النص المفهرس

صفحات 161-180

١٦١
كتاب الجنائز
لوارثه أو غيره أن يتكفل عنه، ويصح ضمان الدين عنه؛ لقصة أبي قتادة لما
قال رسول الله وَله: ((أعليه دين؟ قالوا: نعم، قال: صلوا على صاحبكم،
فقال أبو قتادة: صلِّ عليه يا رسول الله، وعليَّ دينه، فصلَّى عليه))، إلاَّ أنَّ ذمة
الميت لا تبرأ قبل قضاء دينه؛ لحديث الباب، ولأنه وسلّ لما قال أبوقتادة: قد
قضیتها، قال: ((الآن بژَّدت علیه جلده)).
على أن دين الميت إذا كان برهن أو بكفيل، خف حمله عن الميت، فإنَّ
النَّبِيَّ ◌َّ مات ودرعه مرهونة عند يهودي، وقد تحمل أبوقتادة دين الميت،
فصلى عليه النبي ◌َل﴾.
٩- الدين الذي يكون الميت مرتهنًا به يشمل ديون الناس الخاصة، من ثمنٍ
مبيع، وأجرة، وقرض، وغصب، وعارية، وصداق، ودية، وغيرها، كما
يشمل حقوق الله من الزكاة، والحج، والنذر، والكفارة، فقد جاء في
صحيح البخاري (١٩٥٣): ((دين الله أحق بالوفاء))، ويقدم الدَّين على
الوصيّة بإجماع العلماء.
١٠ - فمعنى تعليق النفس بالدين هو مطالبتها بما عليها، وحبسها عن مقامها
حتى يُقضى عنه.
والمراد بالنفس في هذا الحديث هو: الروح، التي فارقت البدن بعد
الحياة، لما روى الإمام أحمد (١٩٦١٦) من حديث سمرة؛ أنَّ النَّبِيَّ وَل
قال: ((إنَّ صاحبكم محتبس على باب الجنة في دین علیه))، ففيه الحث على
الإسراع في قضائه .

١٦٢
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
صَلى الله
٤٤٣ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا -: ((أَنَّ النَّبِيَّ
وسام
قَالَ في الَّذِي سَقَطَ عَنْ رَاحِلَتِهِ فَمَاتَ: الْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدٍْ، وَكَفِّنُوهُ
فِي ثَوْبَيَّهِ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ(١).
* مفردات الحديث:
- بماء وسدرٍ: متعلق بقوله: ((اغسلوه).
- ◌ِدْرٍ : - بِكسر السين وسكون الدال المهملة آخره راء -: هو شجر النبق،
واحده: ((سدرة)) .
- ثوبيه: مثنى ((ثوب))، والمراد بهما: ثوبي الإحرام اللذين عليه، وهما: الإزار
والرداء.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - بينما رجل من الصحابة واقف بعرفة على راحلته في حجة الوداع محرَّمًا،
فسقط منها، فانكسرت عنقه ومات، فأمرهم النبي وَلّ ر أن يغسلوه، ويكفِّنوه
في ثوبيه اللَّذين أحرم بهما، والثوبان هما: الرداء والإزار.
٢- في بعض ألفاظ الحديث: ((ولا تحتِّطُّوه، ولا تخمِّروا رأسه؛ فإنه يبعث يوم
القيامة ملبيا)).
ومعنى: ((لا تحنطوه))؛ أي: لا تطيبوه، ومعنى: ((لا تخمروا رأسه))؛
أي: تغطوه؛ لأن الطيب ممنوع على المحرم، وكذا تغطية الرأس للذكر
المحرم.
٣- استحباب الإسراع في تجهيز الميت إذا لم يكن الموت فجأة، فلا بد من
(١) البخاري (١٢٦٥)، مسلم (١٢٠٦).

١٦٣
كتاب الجنائز
التحقق من وفاته، أو يكون في تأخيره مصلحة من كثرة المصلين، أو حضور
قريب ونحو ذلك.
٤- وجوب تغسيل الميت بالماء، وأنَّ الغسل فرض كفاية، وليس بفرض عين،
والفرق بينهما: أنَّ فرض الكفاية المقصود منه حصول ذلك الشيء، أما
فرض العين فهو مطلوب من كل شخص، وهو قول جمهور العلماء، ولم
تخالف في وجوبه إلاّ المالکیة الذین یرون سنيته .
٥- استحباب العناية بنظافة الميت وتنقيته؛ إذ أمرهم أن يجعلوا مع الماء سدرًا،
وذُلك بأن يدق السدر ويخلط بالماء، فيغسل برغوته رأسه، وبثُفْله بقية
جسده، فهو مادة منقيّة ومصلّبة للجسم ، فلا يسرع إليه الفساد.
٦- إذا تغيَّر الماء بالطاهرات، فلا يخرج عن أصل خلقته من بقاء طهوريته، وأنَّه
طاهر بذاته، مطھِّر لغيره.
٧- وجوب تكفين الميت، وأنَّ الكفن ومؤن التجهيز مقدمة على سائر ما يجب
في التركة من حقوق، وهي الدين والوصية والإرث، فهي كنفقة الحي،
مقدمة على سائر الحقوق أيضًا.
٨- تحريم تغطية رأس الميت المُحرِم إذا كان ذكرًا، وتحريم تغطيه وجه الأنثى
الميتة المُحرمة .
٩ - قال ابن دقيق العيد: الحديث دليل على أنَّ المُحرِم إذا مَاتَ يبقى في حقه
حكم الإحرام؛ وهو مذهب الشافعي وأحمد.
وخالف في ذلك أبو حنيفة ومالك وهو مقتضى القياس؛ لانقطاع العبادة،
وزوال محل التكليف، ولكن النص مقدم على القياس.
١٠ - تحريم الطيب على المحرم، حيًّا كان أو ميتًا، ذكرًا أو أنثى؛ لأنَّه ترقُّهُ
منافٍ للإحرام.
١١ - أن المحرم لا يحرم عليه مباشرة الأشياء المنقية، التي ليس فيها طيب، من

١٦٤
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
سدرٍ، وأشنانٍ، وصابونٍ، وغيرها.
١٢ - جواز الاقتصار في الكفن على الإزار والرداء، وبهذا يُعلمُ أنَّه يكفي للميت
لفافةٌ واحدة.
١٣ - من مات وهو محرم، فعمله لا ينقطع إلى يوم القيامة، حين يبعث عليه.
١٤ - أنَّ من شرع في عمل صالح من طلب علمٍ، أو جهادٍ، أو غيرهما، ومن نيته
أن يكمله، فمات قبل ذلك - بلغت نيته الطيبة، وجرى عليه ثمرته إلى يوم
القيامة .
١٥- يستفاد من ظاهر الحديث أنَّ المُحرم إذا مات لا يكمل عنه نسكه، ولو
کانت فريضة، وذلك لأمرين:
أولاً: أنَّ النَّبِيَّ ◌َّ لم يأمر بإتمام نسكه عنه، ولا قضائه.
ثانيًا: أنَّ الميت أبقي على هيئة إحرامه بكشف رأسه، وتجنبه
محظورات الإحرام، مما يدل على بقاء إحرامه، ولو كان يُقْضى عنه،
لأمكن قضاؤه بعد ساعات من سقوطه، ولأمكن تكفينه وتطييبه، وللكنه
أخبر أنَّ هذه الحالة ستکون معه حتى يبعث عليها .
١٦ - جواز التكفين في الثياب الملبوسة، قال ابن الملقن: وهذا إجماع.
١٧ نقل أبوداود عن الإمام أحمد: قال: في هذا الحديث خمس سننٍ: تكفين
الميت في ثوبين، وأنَّ الكفن من أصل المال، ولو أتى على جميعه، وغسل
الميت بالسدر في الغسلات كلها، ولا يُخمَّر رأسه، ولا يقرب طيبًا إذا كان
محرمًا .

١٦٥
كتاب الجنائز
٤٤٤ - وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: ((لَمَّا أَرَادُوا
غَسْلَ رَسُولِ اللهِ وَلِّهِ قَالُوا: وَاللّهِ مَا نَدْرِي نُجَرِّدُ رَسُولَ اللهِ وَ كَمَا
نُجَرِّدُ مَوْتَانَا، أَمْ لاَ؟ .. )) الحَديث. رواهُ أَحْمَدُ وَأَبُودَاوِدَ(١).
* درجة الحديث :
الحدیث حسنٌ.
أخرجه أبوداود، وابن الجارود (١٣٦٢)، والحاكم (٦١/٣)، وقال:
صحيح على شرط مسلم، وأخرجه البيهقي، وأحمد بسند صحيح، وله شاهدٌ
عن بريدة صححه الحاكم والذهبي.
قال ابن عبدالهادي: رواته ثقات، ومنهم ابن إسحاق، وهو الإمام
الصدوق، وصححه السندي، وله شواهد.
* مفردات الحدیث:
- نُجَرِّدُ: يقال: جرد جرْدًا من باب قتل، وتجرّد من ثيابه - بالتثقيل -: نزع ثيابه
من جسده، وتعريته منها .
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - تمام الحديث عند أبي داود: ((فلما اختلفوا، ألقى الله عليهم النوم، ثم
كلمهم مكلِّمٌ من ناحية البيت - لا يدرون من هو -: اغسلوا رسول الله وَالقدم
وعلیه ثيابه)) .
٢ - فيه دليل على أنَّ المستحب هو تجريد الميت عند غسله، إلاّ أنَّه يستحب أن
یکون في مکان له سقف، ولو من خيمة ونحوها.
(١) أحمد (٢٧٦/٦)، أبوداود (٣١٤١).

١٦٦
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
٣- في الحديث أنَّ لرسول الله وَالـ خاصية ليست لغيره من الموتى.
٤- غسَّل النبيَّ ◌َّ: عليٍّ بن أبي طالب، وساعده عمُّه العباس، وابناه: الفضل
وقثم، وأسامة بن زيد، وشقران مولى رسول الله وَلله - رضي الله عنهم -
وكانت عائشة - رضي الله عنها - تقول: «لو استقبلت من أمري ما استدبرتُ،
ما غسّل رسول الله وَ لَهَ إلاَّ نساؤه)). [رواهُ أَحمد (٢٥٧٧٤)].

١٦٧
كتاب الجنائز
٤٤٥ - وَعَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيْنَا
النَّبِيُّ ◌َّهِ وَنَحْنُ نُغَسِّلُ ابْتَهُ، فَقَالَ: اغْسِلْنَهَا ثَلاَثًا، أَوْ خَمْسًا، أَوْ
أَكْثَرَ مِنْ ذُلِكَ إِنْ رَأَيْنُنَّ ذِلِكَ، بِمَاءِ سِدْرٍ، وَاجْعَلْنَ فِي الأَخِيْرَةِ
كَافُورًا، أَوْ شَيْئًا مِنْ كَافُورٍ، فَلَمَّا فَرَغْنَاَ آذَنَّاهُ، فَأَلْقَى إِلَيْنَاَ حِقْوَهُ،
فَقَالَ: أَشْعِرْنَهَا إِيَّاهُ». مُتَّفَقٌ عَليهِ.
وَفِي رِوَايَةٍ: ((ابْدَأْنَ بِمَيَامِنِهَا، وَمَوَاضِعِ الوُضُوءِ مِنْهَا)).
وَفِي لَفْظِ لِلْبُخَارِيِّ: ((فَضَفَّرْنَا شَعَرَهَا ثَلاَثَةَ قُرُونٍ، فَأَلْقَيْنَهُ
خَلْفَهَا))(١) .
* مفردات الحديث:
- نُغَسِّلُ : - بضم النون وتشديد السين -: من غسَّل يغسل تغسيلاً.
- ابنته: هي: زينب على المشهور، أكبر بناته، زوج أبي العاص بن الربيع،
ووفاتها في سنة ثمان من الهجرة.
- إنْ رَأَیتُنَّ ذلِكَ: أَيْ: إن احتجتن إلى أكثر من ثلاث، أو خمس غسلات، وهو
تخيير مصلحة، والرؤية هنا علمية.
- سدر: واحده: ((سدرة))، وهو شجر النبق، له خاصيَّة في تصليب الجسم.
- كافور: شجر من الفصيلة الغارية، والمراد هنا به: المادة المتخذة من هذه
الشجرة بلون البلور الأبيض، لها رائحة عطرية، وطعم، من خواصه أنَّه يطرد
الهوام عن الميت.
(١) البخاري (١٦٧، ١٢٥٣، ١٢٦٣)، مسلم (٩٣٩).

١٦٨
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
- شيئًا من كافور: شكٌّ من الراوي أي اللفظين قال.
و «شيئًا)) نكرة في سياق الإثبات، فصدق بكل شيء منه.
- آذنَّاه: بهمزة ممدودة في أوله، ثم ذال معجمة، ثم نون مشددة؛ أي: أعلمناه.
- حقوه: بفتح الحاء وكسرها وسكون القاف والحقو في الأصل: معقد الإزار؛
وأطلق على الإزار مجازاً.
- أشعرْنَها: الشعار هو: الثوب الذي يلي الجسد؛ أي: اجعلنه شعارها، الذي
يلي جسدها.
- ابدأْنَ: بلفظ خطاب جمع المؤنث.
- بميامنها: جمع ((ميمنة)).
- فضفَّرنَا: بالضاد المعجمة وتخفيف الفاء من: الضفر، وهو نسج الشعر
عريضًا.
- ثلاثة قرون: انتصاب ((ثلاثة))، يجوز أن يكون بنزع الخافض؛ أي: في ثلاثة
قرون .
- القرون: جمع: القرن، وهو الضفيرة من الشعر.
ما يؤخذ من الحديث:
١- هذه المتوفاة هي زينب بنت رسول الله وَل، أرشد النبيُّ ◌َلو غاسلاتها،
وفيهن أم عطية إلى صفة الغسل الشرعي الكامل؛ لتُنْقل من هذه الحياة طاهرة
نقية .
٢ - وجوب غسل الميت، وأنه فرض كفاية عند الجمهور، وعند المالكية سنة،
وهو قول مرجوح.
وإذا عدم الماء، فعند كثير من الفقهاء أنَّ الميت يُيمم، واختار شيخ
الإسلام، أنَّه لا يشرع؛ لأنَّه لا يحصل منه نظافة حسية، وهي المرادة.
٣- الواجب: أنَّه لا يُغسِّل المرأة إلاَّ جنس النساء، وبالعكس، إلاَّ ما استثني من
:

١٦٩
كتاب الجنائز
تغسيل المرأة زوجها، والأمة سيدها والعكس، فلكل منهما غسل صاحبه.
٤- يجوز لرجل وامرأة غسل من له دون سبع سنين فقط، ذكرًا أو أنثى؛ لأنَّ
عورته لا حکم لها في حياته، فکذا بعد مماته.
ولأنَّ إبراهيم ابن النبي ◌ُِّ غسَّله النساء.
قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه أنَّ المرأة تغسل الصبي الصغير من
غير سترة، وتمس عورته، وتنظر إليها .
٥- الواجب غسل الميت مرَّة واحدة، ولكنه يكره الاقتصار عليها، إن لم يخرج
منه شيء، فإن خرج شيء حرم الاقتصار، ما دام الخارج لم ينقطع إلى سبع
غسلات، والمستحب مع عدم الخارج ثلاث غسلات، وهو سنة إجماعًا .
٦ - الأفضل أن يقطع الغاسل غسلاته على وتر: ثلاث، أو خمس، أو سبع.
٧- أن يكون مع الماء سدر؛ لأنَّه ينقِّي الجسد ويصلبه.
٨- أنَّ الماء المتغير بالطاهر باقٍ على طهوریته.
٩- الشارع الحكيم أرجع الأمر بالزيادة إلى نظر الغاسل، ويكون ذلك بحسب
الحاجة، لا التشهي، قال بعض العلماء: الأولى عدم الزيادة على السبع، ولكن
الحديث بخلاف ذلك، فالأولى حمل كلامهم على أنَّه لم يبلغهم الخبر.
١٠ - أن يُطيّب الميت مع آخر غسلة من غسلاته؛ لئلا يجري الطيب مع الماء.
١١- البداءة بغسل الأعضاء الشريفة، وهي الميامن وأعضاء الوضوء، وهي
الوجه واليدان والرأس والرجلان، وليس بين الأمرين تنافٍ وإلاَّ كانت
البداءة بمواضع الوضوء، وبالميامن معًا.
١٢ - ضفر الشعر ضفائر، وجعله خلف الميت، ذكرًا أو أنثى، ولا يسرحه؛ لئلا
يقطعه، وهذا الضفر ليس بأمر النبي وَلّر، ولكن فعلنه الضافرات بعلمه
وإقراره.
١٣- یحرم حلق رأس المیت، وشعر العانة؛ لما فيه من مس عورته، ولا یقص

١٧٠
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
شاربه، كما يحرم ختن الأقلف، وتقليم أظافره؛ لأنَّ أجزاء الميت محترمة،
فلا تنتهك بذلك، ولم يصح عنه بَّر، ولا عن أصحابه في هذا شيء.
١٤ - التبرك بآثار النبي وَله، وهذا أمر خاص به، فلا يتعداه إلى غيره من
العلماء والصالحين ونحوهم؛ لأمور كثيرة:
أولاً: إنَّ هذا أمر لا يلحقه أحد فيه؛ لما بينه وبين غيره من البَوْن
الشاسع .
ثانيًا: إنَّ هذه الأمور أمور توقيفية، لا تفعل إلاَّ بشرع ، ولا يوجد من
الأدلة ما يُعَدِّيها إلى غيره ◌َله .
ثالثًا: إنَّ الصحابة يعلمون أبابكر أفضل الأمة، ولم يَرِد أنَّهم فعلوا معه
ما كانوا يفعلونه مع رسول الله وَله، من التسابق على ماء وضوئه ونحوه.
رابعًا: أنَّه فتنة لمن تُبُرِّك به، وطريق إلى تعظيمه نفسه، الذي فيه
هلاکه .
١٥ - يجب على الغاسل ستر ما رآه من الميت، إن لم يكن حسنًا؛ لما رواه
الإمام أحمد (٢٤٣٦٠)، عن عائشة أن النبي وَلإل قال: ((من غسَّل ميتًا،
وأدى فيه الأمانة، ولم ينشر عيبه - خرج من ذنوبه کیوم ولدته أمه))، ولما
روى مسلم (٢٦٩٩) عن أبي هريرة عن النبي وَ لا- قال: ((ومن ستر مسلماً،
ستره الله في الدنيا والآخرة)) .
١٦ - جواز العمل برأي المرأة فيما هو متعلق بشؤون النساء؛ لقوله: ((إن رأيتنَّ
ذلك».
١٧ - قبول قول أهل الخبرة والمعرفة فيما هو من اختصاص أعمالهم ومهنتهم.
١٨ - قال ابن الملقن: فيه جواز تكفين المرأة، بثوب الرجل.

١٧١
كتاب الجنائز
٤٤٦ - وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: ((كُفِّنَ رَسُولُ
اللهِ وَّه فِي ثَلاثَةِ أَثْوَابٍ بِيضٍ سَحُولِيَّةٍ مِنْ كُرْسُفٍ ، لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ
وَلاَ عِمَامَةٌ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١).
* مفردات الحديث:
- بيض : - بكسر الباء -: جمع ((أبيض)).
- سَحُولية : - بفتح السين المهملة على الأشهر -: هي ثياب بيض نقية، تنسج
في بلدة في اليمن تسمى سحول ــ وزن رسول - وسحولية صفة الأثواب.
- كرسف : - بضم الكاف وسكون الراء وضم السين المهملة آخر فاء موحدة -:
هو القطن.
(١) البخاري (١٢٧٤)، مسلم (٩٤١).

١٧٢
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
٤٤٧ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - قَالَ: ((لَمَّا تُوُفِّيَ
عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيِّ، جَاءَ ابْهُ إِلَى رَسُولِ الله ◌ِ، فَقَالَ: أَعْطِنِي قَمِيصَكَ
أُكَفِّنْهُ فيهِ، فَأَعْطَاهُ إِيَّاهُ)». مُتَفَقٌ عَلَيْهِ(١) .
٤٤٨ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - أَنَّ النَّبِيَّ
صَلى الله
وسلم
عَالـ
قَالَ: ((الْبَسُوا مِنْ ثِيَابِكُمُ البَيَاضَ، فَإِنَّهَا مِنْ خَيْرِ ثِيَابِكُمْ، وَكَفِّنُوا فِيهَا
مَوْتَاكُمْ)). رَوَاهُ الخَمْسَةُ إِلَّ النَّسائِيَّ، وصَخَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ(٢).
* درجة الحديث:
الحديث صحيح، أخرجه أحمد وأصحاب السنن الأربعة، إلاّ النسائي،
وللحدیث شواهد:
١ - حديث عمران بن حصين، رواه الطبراني في «الكبير» (٢٢٥/١٨).
٢ - حديث أنس عند ابن أبي حاتم والبزار، ((مجمع الزوائد» (١٢٨/٥).
٣- حديث سمرة عند أصحاب السنن غير أبي داود، والحاكم.
٤ - حديث أبي الدرداء عند ابن ماجه(١٤٧٤).
وقد صحح الحديث جماعة من الأئمة منهم: أحمد، وابن ماجه،
والترمذي، وابن القطان، والبيهقي، والحاكم، والذهبي، والحافظ ابن حجر.
قال ابن الملقن: وله شواهد كثيرة مقبولة.
(١) البخاري (١٢٦٩)، مسلم (٢٤٠٠).
(٢) أحمد (٣٠٢٧)، أبوداود (٤٠٦١)، الترمذي (٩٩٤)، ابن ماجه (٣٥٦٦).

١٧٣
كتاب الجنائز
٤٤٩ - وَعَنْ جَابرٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلَّهِ:
(إِذَا كَفَّنْ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ، فَلْيُحَسِّنْ كَفَتَهُ)). رَوَاهُ مُسْلِمُ(١).
* مفردات الحديث:
- فليُحْسِّن كفَتَه: ضبطه بعض اللغويين بفتح الحاء وإسكانها أي: ((فليُحْسِنْ)).
قَالَ عِياض: والفتح أصوب وأظهر وأقرب إلى لفظ الحديث، والمراد
بإحسان الكفن: نظافته وبياضه، وستره بأن يكون من جنس لباسه في الحياة.
* ما يؤخذ من الأحاديث:
١ - هذه الأحاديث الأربعة كلها تتعلَّق بأحكام كفن الميت.
٢- فالحديث رقم (٤٤٦): يدل على أنَّ الأفضل التكفين في ثلاثة أثواب بيض؛
لأنَّ الله تعالى لم يكن يختار لنبيه وَله إلاَّ الأفضل، قال الإمام أحمد: أصح
الأحاديث في كفن النبي وَ لجر حديث عائشة؛ لأنَّها أعلم من غيرها، قال
الترمذي: القول بأنَّه بَّ كُفِّن في ثلاثة أثواب بيض، هو أصح ما ورد في
کفنه .
وقال الحاكم: تواترت الأحاديث في تكفينه ◌ّل في ثلاثة أثواب بيض،
ليس فيها قميصٌ ولا عمامةٌ، وهو المستحب عند جماهير العلماء.
٣- قال الفقهاء: يجب تكفين الميت من ماله، فإن لم يكن له مال فكفَنُه، على
من تلزمه نفقته.
٤- صفة وضع اللفائف الثلاث؛ بأن يوضع بعضها فوق بعض، ويوضع عليها
الميت، ثم يرد طرف اللفافة العليا الأيمن ثم الأيسر، ثم الباقيات هكذا
(١) مسلم (٩٤٣).

١٧٤
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
وتُعقد، وتُحل في القبر.
٥- يستحب تكفين الرجل في ثلاث لفائف بيض من قطن، وإن كفن في قميص
ومئزر ولفاقة، جاز، أما أن تجمع اللفائف الثلاث مع القميص والإزار، فإنَّ
الحدیث یدل على خلافه.
٦ - يستحب تكفين المرأة في خمسة أثواب بيض من قطن، وهي: إزار وخمار
وقميص ولفافتان.
٧- يستحب أن يُكفَّن صبي في ثوب واحد، ويباح في ثلاثة أثواب.
٨- يستحب أن تكفن بنت صغيرة في قميص ولفافتين بلا خمار؛ لعدم احتياجها
في حياتها إليه، فكذا بعد الموت.
٩۔ الواجب للمیت مطلقًا صغيرًا کان أو کبیرًا، ذکرًا أو أنثى - ثوبٌ واحدٌ يستر
جمیع بدن الميت .
١٠- وأما الحديث رقم (٤٤٧): قصته: أنَّ عبدالله بن أبي ابن سَلول كبير
المنافقين في المدينة المنورة، كسا العباس بن عبدالمطلب عم رسول الله
*؛ لما جيء به بعد وقعة بدر أسيرًا، فكساه من ثيابه، وكان زعيمًا وکبیرًا
وذا قدر عند قبيلته ((الخزرج))، وكان ابنه عبدالله من صالحي الصحابة،
واجتهادًا في الأمور السياسية الشرعية التي ينهجها بَّر، أعطى ابنه عبد الله
قميصه وَ ل؛ ليكفنه فيه، وصلَّى عليه وحضر دفنه، فأنزل الله تعالى بعد
ذلك: ﴿ وَلَ تُصَلّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًّا وَلَا نَقُمْ عَلَى قَبْرِهِهِ﴾ [التوبة: ٨٤].
١١- فعمله ◌َي هذا منسوخ بهذه الآية الكريمة، فقد نهاه الله تعالى أن يصلي
صلاة الجنازة على منافق، أو أن يقوم على قبر أحد منهم، بعد الدفن يدعو
له، وإنما يخص هذا بالمؤمنين.
١٢ - الحديث معارض بما جاء أنَّ عبدالله بن أبي أُدخل قبره، فأمر النبي وَل
بإخراجه، وألبسه قميصه، [رواه البخاري (١٢٨٥) ومسلم (٢٧٧٣)]،

١٧٥
كتاب الجنائز
ووجهه: أنَّه لعله كان قد وعد أولاً، فتأخر عنه بالإعطاء.
١٣ - عبدالله بن عبدالله بن أبي من خيار الصحابة - رضي الله عنه - فهل موالاته
لأبيه كبير المنافقين، وطلبه قميص النبي وَلّ؛ ليكفن فيه أباه ممنوعة بمثل
قوله تعالى: ﴿لَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَاَلْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَآَذُونَ مَنْ حَاذَّ اللَّهَ
وَرَسُولَةٍ وَلَوْ كَانُوْ ءَابَآءَهُمْ﴾؟ [المجادلة: ٢٢].
والجواب: أن عمل عبد الله بأبيه تمليه المحبة الطبعية، والفطرة من
أجل القرابة، وليست هذه موالاة؛ كما قال تعالى: ﴿وَإِن جَهَدَ اكَ عَلَى أَن
تُشْرِكَ بِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ، عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَّا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان:
١٥]، كما حزن النبي ◌َّ لوفاة عمه أبي طالب على الكفر؛ لمحبته إياه.
١٤ - أما الحديث رقم (٤٤٨): فيدل على: استحباب لبس الثياب البيض في
حال الحياة، وعلى تكفين الموتى بالقطن الأبيض.
وعلل ذلك بأنَّ الأبيض خير ثيابكم، فعليه تطمين نفس الإنسان أنَّ ما
عمله هو خير ما يمكن عمله، وذلك بمعرفته الحكمة من الحُكم، وفيه
استحباب الأبيض، وهو مجمع عليه، وهو عمل الصحابة ومن بعدهم،
وما كان الله تعالی یستحب إلاَّ ما فيه المصلحة.
١٥- كما يدل الحديث على أنَّ القريب يجب عليه كفن قريبه، فتكفين الميت
فرض كفاية، وهو بحق القريب ألزم.
١٦ - أما الحديث رقم (٤٤٩) ففيه الأمر بإحسان الكفن؛ وذلك باختيار ما كان
أحسن في الذات بأن يكون جديدًا، وفي الصفة بأن يكون أبيض، وفي
كيفية وضع الكفن، بأن يوضع على الميت وضعًا حسنًا، حسب التكفين
الشرعي المذكور.

١٧٦
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
٤٥٠ - وَعَنْ جَابِرٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: ((كَانَ النَّبِيُّ ◌َّهِ يَجْمَعُ
بَيِّنَ الرَّجُلَيْنِ مِنْ قَتْلَى أُحُدٍ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، ثُمَّ يَقُولُ: أَّهُمْ أَكْثَرَّ أَخْذًا
لْلِقُرْآنِ، فَيُقَدِّمُهُ فِي اللَّحْدِ، وَلَمْ يُغَسَلُوا، وَلَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِمْ)). رَوَاهُ
البُخَارِيُّ(١).
* مفردات الحديث:
- قتلى: جمع: ((قتیل))، بمعنى مقتول.
- أُحُد : - بضمتين، مجرور بالإضافة -: جبل معروف شمالي المدينة المنورة،
والآن حي من أحيائها، ومعركة أُحُد وقعت في شوال سنة ثلاث من الهجرة،
وفيها قتل سبعون رجلاً من الصحابة.
ما يؤخذ من الحديث:
١- يحرم أن يدفن اثنان فأكثر معًا في قبر واحد؛ لأنّه ێ کان یدفن كل ميت في
قبر، وهكذا استمر عمل الصحابة، ومَن بعدهم من السلف والخلف، لا
ينازع في ذلك منازع.
٢- جواز دفن الاثنين فأكثر في قبر واحد عند الضرورة، ومن الضرورة كثرة
الموتى؛ لوباء عام، أو كثرة قتلى في معركة ، ووجود المشقة في جعل كل
واحد في قبر وحده، فإذا وجدت الضرورة، جاز ذلك؛ فإنَّ الضرورات تبيح
المحظورات؛ لقوله تعالى: ﴿فَنَّقُواْ اللَّهَ مَا أُسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦].
وقد وجدت الضرورة في قتلى أحد؛ لكثرة القتلى، وصلابة الأرض،
ووهن في الصحابة بعد المعركة.
(١) البخاري (١٣٤٣).

١٧٧
كتاب الجنائز
٣- إذا وجدت الضرورة المبيحة للدفن الجماعي، فليُقدَّم في اللحد أكثرهم أخذًا
للقرآن، فهو المستحق للتقديم؛ لأنَّ أفضل وأولى بالإكرام والتشريف.
٤- دلَّ ذلك على أنَّ العلم بكتاب الله يرفع مقام الإنسان، ويُعلى مرتبته إذا قصد
بعلمه به وجه الله والدار الآخرة، فالفضل مقاسه العلم النافع، وهو مقياس
صحیح، فالآخرة خير وأبقى.
٥- أنَّ الشَّهيد لا يُغَسَّلُ ليبقى دمه عليه، فلا يذهب أثر الجهاد والشهادة عنه،
فهي مفخرة يوم القيامة على رؤوس الخلائق، إذا جاء بجروحه التي تثعب
مسكًا بلون الدم، ولا يُصلى عليه؛ لأنَّ الصلاة شفاعة له لتكفير ذنوبه، وقد
کفرت الشهادة ذنوبه وطهّرته، فهو في غنى عنها بفضل ربه، ومنَّته عليه.
٦- جاء في صحيح البخاري (١٣٤٣) من حديث جابر: ((أَنَّ النَّبِي ◌َّ أمر في
شهداء أحد بدفنهم بدمائهم، ولم يغسّلوا، ولم يصل عليهم)).
قال الشافعي: لعل الحكمة في ترك الغسل والصلاة؛ لأن يلقوا ربهم
بكُلومهم، واستغْنَوا بإكرام الله لهم عن الصلاة عليهم.
قال إمام الحرمين: معتمدنا الأحاديث الصحيحة في أنَّهم لم يغسّلوا،
ولم يصل عليهم.
٧- اختلف العلماء في حكم تغسيل مَن قُتل ظلمًا: فالمشهور من مذهب الإمام
أحمد: أنَّه لا يغسل، ولا يصلى عليه. قال في ((شرح الإقناع)): ((ومن قتل ظلمًا
في غير حرب، ألحق بشهيد المعركة، في أنَّه لا يغسل، ولا يصلى عليه)).
لما روى أبوداود (٤٧٧٢)، والترمذي (١٤٢١) من حدیث سعید بن زید
قال: سمعت رسول الله وَل﴾ه يقول: ((مَنْ قُتِلَ دُونَ دَمه فهو شهيد، ومن قتل
دون أهله فهو شهيد، ومن قتل دون ماله فهو شهيد))، ولأنَّهم مقتولون بغير
حق، أشبهوا قتلى الكفار فلا يغسلون.
والرواية الأخرى عن الإمام أحمد: يغسَّل، ويصلى عليه، وهي

١٧٨
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
مذهب مالك والشافعي؛ لأنَّ مرتبته دون مرتبة الشهيد، فمرتبة المجاهد في
سبيل الله لمعرض نفسه للقتل لإعلاء كلمة الله لا - تساويها مرتبة أخرى، قال
تعالى: ﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَتَأْ بَلْ أَحْيَاءُ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ
١٦٩
فَرِحِينَ بِمَآ ءَاتَنْهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ [آل عمران] فإلحاق غيرهم بهم في الأحكام
الظاهرة غیر وجيه، والحديث الذي استدل به على إلحاقه لا يدل على هذا.
٨- أباح العلماء الدفن في القبر الواحد بعد بلاء الميت الأول بأن يصير ترابًا،
ويكفي الظن في ذلك، ويُرجع إلى أهل الخبرة في تلك الناحية التي فيها
المقبرة، أما أن يدفن قبل بلاه فلا يجوز؛ فإنَّ للميت حرمة في قبره كحرمة
الحي في بيته؛ قال تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَانًا
٢٦
﴿ أَحْيَاءُ وَأَمْوَتًا
[المرسلات] أحياء في الدور، وأمواتًا في القبور.
قال الشيخ عبدالرحمن السعدي: القبور رحمة في حقهم، وستر لهم عن
کون أجسادهم بادية للسباع وغيرها.
وقال الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ: لا يجوز نبش القبور؛ لأنَّ هذا
إهانة للموتى، ومعلوم أنَّ لهم حرمة، وقد سبقوا إلى هذا الموضع، وصار
لهم دارًا، فالقبور منازلهم.
٩ - قال شيخ الإسلام: قد صحَّ عن النَّبيَِ لِ أَنَّه قال: ((الغريق، والحريق، والمبطون،
والنفساء، وصاحب الهدم - شهداء)) [رواه أحمد (٢٣٢٤١) وأبوداود(٣١١١)]،
وذکر في الإقناع وغيره: أنَّ الشهداء غیر شهيد المعركة کثیرون، ذکر منهم :
ذات الجنب، والمبطون، والمطعون، واللدیغ، وفريس السبع، والمتردي،
ومن خرّ من دابته، ومن طلب الشهادة، والمرابط، ومن قُتل دون نفسه أو
أهله أو ماله، فهؤلاء شهداء في ثواب الآخرة، لا في أحكام الغسل والصلاة.
قال في ((الشرح الكبير)): لانعلم فيه خلافًا. وقال ابن القيم: يغسَّلون،
ویصلی علیھم بلا نزاع.

١٧٩
كتاب الجنائز
٤٥١- وَعَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ وَلَهُ
يَقُولُ: ((لاَ تَغَالَوا فِي الْكَفَنِ؛ فَإِنَّهُ يُسْلَبَ سَرِيْعًا)). رَوَاهُ أَبُودَاوُدَ(١).
* درجة الحديث:
الحدیث ضعيفُ الإسناد.
قال في ((التلخيص)): رواه أبوداود وفي الإسناد عمرو بن هاشم الجنبي،
مختلف فيه، وفيه انقطاع بين الشعبي وبين علي بن أبي طالب؛ لأنَّ الدارقطني
قال: إنَّه لم يسمع من علي سوى حديث واحد، وقد حسَّنه المنذري والنووي.
وفي صحيح مسلم (١٤٣)، عن جابر: ((إذا كفن أحدكم أخاه، فليحسن كفنه)).
* مفردات الحديث:
- لا تغالوا: من: التغالي، والمغالاة-بحذف إحدى التاءين: الإسراف وزيادة الثمن.
- يُسلب: مبني للمجهول، كناية عن بلاه وتلفه.
* ما يؤخذ من الحديث:
١- المستحب أن يكون الكفن من الثياب البيض القطن العادية، وألا يكفن
الميت مهما كانت منزلته من الثياب الفاخرة، والملابس الغالية، كما أنَّه لا
يزاد في الكفن الشرعي، ولكل نوع من الموتى قدر معلوم في الكفن.
٢- الكفن يبلى وتأكله الأرض سريعًا؛ فلا معنى للمغالاة فيه، واختياره من
الألبسة الرفيعة الشهيرة؛ فإنَّ هذا يدخل في باب السرف والخيلاء، المنهي
عنهما، لا سيما في هذا الموطن، الذي استوى فيه الغني والفقير،
والشريف والوضيع، فهذا أول منازل الآخرة وعدلها، والله المستعان.
(١) أبوداود (٣١٥٤).

١٨٠
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
٤٥٢ - وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - أَنَّ النَّبيَّ وَإِلَّ قَالَ لَهَا:
(لَوْ مُتِّ قَبْلِي، لَغَسَلْتُكِ ... )) الحديث. رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَابْنُ مَاجَهْ،
وصَخَّحَهُ ابنُ حِبَّانَ(١).
* درجة الحديث:
الحدیث صحيحٌ.
قال في ((التلخيص)): رواه أحمد، والدارمي (١/ ٥١)، وابن ماجه، وابن
حبان، والدار قطني (٧٤/٢)، والبيهقي (٣٩٦/٣) من حديث عائشة، وقد أعله
البيهقي بابن إسحاق؛ بأنَّه عنعنه وانفرد به، وللكنه لم ينفرد به، بل تابعه عليه
صالح بن كيسان عند أحمد والنسائي، وسند الحديث على شرط الشيخين.
وقد مال ابن الجوزي إلی تصحیحه.
(١) أحمد (٢٢٨/٦)، ابن ماجه (١٤٦٥)، ابن حبان (١٤/ ٥٥١).