَنْ يُغَسِّلَهَا عَلَيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ)). رَوَاهُ
و (١)
الدَّارَ قُطْنِيٌّ
درجة الحديث:
هذا أثر حسنٌ.
قال في ((التلخيص)): رواه البيهقي من جه آخر، وإسناده حسن، وقد
احتج به أحمد، وابن المنذر، ورجاله ثقات معروفون، وأخرجه الحاكم،
وحسّنه ابن حجر .
* ما يؤخذ من الحديثين:
١- يحرم على الرجل أن يغسِّل المرأة، ويحرم على المرأة أن تغسل الرجل؛
ولو كان الرجل مَحْرمًا للمرأة، فلا يجوز أن يغسِّل الرجل أُمَّه وابنته وغيرهما
من محارمه.
قال في ((المغني)): هو قول أكثر أهل العلم، وأجازه مالك والشافعي عند
الضرورة، واستعظمه الإمام أحمد وغيره.
٢ - يستثنى من ذلك أنَّ للرجل أن يغسل زوجته وأمَته، وبنتًا دون سبع سنين،
وأنَّ للمرأة أن تغسِّل زوجها وسیدها وصبيًّا دون سبع سنين .
قال ابن المنذر: أجمع كل مَن نحفظ عنه من أهل العلم؛ أنَّ للمرأة أن
تغسل الصبي الصغير متجردًا من غير مئزر، وتمس عورته، وتنظر إليها؛ لأنَّ
عورته لا حکم لها في حياته، فكذا بعد وفاته.
(١) الدار قطني (٧٩/٢).

١٨٢
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
٣- والحديث رقم (٤٥٢): يدل على أنَّ للرجل أن يغسل زوجه.
٤ - كما أن الحديث رقم (٤٥٣): يدل على أن للزوج أن يغسل زوجته، وقد
حكاه الإمام أحمد وابن المنذر والوزير إجماعًا .
وأما غسل الرجل زوجته: فهو مذهب الأئمة الثلاثة وجمهور العلماء،
وخالف أبو حنيفة فلم يجز للزوج أن يغسل زوجه، وحجته أنَّ علاقة النكاح
انقطعت بالوفاة، والمعتمد القياس على غسلها له، والقياس لا يكفي.
:

١٨٣
كتاب الجنائز
٤٥٤ - وَعَنْ بُرَيْدَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ -: ((فِي قِصَّةِ الغَامِدِيَّةِ الَّتِي
أَمَرَ النَّبِيُّ ◌َ﴿ِ بِرَجْمِهَا فِي الزِّنَا، قَالَ: ثُمَّ أَمَرَ بِهَا فَصُلِّيَ عَلَيْهَا وَدُفِنَتْ))
رَوَاهُ مُسْلِمُ(١).
* مفردات الحديث:
- الغامدية: نسبة إلى قبيلة غامد من الأزد، وهي قبيلة تقيم في جنوبي المملكة
العربية السعودية، وعاصمة قراها الباحة.
- قصة الغامدية: إنَّها جاءت إلى النَّبيِ وَله واعترفت على نفسها أنَّها حبلى من
الزنا، وبعد أن وضعت، وفطمَتْ ولدها رجمها، والرجم هو الرمي بالحجارة
حتى الموت.
(١) مسلم (١٦٩٥).

١٨٤
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
٤٥٥ - وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: ((أُتِيَ
النَّبِيُّ ◌ََّ بِرَجُلٍ قَتَلَ نَفْسَهُ بِمَشَاقِصَ، فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ) رَوَاهُ مُسْلِمُ(١).
* مفردات الحديث:
- مشاقص: على وزن مفاعل، من صيغ منتهى الجموع، وهو ممنوع من
الصرف، والمشاقص - جمع ((مِشقص)) -: نصلٌ عريضٌ، والنصل: حديدة
الرمح والسهم والسكين.
* ما يؤخذ من الحديث:
١- هذان الحديثان في معناهما خلاف بين العلماء، سنعرض له إن شاء الله
تعالى.
٢ - الحديث رقم (٤٥٤): يدل على مشروعية الصلاة على المقتول حدًّا، فقد
أمر النبي ◌َله أصحابه بالصلاة على الغامدية، ودفنها مع المسلمين، فقد جاء
في صحيح مسلم هذا الحديث بأطول من هذا، من أنَّهِ وَّهِ صلَّى عليها
وجاءت الروايات الآخر؛ أنَّ النَّبيَّ ◌َِّ كان قد صلَّى عليها بنفسه.
٣- الصلاة على الجنازة فرض كفاية إجماعًا، ويسقط الفرض بالصلاة عليه من
مكلف، ذكرًا أو أنثى عند الأئمة الأربعة، وتواتر فعلها من النبي صَ لّ،
وأجمع المسلمون عليها، وهي من أجل العبادات، وفي فعلها الأجر
الجزيل، قال الفاكهي: الصلاة على الميت من خصائص هذه الأمة.
٤- أما الحديث رقم (٤٥٥): فيدل على أنَّ من قتل نفسه، فقد ارتكب جرما
كبيرًا، فلا يصلي عليه الإمام؛ وذلك زجرًا لغيره.
(١) مسلم (٩٧٨).

١٨٥
كتاب الجنائز
وللكن يصلي عليه المسلمون؛ لأنَّه بعمله هذا كان من العصاة، الذين
هم أحوج وأحق بشفاعة المسلمين بصلاتهم عليهم من غيرهم.
٥- قال العلماء: الصلاة على الأموات شريعة ثابتة ثبوتًا أوضح من شمس
النهار، فلم يترك الصلاة في أيام النبوة، ولا في غيرها على فرد من أفراد
أموات المسلمين؛ وقد قال الإمام أحمد: إنَّ النَّبيَّ وَّ ما ترك الصلاة على
أحد إلاَّ على الغال، وقاتل نفسه.
٦ - قال شيخ الإسلام: من كان مظهرًا للإسلام، فإنَّه يجري عليه أحكام الإسلام
الظاهرة: من تغسيله، والصلاة عليه، ودفنه في مقابر المسلمين، ونحو
ذلك، أما من عُلم منه النفاق والزندقة، فإنَّه لا يجوز لمن علم ذلك منه
الصلاة عليه، وإن كان مظهرًا للإسلام.
٧- مذاهب الأئمة الأربعة: أنَّه يصلى على الفاسق، وإنما ترك النبي وَلّ الصلاة
على الغال، وقاتل نفسه؛ زجرًا للناس، وصلَّى عليهما الصحابة.
٠٫٠
قال النووي: مذهب العلماء كافة الصلاة على كل مسلم.
قال أحمد: من استقبل قبلتنا، وصلى صلاتنا، نصلي عليه، وندفنه، فقد
قال ◌َله: ((صلوا على مَن قال: لا إله إلاّ الله)).
: خلاف العلماء:
الصلاة على الجنازة فرض كفاية بإجماع العلماء.
قال شيخ الإسلام: وفروض الكفايات إذا قام بها رجل، سقط الإثم عن
الباقین، ثم إذا فعل الکل ذلك، كان الكل فرضًا، ذكره ابن عقيل محل وفاق.
وصلاة الجنازة من خصائص هذه الأمة، زيادةً في أجر المصلين،
وشفاعةً في حق المیتین.
وقد اختلف العلماء في الصلاة على أصحاب معاصٍ معينةٍ :
فذهب الحنفية إلى: أنَّ أربعةً لا يُصلى عليهم، وهم:

-
١٨٦
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
١ - البغاة: الذين خرجوا عن طاعة الإمام بغير حق.
٢ - قطاع الطرق: الذين يسلبون المارة أموالهم.
٣- العصبة المتعاونة على ظلم العباد بقهرهم وغصبهم.
٤- المكابرون بالمدن والقرى بالسلاح، فهو من الحرابة وقطع الطرق.
فهؤلاء يُغْسَّلون، ولا يُصلى عليهم، إهانةً لهم، وزجرًا لغيرهم.
وذهب المالكية إلى: أنَّ الإمام لا يصلي على من قُتل في حدٍّ أو قصاصٍ.
ودليلهم: أنَّ النَّبِيَّ وَّه لم يصلٌّ على ماعزٍ، ولم ينه عن الصلاة عليه.
#
وذهب الشافعية إلى: الصلاة على كل مسلم، مهما كان عصيانه وفسقه.
قال النووي في ((شرح المهذب)): ((المرجوم في الزنا، والمقتول
قصاصًا، والصائل، وولد الزنا، والغال من الغنيم - يغسلون ويصلى عليهم، بلا
خلاف عندنا)» .
ودليلهم: ما ثبت في مسلم (١٦٩٥): ((أَنَّ النَّبِيَّ وَّهِ صلى على المرجوم
في الزنا))، وفي البخاري (٦٤٣٤) من رواية جابر: ((أنَّه ◌َ لِّ صلَّى على ماعز،
بعد أن رجمه».
قال البيهقي: القول جواز الصلاة على كل بر وفاجر، وعلى كل من قال:
لا إله إلاّ الله، وكل من خالف ذلك، فأحاديثه ضعيفة.
وذهب الحنابلة إلى: الصلاة على كل مسلم عاصٍ، إلاَّ الغال من
الغنيمة، وقاتل نفسه، فلا يصلي عليهما الإمام ونائبه؛ عقوبةً لهما، وزجرًا
لغيرهما، ويصلي عليهما غير الإمام.
أما دليلهم: فقاتل نفسه حديث الباب، وأما الغال فما رواه الإمام أحمد
(٢١١٦٧)، وأبوداود (٢٧١٠)، عن زيد بن خالد أنَّ رجلاً من جهينة قتل يوم
خيبر، فقال ◌َّهُ: ((صلوا على صاحبكم، فإنَّه غلَّ في سبيل الله)).
قال الإمام أحمد: ما نعلم أنَّ النَّبِيَّ وَّهِ ترك الصلاة على أحدٍ إلاّ على

١٨٧
كتاب الجنائز
الغالِ، وعلى قاتل نفسه .
قال ابن القيم: وكان هديه ◌َّي أنَّه لا يصلي على من قتل نفسه، ولا على
الغال.
ومذهب الحنابلة هو أرجح هذه الأقوال، وأحقها دليلاً، فالعصاة - على
اختلافهم - هم أحق بالصلاة وشفاعة المسلمين، ولكن خصَّ هذان بالدليل،
وما عداهما، فعلى أصل عموم الحكم في صلاة الجنازة، والله أعلم.

١٨٨
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
٤٥٦ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ -: ((فِي قِصَّةِ المَرْأَةِ
الَّتِي كَانَتْ تَقُمُّ المَسْجِدَ، فَسَأَلَ عَنْهَا النَّبِيُّ نَّةِ، فَقَالُوا: مَاتَتْ،
فَقَالَ: أَفَلاَ كُنْتُمْ آذَنْتُمُونِي؟ فَكَأَنَّهُمْ صَغَّرُوا أَمْرَهَا، فَقَالَ: دُلُّونِي عَلَى
قَبْرِهَا، فَدَلُّو،هُ فَصَلَّى عَلَيْهَا)) . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَزَادَ مُسْلِمٌ، ثُمَّ قَالَ: ((إِنَّ هَذِهِ القُبُورَ مَمْلُوءَةٌ ظُلْمَةً عَلَى
أَهْلِهَا، وَإِنَّ اللهَ يُنَوِّرُهَا لَهُمْ بِصَلَِّي عَلَيْهِمْ))(١).
مفردات الحديث:
- تقُم المسجد : - بفتح حرف المضارعة وتضعيف الميم - أي: تكنس
المسجد، وتخرج قمامتته وتنظفه، واسمها: خرقاء، وكنيتها: أم محجن.
- أفلا كنتم: ((أفلا)) للاستفهام، ويحتمل أنَّه للاستيضاح، أو للإنكار، والفاء
عاطفة، والمعطوف عليه محذوف، يقدر بما يناسب المقام.
- آذنتموني: أعلمتموني، وأخبر تموني بموتها.
- صغَّروا أمرها: من التَّصغير؛ أي: احتقروا أمرها بجانب مقام النبي وَّ.
- ظلمة: منصوب على التمييز، والظلمة: ذهاب النور.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - استحباب الصلاة على القبر لمن فاتته الصلاة على الميت، واستحبابه لا نزاع
فيه بين العلماء؛ فإنَّ النَّبِيَّ وَيِّ صلَّى على هذه المرأة في قبرها.
قال الإمام أحمد: ومن يشك في الصلاة على القبر، فهي شريعة ثابتة، لا
(١) البخاري (٤٥٨)، مسلم (٤٥٦).

١٨٩
كتاب الجنائز
ينبغي إنكارها .
قال في ((سبل السلام)): ويدل له أحاديث وردت في الباب عن تسعة من
الصحابة، وأما القول بأنَّ الصلاة على القبر من خصائصه مَلل﴾، فلا تنهض؛
لأنَّ دعوى الخصوصية خلاف الأصل.
٢ - استحاب إعلام أقارب الميت، وأصدقائه، ومن له صلة بوفاته، وأنَّ هذا
لیس من النعي المنهي عنه.
٣- فيه بيان ما كان عليه النبي وُّ من التواضع والرفق بأمته، وتفقد أحوالهم،
والقيام بحقوقهم، والاهتمام بمصالحهم في دينهم ودنياهم، فليكن قدوة
لكل متولِّ أمرًا من أمور المسلمين.
٤- فيه إثبات ظلمة القبور وتنويرها، وهو حق ثابت من أدلة أخر.
٥ - وفيه إثبات بركته وَ له ودعائه، وأنَّ الله تعالى يجعله سببًا في تنوير القبور على
أهلها، فالمراد بالدعاء هنا: الصلاة؛ لأنَّه ◌َ الَه لا يصلي على الموتى كلهم.
٦ - فيه النهي عن احتقار المسلم مهما كانت منزلته، ووضعه بين المسلمين .
٧- وفيه فضل العناية بالمساجد وتنظيفها، قال تعالى: ﴿طَهِرَابَيْتِىَ﴾، وجاء في
حديث عرض الأعمال: ((حتى القذاة يخرجها الإنسان من المسجد))، وجاء
في الحديث الذي في سنن أبي داود (٤٥٥)، ((أنَّ النَّبِيَّ وَ أَمَرَ ببناء
المساجد في الدور، وأن تُنظّف وتُطيّب)).
٨- الصلاة على القبر وعلى الجنازة مستثناة من الصلاة في المقبرة، والصلاة
إليها .
٩ - أنَّ الدعاء ينفع الأموات في الصلاة وخارجها.
١٠- أنَّ النَّبيَّ ټڭ لا یستطیع جلب نفع، ولا دفع ضر لأحد، ولو كان يملك شيئًا
من الأمر، لنفعهم بلا دعاء، ولكن الله تعالى يكرمه، فيقبل دعاءه لمن
أراد إسعاده من خلقه.

١٩٠
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
١١ - إثبات الأسباب، ومن أهم الأسباب الدعاء، لا سيَّما المستكمل الشروط
قبوله واستجابة صاحبه .
* خلاف العلماء:
أجمع العلماء على استحباب الصلاة على القبر، لمن فاتته الصلاة على
الميت، واختلفوا في المدة التي تجوز فيها الصلاة:
فذهب الحنفية والمالكية إلى: جواز الصلاة ما لم يتغيّر الميت ویتفسخ،
والمعتبر في معرفة التفسخ أهل الخبرة والمعرفة من غير تقدير بمدة، وذلك
لاختلاف الحال والزمان والمكان .
وذهب الشافعية إلى: جوازها إذا لم يَبْلَ الميت .
وذهب الحنابلة إلى: تقدير المدة بشهر واحد، وتحرم الصلاة بعده.
قال الإمام أحمد: أکثر ما سمعت هذا.
وقال ابن القيم في ((الهدي)): صلَّى النَّبِي وََّ على القبر بعد ليلة، ومرةً
بعد ثلاث، ومرَّةً بعد شهر، ولم يوقت في ذلك وقتًا .
والراجح أنَّه يحدد بما إذا كان الميت مات، وأنت أهلٌ للصلاة،
ومخاطبٌ بالصلاة عليه، أما إذا مات وأنت لست من أهل الصلاة، فلا تصلِّ
عليه، وإلاّ صحَّ أن يصلي الإنسان على من ماتوا قبله بقرون.

١٩١
كتاب الجنائز
٤٥٧ - وَعَنْ حُذَيْفَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ -: ((أَنَّ النَّبِيَّ ◌َ كَانَ
يَنْهَى عَنِ النَّعْي)). رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرمِذِيُّ وحَسَّنَهُ(١) ..
٤٥٨ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - ((أَنَّ النَّبِيَّ ◌َِّ نَعَىّ
النَّجَاشِيَّ فِي الْيَوْمِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ، وَخَرَجَ بِهِمْ إِلَى المُصَلَّى، فَصَفَّ
بِهِم، وَكَبَّرَ عَلَيْهِ أَزَّبَعًا)). مُتَّفَقٌ علَيْهِ(٢).
* درجة الحديث (٤٥٧):
الحديث حسن، بل قال الترمذي: حسن صحيح، وحسّنه الحافظ في
((الفتح)).
* مفردات الحديث:
- نعى: ينعى نعيًا، من باب نفع، فالنعي بتشديد النون، هو الإخبار بموت
الشخص والإشهار به، بأن ينادي في الناس: أنَّ فلانًا مات؛ ليشهدوا جنازته .
- النجاشي: بفتح النون وكسرها -: كلمة للأحباش تُسمَّى بها ملوكها، اسمه:
أصْحَمة - بفتح الهمزة وسكون الصاد وفتح الحاء - ابن أبحر.
* ما يؤخذ من الحديثين:
١- الحديث رقم (٤٥٧): فيه النَّهي عن النعي الذي كان يفعله أهل الجاهلية،
من أنَّه إذا مات فيهم شريف، بعثوا راكبًا ينادي في القبائل، فينعاه إليهم،
فهذا هو المنهي عنه المحرم.
(١) أحمد (٢٢٩٤٥)، الترمذي (٩٨٦).
(٢) البخاري (١٢٤٥)، مسلم (٩٥١).

١٩٢
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
٢- أما الحديث رقم (٤٥٨): ففيه استحباب إعلام أهل الميت وأقاربه، ومن له
به صلة؛ ليشهدوا جنازته، والصلاة عليه ودفنه، فهذا مستحبٌّ، ولا يتناوله
النهي عن النعي .
٣- جمع المؤلف هذين الحديثين في موضع واحد في غاية الحسن، وكذلك
هو يفعل - رحمه الله تعالى - في كثير من الأحاديث، الذي فيها نوع
تعارض؛ لیعلم حکم هذا من هذا.
٤- يدل الحديث رقم (٤٥٨): على مشروعية الصلاة على الغائب، ويأتي
الخلاف في ذلك إن شاء الله تعالى.
٥- جواز الصلاة على الجنازة في مصلى العيد، إذا كان الجمع كبيرًا.
٦- التكبير في صلاة الجنازة أربعًا، ويأتي بيانه قريبًا إن شاء الله تعالى.
٧- فضيلة كثرة المصلين، وكونهم ثلاثة صفوف فأكثر؛ لما روى أحمد
(١٦٢٨٣)، وأبوداود (٣١٦٦)؛ أنَّ النَّبيَّ وَّه قال: ((ما من مؤمن يموت،
فيصلي عليه أمة من المسلمين يبلغون أن يكونوا ثلاثة صفوف - إلاَّ غفر له)).
٨- هذه المنقبة والفضيلة للنجاشي - رضي الله عنه - ذلك أنَّ جبريل نزل من
عند الله تعالى وبأمره، فأخبر النبي ◌ّلّ بوفاته وهو في بلاده، وأمره بنعیه إلى
المسلمين والصلاة عليه، والنجاشي له يدٌ كريمةٌ وكبيرة على المسلمين
المهاجرين الأولين، حينما هاجروا إليه هربًا من أذية قريش، فآواهم وأنزلهم
بلاده، ومنعهم من أذية قريش لهم، ثم قاده حسن نيته، وطلبه الحق أن
أسلم، وصار من أنصار دينه، فلإحسانه إلى المسلمين وكِبر مقامه، وكونه
بأرض لم يصلَّ عليه فيها - أخبر النبيُّ ◌َّر أصحابه بموته، وخرج بهم إلى
المصلی، فصلَّى عليه .

١٩٣
كتاب الجنائز
خلاف العلماء:
اختلف العلماء في الصلاة على الغائب:
فذهب أبو حنيفة ومالك وأتباعهما إلى: أنَّها لا تشرع.
وجوابهم على قصة النجاشي والصلاة عليه -: أنَّ هذه من خصوصيات
النبي وَله .
وذهب الشافعي وأحمد وأتباعهما إلى: أنَّها مشروعة؛ لهذين الحديثين
الصحيحين، والخصوصية تحتاج إلى دليل، وليس هناك دليل عليها .
وتوسط شيخ الإسلام، فقال: إن كان الغائب لم يصلَّ عليه - مثل
النجاشي - صُلِّي عليه، وإن كان قد صلِي عليه، فقد سقط فرض الكفاية من
المسلمین.
وهذا القول رواية عن الإمام أحمد، وصحَّحه ابن القيم في ((الهدي))؛
لأنّه توفي زمن النبي ◌َّ أناس من أصحابه غائبين، ولم يثبت أنَّه صلى على أحد
منهم صلاة الغائب، فالصلاة هنا واجبة.
ونقل شيخ الإسلام عن الإمام أحمد أنَّه قال: إذا مات رجلٌ صالحٌ، صلي
عليه، واحتج بقصة النجاشي.
ورجح هذا التفصيل شيخنا الشيخ عبدالرحمن السعدي - رحمه الله
تعالى - وعليه العمل في نجد؛ فإنَّهم يصلون على من له فضل وسابقه ... على
المسلمين، ويتركون من عداه، والصلاة هنا مستحبة.
قال ابن القيم: أصح الأقوال هذا التفصيل.

١٩٤
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
٤٥٩ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - قَالَ: ((سَمِعْتُ
النَّبِيَّ ◌َّ يَقُولُ: ((مَا مِنْ رَجُلٍ مُسْلِمٍ يَمُوتُ، فَيَقُومُ عَلَى جَنَازَتِهِ أَرْبَعُونَ
رَجُلاً - لاَ يُشْرِكُونَ بِاللهِ شَيْئًا - إِلاَّ شُّفَّعَهُمُ اللهُ فِيهِ)). رَوَاهُ مُسْلِمُ(١).
* مفردات الحديث:
- جنازته : - بفتح الجيم -: اسم للميت المحمول وبكسرها: اسم للنعش الذي
يُحمل عليه الميت، وقيل عكس ذلك، واشتقاق الجنازة من ((جنز))، إذا ستر،
قاله ابن فارس وغيره، ومضارعه «يُجنز)) بكسر النون، وجمع الجنازة: جنائز.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - الصلاة على الجنازة شفاعة من المصلين للميت، فكلما كثر عدد المصلين
كان أفضل؛ ليكثر الدعاء والترحم والاستغفار للميت.
٢- فضية وجود أربعين رجلاً من المسلمين يصلون على الميت، ويشفعون فيه؛
ليتحقق هذا المطلب الثمين من الله تعالى، فيقبل دعاءهم فيه، ويشفعهم فيه .
٣- فضيلة توحيد الله تعالى وإفراده بالعبادة، والبُعد عن الشرك ووسائله، التي
منها الغلو بالمخلوقين.
وإن خالص التوحيد سبب قوي في استجابة الدعاء، فإنَّ إخلاص التوحيد
حسنة لا يعدلها حسنة، كما أنَّ الشرك ظلم عظيم، أعاذنا الله منه .
٤ - تسن صلاة الجنازة جماعة، بإجماع المسلمين؛ لفعله وَلقر، وفعل صحابته
من بعده، واستمرار عمل المسلمين على ذلك.
٥ - (لا يشركون بالله)) المراد به: الشرك الأكبر والشرك الأصغر؛ لأن المشركين
(١) مسلم (٩٤٨).

١٩٥
كتاب الجنائز
=
شركًا أكبر لا تصح صلاتهم، فالمراد: الشرك الأصغر؛ فإنَّ ((شيئًا)) نكرة
جاءت في سياق النفي، فتعم القليل والكثير، فيشمل الأكبر والأصغر؛ لأنَّ
الشافع لا بد أن يكون سالمًا من الشوائب التي تخل بعقيدته، وهذا يدل
على عظم الشرك: كبيره وصغيره.
٦- يسن ألا تنقص صلاة الجماعة على الميت عن ثلاثة صفوف، ولو كان
المأمومون ستة أشخاص؛ لِما روى ابن بطة عن أبي أمامة: ((أنَّ رسول الله
وَالر؛ شهد جنازة وهو سابع سبعة، فأمرهم أن يصفوا ثلاثة صفوف خلفه،
فصفَّ ثلاثة واثنان وواحد خلف الصف، فصلّى على الميت، ثم انصرف)).
ولما روى الترمذي (١٠٢٨)، والحاكم (٥١٦/١)، وصححه عن مالك
ابن هبيرة؛ أنَّ النَّبِي وَ له قال: ((من صلّى عليه ثلاثة صفوف من الناس، فقد
أوجب)».
٧- لا بد أن يكون المصلَّى عليه مسلمًا، فالكافر لا تقبل فيه الشفاعة، والدعاء
له بالمغفرة اعتداء وظلم في الدعاء، قال تعالى: ﴿فَمَا نَنفَعُهُمْ شَفَعَةُ
الشَّفِعِينَ
[المدثر] أما ذكر الرجل هنا، فهو من باب التغليب في الألفاظ،
٤٨
وإلاّ فإنَّ الحكم للرجل والمرأة.

١٩٦
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
٤٦٠ - وَعَنْ سَمُرَةَ بْن جُنْدُبِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: ((صَلَّيْتُ
وَرَاءَ النَّبِيِّ نَّهَ عَلَىْ امْرَأَةٍ مَاتَتْ فِي نِفَاسِهَا، فَقَامَ وَسَطَهَا)). مُتَّفَقٌ
عَلَيْهِ(١).
* مفردات الحديث:
- امرأة: تلك المرأة هي: أم كعب الأنصارية.
- ماتت في نفاسها: ((في)) يحتمل أن تكون ظرفية، ويحتمل أن تكون سببية،
وكون المرأة في نفاسها وصف غير معتبر اتفاقًا، وأما وصف كونها امرأة فهو
معتبر عند الأكثر.
- وَسَطها: بالتحريك؛ أي: قام محاذيًا لوسطها، أما بالسكون فهو بمعنى
: ((بين))؛ نحو: جلست وَسْط القوم؛ أي: بينهم، والمراد الأول.
* ما يؤخذ من الحديث:
١- يستحب أن يقف الإمام من المرأة - عند الصلاة عليها - في وسطها أمام
عجيزتها، هذا هو المستحب، وإلاّ فالواجب استقبال جزء من الميت،
رجلاً كان أو امرأة، ووصف المرأة هنا بأنها ماتت في نفاسها لا عبرة له في
موقف الإمام.
٢- أنَّ المرأة وإن عدت من الشهداء بموتها في نفاسها، فإنَّها تجري عليها
الأحكام الظاهرة: من التغسيل والتكفين والصلاة، ولها أجر الشهيد، إن
شاء الله تعالى، ولعلَّ هذا المعنى هو الذي حمل الراوي على ذكر موتها في
النفاس.
(١) البخاري (٣٣٢)، مسلم (٩٦٤).

١٩٧
كتاب الجنائز
٣- علل بعض العلماء حكمة وقوف الإمام وسط المرأة :- بأنّه أستر لها من
الناس، وإلاّ فالرأس أشرف الأعضاء وأولاها.
٤- وإذا اجتمع جنائز، فيكفيهن صلاة واحدة، فإن كانوا نوعًا واحدًا، قدّم إلى
الإمام أفضلهم بعلمٍ، أو تقَّى، أو سنٍّ، وإن كانوا رجالاً، أو رجلاً ونساء،
قدم الرجال، أو الرجل على النساء، والصلاة من المصلين على الميت
شفاعة له، فينبغي إخلاص الدعاء، وحضور القلب؛ لعلَّ الله تعالى أن يقبل
الدعاء والشفاعة فيه .
* فائدة:
موقف الإمام من جنازة الرجل أمام رأسه؛ لما روى الترمذي (١٠٣٢)
وحسّنه: ((أنَّ العلاء بن زياد صلَّى على رجل، فقام عند رأسه، ثمَّ صلَّى على
امرأة، فقام حيال وسط السرير، ثم قال: هكذا رأيتُ رسول الله وَّر قام على
الجنازة مقامي منها))، وهو مذهب الشافعي وأحمد.
قال ابن المنذر: هو قول جماهير العلماء.

١٩٨
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
٤٦١- وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: ((وَاللهِ، لَقَدْ
صَلَّى رَسُولُ اللهِ عَلَىُ ابْنَيْ بَيِّضَاءَ فِي المَسْجِدِ)). رَوَاهُ مُسْلِمُ(١).
* مفردات الحديث:
- والله لقد صلَّى رسول الله وَله: في الجملة ثلاثة مؤكدات: القسم، واللام،
و((قد))، وإنما احتاجت إلى هذه المؤكدات؛ لأنَّه وجد من يُنكر الصلاة على
الجنازة في المسجد؛ خشية تلويثه.
- ابني بيضاء: هما: سهل وسهيل، أبناء وهب بن ربيعة، وأمهما: دعد بنت
جحدم، من بني فهر، تلقب: البيضاء.
- في المسجد: ((في)) تفيد الظرفية، والمسجد هو الظرف، والصلاة هي
المظروف .
* ما يؤخذ من الحديث:
١- قال ابن القيم في ((الهدي)): لم يكن من هديه ية الراتب الصلاة على الجنائز
في المسجد، وإنما كان خارجه، وربما صلَّى عليها فيه، وكلاهما جائز.
٢ - حديث الباب يدل على جواز الصلاة على الجنازة في المسجد، وللكنه يدل
كما قال ابن القيم على أنَّه قليل، وأنَّ هذه الصلاة على ابْنَي بيضاء من
القليل .
٣- قال في ((شرح الزاد)): ولا بأس في الصلاة على الميت في المسجد إن أمن
تلويثه، وهو مذهب الشافعي وأحمد وجمهور العلماء، وقد روى ابن أبي
شيبة؛ بلفظ: ((إنَّ عمر صلَّى على أبي بكر في المسجد، وإنَّ صهيبًا صلَّى
(١) مسلم (٩٧٣).

١٩٩
كتاب الجنائز
على عمر في المسجد)).
قال الخطّابي: ومعلوم أنَّ عامة المهاجرين والأنصار شهدوا ذلك.
٤- كره الصلاة على الجنازة في المسجد أبو حنيفة ومالك، والكراهة عند
الحنفية منهم من جعلها كراهة تحريم، ومنهم من جعلها كراهة تنزيه، وهذا
ما رجحه الكمال ابن الهمام، وعند المالكية كراهة تنزيه.
ودليلهم: ما رواه أبوداود (٣١٩١) وابن ماجه (١٥١٧) من حديث أبي
هريرة مرفوعًا: ((من صلَّى على ميتٍ في المسجد، فلا شيء له))، وحسّنه ابن
القيم في ((الهدي))، ولأنَّ المسجد جُعِل لأداءِ المكتوبات، ولأنَّه يحتمل
تلويث المسجد.
والجواب: أنَّ الحديث لا تقوم به حجة، كما نقل ذلك صاحب ((نصب
الراية)) عن النووي وغيره، والمسجد مُعَدُّ للعبادة، ومنها: الصلاة على
الجنازة، أما التلويث فإنَّ تحقق، فالمنع مذهب الجمهور، وإن لم يتحقق
فالاحتمال لا يمنع جواز الصلاة، قال الإمام أحمد: لا ينبغي أن يكره شيء
مما فعله رسول الله وَله .

٢٠٠
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
٤٦٢- وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى قَالَ: ((كَانَ زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ
- رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - يُكَبُِّ عَلَى جَنَائِنَا أَرْبَعًا، وأَنَّهُ كَبََّ عَلَىْ جَنَازَةٍ خَمْسًا،
فسَأَلْتُهُ، فَقَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِّهِ يُكَبُِّهَا)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالأَرْبَعَةُ(١).
وَعَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ -: ((أَنَّهُ كَبَّرَ عَلَى سَهْلِ بْنِ حُنَيِّقٍ
◌ِتَّا، وقَالَ: إِنَّهُ بَدْرِيٌّ)). رَوَاهُ سَعِيدُ بنُ مَنْصُور، وَأَصْلُهُ فِي الْبُخَارِيِّ(٢).
* درجة الحديث:
الحدیث صحیح.
قال في ((التلخيص)): روى البخاري في صحيحه عن علي بن أبي طالب:
((أنَّه كبر على سهل بن حنيف))، زاد البرقاني في مستخرجه ((سنًّا))، وكذا رواه
البخاري في ((تاريخه)) وسعيد بن منصور، ووراه ابن أبي خيثمة من وجه آخر
عن يزيد بن أبي الزناد عن عبدالله بن معقل: ((خمسًا)).
وروى سعيد بن منصور من طريق الحكم بن عتيبة؛ أنَّه قال: ((كانوا
يكبرون على أهل بدر خمسًا، وستًا، وسبعًا)).
قال الألباني في كتاب ((الجنائز)): وأما الست والسبع، ففيها بعض الآثار
الموقوفة، ولكنها في حكم الأحاديث المرفوعة؛ لأنَّ بعض كبار الصحابة أتى
بها على مشهد من الصحابة، دون أن يعترض عليه أحد منهم:
الأول: حديث عبدالله بن معقل: ((أُنَّ علِیًا صلی علی سهل بن حنيف،
فكبّر علیه ستًا».
(١) مسلم (٩٥٧)، أبوداود (٣١٩٧)، الترمذي (١٠٢٣)، النسائي (١٩٨٢)، ابن ماجه (١٥٠٥).
(٢) البخاري (٤٠٠٤).